يتألَّف كتاب “خلافة الإنسان” الصادر حديثًا (2021) عن مركز نهوض للدراسات والبحوث من تمهيد وسبعة فصول ويقع في (383) صفحة من القطع المتوسط، ويهتم بشكل أساسي بالنظرية السياسية “فكرة السيادة” عند الإسلاميين المعاصرين من عشرينيات القرن الماضي إلى الآن، متخذًا من لحظة سقوط الخلافة العثمانية عام 1924م منطلقًا لرصد السجالات الفكرية التي أعقبت سقوط الخلافة وما صاحبها من نظريات إسلامية سياسية وصفها “آندرو مارتش” بأنَّها حديثة بداية من رشيد رضا و أبي الأعلى المودودي مرورًا بسيد قطب وانتهاءً براشد الغنوشي، فهذا الكتاب – على الحقيقة- يرصد أزمة الدولة الوطنية العربية الحديثة ومأزق الشرعية الذي يُمثّل تحديًا كبيرًا أمامها بين الحداثة والأصالة، ويبرز سؤال ” قابلية الدولة الحديثة” للأسلمة من الأسئلة المحيرة وعسيرة الإجابة بشكل واضح.

قد لا يقدّم “آندرو مارتش” القول الفصل أو الإجابة النموذجية لهذا السؤال من خلال تحليلاته للسياق السياسي والتاريخي والمؤسسي للسيادة الشعبية، لكن ما فعله -وهو ثمرة هذا الكتاب- هو رصده للمحطات الفكرية المتنوعة للتراث السياسي الإسلامي الحديث بما يدفع بقدرات العقل التأملية للأمام، ليس فقط حول ما يعرضه من قراءاته لأفكار أصحاب المشاريع السياسية الإسلامية المتمحورة حول مفهوم ” السيادة”، بل وحول المفاهيم التي صكّها “آندرو مارتش” مثل “اللاهوت السياسي الإسلامي” الذي وصف به تجارب حركة الإسلام السياسي، أو وصفه لحالة حزب النهضة في تونس بعد عام 2014م بــ ” الإسلام الديمقراطي”.

كما يثير الكتاب تأملات القارىء حول العديد من الإشكالات التي تنتج أثناء تشابكه الفكري مع أطروحة “آندرو مارتش” من ذلك إشكالية “سيادة الشريعة” باعتبارها مفهومًا له مناطات تشابك وتفرّق بين دلالته تاريخيًا في التراث الإسلامي وبين الدولة القومية الحديثة، وكذا مفهوم “الإرادة الشعبية” الذي له عدَّة تمثلات تاريخية مثل “أهل الحل والعقد” التي قد تتماثل تماثلًا تامًا مع نظيرتها في الدولة الحديثة، وهنا قد تكمن مشكلة من مشاكل “آندرو مارتش” وهي سحب المفهوم الحداثي الذي نشأ في سياق الدولة الحديثة محاولًا إيجاده في التجربة التاريخية السياسية الإسلامية الحديثة، لكنه لم يجد -على الحقيقة- إلا محض التشابك اللفظي بين المفهومين عند المفكريين السياسيين المسلمين في العشرينيات مثل المودودي، فالكتاب يتناول ويبحث عن ابتكار فكرة السيادة في الفكر الإسلامي الحديث من خلال النقد والتأريخ الفكري للحظات المهمة في التراث الحديث للإسلام السياسي.

سوف نقوم بعملية استقراء لفصول هذا الكتاب المهم عارضِينَ أهم أفكار كل فصل مع مناقشة “آندرو مارتش” في بعض المواضع من كتابه، مع ملاحظة أنَّ المؤلف في الجزء الأكبر من الكتاب كان يقوم بعملية استقراء واسعة لأفكار المنظّرين الإسلاميين السياسيين من خلال مؤلفاتهم؛ للوصول للعلاقة بين مبدأ السيادة الشعبية ومفهوم خلافة الإنسان على الأرض كما جاء في القرآن الكريم.

 

رابط مباشر لتحميل عرض الكتاب

___________________

*نُشر هذا العرض على الموقع الإلكتروني لمركز نماء للبحوث والدراسات بتاريخ 17 أكتوبر 2021

في الوقت الذي تتصاعد فيه الدعوة إلى تطبيق الشريعة الإسلامية في مصر بعد أن نجحت ثورة شعبها – حتى الآن – في إزالة رؤوس النظام الذي حرمها من حريتها ومن استقلالها السياسي والثقافي، يأتي كتاب “السياق التاريخي والثقافي لتقنين الشريعة الإسلامية” للمستشار طارق البشري المفكر والمؤرخ والفقيه القانوني الذي ترأس لجنة التعديلات الدستورية التي تشكلت بعد نجاح الثورة، وهو كتاب صغير الحجم عظيم النفع يتعرض فيه كاتبه لما أسماه “المشكل القانوني” الذي حدث في مصر منذ بدايات القرن التاسع عشر وحتى الآن، متتبعًا مسار استبدال المرجعية الوضعية بمرجعية الشريعة الإسلامية والعوامل التي أدت إليه والآثار الناجمة عنه، ويلخص الخبرة التاريخية التي يمكننا الاستفادة بها من تتبع ذلك المسار الذي استمر نحو قرنين من الزمان.

الأثر السلبي للطرح السياسي لقضية تطبيق الشريعة الإسلامية

بعد أن يلفت الكاتب نظرنا إلى أهمية القانون كأحد المجالات الثقافية التي تصوغ العقل البشري، سواء عقول الأفراد أو العقل الجمعي العام الذي يربط الجماعة بآصرة وثقى، ينبه إلى أن الشأن الثقافي بصفة عامة يتجاوز بطبيعته الحدود القطرية لدولنا والحدود الزمانية لحاضرنا، ويرجع ذلك إلى أن حركية العنصر السياسي أسرع أكثر فاعلية في تكوين الدول منه في تكوين الثقافات.

ويخلص مؤلف الكتاب بعد ذلك إلى فكرة رئيسية مؤداها أن العنصر السياسي يفسد النظام القانوني إذا ما أراد حصره في نظام سياسي معين، أو صيغة حكم لدولة معينة؛ باعتبار أن ذلك من شأنه أن يستدعي قوة الدولة وسطوتها القاهرة لفرض نسق قانوني بذاته أو إزاحته تمامًا حسبما يتراءى للدولة صالحها الذرائعي، وبعيدًا عن العناصر الثقافية والتاريخية العامة التي تشكل سمة هذا النسق.

ويزيد الأمر وضوحًا حين يقول بشكل مباشر وصريح إن “تلكؤ استعادة تطبيق الشريعة الإسلامية في بلادنا كان بسبب أنها حُملت بمعان سياسية تتعلق بأنظمة الحكم؛ مما جعلها أدخل في سياسات النظم والحكومات من كونها تتعلق بالمجال الثقافي العام؛ لأنها صورت بحسبانها عنصرًا أساسيًّا من عناصر الصراع على تولي السلطة؛ ولأن من دعاة استعادة الشريعة من صورها هدفًا مرتبطًا بالوصول إلى الحكم”.

ولهذا لاحظ “البشري” أن الحكومات عملت على معاداة الحركات الإسلامية المطالبة في الأساس بتطبيق الشريعة الإسلامية، في حين تركت المجال لكبار المختصين في الفقه والقانون يعملون على صياغة مشاريع للتشريعات الإسلامية، وأتاحت لهم الوصول إلى مراكز كبيرة في هيئات هذه الدولة في تخصصاتهم العلمية، وتركت لهم المجال لأن ينشطوا داخل هذه الهيئات لبلورة صياغات التشريعية المطلوبة، وتشهد على ذلك مشروعات القوانين التي قدمتها لجان مجلس الشعب المصري في الفترة بين عامي 1978 و1982م، ويشهد عليها كذلك ما صدر من مجمع البحوث الإسلامية والمجلس الأعلى للشئون الإسلامية، وما عقد من مؤتمرات، وضرب مثلا لهؤلاء المختصين بكل من الدكتور عبد الرزاق السنهوري، والمستشار عبد الحليم الجندي.

وقد أدى صبغ الحركات السياسية موضوع استعادة تطبيق الشريعة الإسلامية بالصبغة السياسية إلى نقل موضوع المرجعية التشريعية برمته من مجال المتخصصين في الفقه القادرين على الجدل البناء المؤدي إلى الإثراء الفكري إلى مجالات الصراعات الفكرية العامة. ويعزو البشري -في موضع آخر من كتابه- هذه الأسباب المؤدية إلى تلك الصراعات الفكرية بجانب العنصر السياسي، إلى أن المشتغلين بالفكر السياسي والاجتماعي أو بالفكر الفلسفي، تشغلهم العموميات الفكرية وتصرفهم عن تفهمكيفيات المعالجات الفنية المتخصصة لهذا المجال الفقهي المتخصص، على عكس رجال الفقه والقانون في مجالي الفقه الإسلامي والقانون الوضعي؛ لأن كلا من الفريقين يعرف أصالة الفقه الإسلامي وصياغاته الفنية والبالغة أعلى مستويات الدقة، وكل منهما يعرف ويعترف بالحد الأدنى من الأسس التي تقوم عليها وجهة النظر المقابلة، وكل منهما مدرك الوسائل الفنية والمناهج التطبيقية التي تمكن من الملاءمة بين عناصر الثبات والتغير، ولذلك كان الحوار فيما بينهما أهدأ وأوغل في التفاصيل ودقائق المسائل، وأكثر قدرة على الوصول إلى الحلول، من ذلك الصخب العجيب الذي يجري التعامل به بين رجال الفكر السياسي والفلسفي. ولهذا يدعو البشري إلى أن يتولى فقهاء الشريعة الإسلامية وفقهاء القانون من العرب أمر هذا الحوار.

جذور المشكل القانوني في بلاد العالم الإسلامي

بعد أن يتعجب “البشري”من أن مناهج الفكر الحديث تنظر دائمًا إلى حركة الواقع وجموده بحسبانها السبب لحركة الفكر أو جموده، ولكن هذا الفكر ينتكس على منهجه عندما ينظر إلى واقع العالم الذي ساد فيه الفكر الإسلامي، فيرى في جمود الفكر سببا لجمود الواقع!

يقرر المؤلف أن الركود الفكري والتشريعي الذي حدث في أقطار العالم الإسلامي في خواتيم القرن الثامن عشر وفواتح القرن الذي يليه، كان – بوصفه ظاهرة ثقافية – أثرًا ونتيجة للركود السياسي والاجتماعي الذي انحدر إلينا على مدى القرنين أو القرون الثلاثة السابقة منذ نهايات حكم “سليمان القانوني”، وأن مشكلتنا على مدى القرنين الماضيين تتحصل في التضارب الذي قام بين عناصر ثلاثة سبق أن ذكرها في كتابه “الوضع القانوني المعاصر بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي” ويؤكد عليها هنا، وهي:

الأول: متطلبات النهوض والتجدد.

والثاني: وما نحتاجه من علوم الغرب وفنونه وصنائعه ونماذج نظمه مما هو لازم للنهوض والتحصن.

والثالث: هو ما يفرضه علينا الغرب بموجب تفوقه وسعيه للهيمنة وفرض السيادة.

هذا التضارب أربك خياراتنا فيما نستبقي من فكرنا ونظمنا الموروثة وما ندع، وفيما نطلبه من فكر الغرب ونظمه وما نرفضه، ونحن في هذا كنا نحتاج إلى الصيدلاني أكثر من حاجتنا إلى الطبيب.

كيف تحولت المرجعية التشريعية إلى القوانين الوضعية

ينفي البشري أن بداية الخروج عن المرجعية الإسلامية كانت في عهد محمد علي ويقرر أن محمد علي كان واعيًا بما تحتاجه نهضة الأمة من علوم الصنائع وفنونها والعلوم العسكرية وفنونها، وما يساعد ذلك من فنون الطب والطب البيطري، دون الحاجة إلى استيراد التشريعات والقوانين من الغرب، ولذلك أرسل بعثاته لاستيراد ما نحتاجه فقط في جانب العلوم الحديثة، واعتمد على السياسة الشرعية فيما يخص المجال التشريعي أو ما أطلق عليه “السياسة نامة”.

ولكن الحال تغير في عهد خلفاء محمد علي حيث استبدلوا علوم الشرائع بعلوم الصنائع حين ازداد النفوذ الأوروبي وتزايد الوهن الإسلامي والذاتي، وصرنا منذ أربعينيات القرن التاسع عشر نأخذ بالقوانين الغربية بدلا من علوم الصنائع في ظل سعي الغرب إلى السيطرة وفرض الهيمنة واقتحام البيئات المحلية بفكره وأساليبه وأذواقه ونظمه، لا لتقوى البلاد التي يطمع فيها ولكن لتسهل قيادته لها، ولتشكل مادته الثقافية “مراسي” تستقبل سفنه الحاملة حضارته وثقافته وقواعد تتهيأ لهبوطه السياسي وإحكام سيطرته، والسعي في ذلك لتغييب الوعي والإدراك بالذات لدى البلاد المطموع فيها وشعوبها ليسهل الانصياع.. وكذلك كان دخول القوانين الغربية إلى بلادنا.

أثر استبدال المرجعية على النظام القانوني المصري

بعد أن يستعرض الكاتب -باختصار- مراحل تغلغل التشريعات الغربية في النظام القانوني السائد في الدولة العثمانية ومصريصل إلى أن الأمر قد آل إلى أن أصبح النظام القانوني والقضائي في البلد الواحد ذي السيادة التشريعية والقضائية الواحدة إلى ثلاثة نظم تشريعية وقضائية لكل منها مرجعية مختلفة، وهي: القضاء الشرعي، والمحاكم المختلطة (1875- 1949)، والقضاء الأهلي “ذو المرجعية الغربية”. وقد أدى تنوع مرجعيات هذه الأنظمة إلى قيام “تعدد مختلف” فيما بينها وليس “تعدد مؤتلف”؛ بمعنى أن تعددها أفضى إلى التضارب بين أطرافه مما أفضى إلى الانتقاص والطرح لا الإضافة والجمععلى النحو الذي يؤدي إليه “التعدد المؤتلف”، مثل الذي قام عليه اختلاف المذاهب الإسلامية ذو المرجعية الواحدة وهي مرجعية الشريعة الإسلامية.

ولم يقتصر أثر تحويل المرجعية على إحداث هذا التضارب في النظم التشريعية والقضائية، بل إنه نظرًا لأن “التقنينات الأهلية” في بلادنا بأساسها الوضعي، لا تصدر عن المرجعية السائدة في الغرب؛ لأنها ينقصها ما يتوافر لهذه المرجعية السائدة هناك من مجال ثقافي يعكس جملة المسلمات الثقافية الوضعية التي صارت تاريخيًّا ذات تقبل اجتماعي وجماعي هناك بفكرة القانون الطبيعي وبمواثيق الحقوق السياسية والاجتماعية ذات الانتشار، بينما “التقنينات الأهلية”في بلادنا تصدر مستندة إلى شرعية وحيدة في بلادنا هي “مشيئة الدولة”، أي صارت الشرعية في المجتمع شرعية إجرائية فقط، تتعلق فحسب بما إذا كان التشريع قد صدر بالإجراءات المتعارف عليها في البلد المعني بتوقيع حاكم فرد أو مجلس نيابي توافرت في قراره الأغلبية العددية المطلوبة، ويخضع له القاضي والمفتي على السواء. وقد أدى هذا إلى تقوية سلطة الدولة الحديثة في بلادنا، بقدر ما إن فك عقالها من الخضوع لأية قيم ومفاهيم سائدة في المجتمع وبين الجماعة المحكومة، وكذلك أدى إلى أن الحكام مصدري هذه القوانين والنظم لم يكونوا مصدرين للتشريعات فقط، بل صاروا هم أنفسهم مصدر الشرعية، فكأننا استبدلنا مقولة الخليفة أبي بكر الصديق يوم تولي خلافة المسلمين: “أطيعوني ما أطعت الله فيكم” وحولناها إلى “أطيعوني ما أطعت نفسي”، أو مبدأ: السيادة للحاكم. وزاد من هذا التأثير التجزئة السياسية التي حدثت في العالم الإسلامي إلى دول قطرية متعددة، مما أدى إلى التأكيد على التجزؤ القطري وتدعيم بقائه واستمراره.

محاولات استعادة المرجعية في عهود الاستقلال

يقرر المستشار طارق البشري أنه يمكن القول أن المرحلة بين عامي 1775و1875 بالتقريب هي المرحلة التي تغلغل فيها النفوذ الأوروبي في الأقطار العربية والإسلامية، وقد كان تغلغلا يغلب عليه الطابع الاقتصادي والسياسي، كما كانت مرحلة ورود التنظيمات القانونية والنظامية والمعارف الخاصة بعلوم الصنائع وفنونها.

ويمكن القول أيضا أن المرحلة من 1875 إلى 1925 تقريبًا وبشكل عام هي مرحلة اكتمال السيطرة الأوروبية على هذه الأقطار، وهي مرحلة شمول هذه السيطرة بالاحتلال العسكري، وبالممارسة المباشرة أو شبه المباشرة لشئون الحكم في هذه البلاد. ويمكن القول ثالثًا بأن المرحلة التالية بالتقريب وبشكل عام هي من 1925 إلى منتصف القرن العشرين كانت هي انحسار مرحلة السيطرة الغربية وانحسار الحكم الغربي المباشر أو شبه المباشر، وهي مرحلة ما عرف بـ”حركات الاستقلال السياسي” والظهور التدريجي لحكومات الاستقلال الوطني في هذه الأقطار والتي استمرت بالزيادة والنقصان عبر عقود من النصف الثاني لذات القرن.

وهذه المرحلة الثالثة تعتبر هي مرحلة الدعوة إلى “الاستقلال التشريعي” والتي عرفتها مصر في عقدي العشرينيات والثلاثينيات من القرن العشرين وما تلاهما من عقود، وقد بدأت هذه المرحلة سنة 1933بدعوة السنهوري إلى تمصير الفقه والتشريع والتخلص من الاحتلال الفرنسي له، ثم بعقد “اتفاقية منترو الدولية سنة 1937” التي ألغت الامتيازات الأجنبية وحددت لذلك اثنتي عشرة سنة كمرحلة انتقالية تنتهي فيها المحاكم المختلطة في أكتوبر 1949، حيث بدأت حركة الاستقلال التشريعي وتم وضع القانون المدني المصري، إلا أنه جاء نصًا وضعيًّا مستقلاً، لم يتبع قانونًا أجنبيًا معينا ولا مدرسة أجنبية معينة، إنما اعتمد على علم القانون المقارن طبقًا لأحدث التشريعات المعمول بها في الغرب، ولم تكن صلته بالشريعة الإسلامية وفقهها إلا بمقدار الاستفادة من حلول لها فقهية وتطبيقية لعدد من المعاملات والعلاقات والأحكام مع الصياغات الفنية المناسبة، ومع ما يتفق مع أعراف الناس وعاداتهم المتبعة.

فالقانون المدني جاء معبرًا عن الثقافة القانونية المدنية الغربية، ولكنه مستقل عن أي من فروعها ومدارسها الثقافية، وعن أي من تشكيلاتها العينية والمؤسسية، وهو بالدقة استقلال تشريعي يرد على صورة الاستقلال السياسي الذي كان تحقق في هذه المرحلة، والذي عرفته بلادنا والبلاد المحيطة وقتها، أي أنه استقلال يدور في الإطار الغربي!.

وعلى الرغم من ذلك، يرى البشري أن القانون المدني الذي وضعه السنهوري كان يسير في طريق تحقيق الاستقلال التشريعي ولكن في إطار الممكن التاريخي وقتها، فنص في مادته الأولى على أنه إذا لم يوجد نص تشريعي يمكن للقاضي تطبيقه، فهو يلجأ إلى العرف، فإذا لم يجد به حكمًا حكم “بمقتضى مبادئ الشريعة الإسلامية، فإذا لم توجد فبمقتضى مبادئ القانون الطبيعي وقواعد العدالة”،وهذا نص مهم لأنه وضع العرف أولاً مدركًا أنه حسب الثقافة السائدة في المجتمع لا يوجد عرف يتوافر له ركن الإلزام إلا إن كان مصدره الشريعة الإسلامية، فإذا لم يوجد عرف لجأ مباشرة إلى مبادئ هذه الشريعة، وجعل اللجوء إلى الشريعة مقدمًا على اللجوء إلى الوضعية الرجعية المتمثلة في القانون الطبيعي.

ويشير البشري بإيجاز إلى المناقشات التي دارت حول مشروع القانون المدني في مجلس الشيوخ سنة 1948 ويلاحظ أنها ركزت على مصدرية الشريعة الإسلامية، وأن ذلك النقاش لم يكن لا من رجال الأزهر والمعاهد الدينية ولا ممن يعرفون باعتبارهم علماء الدين المتخصصين في علومه وبحوثه، إنما غلب على غالبية –إن لم يكن كل- من أعدوا القانون وناقشوه أنهم من رجال القانون المحدثين مما تعلموا وتربوا في كليات الحقوق غير الأزهرية، ومن درسوا الشريعة في تخصصاتهم، ولم يكونوا ممن يتصلون بمذهب سياسي محدد أو حزب معين أو جماعة بذاتها، ولا كانوا من أنصار حكومة بعينها أو حزب معارض بعينه، إنما هم مصريون من المصريين يسعون إلى تحقيق الاستقلال المنشود لا من الوجهة السياسية والاقتصادية فقط، ولكن من الوجهة الثقافية أيضًا.

مصدرية الشريعة والوحدة التشريعية العربية

يعرج مؤلف الكتاب بعد ذلك إلى بيان العلاقة بين مرجعية الشريعة الإسلامية وتحقيق الوحدة التشريعية المنشودة بين الدول العربية، ويؤكد على أن مسألة المصدرية الشرعية للتشريع لا تتصل فقط بالتشكل الثقافي العام للأمة، ولا بمسألة الاستقلال والتبعية فقط، ولكنها متصلة بهذين الأمرين، فهي تتصل بموضوع الوحدة التشريعية للبلاد العربية، ويذكر أن هذه التوجهات بدأت منذ قامت حكومات الاستقلال الوطني في بلادنا، ومنذ قامت جامعة الدول العربية، وتعززت بعد سفور الوحدة العربية في الخمسينيات والستينيات من القرن العشرين.

ويضرب المؤلف مثالا على ذلك بأن مؤتمرات المحامين العرب منذ بدء انعقادها لم تخلُ من الدعوة إلى توحيد التشريعات العربية، وقد سيطرت على الداعين إلى تلك الوحدة فكرة أن التوحيد التشريعي هو من أفضل الخطوات لتحقيق الوحدة السياسية، وعلى الرغم من أن عددا من الباحثين قد تبنوا فكرة أن يكون القانون المدني هو الأساس في هذا التوحيد، وأن ينسج على منواله في الدول الأخرى، مثلما حدث في سوريا وليبيا، إلا أن الاتجاه الذي كان الأكثر إلحاحًا في دعوته –في رأي المؤلف- هو الذي اعتمد على اعتبار الشريعة الإسلامية هي أساس التوحيد، ويكفي أن واضع القانون المدني المصري الدكتور عبد الرزاق السنهوري قد أوضح في مقالته المعنونة: “القانون المدني العربي” أن الهدف الذي قصد إليه هو أن يكون للبلاد العربية قانون مدني واحد يُشتق رأسًا من الشريعة الإسلامية، ولكنه رأى أن هذا الهدف بعيد، ثم ذكر أن الأمر كان يحتاج إلى مرحلتين، أولهما استخلاص ما وصلت إليه الثقافة المدنية الغربية في آخر تطوراتها، وهذا ما تحقق بالقانون المدني المصري، وثانيهما وضع هذه الثقافة المدنية الغربية بجانب الفقه الإسلامي، وهذا ما تحقق في القانون المدني العراقي الذي وضعه السنهوري بنفسه، ثم ترد مرحلة التفاعل بين القانونين، مع وجوب عقد الدراسات المقارنة بين المذاهب الفقهية كلها، سنية كانت أو شيعية، أو خارجية أو ظاهرية، ثم عقد المقارنات بين فقه الشريعة والفقه الغربي، ثم يكون الهدف الذي نرمي إليه وهو تطوير الفقه الإسلامي وفقًا لأصول صناعته، حتى نشتق منه قانونًا حديثًا يصلح للعصر الذي نحن فيه.. القانون النهائي الدائم لكل من مصر والعراق ولجميع البلاد العربية، إنما هو القانون المدني العربي الذي نشتقه رأسًا من الشريعة الإسلامية بعد أن يتم تطويرها.

ويذهب المستشار البشري أن ما دعا له السنهوري قد تحقق في مجمل الأعمال الجماعية والفردية والبحوث التي أعدها الباحثون والعلماء في فروع القانون المدني بين فقه الإسلام وفقه الغرب، وذلك على مدى سنوات القرن العشرين جميعها، وقرر أنه –حسبما يرى- إذاتم جمع هذه الدراسات والبحوث وصنفت يمكن أن نستخلص من ذلك ما طلبه السنهوري من التهيؤ لإصدار قانون مستخلص كله من الفقه الإسلامي.

ويختتم البشري كتابه ببيان أننا نسير في إطار التوحد التشريعي بقدر ما ينهض في بعث تراثنا الفقهي وبقدر ما نستخرج منه ما يناسب زماننا من حلول وصياغات للنظم والأحكام والمعاملات، وبقدر ما نستطلع نماذج النظم والتعامل النافعة والحميدة التي ظهرت في الخارج ونتمكن من هضمها واستيعابها في الإطار المرجعي للثقافة الإسلامية ولمعايير الاحتكام والتقويم التي تتحدد بها مصادر الشرعية لدى العرب والمسلمين، وبمراعاة أن توحيد التشريعات لا يعني استبعاد التنوع؛ “لأن التوحيد يعني التشارك في الثوابت والأصول العامة، مع المرونة والقابلية للتنوع بما يناسب كل قطر وكل بيئة عربية، ويتوافق مع أوضاعها السياسية والجغرافية السياسية وخصائصها الاجتماعية النوعية. وترد مشاريع القوانين التي أعدتها لجان بمجلس الشعب المصري في الفترة من 1978 إلى 1982 في هذا السياق.

انتهيت من قراءة الكتاب وأنا تتزاحم الأفكار والتساؤلات في رأسي؛ ماذا لو كانت الحركات السياسية قد ركزت على مهمتها الأساسية بالعمل على تحقيق الاستقلال السياسي وتركت الاستقلال التشريعي والثقافي لأهله يعملون لأجله في صمت؟!

وماذا لو توجه الجهد في تطبيق الشريعة الإسلامية إلى الأمة بدلا من توجهه إلى الدولة، كما دعا المستشار طارق البشري -نفسه- من قبل منذ بحثه المعنون “منهج النظر في دراسة القانون مقارنًا بالشريعة” والذي قدمه منذ عام 1995م؟ هل كنا لا نزال جامدين في أماكننا “محلك سر” كما نحن الآن أم أننا كنا تحركنا إلى الأمام متخللين النظام القانوني في الدولة دون ضجيج واعتقالات وصراعات؟!

ما الذي يمنعنا من متابعة الجهود التي بذلت في أطروحات الدكتوراة وغيرها في المقارنة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي والاستفادة منها في تطبيق عصري للشريعة الإسلامية ينتقل تدريجيًّا إلى البلاد العربية والإسلامية فيوحدها تشريعيًّا على طريق توحدها السياسي؟

إن لو تفتح عمل الشيطان، ولكنها قد تقود إلى الاعتبار بدلا من ذلك!

____________________________
*العرض للدكتور حازم علي ماهر، ونُشر هذا العرض في مجلة الأزهر العدد الصادر بتاريخ صفر 1434- يناير 2013، الجزء “2” السنة “86

صدر عن مدارات للأبحاث والنشر بالقاهرة في مطلع العام الحالي 2023 كتاب:
«الفصل بين الدين والدولة في الإسلام المبكر» لمؤلفه أيرا م. لابيدوس، ونقله إلى العربية وقدَّم له وعلَّق عليه الدكتور أحمد محمود إبراهيم مدرس التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة، وفيما يلي نبذة المترجم عن الكتاب:

“يتألَّف هذا الكتاب من ثلاث دراسات متواشجة للمستشرق الأمريكي أيرا م. لابيدوس (Ira M. Lapidus). ومدارُ هذه الدراسات الثلاث على تحقيق علاقة الدِّين بالدولة في الممارسة التاريخية عند المسلمين، وبيان أثر هذه العلاقة –من عدمه- في بناء الدولة القومية الحديثة.

أما الدراسة الأولى -والمعنونة بـ «العصر الذهبي: المفاهيم السياسية للإسلام»- فيذهب فيها لابيدوس إلى أن الدور الذي يؤديه الإسلامُ خلال العصر الراهن في ميدان السياسة بالشرق الأوسط ليس استمرارًا للنماذج التاريخية المطردة، ولكنه إعادةُ إنتاج لها؛ ففي عصر ما قبل الحداثة كان ثمة نموذجان إسلاميان مطردان: يتألَّف أحدهما من دولة ومجتمع متكاملين موحَّدين تحت قيادة سياسية وأخلاقية يتمتع بها معلِّمٌ دينيٌّ ذو شخصية كاريزمية، في حين كان النموذجُ الآخرُ عبارة عن مجتمع ينقسم إلى دولة ومؤسسات دينية ونُخَب سياسية ودينية متمايزة، وكان المنتسبون إلى هذه الفئة الأخيرة حُرَّاسًا للإسلام الصحيح. ولقد هيَّأ ذلك الموروثُ الثاني متسعًا لظهور بعض المفاهيم المـَلَكية العلمانية المحضة، وأفضى إلى نشأة ثقافة سياسية علمانية. ولم يكن للنماذج الإسلامية التاريخية في العصر الحديث إلا أثرٌ ضئيلٌ على تشكُّل الدولة [القومية]، بل إن الدول الإسلامية التي جاهرت بطابعها الإسلامي لا تلوذ بالماضي، ولكنها تُمَثِّلُ في معظم الأحيان دولاً قوميةً معاصرةً تستند إلى مفهوم جديد لإسلام الدولة القومية.

وأما الدراسة الثانية –والموسومة بـ «الدين والدولة في المجتمعات الإسلامية»- فيناقش فيها لابيدوس ما شاب دراسة العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام من التباس وسوء فهم أحاط بهذه القضية من أطرافها المختلفة، واجتهد في تقديم وجهة نظر تاريخية أكثر إحكامًا، هادفًا إلى استقصاء التاريخ الإسلامي للشرق الأوسط، وتقديم تفسير لظهور الأنماط الإسلامية الرئيسة في مسألة العلاقة بين الدين والدولة؛ حتى ندرك على نحو أفضل -وبغير تحيز ثقافي أو سياسي أو الوقوع في أخطاء تاريخية- تاريخ العلاقات بين الدين والدولة في البلاد الإسلامية. ويقرر لابيدوس أن ثمة تباينًا ملحوظًا بين الدولة والمؤسسات الدينية في المجتمعات الإسلامية، خلافًا للرأي المتعارف عليه.
وتبيِّن الأدلة التاريخية أنه ليس ثمة نموذج إسلامي وحيد للدول والمؤسسات الدينية، وإنما نماذج عديدة متنافسة، وكل نموذج منها تتغشاه أوجه غموض تتصل بتوزيع السلطة، وماهية الوظائف والعلاقات بين المؤسسات. وثمة أخيرًا فروقٌ واضحةٌ بين النظرية والتطبيق. ومن شأن هذه الدراسة أن تبرز ما آل إليه أمر المناقشة حول هذه القضية بين المتخصصين، وأهمُّ من ذلك أن تمنح القراء غير المتخصصين فهمًا حسنًا لمسألة على قدر كبير من الأهمية لا في كثير من البلاد الإسلامية فحسب، ولكن من حيث الطريقة التي يتصور الأوربيون من خلالها علاقاتهم بهذه البلاد أيضًا.

وأما الدراسة الثالثة والأخيرة فقد جاءت بعنوان: «الفصل بين الدين والدولة في تطور المجتمع الإسلامي المبكر».
وقد حاول لابيدوس أن يجيب فيها على ثلاثة أسئلة:
ما العلاقة بين الدين والدولة في الإسلام؟ وكيف كانت هذه العلاقة في الأزمنة الإسلامية الكلاسيكية، على وجه الخصوص؟ وما هو ميراث الإسلام المبكر بالنسبة للمجتمعات الإسلامية فيما تلا ذلك من عصور؟

وإذا كان مدار الرأي الغالب بين الإسلاميين على أن المجتمع الإسلامي الكلاسيكي لم يفرِّق بين الجوانب الدينية والجوانب السياسية للحياة في المجتمع، وكانت الخلافة رئاسةً دينية وسياسية لأمة المسلمين، وهي الأمة التي ينتسب آحاد مؤمنيها وعموم رعاياها إلى نظام يحدده الولاء الديني، فإن لابيدوس يرى أن المجتمع الإسلامي تطور بطرائق غير إسلامية، وأن الحياة الدينية والسياسية قد استحدثت مجالات متمايزة لها قيمها وزعماؤها وتنظيماتها المستقلة. ومنذ منتصف القرن العاشر الميلادي، انتقلت السيطرة الفعلية على الإمبراطورية العربية الإسلامية إلى أيدي القادة العسكريين، ورجال الإدارة، والولاة، وأمراء الأقاليم، وفقد الخلفاء السلطة السياسية الفعلية على نحو تام. وأمست الحكومات منذ هذا التاريخ فما بعده سلطنات وأنظمة علمانية، يأذن بها الخلفاء نظريًّا، ولكنها تستمد شرعيتها في واقع الأمر من الحاجة إلى النظام العام. ومن الآن فصاعدًا، صارت الدول الإسلامية كيانات سياسية متباينةً بالكلية، وتفتقر إلى أي صفة دينية حقيقية، على الرغم من أن هذه الكيانات كانت تتسم بالولاء للإسلام على الصعيد الرسمي وتتعهد بالدفاع عنه”.

وذكر كذلك:

“ولا ريب أن فشل الدولة القومية في نُسْختها العلمانية، وعجزها عن الوفاء بتطلعات مواطنيها -سواء على صعيد الحرية السياسية واستقلال القرار الوطني، أم على صعيد النمو الاقتصادي وتحقيق العدالة الاجتماعية- قد دفع عددًا غير قليل من المسلمين إلى اللياذ بالماضي، والتفتيش في زواياه عن حلٍّ يمكن أن ينقذهم من بؤس الحاضر الذي صنعته الدولة القومية، ولم يكن هذا الحلُّ إلا طوبيا الخلافة أو الدولة الإسلامية “المتخيَّلة” التي غدت هي الخلاص النهائي في أنظار هؤلاء.
ولئن كانت الحداثةُ العلمانية في الغرب قد عوَّضت غياب الدين بعمق الفكر والثقافة، على نحو أثمر في النهاية نزعة إنسانية يحتل فيها الإنسانُ القيمة العليا، فإن الحداثة السياسية في جُلِّ المجتمعات الإسلامية المعاصرة “أبقت على الاستبداد والحُكْم الفردي، مع زيادة الآليات الحديثة في قمع المجتمع ومراقبته”. ويمكن القول بعبارة أخرى: إن هذه الحداثة السياسية المزعومة استبطنت منطقًا قروسطيًّا يقوم على التغلُّب والقهر، وإن حاولت أن تستر سوأة هذا المنطق بديباجات جوفاء عن الحرية والديمقراطية والمواطنة وحقوق الإنسان وتداول السلطة … إلخ.”.

صدر عن دار نهوض للدراسات والنشر كتاب “إسلام الدولة المصرية: مفتو وفتاوى دار الإفتاء”[2] للباحث الدنماركي جاكوب سكوفجارد بيترسون (1963)، وهو باحث متخصص في الإسلام الحديث وأستاذ الأديان بجامعة كوبنهاجن، وصاحب مؤلفات عديدة عن الفضاء الإسلامي العام ودور العلماء في الدول العربية الحديثة، ومن كتبه: “المدن الشرق أوسطية”، و”أقطاب وسائل الإعلام الجماهيري العربي”. صدر كتاب إسلام الدولة المصرية باللغة الإنجليزية[3] سنة 1997، واليوم تتوفر للقارئ ترجمة عربية من قبل الدكتور السيّد عمر أستاذ النظرية السياسية الإسلامية بجامعة حلوان.

يقع الكتاب في 527 صفحة، موزعة على مقدمة وأحد عشر فصلًا وخاتمة، كالتالي: أولًا: الخلفية المعرفية: التطورات السياسية والتربوية والقانونية والدينية في القرن التاسع عشر.

ثانيًا: دراسة حالة 1: البرق والهلال.

ثالثًا: تشكل دار الإفتاء (1895-1928).

رابعًا: نشأة أجهزة فتوى أخرى: (1928-1945).

خامسًا: المفتون في طور الأفول: (1954-1978).

سادسًا: الأسلمة على جدول الأعمال: (1970-1990).

سابعًا: دار الإفتاء ترد: جاد الحق (1978-1982).

ثامنًا: دار الإفتاء في عهد سيد طنطاوي (1986).

تاسعًا: دراسة حالة 2: فتوى شهادات الاستثمار.

عاشرًا: دراسة حالة 3: حذاري من تغيير النوع في القاهرة.

الحادي عشر: دراسة حالة 4: الدين والمخاطر: فتاوى التأمين.

وأخيرًا خاتمة الكتاب.

1- أهداف الكتاب وإشكاليته: الدين والدولة والمجتمع

يهدف كتاب سكوفجارد بيترسون إلى تناول تاريخ مؤسسة دار الإفتاء المصرية ومن تولوا رئاستها منذ تأسست عام 1895م، وكيف ظلت طيلة القرن العشرين فاعلًا رئيسًا في المنافحة عن دور الإسلام في المجتمع المصري[4].

الكتاب يعمل على دراسة التاريخ الإسلامي لمصر في القرن العشرين من منطلق الفتوى الرسمية؛ بوصفها مصدرًا من مصادر دراسة تاريخ الإسلام المعاصر.

لقد اضطلعت المؤسسة بالمهمة الصعبة وهي “تعريف الدولة المصرية بالإسلام، وتوضيح كيف يمكن للجماهير المصرية المسلمة أن تحيا حياة إسلامية في العصر الحديث”[5]. لم تفِ الدراسة بهذه الغاية فحسب، بل إن دراسة مؤسسة دار الإفتاء وما أصدرته من فتاوى كما يقول الباحث: “هو بمثابة دراسة للردود الدينية على تفاعلات وتحولات اجتماعية وعقلية شهدتها مصر خلال المائة سنة الأخيرة”[6]. وأيضًا: “دراسة للبيروقراطية والمأسسة الدينية، والعلاقة بين الدولة والدين في العالم الإسلامي”[7].وبهذه الغاية، فالكتاب يعمل على دراسة التاريخ الإسلامي لمصر في القرن العشرين من منطلق الفتوى الرسمية؛ بوصفها مصدرًا من مصادر دراسة تاريخ الإسلام المعاصر.

يضع المؤلف على عاتقه في هذا الكتاب استكشاف “تاريخ دار الإفتاء، وعلاقتها بالخطاب السياسي المصري (…) فهي شكيمة الإسلام الرسمي المفضلة للتكييف بين الدولة والدين، والتي تحدد حلولًا داخل إطار عمل قوانين الدولة السارية، ومفتي الديار واحد من كبار المفكرين، يسعى لتقديم النظام القائم على أنه طبيعي وعادل ومعطى رباني”[8].

من هذا المنطلق، ينحو المؤلف إلى افتراض”أن المفتين الرسميين يمثلون مصالح الدولة، فإنهم جميعًا اعتبروا أنفسهم أكثر من مجرد موظفين حكوميين، فقد نظروا إلى أنفسهم على أنهم حماة الشريعة ضد هجمات العلمنة (…) فاجتهدوا من أجل الأسلمة؛ بمعنى: إعادة فتح الفضاءات السلبية ودمجها في مجال المعنى الإسلامي، سواء أكان ذلك في مجال الاقتصاد أم الأخلاق العامة أم غيرها من المجالات، وتمَّ القيام بذلك بالرجوع إلى المصادر التقليدية للفقه. والحقيقة أنّ ذلك تمّ في أغلب الأحوال على الأقل بتطبيق المعرفة والقيم السياسية والحس العام لزمانهم، وأسهم المفتون الرسميون في سياق سعيهم لخدمة الدولة، وتعزيز سلطة كبار العلماء، ومحاربة الإلحاد والعلمنة: في إعادة تشكيل إسلام يتسم بالبساطة والعقلانية والعدالة وسهولة التطبيق، وكان لتلك الرؤية للإسلام تأثيرها البالغ في القرن العشرين”[9].

بهذا الطموح الإشكالي،تتنزل الدراسة- كما يقول المترجم في تقديمه-لتدرس جدلية العلاقة بين الإسلام والسياسة والدولة والمجتمع في عهد الدولة القومية[10]، بوصفها جدلية مركزية في الأزمنة المعاصرة للمجتمعات الإسلامية.

2- دار الإفتاء والمفتون وتحولاتهما خلال قرن

أثناء قراءة الكتاب، لن يخفى على القارئ الحس الاستدلالي في تتابع فصول الكتاب، فمن رصد المشهد السياسي والاجتماعي العام لمصر في القرن التاسع عشر، وحتى استعادة دار الإفتاء لأدوارها العامة في الثمانينيات، نلاحظ تلاحم الفصول على نحو تدريجي محكم، ولنستعدّ فيما يلي باقتضاب رحلة المؤلف تقديم أفكاره:دار الإفتاء المصرية

دار الإفتاء المصرية

في الفصل الأول المعنون بـ: الخلفية المعرفية، التطورات السياسية والتربوية والقانونية والدينية في القرن التاسع عشر. يعمل المؤلف على رصد تاريخي لنشأة دار الإفتاء؛ حيث يقدم صورة عامة لتاريخها، موضحًا أن تطور دور المفتي في مصر القرن التاسع عشر ليس بعدًا من أبعاد عملية مأسسة أكبر فحسب، بل هو أيضًا تحول من مؤسسة إلى أخرى: من المدرسة الفقهية إلى المحكمة[11].

ومن خلال تناول التطور المؤسسي والقانوني والتعليمي، خلص المؤلف إلى سيطرة الدولة المصرية وإدارتها في مجالي التعليم والقانون لتخدم الجهاز البيروقراطي للدولة[12] وأيضًا مع نشوء جمهور قارئ مهتم ولديه تطلع للمشاركة في العملية السياسية بعد ارتفاع نسبة المتعلمين، ومجيء الطباعة والصحف والمجلات، ومع تزامن تهميش العلماء من المجالين التعليمي والقضائي، فقد وفرت الصحافة لهم مخاطبة النخبة المصرية المتعلمة[13] (…) وبهذه الطريقة فإن الإفتاء الذي كان خصوصيًّا بالأساس صار عامًّا. ينتهي سكوفجارد بيترسون إلى أن إنشاء منصب مفتي الدولة ارتبط بتعزيز هيمنة الدولة، ثم بالجمهور المسلم القارئ الجديد[14].

يعكف سكوفجارد بيترسون في الفصل الثالث على تناول موضوع دور المفتي وعملية المأسسة التدريجية للمفتي الحنفي طول القرن التاسع عشر[15]، ثم إنشاء دار الإفتاء سنة 1895 في سياق كانت الدولة فيه نشطة للغاية في إنشاء إدارة جديدة للمؤسسات الدينية، وهكذا مع الربع الأول للقرن العشرين، اكتسب المفتي وضعية رسمية بوصفه مفتي الدولة، ويشهد لقبه الجديد (مفتي الديار المصرية) على ارتباطه بدولة وشعب لهما هوية إقليمية[16].

ينتقل سكوفجارد بيترسون إلى تتبع المفتين (وفتاواهم) الذين تعاقبوا على منصب مُفتي الديار المصرية، وبيّن كيف أن كلا منهم رسخ تقاليد عفوية حددت بشكل تدريجي مهام دار الإفتاء[17]. بدأ بمحمد العباسي المهدي الذي شغل هذا المنصب قبل إنشاء دار الإفتاء من سنة 1848 إلى 1897، ثم حسونة النواوي من سنة 1895 إلى سنة 1899 الذي يعد المفتي الأول لدار الإفتاء بكل معنى الكلمة، ويليه محمد عبده من سنة 1899 إلى 1905، ثم محمد بخيت المطيعي من سنة 1914 إلى سنة 1920، ثم بين الفترة بين 1921 و1928 عُيّن كل من محمد إسماعيل البرديسي وعبد الرحمن قراعة؛ إلا أن في فترتهما ليس هناك ما يستحق الذكر من جدل.

يخلص المؤلف في الأخير أن شخصية المفتي هي ما كان يعطي قيمة لدار الإفتاء ودورها في المجتمع المصري، وأهم من جسّد ذلك حسونة النواوي ومحمد عبده اللذين كانا مصلحين كبيرين ويمثلان مشاريع إصلاحية في الحوار العام [18]، ونظرًا لأن الدولة في العشرينيات شعرت بضآلة الحاجة إلى دار الإفتاء لم تُعيّن من يلعب دورًا محوريا على غرار محمد عبده مثلًا.

يرصد المؤلف، في الفصل الرابع، ظهور هيئات جديدة للفتوى داخل الأزهر وخارجه بين عام 1928 و1954. من هذه الهيئات داخل الأزهر هيئة كبار العلماء التي يرأسها شيخ الأزهر[19]، ولجنة الفتوى بالأزهر التي أنشأها مصطفى المراغي لدى مشيخته للأزهر، وهي لجنة هيئة جماعية تصدر الفتوى حسب مذهب المستفتي[20].أيضًا ظهر في هذه الفترة من الثلاثينيات الإخوان المسلمون الذين لم يعترفوا بالمرجعيات التابعة للدولة، ولذلك كانت لهم آراؤهم الدينية المتمايزة[21]. ثم يخصص المؤلف مبحثين اثنين لكل من المفتي عبد المجيد سليم لكونه في الثلاثينيات “نجح في وضع نفسه ودار الإفتاء في بؤرة الاهتمام في العقود الأخيرة من الوجود البريطاني وعهد الليبرالية السياسية في مصر”[22].

ثم عرض لتجربة حسنين محمد حسنين مخلوف الذي تولى المنصب من 1946 إلى 1054 وفتاواه المختلفة، وقد لاحظ المؤلف أن مخلوف “كان حريصًا على أن يكون مناهضًا للحداثة أكثر من أي مفتٍ آخر للديار المصرية”[23]. ويصلُ في آخر الفصل إلى أن المفتين استخدمَا دار الإفتاء لإصدار آلاف الفتاوى وفي الإفصاح عن رأيهما في الحوار العام[24]. وهذه الفترة أيضًا انتبه المؤلف إلى أنها عرفت بداية التوجهات السلفية الجديدة داخل مصر وخارجها، مما جعل رصد الاختلافات بين دار الإفتاء والدولة ضئيل جدًّا، في مقابل اتساع الهوة بين فتاوى دار الإفتاء وجماعة الإخوان المسلمين.

مع إلغاء المحاكم الشرعية عام 1955م، حدثت زيادة كبيرة في عدد الفتاوى؛ بسبب التباس الموقف الشرعي.

في الفصل الخامس، الذي يغطي الفترة بين عامي و(1952-1978)، يسجل المؤلف أنها كانت مرحلة أفول بالنسبة لدار الإفتاء، فلم يُسمح لمفتي الديار المصرية بلعب دور عامٍّ بعد الثورة، إلا في حال اعتبار ذلك مفيدًا للدعاية الحكومية؛ على غرار تأييد: تحديد النسل، والتأميم، والوحدة العربية. مع إلغاء المحاكم الشرعية عام 1955م، حدثت زيادة كبيرة في عدد الفتاوى؛ بسبب التباس الموقف الشرعي، كما تمَّ تحويل مهام يسيرة من تلك المحاكم إلى دار الإفتاء، إلا أن تلك التطورات الإيجابية وجهت بتعزيز الدولة لهيئتين أخريين أنيطت بهما مسؤولية إصدار الفتاوى الأكثر أهمية: المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، ومجمع البحوث الإسلامية؛ ونتيجة لذلك: تقلص دور مفتي الجمهورية في مجرد كونه موظفًا حكوميًّا مدنيًّا، وانخفض عدد الفتاوى إلى نحو (350) فتوى سنويًّا في السبعينيات، واضطر المفتي إلى المصادقة على سياسات الحكومة، بطريقة أكثر سفورًا مما كان عليه الحال قبل الثورة؛ مما أثّر سلبًا على مصداقيته.

أيضًا، أنشأت السعودية رابطة العالم الإسلامي عام 1962، وكانت مجلتها تضم فتاوى لم يكن يخفى ميلها إلى الوهابية[25]، ثم عززت المنظمة دورَها الإفتائي بتأسيس مجمع الفقه الإسلامي هام 1977، وهكذا انضاف منافس آخر لمفتي الديار المصرية. يخلص المؤلف في هذا الفصل إلى أن المفتين في هذه المرحلة أفل دورهم، وليس مرد ذاك- يقول المؤلف- إلى سلبية أولئك المفتين، بل إلى البنية الجديدة للسياسة المصرية؛ حيث باتت كل السلطات مركزة في يد الجيش والحزب الواحد، وأصبح المفتي مجرد موظف حكومي دون نفوذ سياسي ولا صاحب دور عام[26]. مع وفاة عبد الناصر وتولي أنور السادات الحكمَ وصدور الدستور الجديد سنة 1971،وفي سياق بات كثير من المسلمين يرون أن الإخوان المسلمين هم من يمثلون الموقف الإسلامي إثر تضاؤل دور المفتين في الستينيات والسبعينيات[27].

إن الحركات الإسلامية تعتقد بوجود حلول إسلامية في كل مجالات الحياة، وأن الحكومة المصرية والدولة المصرية عقبتان كبيرتان في تحقيق ذلك.

خصص المؤلف الفصل السادس عن الأسلمة في مصر، حيث وضعت الحكومة الأسلمة على جدول أعمالها من خلال مدونات القوانين، بعدما نُصّ على أن مبادئَ الشريعة الإسلامية مصدرٌ رئيسٌ للتشريع…إلخ. وعرض المؤلف مختلف التوجهات والجدالات من مسألة تطبيق الشريعة: الحركات الإسلامية، والعلمانيين، والحركات الراديكالية. لقد صعدت موجة الأسلمة السياسية والأسلمة الاجتماعية.

في هذا السياق، فإن الحركات الإسلامية تعتقد بوجود حلول إسلامية في كل مجالات الحياة، وأن الحكومة المصرية والدولة المصرية عقبتان كبيرتان في تحقيق ذلك. وهنا يأتي دور علماء الدولة ومفتي الديار المصرية، الذين لا يشاطرون الإسلاميين كل مواقفهم، ولا ينتقدون سياسات الدولة، ومكلفون بالدفاع عنها، فضلًا عن أنهم يقدمون أنفسهم ممثلون للإسلام[28]، لذلك، لم يكن بوسع مفتي الديار ادعاء الحياد في ظل الأسلمة التي طالت المجتمع المصري[29].

في الفصلين السابع والثامن، يعرض سكوفجارد بيترسون استعادة دار الإفتاء لدورها مع كلٍّ من جاد الحق بين سنة 1972 و1982،وسيد طنطاوي من سنة 1986 إلى 1993؛ لقد أعاد جاد الحق تنظيمَ دار الإفتاء، وشرع في تنظيم فتاويها، ونشر الكثير من الفتاوى، ومعظمها متعلقٌ بشؤون سياسية، موجهة في الغالب ضد مواقف السلفيين الجدد، ودافع جاد الحق- على غرار حسنين مخلوف على سبيل المثال- بحماسعن احتكار العلماء أمرَ تحديد ما هو الإسلام الحق، ورحَّب بعملية الأسلمة العامة للمجتمع المصري، ولكنه أصّر على وجوب أن يكون العلماء هم المسؤولين عنها.

ومع ظهور الإرهاب الإسلامي، أصبح مفتي الديار المصرية لاعبًا محوريًّا في الصراع الإيديولوجي حول شرعية الحكومة المصرية، تلك المعركة التي خاضها أطرافها (…) ودافع جاد الحق عن إسلامية الحكومة، مع تفضيل التطبيق التدريجي للشريعة في الوقت ذاته، وحذا حذوه في ذلك المفتي سيد طنطاوي، الذي تولى المنصب عام (1986م)، ولعب دورًا أكثر بروزًا منه في وسائل الإعلام الجماهيرية، وبات أحد أشهر الشخصيات العامة في مصر (…).

ولوحظ ازدياد عدد فتاوى دار الإفتاء بدرجة كبيرة اعتبارًا من السبعينيات، وثمة توجه ملحوظ إلى البعد عن الفتاوى الثانوية اليسيرة حول المواريث والمسائل الشرعية التقليدية الأخرى، باتجاه فتاوى تتعلق بالظواهر الاجتماعية الجديدة والمهمة في الاقتصاد والطب والسياسة على سبيل المثال[30].

وقد دلّل المؤلف على فرضيته بكون عدد ونوع الفتاوى التي قدمتها الدار تؤكد هذا الدور الفعّال الذي بدأت تضطلع به.

يختم المؤلف هذا الفصل بأن المفتين رسّخوا أقدامهم في الثمانينيات، ونجحوا في توجيه دار الإفتاء للقيام بالدور الذي رسَم معالمه محمد عبده من قبلُ، ألا وهو: تقديم خدمة عامة، وإصدار فتاوى حول كافة أنواع الابتكارات والأحداث المعاصرة”[31].

3- فتاوى دار الإفتاء: دراسة حالات

يسلط سكوفجارد بيترسون الضوءَ على عدد من الفتاوى طوال تاريخ دار الإفتاء، وقصده أنيبيّن اشتباك فتاوى دار الإفتاء بالتحولات الاجتماعية والسياسية والاقتصادية، ودلالة ذلك مع صعود أو أفول دور المفتين. وذلك في حالاتٍ أربع:

الحالة الدراسية الأولى، التي يعرضها طول الفصل الثاني، هي فتوى البرق واستطلاع الهلال، وهي تنتمي إلى المرحلة الأولى من عمر دار الإفتاء. في هاتين الحالتين يناقش مسألة دخول البرق إلى العالم الإسلامي[32] محللًا ومناقًشا مختلف الكتب والفتاوى المتعلقة بالبرق، وتشخص شتى التوجهات التي عبّر عنها العلماء في مطلع القرن العشرين بخصوص الابتكارات الفنية الغربية بوجه عام”[33]، ويأتي هذا النقاش ضمن موضوع أكبر لا زال يحتل مكانة هامة في المناظرات بين العلماء والمثقفين، وهو التغريب.

ويعرض المؤلف مجموعة من الكتب في هذا الشأن، بعضها يرفض الواردات (التقنية الجديدة من الغرب)، وبعضها حول البرق واستطلاع هلال رمضان. عرض لإحداها بتفصيل، وهو لجمال الدين القاسمي الموسوم بـ”إرشاد الخلق إلى العمل بخبر البرق” المنشور سنة 1911، وعرض لآخر صادر سنة 1910 لمحمد بخيت-وهو أحد المفتين الذين تعاقبوا على دار الإفتاء- باقتضاب.

ويصل المؤلف بعد نقاش طويل إلى بيان أهمية البرق في عالم العلماء المسلمين في مستهل القرن العشرين، مبيّنًا أن البرق أصبح رمزًا لرؤية حركة الإصلاح السلفية لإسلام عام وعالمي نشيط، حيث يصبح الاتصال أسرع[34]،ويتوحد العالم الإسلامي أكثر[35]. لقد أراد القاسمي أن يبيّن في الأخير–حسب سكوفجارد بيترسون– الكيفية التي تردّ بها الأمة المسلمة على الاختراعات الغربية، (…) وكيف يمكن للإسلام أن يرتبط على نحو أوثق بعصره التكويني الحركي، عبر ممارسة اجتهادية للفتوى الصحيحة والمستقلة”[36].

الحالة الدراسية الثانية، ركز فيها المؤلف بتفصيل كبير على فتوى سيد طنطاوي سنة 1989حول شهادات الاستثمار، وخصص لها الفصل التاسع كاملًا. عرض سكوفجارد بيترسون الفتاوى عن شهادات الاستثمار وما شابهها منذ فتوى محمد عبده سنة 1903 عن دفتر التوفير البريدي، ومُفتين آخرين. ولعل الجدل الذي أثارته يعود إلى أن شهادات الاستثمار تلتبس بالربا المحرم قرآنيًّا من جهة، والجدوى من الاقتصاد الإسلامي من جهة أخرى[37].

وهذا الموضوع كان راهنًا بالنسبة للمجتمع المصري منذ السبعينيات، كما يوضح سكوفجارد بيترسون “فقد ساور المواطنين المصريين كثير من القلق بخصوص أنسب موضع يدخرون فيه أموالهم، ويريدون حكمًا له حجيته بخصوص البنوك المصرية التي تتعامل بالفوائد بالإجابة على سؤال: هل من الجائز الحصول على قروض من تلك المصارف، أو إيداع مدخرات بها؟

وهنا تتجلى الأهمية الخاصة لشهادات الاستثمار، التي هي نوع من السندات الحكومية، مضمونة من بنك حكومي، هو البنك الأهلي، ويستثمرها البنك الوطني للاستثمار، وبوسع أي شخصأن يشتري تلك الشهادات، ويبيعها وقتما شاء، وتلك الشهادات ذات سعرِ فائدةٍ متواضعٍ، (…) والاختلاف بين العلماء بخصوص أحد أنواعها التي تحمل رقمًا ويمكن لصاحبها الدخول في سحب عليها على جائزة قيمتها قرابة عشرة آلاف دولار (…)، والمراد من تلك المدخرات هو استثمارها في مشروعات التنمية عامة والإسكان بوجه خاص”[38].

وقد جاء جواب دار الإفتاء الموقَّع من قِبَل سيد طنطاوي أن “دار الإفتاء المصرية ترى شرعية المعاملات المتعلقة بشهادات الاستثمار وما يشبهها من أدوات تجارية في شركات الاستثمار، وتعتبر الأرباح الناجمة عنها حلالًا”[39]. ثم يعرض المؤلف للجدل الشرس أو الحملة ضد الفتوى من قبل علماء كثيرين؛ مثل محمد متولي الشعراوي، وعمر عبد الرحمن، ويوسف القرضاوي، وجاد الحق، وصلاح أبو إسماعيل…إلخ، وحتى ردود فعل الصحافة غير الإسلامية مثل روز اليوسف.

ويحاول المؤلف وضع الجدل في إطاره الموضوعي المتعلق بعلاقة الدولة بالدين، فالجدل حول الفتوى مرجعه أنه “يُعيق بناءَ بديل إسلامي”، و”لا يخدم إقامة مجتمع إسلامي عادل”، حسب المعترضين، بل ذهبوا إلى ربط الفتوى بالتمويل الدولي والولايات المتحدة والصهيونية وأعداء الإسلام، والديون التي تؤدي للاستعمار[40]. إن المعترضين على فتوى شهادات الاستثمار لم يواجهوا السيد الطنطاوي فحسب، بل دار الإفتاء كمؤسسة ودور الدولة فيما يتعلق بالدين.

أما الحالة الدراسية الثالثة، فهي حول عملية جراحية لتغيير الجنس، وعلى طول الفصل العاشر يعرض المؤلف حالةَ السيد عبد الله الذي أُجريت له عملية تحويل جنسي سنة 1988، والجدل الذي أثارته في مجتمع “اتسم تقليديًّا بالفصل الواضح بين الجنسين”[41]. ويعرض المؤلف بعد تقديم الحالة إلى أن نقابة الأطباء بالجيزة التي يُسيطر عليها الإسلاميون أجمعت على أنَّ الجرَّاحَ الذي قام بالعملية ارتكب خطأً طبيًّا جسيمًا؛ بكونه لم يوثق حالة المرض قبل إجراء العملية، وكان المفروض أن يكون الإجراء الصحيح وَفْقَ المعالجة بالهرمونات، ومواصلة العلاج النفساني المحض[42]. وعلى إثر إرسال نقابة الأطباء رسالةً إلى مفتي الجمهورية سيد طنطاوي، الذي أفتى أنه إذا شهد الطبيب على أن ذلك هو العلاج الوحيد من ذلك المرض، فإن تلك المعالجة تكون جائزةً حينئذٍ. بعد ذلك رفع الأمر إلى القضاء لكون العملية سببت للمريض عاهةً مستديمة، وبعد التحري خلص وكيل النيابة إلى أن الحالة كانت تستدعي الجراحة الطبية[43]. ورغم ذلك استمرت نقابة الأطباء في رفض شهادة الطبيب الفاحص. لكن في الأخير أغلق ملف القضية التي سميت بـ”قضية سالي” بحصول سالي (عبد الله سابقًا) بشهادة تفيد أنها أنثى، وأنها يمكن أن تواصل حياتها الطبيعية في مصر.

قضية سالي تُحيل على الإفساد الغربي لمصر، وهي التجسيد الحرفي للخصي الغربي للمجتمع المسلم والثقافة الإسلامية.

يقدم المؤلف ردود الفعل في الصحافة سواء المعارضة أم المؤيدة، مع تسجيل أن المعارضين هم الأغلبية، ويواصل عرض الحجج التي يقدمها المعارضون من أساتذة وأطباء وعلماء، ويتوقف عند صحافة الحركة الإسلامية التي اعتبرت “قضية سالي رمزًا مناسبًا لكل شرور المجتمع”[44]، ذلك كما يفسر سكوفجارد بيترسون أن الفارق بين المجتمع الإسلامي وغيره من المجتمعات- وبالأخص المجتمع الغربي- هو النظرة إلى الجنسين، من هنا يصبح شخص سالي هو النموذج الكامل لما هو خطأ في هذا الزمان[45]. فقضية سالي تُحيل على الإفساد الغربي لمصر، وهي التجسيد الحرفي للخصي الغربي للمجتمع المسلم والثقافة الإسلامية[46]. يظهر في الأخير أن قضية التحول الجنسي تعبير عن صراع بين أيديولوجيات داخل المجتمع، وأن فتوى دار الإفتاء المصرية سعت إلى تقديم قول الإسلام في الموضوع في إطار تفاعلها مع قضايا العصر المستجدة، وألا تكون خارج انشغالاته.

ثم أخيرًا الحالة الدراسية الرابعة، وتتعلق بالتأمين. عرض سكوفجارد بيترسون في الفصل الحادي عشر كل الفتاوى حول التأمين على مدار القرن، وبعد أن عرض تاريخ صناعة التأمين في مصر على ضوء التحولات الاقتصادية، بسط آراء العلماء المؤيدين والمعارضين للتأمين، ثم انتقل إلى عرض فتاوى دار الإفتاء حول التأمين خصوصًا في سنوات الثمانينيات والتسعينيات؛ حيث احتل الموضوع أهمية خاصة مع صعود الجدل حول المصارف الإسلامية والاقتصاد الإسلامي.

وقد لاحظ الباحث أن فتاوى دار الإفتاء حول التأمين غلب عليها الطابع السلبي[47]، سوى سيد طنطاوي الذي”يبدو أكثر تسامحًا تجاه التأمين؛ ففي حين شجب قبل عام (1990م) كافة أشكال التأمين غير المتمشية بوضوح مع المواصفات الإسلامية الجديدة، فإنه بات يقرر ببساطة ما له من مزايا ومن عيوب، ويترك للمستفتي أن يختار وفق ما يمليه عليه ضميره”[48]. جاكوب سكوفجارد

جاكوب سكوفجارد

ويسجل المؤلف أن تلك الفتاوى محدودة، وتختلف نوعية التأمين المعالج فيها، مما يجعل من الصعب اعتماد تلك الفتاوى تعبيرًا عن التوجهات العامة للمفتين إزاء التأمين. ثم يقوم المؤلف بعرض فتاوى المفتين بناء على عرض موضوعي للحجج التي يدفعون بها[49]، مثل: الميسر، والربا، والغرر، والمخاطرة، والقضاء والقدر، والمسؤولية. ويخلص على أن “كثيرًا من المفتين يعتبرون التأمين جائزًا؛ لأنهم يعتقدون أنه في صالح الطرف الأضعف، وهم يرون أن هذا هو واقع الحال بالنسبة لمختلف مشروعات معاشات التقاعد، التي يحسبون أنها مؤسسة على التكافل”[50].

والجدير بالذكر هنا أن المؤلف أشار إلى الزلزال الذي شهدته مصر عام (1992م)، ودور التأمين الاجتماعي الذي توفره الدولة، وهو ما مكّن من إيواء المشردين، ولذلك كما يقول الباحث خلت المقالات حينها من نسبة الزلزال للمشيئة الإلهية أو ربطه بالعناية الإلهية[51].

لقد طرأ تحوُّلٌ مهمٌّ في فهم المفتين للتأمين يعود إلى تغيُّر مضامين مفاهيم العدالة الاجتماعية والاقتصادية والمسؤولية والصدف والعناية الإلهية[52]. يبدو في هذه الحالة الدراسية أيضًا أن شدة التحولات الاجتماعية في القرن العشرين وعلاقة الدين بالدولة تظهر جلية من خلال الفتوى.

بناءً على كل هذه الحالات، نهج المؤلف طريقتين مختلفتين لتحليل فتاوى دار الإفتاء: الأولى: أن الفتوى لا تَعتمِدُ على النقول من القرآن والفقه وحسب، بل أيضًا المصلحة العامة. والطريقة الثانية: سلطت الضوء على وضع الفتوى في سياق دور الإسلام في مصر، وكانت الفتاوى حججًا على إمكانية التكيف بين الإسلام والمجتمع المصري[53].

يسجل المؤلف-مواصلًا توضيح تحولات أدوار مفتيي دار الإفتاء- أن هناك بعض المفتين الذي أصدروا فتاوى “صغيرة” في لحظات ضعف دار الإفتاء، في الوقت الذي أصدر فيها آخرون فتاوى كبيرة للجمهور المصري مثل جاد الحق وسيد طنطاوي كما في حالة التأمين في فترات القوة.

4- على سبيل الختام

إن ما يعتبر كتابًا يكافئ محاولة جاكوب سكوفجارد بيترسون لدراسة مفصلة لتاريخ دار الإفتاء المصرية، هو كتاب محمد العطاونة[54] عن مؤسسة دار الإفتاء في المملكة العربية السعودية الذي صدر سنة 2010، وواضحٌ أن محمد العطاونة متأثر به، وناسجٌ على منواله؛ لذلك، وعلى الرغم من صدور كتاب سكوفجارد بيترسون سنة 1997م، فإنه لا زال يشكل محطة أساسية للباحثين في دراسة مؤسسة دار الإفتاء المصرية بشكل خاص، وتاريخ الإسلام المعاصر في مصر بوجه عام، وهذا الكتاب نموذجٌ للدراسات التي تبقى مرجعًا للباحثين، ويمكن استلهامها واقتفاء خطتها في دراسة مؤسسات الإفتاء في بلدان أخرى.

بكل تأكيد، نحتاج اليوم بعد عقدين على صدور الكتاب أن يواصل الباحثون دراسة دار الإفتاء المصرية، والتحولات التي لحقتها بعد سنة 1993، وأشكال تفاعلها مع قضايا المجتمع المصري، والتغيرات التي طرأت على كيفية تعريف الدولة المصرية بالإسلام.

وفي الأخير، لابد من التنويه بالتعريب الرفيع الذي تصدى له السيّد عمر، فقدم ترجمة سلسة، وفيَّةً لأفكارِ المؤلف، ونظام اللغة العربية.

_________________________________________________________________

الهوامش:

[1] هذا العرض قام به الباحث المغربي يونس الوكيلي، ونُشر على الموقع الإلكتروني لمركز نهوض بتاريخ 15 أبريل 2020.
[2] سكوفجارد-بيترسون، جاكوب، إسلام الدولة المصرية: مفتو وفتاوى دار الإفتاء، ترجمة السيد عمر، دار نهوض للدراسات والنشر، الطبعة الأولى، 2017.
[3] Skovgaard-Petersen Jacob, Defining Islam for the Egyption State : Muftis and Fatwas of the Dar al’Ift( Leiden : E.J. Brill, 1997).
[4] المرجع نفسه، ص 23
[5] نفسها.
[6] نفسها.
[7] نفسها.
[8] المرجع نفسه، ص 57
[9] نفسها.
[10] المرجع نفسه، ص 12
[11] المرجع نفسه، ص 66
[12] المرجع نفسه، ص 114
[13] المرجع نفسه، ص 115
[14] نفسه.
[15] المرجع نفسه، ص 140
[16] المرجع نفسه، ص 148
[17] المرجع نفسه، ص 147
[18] المرجع نفسه، ص 192
[19] المرجع نفسه، ص 197
[20] المرجع نفسه، ص 204
[21] المرجع نفسه، ص 207
[22] المرجع نفسه، ص 211
[23] المرجع نفسه، ص 236
[24] المرجع نفسه، ص 235
[25] المرجع نفسه، ص 247
[26] المرجع نفسه، ص 255
[27] المرجع نفسه، ص 478
[28] المرجع نفسه، ص 289
[29] المرجع نفسه، ص 291
[30] المرجع نفسه، ص 479
[31] المرجع نفسه، ص 378
[32] المرجع نفسه، ص 117
[33] نفسه.
[34] المرجع نفسه، ص 133
[35] المرجع نفسه، ص 135
[36] المرجع نفسه، ص 138
[37] المرجع نفسه، ص 380
[38] المرجع نفسه، ص 381
[39] المرجع نفسه، ص 391
[40] المرجع نفسه، ص 405
[41] المرجع نفسه، ص 409
[42] المرجع نفسه، ص 411
[43] المرجع نفسه، ص 412
[44] المرجع نفسه، ص 419
[45] المرجع نفسه، ص 419
[46] نفسها.
[47] المرجع نفسه، ص 453
[48] المرجع نفسه، ص 454
[49] المرجع نفسه، ص 457
[50] المرجع نفسه، ص 469
[51] المرجع نفسه، ص 472
[52] المرجع نفسه، ص 484
[53] نفسها.
[54] Al Atawneh Muhammad,Wahhabi Islam Facing the Challenges of Modernity : Dar al-Ifta in the Modern Saudi State, Koniklijke Brill NV , Liiden, 2010.

وصدرت الترجمة العربية: العطاونة محمد، الإسلام الوهابي في مواجهة تحديات الحداثة، ترجمة أبي بكر باقادر، مراجعة أمين الأيوبي، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، الطبعة الأولى، بيروت، 2014.

مقدمة:

من نافلة القول أن نذكر في هذه المقدمة أن التجديد مفهوم إسلامي أصيل ومصطلح شرعي صحيح – أول ما ظهر في الإسلام ظهر في كلام النبي صلي الله عليه وسلم حين قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها) (1).

وتجديد الفقه الإسلامي في نظري لا يتعلق بتجديد آحاد الفتاوى استنباطاً وتنزيلاً فقط، وإنما يتعلق أولاً بتجديد مناهج التفكير والأصول الفلسفية التي يبني عليها الفقه في واقعنا المعاصر. فمع تجدد المعرفة الإنسانية ووصول البشرية لآفاق جديدة في فهم طبيعة الزمان والمكان والمادة والأحياء والكون، ومع تأثر المنطق الإنسان نفسه بهذه المعارف الجديدة كان حرياً أن ينعكس هذا المنطق الجديد على التفكير الفقهي، بل نرى أن هذا الانعكاس شرط لقدرة الفقه الإسلامي على مواكبة قضايا العصر ومستجداته.

والمنطق المنظومي هو منطق تركيبي كلي وهو نتاج التطور في منهجيات المعرفة الإنسانية منذ العصر الحديث، وقد تطور في العقود الأخيرة ليصبح تخصصاً مستقلاً وفلسفة متكاملة، ثم صار يطبق على مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية والدينية على حد سواء، في ما يسمى بالرؤية المنظومية أو التركيبية أو التكاملية في علوم القانون والاجتماع والسياسة والطب والفيزياء وغيرها، وحتى في دراسة الأديان والأخلاق والفلسفة.

وفي هذا البحث سنفترض أن التشريع الإسلامي بأصوله هو “منظومة” سيجري تحليلها بناء على عدد من السمات. سوف أقوم هنا – بناء على دراسات سابقة لي في هذا العلم (2) – باقتراح عدد من السمات المحددة لهذه المنظومة، وسأبرّر استخدامي لكلّ من هذه السمات باعتبارين: أولا: باعتبار نظرية المنظومات، وثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامية (أو علم الكلام).

وعلى هذا فسوف تتوجه التحليلات الشاملة في هذا البحث إلي السّمات الست التالية: (1) الطبيعة الإدراكية للمنظومات، و(2) الكلية، و(3) الانفتاح، و(4) التركيب الهرميّ ذي العلاقات البينية، و(5 ) تعدّد الأبعاد، و (6) الغائّية أو المقاصدية.

  1. الطبيعة الإدراكية لمنظومة التشريع الإسلامي:

أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: علاقة “الارتباط” هي من وجهة نظر نظريّة المنظومات المساحة الفلسفيّة المتوسّطة التي تصل بين “التطابق” عند الواقعيّين و “الثنائيّة” عند الاسميّين، أي أنّها أفضل ما يصف العلاقة بين المنظومات المفترضة في الخيال العقلي وبين الحقيقة كما هي في الواقع. ومصطلح “الطبيعة الإدراكّية للمنظومات” هو تعبير آخر عن علاقة الارتباط هذه. وأمّا في المجال الذي يهمّنا فإن المنظومة المفترضة للتشريع الإسلامي هي التصور الذي ينشأ “في ذهن الفقيه لا في واقع الأمر”، إذا شئنا أن نقتبس من تعبيرات ابن تيمية (3).

أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامّية: فالفقه جهد بشريّ ينتج عن إعمال الذهن والاجتهاد، بالاعتماد على نصوص الكتاب والسنة، في محاولة من الفقيه للكشف عن المعاني المقصودة أو الدلالات العملية. وقد علّمنا الكلاميون والأصوليون أنّ الله تعالى لا يوصف بأنّه فقيه، لأنّه لا يخفى عليه شيء، والفقيه يخفى عليه أشياء (4). ولهذا فإنّ الفقه هو عملية إدراك بشريّة (5) وفهم بشري (6)، وليس بالضرورة كشفاً مباشراً غير قابل للخطأ عن مراد الله تعالي. ويشرح العيني هذا بقوله: “الفقه هو الفهم، والفهم يقتضي حسن الإدراك، والإدراك قوّة تمكّن المرء من ربط الصور والمعاني الشاملة بالإدراك العقلي” (7). وكتب البيهقي: “الفقه بمعناه الدقيق هو ظنّ لا علم، لانّ العلم له شان آخر، لأنّه اعتقاد أنّ حكماً ما هو كذا بحسب مراد الله هو زعم يستحيل البرهان عليه” (8)، فسمة “الطبيعة الإدراكّية للتشريع الإسلاميّ “أساسيّة من أجل ما تشتدّ الحاجة إليه من تقبل تنوّع المناهج والمشارب بين المذاهب الإسلامّية.

  1. كلية منظومة التشريع الإسلامي ّ:

أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: الميزة الرئيسة للتحليل المنظومي التكاملي على التحليل التجزيئي – من وجهة نظر فلسفة المنظومات – هي طبيعته الكلية الشموليّة، في مقابل المقاربة الجزيئية/ الذرّيّة التقليدية. وكان من سمات مناهج التفكير البشريّ الغالبة إلي عهد قريب التفكير الجزئي القائم على علاقة السبب الواحد بالنّتيجة الواحدة. لكن الآن يتحرّك البحث في العلوم الطبيعية والاجتماعّية بشكل واسع من منهج “التحليل بالقطعة” بعلاقاته التقليدية وعباراته المنطقيّة، إلى تفسير كلّ الظواهر الطبيعية والاجتماعية انطلاقاً من منظومات كلية (9). بل إن آخر ما وصل إليه العلم اليوم قد أظهر لنا أنّه حتّى الثنائيات الطبيعية الأساسيّة، مثل الزمان والمكان، والجسم والعقل، لا يمكن الفصل بينها فصلاً كاملاً دون أن نفترض فرضيات تقريبية (10).

فنظرية المنظومات ترى كل علاقات السبب والنتيجة كأجزاء من صورة كلية، تنجم لها – عن مجموعات العلاقات داخل المنظومة – خصائص جديدة، وأنّ هذه العلاقات تتصل فيما بينها لينشأ عنها “كلّ” هو أكثر من مجرد “مجموع الأجزاء”.

أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامية: فنجد أنّ حجية ما كان الفقهاء كالشاطبي يسمونه “الدليل الكلي” هي من الأصول الثابتة في التشريع الإسلامي (11)، بل إن الفقهاء لا يجيزون “أن يعود الدليل الجزئي على الدليل الكلي بالبطلان” (12). إنّ إحياء منهج ولغة التفكير الكلي في تناول أصول الفقه سيكون مفيداً ليس فقط لفلسفة التشريع الإسلامي وإنما أيضاً لعلم الكلام، وذلك بغية الوصول إل أدلة أكثر منطقية باعتبار المنظومات المعاصرة، بما في ذلك براهين وجود الله تعالي.

  1. سمة الانفتاح في منظومة التشريع الإسلامي ّ:

أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: كان منظّرو المنظومات قد فرّقوا بين المنظومات المنفتحة والمغلقة، وأكّدوا على أن أي “منظومة حيّة” لابد وأن تكون منفتحة (13). وينطبق هذا على الكائنات الحّية، وكذلك على أيّ منظومة يراد لها البقاء (14). وقد ربطوا كذلك سمتا الانفتاح والغائيّة في نظريته المنظومية مع “تنوع النهايات وتساويها”، بمعني أن تتمتّع المنظومة المنفتحة بالقدرة على الوصول إل نفس الأهداف من مختلف الظروف الأوليّة المختلفة، وعن طريق بدائل تكون متساوية في صحّتها. وما يطلق عليه “ظروف أوليّة” هو ما ينشأ من البيئة من مؤثرات. فالمنظومة المنفتحة تتفاعل إذن مع البيئة التي هي خارج المنظومة، بحلاف المنظومات المغلقة التي هي منعزلة عن البيئة.

أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلاميّة: فإن منظومة التشريع الإسلاميّ منظومة “منفتحة” و “متجددة” بالمعني الذي ذكرناه. غير أنّ عدداً من الفقهاء لا يزالون يدعون إل “إغلاق باب الاجتهاد في الأصول” (15)، وهذا من شأنه أن يؤدّي في الحقيقة إلي تحويل التشريع الإسلامي إل “منظومة مغلقة”، بل وسوف يقود في نهاية المطاف إلي “جمود” التشريع الإسلاميّ، بمعني توقّفه عن التفاعل مع مقتضيات العصر والواقع. غير أنّ كلّ مذاهب الفقه المعروفة والأكثرية السّاحقة من الفقهاء عبر القرون متّفقون على أنّ الاجتهاد أمرٌ ضروري للفقه الإسلامي، وذلك لأن “النصوص (الخاصة) تتناهى، والحوادث لا تتناهي ” (16). ومن هنا فإنّ الأصوليين قد طوّروا آليات محددة للتعامل مع الحوادث والمسائل الجديدة، أو بالتعبير المنظومي أن الفقه “يتفاعل مع البيئة.” وبعض هذه الآليات التي ظهرت للتعامل مع المسائل الجديدة هي القياس والمصلحة واعتبار العرف. غير أن هذه الآليات، كما سيظهر في وقت لاحق، تحتاج الآن إلي التجديد حتي تعطي التشريع الإسلاميّ “مرونة أكبر” يستطيع التجاوب من خلالها مع الظروف السريعة التغير في هذا العصر. لهذا فإنّ آليّات “الانفتاح” ودرجاته ستكون واحدة من السّمات التي نعتمدها في التحليل النقدي الذي سوف نقدمه لمنظومة الأصول الإسلاميّة، ومنظوماتها الفرعّية المتعلقة بآليات الاجتهاد المختلفة.

  1. التركيبة الهرمّية لمنظومة التشريع الإسلامي وتقسيماتها البينّية:

إنّ تحليل ما نريد تحليله عن طريق النظر إليه كتركيبة هرمّية هي مقاربة أساسية وشائعة في الطرق المنظومية والتجزيئية على حد سواء. وتوزيع المنظومة الكلية إلي فئات أو أجزاء هي عمليّة تسعى إلي تمييز الاختلاف أو التماثل بين سمات هذه الأجزاء، كل سمة تحدد بعداً في فضاء السمات المتعدد الأبعاد. وبالتالي، فالأجزاء التي يغلب على سماتها التماثل تتبع نفس المجموعة أو الفئة، والأجزاء التي يغلب على سماتها الاختلاف تتبع مجموعة أو فئة مختلفة (17). فهذا العمل واحد من أكثر الأعمال الإدراكّية الأساسيّة أهميّة، إذ يقوم البشر من خلاله بفهم المعلومات التي يتلقّونها، ويصوغون التعميمات والتنّبؤات، ويطلقون الأسماء والمسميات على مختلف عاصر وأفكار الشيء قيد البحث ويقّومونه بناء على ذلك (18).

وهناك في علم الإدراك تفسيران نظريّان لعملية التقسيم أو التصنيف، وهما في نظري يعكسان طريقتين بديلتين لتقسيم الأشياء فعلا إلى فئات متمايزة. وهذان التفسيران البديلان هما: (1) التقسيم المبنّي على “تشابه السمات”، و(2) التقسيم المبنيّ على “المفاهيم العقليّة” (19).

(1) تقسيم الأشياء إلى فئات بناء على تشابه السّمات يسعى إلى الكشف عن نواحي التشابه والاختلاف التي يطلقون عليها “طبيعية” بين الأشياء التي يجري توزيعها إلي فئات، ويقاس التشابه أو الاختلاف بين شيئين بحسب تطابقهما أو اختلافهما بحسب ´”سمة” أو صفة طبيعية ما جرى تحديدها من قبل (20). ويحكم على الشيء بأنّه يتبع فئة معينّة عبر مطابقة سماته مع سمات “نموذج مثاليّ” يمثل هذه الفئة تمثيلاً كاملاً (21).

(2) أمّا بحسب الطريقة الأخرى، فإنّ توزيع الأشياء إلى فئات يحدّد الفئات بناء على مفاهيم عقليّة، بدلاً من توزيعها بحسب التشابه والفروق بين سماتها. والمفهوم العقليّ هو مبدأ أو نظريّة غير ظاهرة للعيان، تنطبع في إدراك القائم بالتصنيف، بما يشمل الرّبط المركّب بين الروابط السببيّة والمفسّرة التي تشكّل إطاراً بنيوّياً. فليس المفهوم كالسمة البسيطة التي تتصف بأنّها إما أن تنطبق أو لا تنطبق على الشيء المصّنف، وإنما هو مجموعة من المعايير متعددة الأبعاد، يمكن أن تكون أساساً لتوزيع الأشياء، وفي وقت واحد، إلي فئات متعددة. وينتج المفهوم فئات ليست بالضرورة قاطعة وواضحة الحدود، وإنما هي فئات يطلق عليها “تقريبية”، أو “غامضة”، أو “ظنية” (22)، أي أنّ الخط الفاصل بين الفئات ليس عدداً واضحاً أو خطاً محدداً، وإنّما هو إحساس يمكن أن يتفاوت في حدود “معقولة” من شخص إل آخر (23).

لقد وجّد النقد إلي التوزيع على أساس السمات بسبب وجود عدد من نواحي القصور فيه والتي لا توجد في التوزيعات المبنية على مفاهيم. نورد فيما يلي الأسباب النظرية وراء تفضيلنا لطرق توزيع الأشياء إلي فئات على أساس المفاهيم بدلاً من توزيعها على أساس السمات، وهي الأسباب التي ستستخدم هنا فيما بعد لنقد الطرق التقليدية في تقسيم المذاهب الفقهية على أساس سمات تبسيطية زعموا أنها تفصل بينها.

  1. إنّ طرق التصنيف المبنيّة على المفاهيم متكاملة ومنظوميّة، بعكس الطرق المبنّية على السّمات، لأن هذه الأخيرة تتعامل مع الأشياء وكأنّها قوائم من الصفات أو السّمات التي لا علاقة بين بعضها البعض، وهي بهذا تضيّع الكثير من المعلومات القيمة اللازمة للتحليل.
  2. إن الطرق المبنية على السمات قد ينجم عنها تعميمات مبالغ فيها، وذلك عن طريق تحديد مقدار كبير من المعلومات إلي قرارات تبسيطية حول وجود أو عدم وجود واحدة أو أكثر من السمات.
  3. إنّ التصنيفات المبنيّة على السّمات لا تسمح بوجود أطياف من المستويات في عضوية الشيء في فئته، لأنّها مبنية على طريقة التوزيع إلى خلايا، يحكم على عضوية الشيء في فئته بالصواب أو الخطأ بشكل قاطع.
  4. في عملية التقسيم إلى فئات على أساس السمات، يحصل أحيانا من أجل المحافظة على تجانس السمات أن تغفل سمات مهمّة لا تتحقّق فيها التصنيف الثنائي أي إما موجودة أو غير موجودة.

لهذا فإنّ هذا البحث سيعتمد المفاهيم أساساً لتقسيم الفئات – أي فئات – ونطّبق ذلك على أصول الفقه الإسلاميّ ومذاهبه ومناهجه، كما سنبيّن في ثنايا البحث نواحي النقد في الفئات التي عرفت حدودها على أساس السّمات. غير أنّ التقسيمات في هذا البحث لن تقتصر على التركيب الهرمي أو الشجري، بل إنّ التحليل سوف يمضي بعد ذلك إلي تحليل العلاقات البينية بين المفاهيم الثانوية دون الاقتصار على التحليل المنطقيّ الصوريّ كما هو الحال في قياس أرسطو أو سلاسل الاستنتاج عند راسل، وإنّما سيركّز على الأثر العملي لتطبيق الأحكام الفقهية المبنية على هذه المفاهيم.

  1. تعدّد أبعاد منظومة الشريعة الإسلامية:

أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: هناك بعدان معتبران في مصطلحات تعدد الأبعاد في المنظومات، وهما الرتبة والمستوى. أما رتبة الأبعاد، فهي عدد الأبعاد الموجودة في “المجال” الخاضع للبحث. وأما مستوى الأبعاد فهو محدد المستويات أو المقادير النسبية الممكنة في أي من الأبعاد. تميل الفلسفة في صورها الشائعة إلي التفكير في سياق رتبة واحدة ومستويين، فتنظر عادة إلي الظواهر، بل وحتى الأفكار ذات “الميول المتعارضة”، في سياق معيار واحد فحسب، وعلى هذا فتبدو الظواهر أو الأفكار “متناقضة” لا “متكاملة”، وتحلّل بطريقة الاختيار الحتمي لأي من النقيضين، لا على طريقة تعظيم المكاسب للطرفين (24). فبحسب هذه النظرة يعبر دائماً عن الظواهر والأفكار على أساس التقابل بين شعبتين متعارضتين يستحيل الجمع أو التوسط بينهما. على سبيل المثال، يتوهم الناس أن عليهم الاختيار الحتمي بين الدّيني والعلمي، بين التجريبي والمنطقي، بين الماديّ والغيبي، بين الواقعي والاسميّ، بين الاستنباطي والاستقرائي، بين العام والخاص، بين الجمعيّة والفرديّة، بين تقديم الغاية وتقديم الأخلاق، بين العقل والمادّة، بين الموضوعي والمشخص، وهلم جراً. والتقابلات التي ذكرناها كلها تمثّل التفكير الأحاديّ البعد الأحادي الرتّبة، حيث يكون التفكير منصباً على عامل واحدٍ فحسب، هذا مع أنّ هذه الأزواج من الظواهر أو الأفكار قد تكون “متكاملة” بحسب أبعاد أخرى. فالعلم والدّين قد يتعارضان – حسب النّظرة الشائعة على أي حال – من حيث أن الدين يعطى المكانة الأولى للنص الديني على عكس العلم، بينما يمكن اعتبارهما متكاملين في سعي كلّ منهما لتحقيق سعادة البشر مثلاً، أو من حيث اهتمام كل منهما بأصل الحياة والخلق، وما إلي ذلك. ويمكن أن ينظر إلى العقل والمادّة على أنّهما متضادان من حيث علاقتهما بالحواس الخمس، بينما تنظر أحدث نظريات علم الإدراك وعلوم المخ إلى العقل والمادّة على أنهما متكاملان يؤثران ويتأثران ببعضهما البعض، وكذلك ينظر إليهما علم الذّكاء الصّناعي الذي يسعى لبناء “الآلات الذكية”. وهكذا بالنسبة لبقية الثنائيات المتقابلة المذكورة.

وغياب النظرة المنظومية المتعدّدة الأبعاد يظهر في الأحكام الثنائية التبسيطية الشائعة للاتجاهات التي يتوههما البعض أنها متعارضة، بينما يمكن تحسين تلك الأحكام إذا نظرنا إلى تلك الاتجاهات المتقابلة على أنّها أقصى نقطتين على منحني أو طيف من النقاط. من هنا فإن الصّورة غير الملونة (أي بالأبيض والأسود) تشوّه كثيراً من التفاصيل التي تكون في الصّورة الملوّنة، ولكن التشويه الذي يحدث بسبب الاقتصار على لونين اثنين فقط – وهما الأبيض والأسود – لا يبقي لنا فرصة للتعرف على أي ملامح في الصورة.

والجدل الشائع بين العامة كثيراً ما يقع في أغلوطة الثنائيات الموهومة أي الاختيار الحتمي بين احتمالين، مثل قطعي أو ظني، ربح أو خسارة، أبيض أو أسود، منخفض أو مرتفع، جيّد أو سيّئ. ففي مجال الألوان مثلاً، نرى أنّ التفكير على أساس أحاديّة الرتبة، ينظر إلى الأشياء من خلال اللونين الأبيض والأسود فقط، بينما الأصل أن ننظر إلي اللونين الأبيض والأسود علي أنهما يقعان على طرفي منحني أو طيف يحتوي على عدد غير محدود من مستويات الرّماديّ.

أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامّية: فسوف يظهر لنا من التحليل الشامل الذي نعرضه فيما بعد أن التفكير المذهبي التقليدي كان فيه مقدار كبير من البعد الأحاديّ والأغلوطات الثنائّية. فالطرق الأحاديّة البعد تنظر إلي عامل واحد فحسب في أثناء بحث المسألة المطلوبة. من هنا فإنّ الغالبية العظمي من الفتاوى كانت تصدر بناء علي دليل واحد كثيراً ما كان يسمي “دليل المسألة”، هذا مع أنّ في المسألة أدلّة وليس دليلاً واحداً، و الجمع بين هذه الأدلة دون إقصاء لبعضها قد يؤدي إلي نتائج وأحكام مختلفة.

وهذا موضوع قائم بذاته ظلّ يبحث في بحوث قديمة وحديثة كبحث مستقل من بحوث أصول الفقه تحت عنوان تعارض أو اختلاف الأدلّة. ونرى في هذا البحث أن طريقة “الجمع بين الأدلّة” مثال على تبنّي طريقة تعدّد الأبعاد.

نجد من جانب آخر أنّ الأحكام المبنية على الاختيارات الثنائية، مثل الواجب/ الحرام، ناسخ/ منسوخ، صحيح/ فاسد، منضبط/ موهوم، وما إلي ذلك، هذه الأحكام وضعت قيوداً على التشريع الإسلامي أن يعتبر المساحات الرمادية الواقعية. وسوف يظهر من خلال التحليل في هذا البحث كيف أنّ بعض المذاهب الفقهية قد اقترحت وجود “مرتبة بين المرتبتين” لتوسيع التصنيفات الثنائية، وقد ساهم هذا في إيجاد جوّ من الواقعيّة والمرونة على التشريع الإسلامي في حالات كثيرة.

  1. غائية منظومة التشريع الإسلامي:

أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: من السمات الشائعة في نظريات المنظومات الغائية والارتباط بهدف، غير أن غاراجيداغي اتّبع رأي آكدوف في التفريق بين “الأهداف” و”الغايات”، فاعتبر المنظومة غائية إذا استطاعت أن تنتج: ” (1) نفس النتيجة بطرق مختلفة وفي نفس البيئة، و (2) أن تنتج نتائج مختلفة في نفس البيئة أو بيئات مختلفة” (25). يتبيّن من هذا أن المنظومات المّتجهة للتوصّل إلي هدف تنتج نتائجها بشكل آلي باستخدام نفس الوسائل، إذا بقيت البيئة ثابتة، وليس لديها خيارات أو بدائل لتغيير وسائلها للتوصل إلي نفس الأهداف. بينما يمكن للمنظومات المّتجهة للتّوصل إلي مقاصد أن تتبنّى وسائل مختلفة للتوصل إلي نفس الغاية أو المقصد. يضاف إلي هذا أنّ المنظومات المتجهة للوصول إلي أهداف لا يمكنها أن تنتج نتائج مختلفة في نفس البيئة، لأنّ نتائجها تحدث من خلال “برمجة مسبقة” بشكل أو بآخر. غير أنّ المنظومات المتّجهة للوصول إلي مقاصد يمكن أن تنتج نتائج مختلفة مع بقاء البيئة على ما هي عليه طالما أن هذه النتائج المختلفة تحقق المقاصد المطلوبة.

أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامية: فإنّ السبّبية في سياق البحث الكلامي في أفعال الله كانت موضوع بحث طويل. وكان السؤال الذي يجري نقاشة هو: “هل أفعال الله معللة أم لا؟” من المهمّ أن نلاحظ أن مفهوم التعليل/ الأسباب لم يكن يجري في علم الكلام التفريق بينه وبين مفهوم الأغراض/ المقاصد/ الحكم (26).

وإنّما كان يجري التفريق بين هذين المفهومين في مجال الاجتهاد الفقهي (27). إنّ البحث الفلسفي الكلامي حول التعليل ذو علاقة بمباحث هذا البحث، لأنّ الشريعة الإسلامّية نفسها هي من حيث العقيدة “فعل إلهيّ” أتتنا عن طريق الوحي، والأغراض التي من وراء الشريعة هي إذن مقاصد الشّريعة. فالسؤال إذن هو: هل هناك من قصد من وراء تنزيل الله تعالى لهذه الشريعة؟ وقد أعطانا الكلامّيون على هذا السؤال ثلاثة أجوبة:

  1. إنّ أفعال الله “يجب” أن يكون لها أسباب/ مقاصد: قسَّم المعتزلة والشّيعة (كلهم عدا بعض الاستثناءات) كلّ الأفعال إلي أفعال “حسنة” وأفعال “قبيحة” (28). واعتقدوا أن في كل فعل سمة “ذاتية” من هاتين السمتين (الحسْن أو القبح)، غير قابلة للتغير بتغير الظروف. ثم اعتقدوا أنّ العقل الإنسانيّ قادر بذاته على التحسين والتقبيح العقليين”، أي على معرفة الحسن من القبيح ولو دون وحى إلهي. وبما أنّ تحديد التحسين والتقبيح أعمال عقلية، فإن المعتزلة طبقوهما سواء بسواء علي البشر وعلى الله تعالى (بناء على “أصل العدل” عندهم). ففيما يخصّ البشر، تكون الأفعال الحسنة عندهم “واجبة” وتكون الأفعال القبيحة “محظورة”. وأمّا فيما يخص الله تعالي، فإن الأفعال الحسنة هي أفعال – حسب تعبيرهم – “تجب على الله،” والأفعال القبيحة هي أفعال “يستحيل علية فعلها”، حسب تعبيرهم كذلك. ويعتقدون أيضا أن الأفعال التي لا علة ولا غرض لها عبث، وهي إذن أفعال قبيحة، ولهذا فهم يعتقدون أنّ كل أفعال الله تعالي “معللة” (29).
  2. إنّ أفعال الله تعالى هي فوق الأسباب والمقاصد. كان الأشاعرة (والسّلفية، بما فيهم الحنابلة) قد تبنّوا موقفاً ينطوي على ردّ الفعل على كلام المعتزلة السابق، فتطرّفوا إلي الجهة المقابلة. فقد أقرّ هؤلاء بأن الفعل يمكن أن يكون “حسنا” أو “قبيحاً” ولكنهم قرّروا أنّ تقرير القبْح والحسن يجب أن يبنى على الشريعة لا على العقل. ففي غياب الشريعة – هكذا يقول الأشاعرة – يمكن أن يكون أي فعل “حسن” أو “قبيح” على حدّ سواء (ولكن حتّى نكون دقيقين، نضيف هنا أنهم كانوا قد استثنوا من ذلك العلم في مقابل الجهل، والعدل في مقابل الظلم (30))، وقالوا بناء على ذلك إن الله تعالى “لا يجب عليه” فعل شيء أصلاً” وأن كل ما يفعله هو “خير” و :حسن.” لهذا يعتقد الأشاعرة أن أفعال الله تعالى حي “فوق الأسباب”، لأنّ من يفعل الشيء لسبب هو بحاجة إلى ذلك السبب، بينما الله تعالى لا يحتاج لشيء (31). واحتج الأشاعرة أيضا بأن الله تعالى هو مسبب الأسباب، وخالق الأسباب، وخالق نتائجها كذلك، ولهذا فهو يفعل ما يشاء دون أن يحتاج أن يلتزم بأي شيء يلزمنا من أحكام الأسباب والمسببات” (32). وقد بنى الأشاعرة أصول فقههم وفلسفتهم الأخلاقيّة على المنطق الذي ذكرناه. فقد ذكر الغزالي – مثلاً – أنّ “نظرية الوسط” (وهي ما يطلق عليه أيضا مبدأ أرسطو في الاعتدال) صحيحة لأنّ “نصوص الشّرع قد أيّدتها، وليس لأنّ العقل يوافق عليها كما يقول الفلاسفة” (33).
  3. الاتجاه الثالث يرى أن أفعال الله تعالى لها أسباب ومقاصد رحمة منه بعباده. وهذا هو الرأي المتوسّط الذي تبنّاه الماتريدّية، وهم فريق من الحنفية لا يبلغ عددهم عدد الفرق التي ذكرناها. وارتأى الماتريديّة أنّ المعتزلة مصيبون في اعتقادهم أنّ أفعال الله تعالى مسببة، ولكنّهم مخطئون في جعل الله “ملزماً” أن يفعل ما يفعل. وارتأى الماتريديّة أيضاً أنّ الأشاعرة مصيبون في قولهم إنّ الله تعالى “لا يحتاج” إلي الأسباب، ولكنّهم قالوا إنّ الأسباب والمقاصد والمصالح هي “حاجات” للبشر، لا لله تعالى. وقبل الماتريديّة مبدأ التحسين والتقبيح، ولكنّ “العقل” عند الماتريديّة لا يملك السلطة ليحكم مستقلاً عن الشرع على ما هو حسن وما هو قبيح، وإنما العقل “آلة” منحها الله للإنسان لكي يدرك الحسن والقبح إذا أُعلم به (34).

لقد خالف كثير من الفقهاء الذين هم “رسميّاً” أشاعرة من حيث المذهب المعلن – خالفوا الموقف الأشعري فيما يخصّ عدم تعليل أفعال الله بأسباب، وتبنّوا موقفاّ هو أقرب إلى موقف الماتريديّة في هذا الخصوص، غير أن هؤلاء الفقهاء دفعتهم الظروف السياسية والخوف من الاضطهاد – في ما يبدو لي- أن يبقوا على مسافة بينهم وبين رأي المعتزلة بأن يعلنوا رفضهم لمبدأ “التحسين والتقبيح” المعتزلي. ومن أمثلة ذلك موقف الآمدي (توفّي عام 631 هـ/ 1234م) (35)، والشاطبي (توفي عام 790 ه/ 1388 م) (36)، وابن تيميّة (توفّي عام 728 ه/ 1328 م) (37)، وابن القيم (توفّي عام 748 ه/ 1347 م) (38). وابن رشد (توفّي عام 584 ه/ 1189 م) (39). وقد كان هجوم ابن رشد على الأشاعرة هو الأشد، فقد كتب في نقده لكتاب التهافت بأنّ: “أولئك الذين ينفون الأسباب ينفون العقل نفسه” (40).

ومّما يجدر ذكره أنّ الشاطبي اعتبر مقاصد الشّريعة العامة أرسخ من أصول الفقه نفسه. فقد عدّ من بين ما أسماه “أصول الدّين وكلّيّات الملّة” المقاصد من وراء فعل الله التشريعي – خلافاً للرأي الأشعري المعروف (41).

ولنلاحظ في نهاية استعراضنا للسمات الستّ للمنهج التحليلي المقترح لهذا البحث، ألا وهي: الطبيعة الإدراكية للمنظومة، والكليّة، والانفتاح، والتركيب الهرميّ ذو العلاقات البينّية، وتعدّد الأبعاد، والغائّية، أن هذه السّمات يرتبط بعضها ببعض بصلات منطقية وثيقة. غير أنّ سمة الغائيّة هي السّمة التي ترتبط أكثر من غيرها بكلّ من السّمات الأخرى، وتّمثل منهج التحليل المنظومي الرئيس الذي سيتبّناه هذا البحث. نورد فيما يلي موجزاً مختصراً للعلاقات بين سمة الغائية أو “المقاصديّة” والسمات الأخرى لمنهج التحليل المنظومي المقترح.

  1. تتعلق المقاصدية بالطبيعة الإدراكية للتشريع الإسلاميّ، لأنّ المطروحات المختلفة حول طبيعة مقاصد الشريعة الإسلامية وبنيتها تعكس في الواقع طرق إدراك الفقيه لطبيعة الشريعة نفسها وبنيتها.
  2. إنّ المقاصد العامّة للشريعة الإسلامّية إنما هي الصفات الكليّة والمبادئ العامّة للشريعة.
  3. إن مقاصد الشريعة الإسلامية تقوم بدور محوريّ في عمليّة الاجتهاد، بمختلف أشكاله في التعامل مع الواقع، لكونها الآليّة التي تحافظ الشريعة الإسلامية بها على “انفتاحها”.
  4. يمكن النظر إلي مقاصد الشريعة الإسلاميّة من خلال عدد من طرق التراكيب الهرمّية – كما مر-، بما يوازي التراكيب الهرميّة لمنظومة الشريعة الإسلامية نفسها.
  5. توفّر المقاصد أبعاداً متعدّدة تساعد في حلّ وفهم “التعارض الظاهري” و “الأدلة المتعارضة” سواء في نصوص الكتاب والسنّة أو في طرق الاستنباط في التشريع الإسلامي.

لهذا سوف أعتبر مقاصد الشّريعة الإسلامية هي المبدأ الرئيس والمنهج الأساسيّ في التحليل المبني على المنظومات والذي يتبنّاه هذا البحث. وبما أنّ فعّاليّة أي منظومة تقاس بمقدار ما تحقّقه من مقاصدها (البشريّة أو “الطبيعيّة”)، فإنّ الصواب في منظومة التشريع الإسلاميّة سيجري قياسه في هذا البحث بناء على تحقيق هذه المنظومة لمقاصدها.

نحو إعطاء الشرعيّة لكلّ “الإدراكات”هل الاجتهاد”وحي”؟

معنى الفقه عند الفقهاء هو أنّه “الفهم” (42)، وأنّه “تصوّر” (43)، وأنّه “إدراك” (44). ولكن الآراء والفتاوى الفقهية كثيراً ما يشار إليها على أنّها “حكم الله” ورغم أن نصوص الكتاب الإلهي والسنّة التشريعية وحي من السماء، إلا أنّ فهم الكتاب والسنّة يخضع لفهم الحياة ورؤية العالم عند المفسّر أو الفقيه. ولكن يلاحظ أنّ التأويلات البشرية وفهم الناس للقرآن والسنّة كثيراً ما تعرض على أنّها “أمر الله وحكمه”، وهذا تعسف مقصود غرضه تحقيق رغبات عدد قليل ولكنه متنفّذ من ذوي السلطان (45).

يضاف إلي هذا أن نتائج الاجتهاد كثيرا ما تعتبر جزءا من “الوحي”، مع أن نفس تعريف الاجتهاد وشرعّية طرقة تخضع لتنوّع كبير من الآراء والاختلافات البشرية. ومن أوضح الأمثلة على ذلك موضوع الإجماع: فرغم التفاوت الكبير في الآراء حتى حول تعريف الإجماع نفسه كما هو معروف لدى دارسي أصول الفقه، فإن كثيرا من الفقهاء من القدماء والمحدثين على حد سواء يعتبرون الإجماع “دليلاً قطعّياً كالنصّ”، وأنّه “دليل نصبه الشارع”، بل عدّوا ردّ الإجماع كفراً، حيث قالوا: “جاحد الإجماع كافر” (46). ولكن السؤال هو: أيّ إجماع هذا؟، ويعرف كل قارئ له خبرة بكتب فقهنا التقليديّة أنّ الفقهاء كثيراً ما يدّعون الإجماع، مع أنّ الحكم يكون عرضة لخلاف واضح ومعروف، وذلك بغية الانتصار لرأي ما. فقد راجع ابن تيميّة مثلاً كتاب ابن حزم عن مراتب الإجماع في كتاب سماه: نقد مراتب الإجماع. وذكر ابن تيميّة أن ابن حزم نقل عدداً من الأمثلة التي لم يكن الفقهاء دقيقين في ادّعائهم وجود الإجماع حولها، وذلك في معرض خوضهم في مواضيع اجتهاديّة، دون ملاحظة منهم لتعدّد الآراء حول الموضوع الذي يبحثونه وبالتالي بطلان دعوى الإجماع. من ذلك مثلا: دعوى الإجماع على أن من ينكر الإجماع مرتد، ودعوى الإجماع على عدم جواز إمامة النساء للرجال في الصلاة تحت أي ظرف بل ودعوى الإجماع على أن الجزية مقدارها أربعة دنانير ذهبيّة! (47).

ولكن يبدو لي أنّ الإجماع ليس “مصدراً من مصادر التشريع” كما يقال، بل هو مجرد آلية لتجميع الآراء، أو لنقل بلغة اصطلاحية معاصرة إنه آلية لاتّخاذ قرار جماعيّ. غير إنّ الإجماع استخدام (أو أسييء استخدامه بالأحرى) من قبل بعض الفقهاء المتأخرين حتى يحتكروا الفتوى ويقصروها على نخبة يريدون لها المركزية لتهمش الآخر، بحسب مصطلح ما بعد الحداثة. ولكنّني أوافق الحداثّيين الذي قالوا إنّ مبدأ الإجماع يمكن استخدامه اليوم “كآلية للتوصّل إلى فتوى جماعيّة” (48)، وخاصّة في وجود “التقنية الحديثة والتواصل الآني بين أطراف العالم” (49). وأوافق من جانب آخر على مقترحات أخرى تحاول تطوير الإجماع ليصبح شكلاً من أشكال الرأي العام بهدف “المشاركة المجتمعية في أمور الدولة” (50).

ومن ناحية أخرى اعتبر بعض الفقهاء أنّ طريقة الاستنباط الاجتهادية المسماة بالقياس هي طريقة تستمد حجيتها من الوحي. واستدلوا على ذلك بأن “تشبيه فرع بأصل تشبيه الشارع (أي الله تعالي)” (51). لذلك، فإنّه حتى في الحالات الواضحة من الاجتهاد عن طريق القياس، يعتبر الفقهاء أنفسهم “محدثين باسم الله تعالي” (52). ومثل هذا التفكير “مصيبة” كما قال جارودي، حين: “تضيع الحدود بين كلام الله تعالى وكلام البشر” (53).

التفريق بين ما هو وحي وما هو “إدراك”:

تبنّى مجموعة من الفقهاء، يعرفون في الكتابات الأصولية باسم “المصوّبة”، تبنّوا الرأي القائل أنّ الأحكام الشرعية هي ما يغلب على ظن المجتهدين أنه الصواب حين يستدلون بالنصوص. ومثل هذا التحديد يفرّق تفريقاً بيناً وضرورياً بين آراء البشر والنص الموحى (54)، كما أنّ المصوّبة توصّلوا في الآراء الفقهية إلى أنها بالرغم من تضاربها تعبر كلها عن الحقّ، وأنها كلّها صواب (55)، بل مضت “المصوّبة” إلى أبعد من هذا حين صّرحوا أن “الحقّ يتعدّد” (56)، وهي فكرة أثّرت فيما بعد على “الفلسفة الغربّية” في القرون الوسطى من خلال تأثير ابن رشد (57). إن الفقهاء الذين كثيرا ما تبنوا مثل هذا الرأي كانوا من فريق الفقهاء الفلاسفة، مثل أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر بن العربي، وأبي حامد الغزالي، وابن رشد، وعددٍ من المعتزلة، مثل أبي الهذيل، وأبي علي، وأبي هاشم. وقد عبّر الغزالي عن نظرتم هذه بقوله: “حكم الله هو ما يغلب على ظن الفقيه انه صواب” (58)، غير أنّ الغزالي استثني الأحكام التي “ثبتت بالنص” (59). ولكن ما يطلق عليه “النصّ” يمكن أن يحمل عدداً من التأويلات والمضامين، وهذا يجعل كل الأحكام الاجتهادية راجعة – في ما يبدو لي- إلى “ما يغلب على ظن الفقيه أنه صواب”.

أمّا مقاربة الفقه من وجهة المنظومات فإنّها تعني النظر إلى الفقه على أنّه “منظومة” بالمعنى الأنطولوجي للتعريف، أي الذي يتعلّق بنظريّة الوجود. ومن هنا، فإنّ تطبيق سمة “الطبيعة الإدراكيّة للنظم” ستقودنا إلى نتيجة مماثلة لما توصّلت إليه “المصوّبة”، أي أنّ الحكم هو ما يحكم الفقيه بإدراكه البشري أنّه أقرب شيء إلي الصّواب، وذلك يستوجب أنّ مختلف الآراء الفقهيّة كلّها تعبير صحيح عن الحقّ (أو وجوه مختلفة من الحقّ نفسه)، وأنّها كلّها صحيحة.

وحتّى نمّيز بشكل سليم ما هو وحى ممّا هو فقه أو إدراك، فإنّ الشكل (1) يطرح العلاقات بين الفقه والشريعة والعرف والقانون، ويعتبر “الطبيعة الإدراكّية” للمنظومات البشريّة، ومنها الفقه. ولذلك فإنّ الفقه نُقلِ هنا من مجال “المعرفة الموحاة” إلي مجال “الإدراك البشري للمعرفة الموحاة.” والقصد من هذا وضع تمييز واضح بين الشريعة والفقه، ممّا يعني انّه ليس هناك من رأي فقهيّ يتعلق بالمسائل العملية يستحق أن يطلق علية “مسألة عقيدة”، بصرف النظر عن مقدار ثبوته، ودلالته، والإجماع” الذي بني عليه، أو القياس الذي استخدم في التوصّل إليه.

يضاف إلي هذا أنّه بناء على التمييز بين أصناف تصرفات النبي صلي الله عليه وسلم من حيث مقاصدها، فإنّ جزءاً من السنة النبوية نقل خارج دائرة “الوحي،” وهناك جزء آخر يجب أن يقع في “الجزء الحدودي” على محيط الدائرة، وهذا تعبير من مصطلحات نظرية المنظومات (60)، وهذا الجزء الحدودي هو القسم من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم الذي عالج حالات خاصة كالقضاء والإمامة، وهو بهذا يقع على الحدّ بين الوحي والأحكام البشرية المحض.

الشكل رقم (1)

الفقه وجزء من سنّة النبي نُقلاً هنا من تصنيف الوحى إلي كونهما تعبيراً عن الإدراك البشري للوحى“.

لهذا فإنّ أحاديث النبي صلي الله عليه وسلم تصنّف تحت واحد من الأصناف الثلاثة التي تظهر في الشكل رقم 1، أي (أ) و (ب) و (ج)، بحيث أن الصنف (ج) الذي يتعلق بالخصوصية البشرية للنبي صلي الله عليه وسلم لا يدخل في مجال الشريعة أصلاً.

  1. الأحاديث في هذه الفئة هي نقل النبي صلي الله عليه وسلم المباشر للرسالة السماويّة، وهي ما سمّاه القرافي “التصرّف بالتبليغ”.
  2. والأحاديث في هذه الفئة اجتهادات صحيحة ولكنها ذات أغراض محدّدة مرتبطة بالحالات الراهنة، وليست نقلاً مباشراً للرسالة السماوية. فالأحاديث من هذه الفئة يجب أن تفهم وتطّبق فقهاً في سياق مشابه للسياق الأصلي.
  3. أما الأحاديث في هذه الفئة فتقع في مجال الحياة البشرية المعتادة وما يتّخذ النبي صلي الله عليه وسلم من قرارات بشأنها، أو يتصرف حيالها، وهي ما وصفه ابن عاشور على انه حال “التجرد من الإرشاد”، على حد تعبيره.

من ناحية أخرى، فإنّ الشكل (1) يشير إلي أنّ التقاطع بين العرف والفقه يجب أن يفهم على مستوى أعمق من اعتبار العرف في بعض الشكليات واللهجات عند تطبيق الأحكام الشرعية. وسيأتي فيما بعد مبحث يفصّل العلاقة بين الفقه والعرف على ضوء مقصد العالمية في الفقه الإسلامي، وهو ما طرحه ابن عاشور في كتابة مقاصد الشريعة الإسلامية. فالفقه ينبغي أن يستوعب من الناحية العلمية العرف الذي يحقّق مقاصد الشريعة، حتى وإن كان هذا العرف مختلفاً عن دلالة ظاهر النصّ. والفصل الحالي سوف يتوسّع كذلك من معنى العرف في ضوء “رؤية العالم”، أخيراً فإنّ كلا العرف والفقه يجب أن يساهما في صنع مواد القانون، على أن يبقى للمشرعين المجال المفتوح في تحويل الأعراف أو أحكام الفقه إلي قوانين مفصلة يجري وضعها بحيث تكون أنسب للمجتمع وحاجاته، لا أن تنقل الأحكام الفقهية من مذهب ما أو متطلبات الأعراف كما هي لتكون هي القانون إلا بعد نظر وتدقيق.

الدكتور ماهر حصوة

نحو شمولية التشريع ظنّيّة الأدلّة الفردية:

لاحظ عدد من الفقهاء قصور المقاربة الاختزاليّة التجزيئية التي تتبناها بعض المناهج الأصوليّة. غير أن انتقادهم للأدلة التجزيئية إنما كان مبنياً على “ظنّيّتها” الأصلية، بعكس “اليقين” أو “القطع” الذي هو الطرف المقابل في هذه المزدوجة بين الأدلة التجزيئية والكلية. وكان الإمام فخر الدين الرّازي قد لخّص في كتابه حول أصول الفقه الأسباب المختلفة التي ذكرها العلماء التي تجعل “دليل الخطاب” في النصّ – أي نص- لا يزيد عن كونه “ظنّيّاً” (61). فلنورد هنا ملخّصاً للأسباب التي أوردها الرازي لظنية الاستدلال بنص واحد لا ثاني له على أي مسألة من المسائل:

1- من المحتمل أنّ الحكم الذي يستخلص من نصّ واحد يكون مقيداً بظروف معينّة، قد تكون خفيت عنا.

2- من المحتمل أن يكون التعبير في النصّ الواحد مجازيّاً ومعناه الحقيقي ليس مقصوداَ.

3- إن مرجعنا في فهم النصّ هم أهل اللغة، وهم عرضة للخطأ في بعض الكلمات والتعبيرات.

4- إنّ النحو العربي نقل إلينا من خلال الشعر العربي القديم، والذي نقل إلينا بطريق روايات الآحاد. وهذه الروايات ليست يقينّية، لأنه حتى الشعراء العرب أنفسهم قد يكونون قد وقعوا في أخطاء نحويّة.

5- هناك احتمال أنّ واحدة أو أكثر من مفردات هذا النصّ الواحد تحمل أكثر من معني.

6- هناك احتمال أنّ واحدة أو أكثر من كلمات النص تعرضت للتغير عبر الزمن والنقل، بشكل غّير معناها الأصلي.

7- هناك احتمال أن التعبير في هذا النص الوحيد له معني خفي مقصود، ولكننا لم نفهمه.

8- هناك احتمال أن الحكم الذي نستنبطه من نصّ الآحاد قد نسخ دون أن يكون هذا قد نمي إلى علمنا.

9- هناك احتمال أن يكون الحكم الذي نستنبطه من نصّ آحاد يعارض حكم “العقل”، ويقول الرازي في هذه الحال إنّه إما أن الرواية أو حكم العقل قد تعرضا لخطأ ما. ثم أضاف أن العقل هو الأداة التي نرجع إليها لنتأكد من صحة الحديث الشريف نفسه، ممّا يعني أنّ للعقل الأولويّة. لهذا فإنّ علينا الاعتماد على العقل اليقيني في مثل هذه الحالات، وليس الأدلة اللغوية الظنية التي نجدها في الحديث الشريف الوحيد المروي في المسألة.

ولعلي أضيف الاحتمالات التالية للاحتمالات التسعة المذكورة:

  1. هناك احتمال أنّ نصّ الآحاد قد يتضمّن معنى “يناقض” المعنى الذي تتضمّنه نصوص آحاد أخرى، وقد حدث هذا في نسبة غير قليلة من النصوص، وقد كان الانطلاق من هذه الحقيقة إل موضوع ثريّ هو موضوع “التعارض” أو “الاختلاف”.
  2. هناك طيف من احتمالات الخطأ في نقل أحاديث الآحاد بدقة، وهي الأحاديث التي تشكّل الأكثريّة العظمى من الحديث الشريف.
  3. هناك طيف من احتمالات “التأويل” لأيّ نصّ واحد، وهو ما يؤّثر على طريقة تصّورنا لمعانيه ودلالاته.

لقد أسهمت الخلفية الفلسفيّة للرازي في تقديره لعدم واقعية الزعم بالحصول على “اليقين” من خلال دليل لفظيّ واحد. غير أنّ اهتمام الرازي بـ “ظنّيّة” دليل الآحاد منعه من الانتباه إلى المشكلة الأهمّ التي ينطوي عليها الاستدلال بموجب دليل وحيد، ألا وهي مشكلة المنطق السببي الذي بني عليها ذلك الاستدلال.

محدودية “السببية” في النظريات التقليديّة والحداثّية:

الكلاميون بحثوا في السببية في حقّ أفعال الله تعالى، وقسموا أفعال الله تعالى إلي “فعل خلقي” و “فعل تشريعي” (62). وكان موقف أكثر الفقهاء، من الأشعريّة والسلفّية والظاهريّة، أنّ أفعال الله الخلقيّة “فوق الأسباب”، بينما أكّد بعضهم أنّ أفعال الله “التشريعية” لها علل، بحيث تدور الأحكام مع العلل. ومن جهة أخرى، اعتقد المعتزلة والشيعة والماتريديّة بسببّية كلّ أفعال الله تعالى. ولكن هذا الخلاف لم يؤثر في سيطرة التفكير “السببيّ” على كل المذاهب الإسلامّية بكل تياراتها، وحتى اليوم.

وقد أكد بعض الأصوليين على أهّمّية ما أسموه “الدليل الكلي”، وأن الدليل الجزئي لا ينبغي أن يعود عليه بالبطلان، ولكن هذا الدليل الكلي لم يكن له أثر يذكر على المنهج الأصول نفسه، إذ بقي ذلك المنهج مبنياً إلي حدّ بعيد على السببيّة سواء في مجال العقيدة أو مجال الفقه. فقد اعتبر الجويني مثلاً أن الرجوع إل الكليات في الفقه الإسلامي دليلاً على الأحكام طريقة مقبولة، وسماها “القياس الكلّي: (63). واعتبر الشاطبي أنّ أصول الفقه مبنّية على “كليات الشريعة” (64). كما أعطى الشاطبي الأولويّة للقواعد الكليّة فوق آحاد الجزئيات، وكان تعليله لهذا هو أن “الأحكام الجزئّية يقصد بها أن تدعم القواعد الكليّة، والتي هي مقاصد الفقه التي يجب الحفاظ عليها” (65)، ولكن هذه الأفكار لم تؤت ثمارها في منهج الفقهاء والكلاميين لأنه مبني أساساً على المنطق السببي.

من جهة أخرى بين الحداثيون الإسلاميّون الإشكالية العامة المتمّثلة في “المقاربات الجزئيّة والفرديّة للفقه الإسلاميّ” (66)، فقد حاول العلماء المعاصرون مثلاً، كما ذكرنا من قبل، أن يعالجوا “مشكلة الفرديّة” في فهم مقاصد الشريعة. من ذلك مثلاً أنّ الشيخ الطاهر ابن عاشور جعل الأولوية للمقاصد الاجتماعية فول المقاصد الفردية، وأن الشيخ رشيد رضا أدخل إصلاح المجتمع وحقوقه في نظرية المقاصد، وأن الشيخ طه العلواني أدخل في نظريّته للمقاصد مقصد العمران، وأن المقاصد عند الشيخ يوسف القرضاوي المبنية على القرآن هي مقاصد عامة تهدف إلي بناء الأسرة الصالحة والأمة الصالحة (67).

غير انّه بالرغم مّما قلنا فإنّه نظراً إلي السقف الذي فرضته فلسفة القرن التاسع عشر على الحداثة الغربية، فإنّ الحداثة الإسلامّية في القرن العشرين لم تستطع أن تتخلّص من الإطار التقليدي الكلامي المبني على السببّية.

إلا أن الحداثة الإسلامية أدخلت في اعتبارها مؤخراً تطبيقاً لمبدأ الشمول، وهو التفسير الموضوعي، وأبرز مثال عليه كتاب الشيخ حسن الترابي التفسير التوحيدي (68)، فقد أوضح الشيخ فيه أنّ الطريقة التوحيديّة أو الكليّة تستتبع عدداً من الطرق وعلى مستويات مختلفة: فعلى مستوى اللغة تستتبع التعامل مع اللغة القرآنية بحسب لغة المتلقّين للرسالة في وقت نزول الوحي. وعلى مستوى المعرفة البشرية تستتبع مقاربة شمولية لكل من عالمي الغيب والشهادة، بكل ما يشملان من مكوّنات وقواعد تحكمهما. وعلى مستوى المواضيع، تستتبع المنهجية التوحيدية التعامل مع المواضيع القرآنية بصرف النظر عن ترتيب الآيات، بالإضافة إلي ربط هذه المواضيع بحياة الناس اليومية. وعلى مستوى المدى فإنها تشمل البشر بصرف النظر عن مكانهم وزمانهم، كما تستتبع قانوناً توحيديّاً للأخلاق والرّوحانّيات في مقاربة كليّة شموليّة كذلك (69).

أما فلسفة المنظومات المعاصرة، فتطرح طرق تفكير تركيبيّة وتكاملية وشموليّة مختلفة جذرّياً (70)، ويؤكد فلاسفة المنظومات أن: “توسيعنا لعلاقة السبب والنتيجة، والتي هي علاقة سطحية تنحصر في مفردتين، هي أن نحاول أن ندخل في هذا التعريف سلسلة معقدة من علاقات الأسباب والنتائج هي أقرب إلي تركيب هذا العالم، بالقدر الذي نعرفه عن العالم” (71).

ولكننا نجد في كتابات الفلسفة المنظومية أن منطق السببية المنتقد، ينتقد تبعاً له كل عقيدة ارتبطت به في فلسفة الأديان، مثل: “مفهوم بيركلي عن الله،” و “مادّة الألوهية عند سبينوزا”، و “لجوء ليبنيز إلي التناسق المسبق التصميم” (72). ونفس النقد الذي يوجهه منظرو المنظومات يمكن أن ينطبق على منطق السببية في علم الكلام الإسلامي، بما يشمل الحجج المبنّية على السببّية التي طرحها الكلاميون (73). ويشمل هذا النقد الحجج والأدلّة الإيمانية التي طرحها الأئمة، كأحمد بن حنبل، وابن سينا، والرازي، والأشعري، وعبد الجبّار، والغزالي، والماتريدي، والآمدي، والشاطبي، وابن تيمية، وابن رشد (74)، ثم محمّد عبده (75).

ويذكر فلاسفة المنظومات عدداً من المغالطات التي يمكن أن تكون حججاً تنقض التفكير السببي بناء على التفكير الكلي التكاملي. فقد ذكر كورزيبسكي مثلاً في كتابة كورباسإرورام (مجموعة الأخطاء) عدداً من تلك المغالطات، منها مثلاً “مغالطة إسناد النتيجة إلي سبب واحد رغم أن وراءه عدد من الأسباب”، و “مغالطة أنّه إذا كان لعامل ما دور، فإنّ العامل الآخر لا يكون له دور”، و “مغالطة استنباط نتائج سلبّية تنفي شيئاً ما من ملاحظات إيجابية تؤكد شيئاً آخر”، و “مغالطة أنّ صفات الكائنات الحيّة يمكن تقسيم مصدرها إلي أحد صنفين، كلاها مستقلّ عن الآخر، ألا وهما عامل الوراثة وعامل البيئة” (76).

غير أنّي أرى أنّه ليس ثمة ارتباط حتمي بين مفاهيم العقيدة والمنطق السببي إلا في عقول علماء الكلام الذين استخدموا “مبدأ السببيّة” لإثبات وجود الله – تعالى- والمسائل الأخرى في العقيدة. أي أنه إذا كان للمنطق السببي أن يتطور ليصبح منطقاً تكاملياً كلياً في العلم البشري والفلسفة البشرية، فإنّ حجج العقيدة ستتطوّر معها.

إن ما أطرحه هنا هو أنّ مفهوم الكليّة في فلسفة المنظومات يمكن أن يقوم بدور في تجديد الأطروحات الإسلامية المعاصرة، لا في الفقه الإسلامي وحده، وإنما في علم الكلام كذلك. فنقول مبدئياً وفي عناوين عريضة فقط إن ما أطلق عليه المتكلمون “دليل الاختراع” سيعتمد في فلسفة المنظومات الإسلامية على استحالة وجود عمل دون قصد، بدلاً من أن يعتمد على استحالة وجود عمل دون سبب، وهو الدليل التقليدي الشائع. كما أنّ ما أطلق عليه المتكلمون “دليل الرّعاية” يجب أن يعتمد في فلسفة المنظومات الإسلامية على التوازن الدقيق المقصود به خدمة وسلامة الإنسان، سواء في المنظومات الحيّة أو غير الحيّة المسّخرة للإنسان، بدلاً من أن يعتمد على أدلة الإمداد المباشر التقليدية. وكذلك ما أطلق عليه المتكلمون “دليل الوجود”، فإنه يجب أن يرتكز في فلسفة المنظومات الإسلامية على التصميم المنظومي المتكامل في الكون، حسب ما صار معروفاً لدينا اليوم، بدلا من أن يرتكز على دليل “المحرك الأول”، بحسب التعبير التقليدي، والذي استخدمه مؤخراً الإمام محمد عبده في آخر المحاولات التجديدية في علم الكلام.

نحو الانفتاح والتجدد الذ اتي

يجب على المنظومة الحية من أجل البقاء حية أن تحافظ على درجة من الانفتاح وتجديد الذات. وهذا المبحث يطرح آليتين من أجل تحقيق هذا الانفتاح والتجديد المطلوبين في الفقه الإسلامي. أول هاتين الآليتين أن تنفير الأحكام الفقهية بتغير رؤية العالم أو ما يطلق عليه الثقافة المدركة هو آلية للانفتاح في منظومة الفقه الإسلامي. والآلية الأخرى أن نعتبر “الانفتاح الفلسفيّ” آليّة مهمة لتجديد الذات في منظومة الفقه الإسلامي.

تغير الأحكام بتغير الثقافة المدركة أو رؤية العالم:

مصطلح رؤية العالم أصلة الكلمة الألمانية (Weltanschauung) بمعني النظرة إلي العالم (77). ورؤية العالم هو “مجموعة مفترضات مسبقة نحملها في عقولنا حول تركيب العالم الأساسي” (78)، وهو “إطار مرجعي مستمد من الخبرة الإنسانية” (79)، و”منظومة الاعتقادات” (80)، وهكذا فإن فهم العالم هو ثمرة لعدد من العوامل تصوغ الإدراك البشري للعالم. نورد فيما يلي أمثلة لنظريّات مختلفة تطرح مكونّات رؤية العالم عند الإنسان.

  1. الله، والكون، والبشر، والحياة الآخرة، والمعرفة، والأخلاق، والتاريخ (81).
  2. الأسطورة، والعقيدة، والأخلاق، والطقوس، والمجتمع (82).
  3. العقائد، والمفاهيم، وأسباب الإحساس بالانتظام، والقيم الاجتماعية، والنماذج المتبعة، والأوامر الأخلاقية (83).
  4. العالم الطبيعي، والأخلاق، والسياسة، والبيولوجيا، وعلم النفس، وأساليب البحث العلمي، وعوامل أخرى كثيرة (84).
  5. الله، والإنسان نفسه، والطبيعة، والفضاء، والزمان (85).

كل النظريّات السابقة تظهر أنّ فهم العالم يصوغه كل شيء من حولنا، بدءاً من الدّين ومروراً بصورة الذات، والجغرافيا، والبيئة، ووصولاً إل عالم السياسة، والمجتمع، والاقتصاد، واللغة. فاستناداً على مفهوم “الثقافة” بمعناها الواسع، تمثل “رؤية العالم” ثقافة مدركة (86). والثقافة المدركة هي إطار عقلي وإحساس بالحقيقة يرى الناس من خلالها العالم من حولهم ويتفاعلون معه.

ويعتبر العُرف أصلا في منظومة الفقه الإسلامي التقليدية، وهو يمثل أحد طرق تفاعل تلك المنظومة مع العالم المحيط بالإنسان. وقد تقرر مبدأ من مبادئ أصول الفقه عند الحنفيّة وهو أنّ: “المعروف عُرفاً كالمشروط نصّاً” (87)، إذ أنه يوجد اتّفاق بين مختلف المذاهب على هذا المبدأ على مستوى التطبيق، في حالة غياب نص خاصّ محدّد يمكن الرجوع إليه (88).

والمقصود من اعتبار العرف هو التعامل مع ظروف وعادات بعض الناس التي قد تكون مختلفة عن العادات العربية، تلك العادات التي اعتبرها الفقهاء وبنوا عليها أحكاماً كثيرة (89). غير أنّ التطبيق العمليّ للعرف في مجال الفقه التقليدي محدود جداً. فالأمثلة المعتادة التي تذكرها كتب الأصول حول ما يخضع من الأحكام للعرف هي: قيمة المهر، والعملة التي تستخدم في البيع والشراء، وتغطية الرجل رأسه أو عدم تغطيتها، واستخدامات لكلمات عربية مختلفة في لهجات مختلفة (90).

وواضح أنّ هذه الأمثلة التقليدية لا تعتبر تغير العرف إلا في نطاق محدود كله قد مضى من قرون.

وهذا بقي الكثير من الأحكام الإسلامية مرتبطاً بالعادات العربّية للقرنين أو القرون الثلاثة الأول من تاريخ الإسلام، وضمن الحدود السياسية لتلك الفترة، وما كان فيها من بلدان وأطعمة ومصادر اقتصادية ونظام اجتماعي، أو بعبارة معاصرة: رؤية العالم لتلك الفترة.

من أمثلة ذلك أنّ شكل صدقة الفطر الذي يأخذ به الفقه التقليدي لا يزال يتمثل في الأطعمة المعروفة للعرب في القرن السابع الميلاديّ، كما وردت في الحديث الشريف، أي التمر، والزبيب، والشعير، والأقط (91). ومثال آخر: لا يزال العديد من الأحكام “الشرعية” عند كثير من العلماء اليوم تبني على أساس الحدود السياسية بين حدود دار الإسلام ودار الحرب التاريخية (92).

ومثال ثالث: في كلّ قوانين الأسرة المستمدة من كتب الفقه لا تستطيع الفتاة المسلمة أن تعقد عقد زواجها بنفسها إلا أن توكّل أباها أو أقرب أوليائها من الرجال، وهي عادة عربيّة أيدها الإسلام ولكنه لم يحتّمها في كل الحالات – حسب بعض الآراء المعتبرة.

ومثال رابع: لا يزال حكم الدية في حالات القتل الخطأ “على العاقلة” أي عشيرة المرء الذي اقترف القتل غير العمد (93). وهو رأي معتمد حتي في البيئات التي تغير حالها واختفى تقريبا نظامها العشائريّ. ومثال خامس: ما زالت الأحكام المتعلقة بعقوبة القتل حين يكون الفاعل مجهولاً تحدّد بطريقة القسامة (وهي طريقة من المسؤوليّة بحسب المنطقة، كما هو مقرّر عند الحنفيّة والزيديّة، ومسؤوليّة أقرب الناس دماً بحسب بقّية المذاهب التاريخية) (94). والدنيا ورؤية العالم من الناحية الاجتماعية قد تغيرت في كل الأمثلة السابقة.

وأوضح مثال يبيّن أثر رؤية العالم من الوجهة العربيّة القديمة على الفقه هو ما نجده في كتاب الإمام ابن تيميّة اقتضاء الصراط المستقيم، إذ يقرّر الكتاب المذكور أنّ: “أهل السنّة يعتقدون أنّ جنس العرب أفضل من جنس العجم”، بل ووصف ابن تيميّة من يخالفون هذا المعتقد بأنهم “شعوبّيون”، لأنّهم “يفضّلون الشعوب غير العربيّة على العرب” (95).

ولا شك أنّ عند كلّ شعب في هذه الدنيا وكلّ مجموعة عرفّية تحّيزات من هذا النوع، لكنّ مثل هذه التحّيزات قادت ابن تيمية إلي إصدار أحكام “شرعية” تنطوي على ما يمكن أن يوصف في رؤيتنا المعاصرة للعالم بالتمييز العرقيّ! هذا على الرّغم أنّ الأصل في الإسلام هو التساوي بين الأعراق، كما تدلّ على ذلك نصوص عديدة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف على صاحبه الصلاة والسلام، ثم أفتي ابن تيمية في الكتاب المذكور ألا يحكم غير العرب العرب، بل ورفض حتى أن يكون غير العرب أئمّة للعرب في صلاة الجماعة، وكذلك أوصى بأن يلبس كلّ المسلمين لباس العرب، وحكم على الذيّ غير العربي بأنّه “مكروه” شرعاً، وأن يعطي العرب أكثر من غيرهم من بيت المال (96)، وأنّ الخاطب غير العربي أقلّ كفاءة إذا خطب امرأة مسلمة من الخاطب العربي (97).

ومن الواضح أنّ أمثال هذه الأحكام منافية لمقصد المساواة بين البشر الذي تدلّ عليه نصوص متواترة تعبر عن روح الإسلام وطبيعة رؤية المسلم للعالم.

وبناء على “الطبيعة الإدراكية للفقه الإسلاميّ” والذي شرحناه آنفاً، يعتبر العرف ما يعتبره الفقيه عرفاً، بحسب رؤية العالم لديه، على شرط ألاّ يصادم المبادئ الأساسية لمقاصد الشريعة. وهكذا فإن “رؤية العالم عند الفقيه” يطرح هنا ليكون رديفاً للعرف في كونه طريقة لاستيعاب التغّيرات التي طرأت على العادات العربيّة السائدة في القرون الإسلاميّة الأولي والتي انطلق منها كثير من فقهائنا.

شكل (2):

رؤية العالم عند الفقيه عامل أساسيّ في تصور الفقه

يجد القارئ في الشكل (2) المكانة التي تحتلها “رؤية العالم عند الفقيه” في منظومة الفقه الإسلاميّ المقترحة. ويظهر الشكل كيف يحتلّ الفقيه مكاناً مركزياً في تصور الفقه، وهي نتيجة لإدخال رؤية العالم في المنظومة. وفي هذا تفريق بين الفقيه نفسه وبين القرآن الكريم والسنة التشريعية التي هي مصادر معرفة الفقيه، والتي هيٍ جزء من رؤية العالم لديه أيضاً. وهناك مكونات أخرى في رؤية العالم لدى الفقيه تتفاعل مع “المصادر” لإنتاج الفقه وتصور كلياته وقطعياته.

ولكنّ رؤية العالم يجب أن تكون “واعية”، أي ألا تكون ظناً أو وهماً محض بل تكون مبنّية على رؤية “علمية” ومنهجية معاصرة في فرع العلم المقصود بالحكم الشرعي سواء الاقتصاد أو الطب أو السياسة أو الفن أو غيرها. بينما حينما لا يمتلك الفقيه فهما للعالم كما هو في الواقع فإنه لا يكون “كفء” ليصل إلي آراء فقهّية صحيحة. وهذا الفهم للعالم، هو تعبير آخر عن امتلاك الفقيه لشرط “فقه الواقع”، الذي وضعه ابن القيّم كشرط للقيام باجتهاد معتبر (98).

إنّ اقتراحنا هذا له أثران على الفقه، هما كما يلي: أولاً، بالنسبة للتغيرات في “فهم العالم” عند الفقيه، إنّها ستثمر تقليل الفهم الحرفي للفقه الإسلاميّ. فإتبّاع الحكم بمعناه الحرفي يجعل من ذلك الحكم نوعاً من الطقوس الجامدة. بينما ما أريد التأكيد عليه هو أنّ من المهمّ الحفاظ على الإتّباع المستمّر في مجال العبادات في الفقه الإسلاميّ، كالصلاة والصيام والحجّ. غير أنّ من الممكن دائماً المبالغة في توسيع دائرة العبادات على حساب المعاملات.

لهذا فإنّ المطلوب هو الوصول إلي توازن بين هذين المجالين.

ولنورد بعض الأمثلة التي توضّح هذه النقطة: إنّ القصد من زكاة الفطر هو مساعدة الفقير، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أغنوهم [أي الفقراء] عن السؤال في هذا اليوم” (99)، غير أنّ هذه الزكاة بحثت تحت بند العبادات، وعلى هذا فقد طبقة حرفيا في كل مكان وفي كل زمان، بينما حين يتغير المكان ويتغّير المجتمع إلي حدّ أن التمر والزبيب والشعير تصبح غير ذات فائدة للفقراء (والأقط قد اختفى في أكثر البلدان)، فإنّ تطبيق هذه الصدقة بشكل حرفيّ على أنّها من العبادات المحض سيضيّع حتماً المعني المقصود الذي من أجله شرعت.

كذلك فإنّ أقارب الإنسان في بعض البلاد النامية ذات الأغلبيّة المسلمة يحمَّلون المسؤولية عن دفع الدية في حال اقترافه القتل عن غير عمد، لأنّهم يعتبرون “عاقلته”، وهو ما أشرنا إليه من قبل (100). ولكن إذا كان ليس هناك من معني يذكر في بعض البيئات لعشيرة المرء أو لمجموعته العرقيّة، وذلك بسبب تغير “رؤية العالم” في ما يتعلق بالبنية الاجتماعية التي يعيش فيها، فإنّ التطبيق الحرفي للعاقلة يكون مصادماً للعدل المقصود.

ومثال ثالث هو أنّ عقد الزواج العربي وخطبة الجمعة بالعربيّة لا تكون مفهومة عموماً في المجتمعات غير الناطقة بالعربيّة (101). فالإصرار على اللغة العربية في هذين المجالين يرجع إلي أحكام مسبقة افترضت أنّ لغة العقد أو الخطبة هي “عبادة” بحدّ ذاتها. غير أن إجراء هذه العقود والخطب باللغة العربية يضّيع المعنى الإنسانيّ للعقود، والمعنى الاجتماعيّ للخطب. ومن الجدير بالذكر أنه لا يعني تحليلنا هذا أن العبادات والمعاملات مجالان متباينان لا يتقاطعان. فالعبادة مقصودة في حدّ ذاتها في الأحكام الشرعية الإسلاميّة. غير أنّ من المطلوب أن يحدث التوازن بين جانب التعبد والمقاصد الاجتماعيّة.

والأثر الثاني للشرط المقترح في توفر رؤية وفهم واع للعالم، هو تحقيق انفتاح الفقه الإسلاميّ على ما حققّته البشرية من تقدم في العلوم الطبيعية والاجتماعية، فلم يعد بالإمكان اليوم أن يدعي مدع إصدار أحكام متفقة مع “الواقع” دون إجراء بحث علمي مناسب ومبنيّ على منهجية علمية، طبيعية كانت أو اجتماعيّة. وقد رأينا كيف أنّ بعض المسائل المتعّلقة بالكفاءة الشرعّية، مثل “علامة الموت”، أو “فترة الحمل القصوى،” أو “سنّ التمييز،” أو “سنّ البلوغ”، كان الفقهاء قديما يصدرون الحكم بشأنها بناء علي “سؤال الناس”، على حد تعبيرهم.

وبما أن “منهجية الإجابة على الأسئلة العلمية” جزء من “رؤية العالم” كما بيّن ريتشارد دي ويت (102)، إذن “فسؤال النّاس” لا يمكن أن يدّعيه أحد اليوم ولو كان فقيهاً دون القيام بعملية استدلال إحصائيّة! وهذا يأخذنا إلى مجال العلوم (سواء الطبيعيّ منها أو الاجتماعيّ)، ويستلزم آليّة للتفاعل بين الفقه الإسلاميّ ومجالات المعرفة الأخرى. لهذا فإن على الفقيه أن يرجع إلي المتخصصين في مجالات الطبّ مثلاً ويسألهم أن يحدّدوا له علامات الموت، ومدّة الحمل القصوى والدنيا، إلي آخره. والمعلومات الإمبريقية (أي المبنية على الملاحظة العلميّة) يجب أن يكون لها “الحجيّة” في هذا المجال، حتى لو كان مصدر هذه المعلومات الاستقرائي “ظنياً” بحسب المنطق التقليدي الأرسطي. وكذلك فإن المختصين في مجال علم النفس هم الذين يجب أن يرجع إليهم من أجل تحديد “سن التمييز”، وهكذا.

صحيح أن ما نطلق عليه “العلم” يبقى في تطور عبر الزمن، وصحيح أنّ هذا يستدعي مراجعة وتحديثاً دائماً لقراراتنا وأجوبتنا العلمية، ولكن تطور العلوم هو جزء من التطور الطبيعي لرؤية العالم لدى الفقيه، ودخول العلم في المنهجية الفقهية هذا المعني المذكور هو ما يضمن “الانفتاح” في منظومة الفقه الإسلاميّ.

التجديد عن طريق الانفتاح الفلسفي:

يمكن للفقه الإسلاميّ أن يحقّق تجدداً ذاتياً عن طريق الانفتاح لمكوّن آخر من مكونّات رؤية العالم الواعية لدى الفقيه، ألا وهو الفلسفة. فطالما أنّ أصول الفقه الإسلاميّ هي فعلاً فلسفة التشريع الإسلاميّ، فإنّه من الضروريّ أن تحافظ “الأصول” على درجة من الانفتاح على البحث الفلسفيّ، والذي يتطوّر عموماً مع تطوّر المعرفة البشريّة.

غير أنّ الذي حدث على مدى التاريخ أنّ الأكثريّة الساحقة من علماء السلف من مختلف المذاهب الفقهيّة رفضوا أيّة محاولة للإفادة من الفلسفة في تطوير منهجية الفقه الإسلاميّ أو المعرفة الإسلامية عموماً. وكان هؤلاء العلماء يستشهدون في رفضهم هذا ببعض النظريات اليونانية المتصلة بما وراء الطبيعة المخالفة للعقائد الإسلاميّة المعروفة (103)، والتي أصدروا بناء عليها فتاوى تحرّم دراسة الفلسفة وتدريسها، لأنّها مبنيّة على مبادئ إيمانية غير إسلامّية (104)، وبناء على تلك الفتاوى، وحينما يضطر المرء إلى الاختيار بين اختيارين لا ثالث لهما، وهما الفلسفة أو إتّباع القرآن الكريم، فإن الفلاسفة اتهموا في تلك الفتاوى بالردّة، ولم يُسمح باقتناء كتبهم، ولا بيعها، ولا إظهار تقديرها. وكان ممن أصدر تلك الفتاوى علماء كبار يرجع إليهم في مختلف المذاهب الفقهيّة، مثل ابن عقيل (توفي عام 512 ه/ 1119م)، والنووي (توفي عام 675 ه/ 1277م)، والسيوطي (توفّي عام 910 ه/ 1505م)، والقشيري (توفّي عام 510 ه/ 1127 م)، وابن رسلان (توفي عام 1003 ه/ 1595م)، والشربيني (توفّي عام 986 ه/ 1579م)، وابن الصّلاح (توفّي عام 643 ه/ 1246م) (105). وفتوى ابن الصّلاح هي أكثر فتوى يجري اقتباسها حول هذا الموضوع في الفقه الإسلاميّ، حيث صرّح في فتواه أنّ الفلسفة “هي أصل الحماقة والخلط”، وأن “السيف” هو الوسيلة التي يجب استخدامها للتعامل مع معلمي الفلسفة (106). ولقد حدّ هذا الموقف العنيف من الفلسفة من الاهتمام بها في أكثر الدوائر الإسلامية (107).

وكان على من يريد دراسة الفلسفة أو المنطق من طلاب العلم والعلماء على حد سواء أن يدرسها سراً، ولا يدرِّسها إلا لأقرب طلابه وخلصائه، ثم لا يصرّح بما درسه مطلقاً في كتاباته (108). وحينما خالف ابن رشد (توفّي عام 584 ه/ 1189 م) – وكان فقيهاً فيلسوفاً في آن واحد – حين تخالف هذه الفتاوى اضطهد وأحرقت كتبه (109).

وقد أعلن قلة من العلماء رفضهم للفلسفة اليونانية ولمناهجها “المخالفة للإسلام”، ولكنهم اختلفوا عن سابقيهم بأهم بذلوا جهداً من أجل انتقاد تلك الفلسفة انتقاداً علمياً مدروساً، بل حاول بعضهم طرح أفكار بديلة خاصة في المنطق، وبحسب رؤيتهم الشخصيّة، وهذا مثلا هو الموقف الذي تبناه الإمامان ابن حزم (110) وابن تيميّة (111).

لم يرفض ابن حزم – رغم ظاهريته – المنطق كما رفضه غيره من العلماء، بل كان يرى أنّ المنطق هو المعيار الذي يستطيع المرء بموجبه أن يقوم المعرفة، أي “معيار كل علم” (112)، وأوضح ابن حزم كيف أن نتائج المنطق الاحتمالي يمكن أن تتوازى مع نتائج المنطق الوجوبي في الفقه الإسلاميّ، وهي فكرة قد يكون مديناً بها لكتاب المستصفى للغزالي (113)، ولذلك فقد كان كتاب ابن حزم تقريب المنطق – حسب علمي – أوّل محاولة لتوضيح العلاقة المتوازية بين الإمكان والإذن، وبين التضمين والوجوب، وبيم الاستحالة والحظر (114)، وذلك قبل ظهور نظريّة فون رايت المعاصرة في الأخلاق والالتزامات بثمانية قرون (115). ولقد أعاد ابن حزم قراءة آراء أرسطو في القياس في ثوب جديد مثير للجدل، بحيث تخدم فلسفته هو ومذهبة الظاهريّ (116)، فقد تبنّى ابن حزم مثلاً فكرة السببيّة في الظواهر الطبيعية، ولكن ليس في الشريعة الموحاة، ومن هنا رفض كلّ أشكال التفكير القياسيّ، وانتقد منطق كل من تبنّى هذا النوع من الاستنباط (117).

ومن ناحية أخرى، كان انتقاد ابن تيمية لأرسطو مفصّلاً وحاسماً (118). فقد رفض ابن تيمية تفريق أرسطو بين الجوهر والعرض بوصفه تفريقاً اعتباطياً، ومن هنا فقد رفض أيّة حقيقة يجري تقريرها عن طريق “التعريف” في القضايا العامة (119)، فالفرق عند ابن تيمية بين البُسر (أي التمر غير الناضج) والرّطب (أي الناضج إلي حدّ ما) والتمر (أي الناضج) لا يعكس ثلاث “جواهر” كما يرى أتباع أرسطو (120)، وإنما هي “كلّيّات في الذهن”، على حد عبارة ابن تيمية (121)، لهذا فإنّ ابن تيمية ينتقد حصر التحليل المنطقي في القياس المنطقيّ والذي يؤسّس على فرضيات كلية. فقد طرح ابن تيمية قياس الشبة مثالاً لمنهج مكافئ للقياس المنطقيّ (122). واستخدم ابن تيمية، شأنه شأه ابن حزم، تحليله الناقد لدعم مشروعة الفلسفيّ، والذي كان في جوهره مشروعاً اسمياً (123). وقد انتقد ابن تيمية كذلك الغزالي وغيره من العلماء، الذين زعموا إنهم يؤيدون الفلسفة اليونانية كمجرّد أداة منطقيّة دون أن يتبنّوا أسسها الماورائّية (124).

غير أنّ عدداً من الفقهاء قرروا أن ينبذوا ما وراء الطبيعة عند اليونان، وأن يقبلوا المنطق اليونانيّ كآلية مجردة. فالإمام الغزالي (توفّي عام 504 ه/ 1111 م) انتقد بشدّة الفلسفة اليونانية في “وثنيتها” واتّهم الفلاسفة المسلمين بالرّدّة، هذا من ناحية (125)، بينما قبل الغزالي من ناحية أخرى “آلة” (أورغانون) أرسطو، أي الأداة التي استخدمها، بل قرّر أنّها “مقدّمة لازمة لكل علم”، والتي بدونا لا يمكن أن يكتسب عالم الثقة في أي فرع من فروع المعرفة (126).

ولقد استبطن الغزاليّ المنطق اليوناني نفسه منهجاً في التفكير، واستطاع نتيجة لذلك أن يبتكر طريقة في مزج منطقي الاستنباط اليونان والاجتهاد الفقهي. وقد “برهن” الغزالي في كتابة القسطاس على عدد من استنباطات أرسطو، مثل “قاعدة التأكيد عن طريق التأكيد، أي: إذا كان (أ) يكون (ب). (ب)، إذن (أ)” وقاعدة “النفي عن طريق النفي، أي: إذا كان (أ) يكون (ب). لا (أ)، إذن لا (ب)” – برهن بالرجوع إلي ما أسماه “الحجج المنطقية” في القرآن الكريم (127)، فهو مثلاً يورد آية: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (128)”، ثمّ يستخدم الغزالي قاعدة “النفي عن طريق النفي” رجوعاً إلي الآية قائلاً (129): “إن وجود أكثر من إله واحد يعني الفوضى، وطالما أنّه لا يوجد فوضى في الكون فإنّ هذا يعني عدم وجود إله آخر”، ففي مثل هذا المثال وغيره يستخدم الغزالي حججاً عربيّة مستمدة مباشرة من القرآن الكريم، أو من مصطلحات فقهيّة معروفة، بدلاً من أن يستخدم المصطلحات الفلسفيّة المعروفة، ومن ذلك مثلاً أنّه استخدم “الحكم” في محل “المحمول”، و “العلّة” في محل “الحدّ الوسط”، و “الأصل” في محل “المقدمة”، و “الفرع” في محل “النتيجة”، و “المباح” في محل “الممكن” (130).

وكانت أكثر أفكار الغزالي إبداعاً تضمينه القياس المنطقي في عمليّة القياس الفقهيّ (131)، ففي سعيه إلي إضفاء مقدار من النظاميّة على تنقيح المناط (السعي إلي تحديد العلّة في الأحكام)، طّبق الغزالي مجموعة من الأقيسة الحرة على الحالة الأولي (132)، من ذلك مثلاً أنّه طرح التحليل التالي: “حينما تقارن قيمة بقيمة أخري لابدّ أن تكون أعظم منها، أو مساوية لها، أو أقلّ منها. فإذا أثبتا إحدى القيمتين فإذ الأخريتين لابدّ أن تكونا زائفتين” (133)، ثمّ طرح الغزالي قياسا افتراضياً، معتبرا “الحدّ الوسط” لكلا الموضوعين هو العلّة نفسها، حتى ينقل نفس الحكم على الحالة الأول إلي الحالة الثانية (134)، كتب مثلاً ما يلي: “كلّ خمر مسكر، وكلّ مسكر حرام. فالخمر إذن حرام” (135)، ولاحظ في هذا الكلام أن الغزالي اعتبر الإسكار هو “الحدّ الأوسط” (حسب مصطلحاته) هو العلّة، رغم عدم انضباطه.

ومن هنا نرى انه رغم هجوم الغزالي الشديد على الفلسفة اليونانّية فإنّ إدخاله لمنطق أرسطو في عملّية تفكيره الفقهي الإسلاميّ كان عن مبدأ صادق وبتوجّه مبدع، هذا مع أنّه سبب لنفسه أن يصبّ عليه نقد لاذع، من كلا فريقي الإسمّيين والظاهريين (136)، وكان الآمدي (توفّي عام 633 ه/ 1236م)، والسبكي (توفّي عام 755 ه/ 1374م) وعدّة علماء آخرين – خاصة من المذهب الأشعريّ والمذهب الشافعيّ اللذين ينتمي إليهما الغزالي – كانوا قد وافقوا الغزالي في التفريق بين “الآلات المجردة” التي يمكن للمسلمين أن ينقلوها عن غير المسلمين، وبين الأفكار والمفاهيم الأخرى، والتي لا يجوز نقلها عن غير المسلمين (137)، ويشبه هذا الرأي بعض فتاوى “الظاهريّة الجدد” في عصرنا، والتي لا تسمح باقتباس أنواع المعرفة من الغرب إلاّ التقنية المادية البحتة، وليس المعرفة المتّصلة بالإنسانيات أو العلوم الاجتماعيّة.

وعلى الرغم من شعبّية الغزالي فإنّ هجومه العام على الفلسفة قد ساهم في الحد من التفكير النظري الحرّ في المنهج الأصوليّ وفي التفكير الفقهي عموماً في كل المذاهب. وظلّ علم الأصول يركّز على بحث الدلالات اللغويّة والاستنباطات المنطقّية الحرفية، وبقي منطق الاستنباط الفقهيّ مجرّد نظام “آليّ” يتعامل مع الواجبات والمحظورات دون اعتبار كبير لمقاصدها.

أما في الزمن الحاضر، فإنّ أقرب ما يشبه التفكير الفقهي التقليدي هو ما أطلق عليه منطق رايت الأخلاقي المعاصر، فيلاحظ المرء أنه على الرغم من أنّ مصطلح “المنطق الأخلاقي” هو مصطلح ابتكره فون رايت في أواسط القرن العشرين (138)، فإن النظام القياسي لفون رايت وعلاقته بالمنطق الشكليّ ومسلّماته الرئيسيّة تشبه إل حد كبير التفكير الفقهي التقليدي، كما ظهر عند الغزالي وغيره. فقانون “الالتزام” عند فون رايت، والذي يقرّر أنّه: “إذا اقتضى فعل شيء ما شيئاً آخر، فإنّه يتوجّب علينا فعل الشيء الآخر أيضاً” (139)، هو نفس القانون الأساسيّ الإسلاميّ، “ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب” (140)، ولكن فلسفة القانون المعاصرة لا تقبل منطق رايت الأخلاقي كقاعدة مقبولة لمنطق التفكير القانونيّ (141)، والأسباب الرئيسّية لذلك هي: (1) تصنيف المنطق الأخلاقيّ الصارم للأشياء في ثنائيات من الواجب أو الحظر، و (2) عدم اعتباره لعامل الزمن في الاستنتاجات المنطقية المجردة، و (3) الإهمال التام للحالات الاستثنائية (142).

من ناحية أخرى، فإن نظرية الفقه الإسلامي لم تفد من الإضافات النوعية التي ساهم بها الفلاسفة المسلمون في تطوير الفلسفة اليونانية والبناء عليها، خاصة في علم المنطق.

من ذلك مثلا أن ابن سينا (توفّي عام 428 ه/ 1037م) أسهم مساهمة نوعية في علم المنطق حين أعاد تركيب نظرية أرسطو في المنطق الشكلي تركيباً متقناً بعد أن مّيز الحالات المرتبطة ببعد الزمن (143)، وكان يمكن لهذا الإسهام أن يثمر في إضفاء بعد زمني للاستنباطات التقليدية المعتمدة على القياس، وهذا كان سوف يضيف اعتباراً للزمن تشتد الحاجة إليه في منطق الفقه الإسلاميّ.

كما إنّ هناك إسهامات أصيلة أخرى سطرتها أقلام الفلاسفة المسلمين ولم يفد منها الفقهاء المسلمون، كنظرية الفارابي (توفّي عام 338 ه/ 950 م) في الاحتجاج بالاستقراء (144)، والتي كان يمكن لها أيضاً أن تضيف للفقه بعداً تشتدّ الحاجة إليه، ألا وهو التفكير الاستقرائيّ. وكذلك فقد رأى باحثون أنّ انتقاد ابن حزم وابن تيمية لمنطق أرسطو “هيأ المجال لنهوض المنطق الاستقرائي على يد جون ستوارت ميل” (145)، بينما لم يفد منه الفقه الإسلاميّ.

ثم إنّ القاضي الوليد بن رشد – خلافاً لأكثر الفقهاء – تبني موقفاً منفتحاً تمام الانفتاح على المعرفة البشريّة. فقد استدل ابن رشد على ما أوجبه القرآن الكريم على الناس من التفكير والتأمل في خلق الله تعالى، ليتبنّى على هذا الأساس كلّ رأي فلسفيّ سليم، “بصرف النظر عن دين قائله” (146)، وكان الحلّ الذي طرحه ابن رشد لما أطلق “تعارض” بين العقل والنصّ أن “تؤوّل” النصوص بقدر ما تسمح اللغة حتى تتوافق مع العقل (147)، كما إنّ ابن رشد لام الغزاليّ وغيره من الفقهاء على تسرّعهم في اتّهام الفلاسفة بالزندقة دون فهم لمواقفهم.

ولقد كان لطريقة ابن رشد في المزاوجة بين العقل البشري والنص الإلهي، وانفتاحه على “الآخر”، ورفضه توجيه الاتّهامات المتسرعة بالزندقة، وكذلك دعوته للإفادة من الفلسفة في الإصلاح الواقعي، كان لكلّ ذلك أثر واضح على الحركة الإسلاميّة الإصلاحّية المعاصرة على مدى القرن الماضي (148)، غير أنه بحسب ما في أيدينا من مخطوطات (149) لم يكتب ابن رشد عن العلاقة بين آرائه في الفلسفة وآرائه في الفقه. لهذا فإنّي أعتقد، خلافاً لآراء بعض الباحثين (150)، أنّ هناك فجوة بين ابن رشد الفيلسوف “الشارح” أو “المعلّم الثاني”، والذي دافع عن التفكير الفلسفيّ في كتابة فصل المقال وفي شرحه المشهور على أعمال أرسطو (151)، هذا من جهة، وبين ابن رشد القاضي والفقيه، الذي غالباً ما يؤيّد مذهبه المالكي في موسوعته الوافية في الفقه الإسلاميّ بداية المجتهد من جهة أخرى. لهذا فإنه لا بدّ من أجل متابعة الفقه لتجديد نفسه أن يتبنّى انفتاح ابن رشد لكلّ البحث الفلسفيّ، بل وتوسيع هذا الانفتاح ليسهم في تجديد نظريّة أصول الفقه نفسها.

نحو تعدّد الأبعاد

قصدنا في هذا المبحث أن ندفع بمنظومة الفقه الإسلاميّ خطوات نحو تعدّد الأبعاد عن طريق تطبيق هذه الوجهة على مفهومين من مفاهيم الأصول، ألا وهما “القطع” و “التعارض”.

طيف القطع:

جرى العرف على أنه لابدّ في بداية كلّ موضوع من مواضيع الأصول أن يقوم الباحث بتعريف المفهوم. ويكون هذا التعريف – فيما يبدو لي أنه تأثير أرسطو- إمّا على أساس ماهية الشيء أو “الحدّ” أو على أساس وصف الشيء أو “الرسم”. فالتعريف على أساس الحدّ يشمل تقليدّياً تحليلاً ألسنيّاً يبحث في أصول الكلمة، وذلك بغية الوصول إلي “ماهية” المفهوم المتّصل بها (152)، وكان المشّاؤون يعرّفون المفاهيم أو المصطلحات بناء على صفاتها التي “تمّيزها” عن غيرها من المفاهيم أو المصطلحات (153)، غير أنّ ابن تيميّة فصّل القول في غمرة نقده للفلسفة اليونانّية حول دور التعريفات في تمييز المفاهيم، وانتقد الأشاعرة والمعتزلة والجعفريّة، الذين نهجوا كالغزالي في تبنّيه للتعريف على أساس “حدّ” الشيء (154)، وانتقد ابن تيميّة مقدمة الغزالي المنطقية في المستصفى، واحتجّ بأنّ المقصود من التعريف باعتماد “الحدّ” هو على أي حال التمييز بين المفاهيم لا غير (155).

وهكذا فإنّ طريقة الفقهاء في التمييز بين المفاهيم، سواء على أساس اعتماد الحدّ أو الرسم، تجعل تمييزهم يؤدّي بنا دائماً إلي تعريف كلّ مفهوم من حيث علاقته بطرف مقابل له في ثنائية ما، أي كما نجد في المثل العربي الشائع “بضدّها تتمّيز الأشياء”.

قطعي ظني

شكل (3):

وتقسيم الأدلّة الفقهيّة تقليدياً إلي قطعيّ و ظنّيّ

وتقسيم القطعيّ والظنيّ تقسيم ثنائيّ شاع في مختلف المناهج والمذاهب الفقهية الإسلامّية (الشكل 3) (156)، بل إنّ الغزالي عرّف المنطق نفسه على أنّه “القانون الذي يمّيز التعريفات والأقيسة، ويفرق بين المعرفة اليقينيّة وغيرها” (157)، بل إن بعض الأدلة الأصولية قد قبلت لمجرّد أنّها “توسّع مجال اليقين” في الفقه الإسلاميّ، وقال البعض إنّ: “حصر الأدوات الأساسيّة في فهم دلائل النصوص جعل بحال اليقين أصغر ممّا تدعو إليه الحاجة، وأدى إل مشكلة حقيقيّة جعلت من الضّروري كون الإجماع دليلاً يوسّع من دائرة اليقين وينقل الدلالات الظنّيّة إلي دائرة المطلق” (158)، ولكن ذلك “اليقين” الذي ما برح الفقهاء يسعون إليه وكثيراً ما يدّعون الحصول عليه، أوجد جوّاً من الإطلاقية أدّت إلى عدد من المشكلات. فلقد ادّعى المدّعون اليقين المطلق في مسائل فقهية اجتهادية بأشكال متنوّعة، منها شكل لغويّ أي “قطعيّة الدلالة”، ومنها شكل تاريخيّ أي “قطعيّة الثبوت”، ومنها شكلي منطقيّ أي “القطع المنطقي”.

ادّعى المدّعون أنّ النصوص “الواضحة” – بالمعني اللغوي للقرآن والسنة هي نصوص “قطعيّة الدّلالة”. ولنأخذ أمثلة من هذه الأحاديث الشريفة الأربعة – على صاحبها الصلاة والسلام- وكلّها صحيح أو حسن.

  1. سمع النبي صلي الله عليه وسلم رجلين يتخاصمان (حول إجارة أرض)، فقال: “إذا كان هذا دأبكم فلا تكروا الأرض” (159).
  2. إن امرأة قالت يا رسول الله إن ابني هذا كان بطني له وعاء، وثدي له سقاء، وحجري له حواء، وإن أباه طلقني وأراد أن ينزعه مني، فقال لها رسول الله صلي الله عليه وسلم: “أنت أحق بالولد ما لم تنكحني” (160).
  3. قال النبي صلي الله عليه وسلم : “ليس على المسلم في فرسه صدقة” (161).
  4. قال النبي صلي الله عليه وسلم: “.. وإن في النفس الدية مئة من الإبل …” (162).

فالدلالة اللغويّة المجردة للأحاديث الأربعة المذكورة و”الأحكام اليقينية” التي تدل عليها هي كما يلي:

  1. إنّ تأجير المزارع حرام (163).
  2. تفقد المطّلقة حقّ حضانة طفلها إذا تزوّجت (164).
  3. لا زكاة على الخيل (165).
  4. مقدار الدية هو مئة من الإبل (166).

ولكن منهج استخراج الأحكام المذكورة من نصوص “صريحة” – وهي بالتالي “قطعيّة” – لا تأخذ في اعتبارها في المواقع أنه قد تكون هناك نصوص أخرى قد تدل على تعديل الحكم الذي كان يظنّ انه حكم بالوجوب. ومع ذلك فقد أصرّ العلماء على أنّ هذا العامل الآخر يجب أن يكون على نفس “درجة قطعية” الحديث الأوّل (167)؛ فإن لم يكن كذلك، فإنّ الوجوب المستفاد من الحديث الأول يبقى على حاله. وبما أنّ الأمر الأوّل أتى مباشرة من الشارع (الله تعالى أو رسوله صلي الله عليه وسلم)، فإنّ أيّة عبارة أخرى يمكن أن يكون لها أثر في المسألة يجب أن تأتي من نفس المصدر، حتى لو كان هذا المصدر الآخر إقراراً نبويّاً لا يمثّل أمراً صريحاً. ولنفترض أنّ أحد التأويلات لأوامر النبي صلي الله عليه وسلم أنّه لم يكن يقصد بالكلام أن يكون قطعّياً ومحدداً، وإنّما كان كلامه مرتبطاً بسياق خاصّ أمْلى صدور مثل هذا الأمر (أي سياق اقتصاديّ أو سياسيّ أو بيئيّ محددّ). ونورد فيما يلي أمثلة على التأويلات أو “التخصيص” التي ترد على الأمثلة الأربعة السابقة الذكر:

  1. نهي النبي صلي الله عليه وسلم أصحابه عن استئجار المزارع لمجّرد النزاع الذي ثار، وهذا فإنّ أمره لا ينطبق إلاّ عندما يكون هناك احتمال حدوث النزاع (168).
  2. إن النبي صلي الله عليه وسلم كان يعلم أن ترتيب تلك الحضانة هي أفضل ما يتوفّر ضمن سياق حالة اجتماعية محددّة يتعامل معها. فلم يكن النبي صلي الله عليه وسلم وقتها يصدر أمراً عاماً. وبعبارة أخرى إنّ النبي كان يتصرف مع القضية التي بين يديه كقاضٍ وليس كمبلغ عن ربه (169).
  3. إذا بلغت قيمة الفرس مقداراً لا بأس به من الثروة، فإنّه يجب عليها الزكاة (170).
  4. إنّ مقادير الدية والمئة بعير أمور ترجع إلي الحياة السائدة في الجزيرة العربية وقت الرسالة (171).

ولا تعتبر المذاهب التقليدية أياً من السياقات الأربعة التي ذكرناها إلاّ الأوّل. ولكن السبب في قبول المذاهب لها أنّ هناك أحاديث مكافئة في درجة الصحّة تدل على أنّ الرسول صلي الله عليه وسلم أقر بعض العقود لإيجار الأرض. أمّا السياقات الثلاثة الأخرى، والتي لا يوجد أدلة “قطعيّة” تدعمها، فإنها قد رفضت. فقد اعتبرت دلالات الأوامر قطعيّة، بينما اعتبرت الظروف المفترضة التي لم ترد في الحديث الشريف بنص صريح لا تبلغ نفس الدرجة من القطعيّة، وهي بذلك من درجة “الظن”. كيف لا وهناك قاعدة شرعية أخرى تقول: “اليقين لا يزول بالشك”. والنتيجة أنّه طالما أن الأوامر الواردة بالنص تأتي عادة في القرآن أو الحديث وكثيرا ما لا يرافقها شرح للظروف والسياقات التي أدت إلي صدور الأمر، فإنه يطبّق بحقّها العلاقة الثنائّية “اليقين/ الظنّ” من الوجهة اللغويّة الدلالية فقط، مما يؤدّي إلي إشكالية إصدار أحكام فقهيّة ضّيقة وخارجة عن السياق المعاصر.

وأمّا اليقين المتّصل بالصحّة التاريخّية “قطعيّ الثبوت” فإنّه يقسم إلي درجات متفاوتة متدرجّة من “المتواتر”، إلي “خبر الواحد”. ويحكم على الحديث أنه متواتر حينما يكون قد نقل عن طريق “جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب” (172)، والقرآن الكريم كله وعدد قليل من الأحاديث الشريفة تقع ضمن هذه الفئة (173)، ولكنهم أضافوا إلي هذا أنّه يرى أكثر العلماء أن “خبر الآحاد الذي تلقّته الأمّة بالقبول” هو يقينيّ أيضاّ. يدّعي ابن الصّلاح في كتابة المرجعيّ في علم مصطلح الحديث أنّ ما يتفّق كلا الإمامين البخاريّ ومسلم عليه هو “مقطوع بصحّته”. يدّعي ابن الصّلاح أنّ توافق هذين الإمامين على حديث ما يعني أنّه “لازم من ذلك” موافقة جميع الأمّة. وبناء على أن الأمّة “معصومة”، فإنّ ابن الصّلاح يمضي إلى القول إنّ تلك الأحاديث تستتبع “العلم اليقينيّ النظريّ” (174)، ويوافق ابن الصّلاح على قوله هذا أكثر العلماء.

فابن تيمية مثلاً يستخدم نفس الحجّة في الأخذ بأحاديث الآحاد التي “تلّقتها الأمّة بالقبول”، لتكون دليلاً على “إثبات أصول الديانة” (175)، كما إنّ ابن تيمية يجعل أمور الاعتقاد تشمل أموراً مثل “الاعتقاد بصفات الله”، “الصبر على الأئمّة من قريش”، “المسح على الخفين في الوضوء”، واعتبار القصائد الصوفيّة” بدعة في الدين” (176)، يظهر الخطر في مثل تلك الادعاءات، كالتي تبناها ابن تيمية مثلاً، حينما يجري تمحيص كاف لأحاديث الآحاد، حيث إنّ ذلك التمحيص، والثقة بكثير من الرواة من مختلف الأجيال، يظهر أنّها عرضة لخلافات واسعة، حق ضمن كلّ من المذاهب المعروفة. مثل هذا الخلاف يؤدّي إل فروق لا يمكن تلافيها في “أسس العقيدة”، بحيث ينجم عنها نزاعات خطيرة وحتى الحروب، وهو ما حدث فعلاً في التاريخ الإسلامي. لهذا فإنّ مما يهّم أن نشجع على ثقافة سعة الصدر والتعايش، حتى نفّرق على الأقل بين أحاديث الآحاد وأسس العقيدة. فكما كتب خالد أبو الفضل: “إنّ ما يبقى ويستقرّ هو القول المبنيّ على الملاحظة والتجربة – وما سيبقى هو ما يقرّره علم الاجتماع” (177).

الشكل (4):

حينما يكون الدليل قطعيّ الثبوت قطعيّ الدلالة فإنّه يكون معلوماً من الدين بالضّرورة:

لقد أوجد الفقهاء فئة جديدة تكون أرضاً للتقاطع بين الفئتين من اليقين (شكل 4)، أي ما هو قطعيّ الثبوت قطعي الدلالة، وهي الفئة الأعلى يقينية من أيّة فئة أخرى، وتدل على “ما هو معلوم من الدين بالضرورة”، أي أنه يحتوي ما هو “قطعيّ الاعتقاد”. وعلى هذا يتفّق معظم العلماء أن تعريف “المرتدّ” هو أنّه الشخص الذي ينكر أيّاً من هذه الأمور “الأشدّ قطعيّة” (178)، ولقد بدأ إجماع العلماء يخضع لعمليّة “التحقّق من وقوع الإجماع” كذلك. ومن ثم فإنه بالرغم من الاختلافات الكثيرة جدّاً حول نفس تعريف الإجماع، فإنّه كان يؤدّي إلى دخول أمور كثيرة يفترض أنّها شديدة القطعية، مع أنّها تكون مثاراً للجدل. كان من نتيجة ذلك وقوع عدد من النزاعات التاريخّية بناء على الاتهامات والاتهامات المضادّة بالردّة بين أتباع مختلف المذاهب. وكانت تلك النزاعات تثور حول ما يعتبره أولئك الأتباع “من المعلوم من الدين بالضّرورة”.

وهناك أخيراً ثنائيّة ثالثة من ثنائيات “اليقين” وهي في مجال “القطع المنطقيّ، أو اللزوم المنطقيّ، أو اليقين المنطقيّ، ففي البحث الفقهيّ تستخدم الدلالة المنطقيّة فيما يتصّل بالقياس، والذي يقوم على تشابه العلل بين حكمين، وهو ما أوضحناه من قبل. غير أنّه بالإضافة إلي الشيعة والزيديّة والظاهريّة وبعض المعتزلة، وكلّهم يرفضون العمل بالقياس في الفقه الإسلاميّ أصلاً (179)، فإن بعض علماء السنّة عبّروا عن قلقهم حول “اليقين” الذي يسند إلي العلل، ومن هؤلاء العلماء الغزالي، الذي كتب أن هناك ستة أسباب تجعل إسناد العلّة إلي حكم معين “احتمالاَ” (180)، وهي:

  1. أننا نفترض وجود سبب معّين للحكم، مع أنّه قد لا يكون له سبب عند الله تعالى (181).
  2. أن الحكم قد يكون له سبب عند الله تعالى، ولكننا قد نخطئ في تخمين ما هو هذا السبب.
  3. قد يكون للحكم أكثر من سبب واحد عند الله تعالى، بينما نحن قد نخطئ بقصره علي سبب واحد.
  4. قد يكون للحكم سبب واحد عند الله تعالى، بينما نحن قد نخطئ بإضافة أسباب غير صحيحة.
  5. قد ننجح في تحديد سبب الحكم تماماً، غير أننا قد نخطئ في اعتبار ذلك الحكم مشابهاً لحكم آخر، بينما هو ليس كذلك عند الله تعالى.
  6. قد نخطئ في الزّعم بإسناد سبب ما للحكم بتصوّرنا المجرّد، بدون أن نكون قد بذلنا ما يكفي من اجتهاد.

ثم أضاف الغزالي في الواقع رأى المصوّبة كسبب يضاف إل ما ذكرناه من أسباب، وهو أنّ الله تعالي لم يعط سبباً صحيحاً واحداً لكلّ حكم، وأنّ السبب الصحيح هو ما يرى عقل كل مجتهد أنّه الصواب. إنّ تفريق الغزالي بين الصواب “عند الله تعالي” والصواب عند المجتهد، في سياق تحليله للعلّة كما أوردناه يدعم الطبيعة الإدراكّية للتفكير الفقهيّ عموماً.

شكل (5):

يزداد اليقين/ الاحتمال (بتزايد غير خطّي) بحسب عدد الأدلّة المتوّفرة

إنّ البحث عن الحقائق على أساس الثنائيات فقد قد أصبح جزءاً من التاريخ! فبحوث الرياضيّات الحديثة تظهر أنّ قوّة احتمال أيّ عنصر تعتمد على عدد الأدلّة الداعمة له، لهذا فإنّ هناك “طيفاً” من اليقينيّات بالنسبة لأيّة دليل، لا تقسيم ثنائيّ جامد. فاليقين “أو سمّه الاحتمال إذا شئت” يزداد بطريقة غير خطّيّة بحسب عدد الأدلة المتوفرّة (انظر الشكل 5). لهذا فحتى منطق القرآن الكريم في إثبات وجود الله يتّجه منحى الطيف المتكامل لإبراز اليقين لا منحى الثنائّيات؛ فكلّما وجد البشر من إثباتات ازداد يقينهم، ولأن الأدلة لا نهائية فاليقين كامل والحمد لله رب العالمين.

حل”التعارض” من خلال تعدد الأبعاد:

هناك في نظريّة الفقه الإسلاميّ تفريق بين التعارض أو الاختلاف في الأدلة وبين التناقض أو التعاند في الأدلّة (الآيات أو الأحاديث الشريفة) (182)، والتناقض يعرّف على أنه “تقاسم الصدق والكذب، أي أنّه التصريح بحقيقة شيء وزيفه في آن واحد” (183)، بينما التعارض أو الاختلاف يعرّف على انه “التناقض الظاهر بنين الأدّلة في ذهن المجتهد” (184)، ويعني هذا وجود دليلين متعارضين ظاهراً ولا يشترط أن يكون تعارضهما حقيقيّاً. فما يظهر من تعارض الدليلين هو في إدراك المجتهد، وهو ما يمكن أن يحدث نتيجة لعدم وجود المعلومات اللازمة حول وقت ورود الدليل، أو مكان وروده، أو الظروف التي ورد فيها، أو غير ذلك من الشروط (185).

من جهة أخرى فإنّ التعارض الحقيقي يحدث على شكل حادثة فريدة ترد بأشكال متعارضة على لسان الراوي نفسه أو على ألسنة رواة مختلفين (186)، فهذا النّوع من التناقض يعود بلا ريب لأخطاء في الرواية بسبب ضعف الذاكرة، أو بسبب خطأ أحد الرواة في ذاكرته أو نيّته، وذلك عند راو واحد أو عند رواة متعددين (187)، والذي يخلص إليه المرء “منطقياً” في حالات التناقض أن واحدا من الأحاديث لم يصلنا بشكل دقيق ويبغي أن يرفض (وقد يجب رفض كلا الحديثين، إذا أمكن إيراد إثبات لذلك) روى أبو هريرة رضي الله عنه مثلاً، كما ذكر البخاريّ حديثاً يقول: “الشؤم في النساء والدوابّ والبيوت” (188)، لكن عائشة رضي الله عنها تروي حديثاً آخر، كما خرجّه البخاريّ أيضاً، يقول: “كان النّاس في الجاهلية يتشاءمون بالمرأة والدابّة والبيوت” (189)، فهذان الحديثان “الصحيحان” متناقضان، ولا بدّ من ردّ أحدهما. وممّا له مغزى أنّ أكثر الشرّاح ردّوا حديث عائشة رضي الله عنها، هذا مع أنّ هناك أحاديث صحيحة أخرى تؤيد روايتها (190)، وعلق ابن العربي، مثلاً، على ردّ الحديث المذكور أعلاه كما يلي: “هذا قول ساقط. إنّه ردّ لحديث صحيح وصريح، رواه الثقاتّ” (191).

والتعارض بالمعنى الذي أوردناه هو أمر نادر بحسب مختلف الدراسات التاريخية والمعاصرة حول موضوع التعارض (192)، وإنّما أكثر حالات التعارض هي تعارض بين حديثين بسبب عدم توفّر مناسبة الحديث لنا فيما يبدو، وليس بمعنى تعارض أحاديث يصادم بعضها بعضاً حول نفس الحادثة (193)، هناك ستّة آليات يحدّدها الفقهاء للتعامل مع التعارض في المذاهب الفقهيّة التاريخّية:

  1. الجمع: هذه الطريقة تقوم على مبدأ أساسيّ يقرّر أنّ “إعمال النصّ أولى من إهماله” (194)، لهذا فإنّ الفقيه الذي يواجه حديثين متعارضين عليه أن يبحث في المناسبة أو السياق الغائب، وأن يحاول تأويل كلا الحديثين بناء على ذلك السياق أو المناسبة (195).
  2. النسخ: تشير هذه الطريقة إلي أنّ النصّ المتأخر تاريخياً عن الأوّل يجب أن ينسخ الأقدم. يعنى هذا أنّه حينما لا تتوافق آية مع آيات أخرى، فالآية التي ورد أنّها نزلت بعد الآيات الأخرى تعتبر نصّاً ناسخاً، وتعتبر الآيات الأخرى منسوخة. كذلك فحينما يرد أحاديث متعارضة، فإن الحديث الذي يعرف أن الرّسول قاله متأخّراً عن الأحاديث الأخرى، هذا في حالة معرفة تواريخ الأحاديث أو يمكن استنتاج تواريخها، فإنّ هذا الحديث المتأخر زمناً يجب أن ينسخ كلّ الأحاديث المتعارضة له. هذا ولا يوافق أكثر العلماء على أن ينسخ الحديث آية من القرآن، حتى حينما نتأكد من أن الحديث ورد متأخرا عن الآية القرآنية. والسبب في هذا هو “درجة اليقين”.

ومفهوم النسخ، بأيّ معنى من المعاني التي أوردناها، لا يملك ما يدعمه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في كتب الحديث المعتمدة. وحينما نبحث في جذر الكلمة “نسخ” وكل مشتقاتها في مختلف كتب الحديث المنتشرة في أيدي الناس اليوم، بما في ذلك كتب البخاريّ ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي والمستدرك وابن حّبان وابن خزيمة والبيهقي والدار قطني وابن أبي شيبة وعبد الرزّاق، فلا نجد حديثاً صحيحاً مرفوعاً إلي النبي صلى الله عليه وسلم يحتوي أياً من مشتقّات “نسخ” نعم وجدت حوالي 40 مرة ذكر فيها حالات من “النسخ” في كتب الحديث المذكورة، ولكنها كلها ترجع إلي فهم الراوي أو تعليقه، وليست جزءاً من نص الحديث الشريف نفسه. فمفهوم النسخ يرد دائما في كلام المعلقين من الصحابة أو غيرهم من الرواة على الحديث، يعلّقون على ما يبدو تعارضا بحسب فهمهم هم للمواضيع التي ترد في الحديث. وأمّا بالنسبة لشروح القرآن الكريم، فإنّ مبدأ النسخ له دليل من القرآن، هذا مع أنّ تفسير الآيات ذات العلاقة بالموضوع تخضع لاختلاف الآراء (196).

  1. الترجيح: تعني هذه الطريقة الأخذ بالحديث الذي هو “أكثر صحّة”، وإسقاط أو إهمال الأحاديث الأخرى. فالرواية “المسقطة لغيرها” تسمّى “الرواية الراجحة”، وهذا يعنى حرفياً أن هذه الرواية “أثقل وزناً”. والرّواية “الراجحة” عند علماء الحديث يجب أن تتميز على الرواية المرجوحة بواحدة أو أكثر من الميزات التالية: وجود عدد كبير من الأحاديث الداعمة لها، كون السند أقصر، كون الرّواة أكثر علماً، كون الرواة أقوى حفظاً، كون الرواة أوثق، أن تكون الرواية مباشرة لا نقلاً، أن يكون الوقت بين الرواية والحادث الذي تنقله أقصر من الرواية الأخرى، أن يكون الرواة قادرين على تذكر وإيراد تاريخ الحادثة مقارنة مع من لا يستطيع ذلك، أن تكون الرواية أقل إبهاماً، أو أقل تزويقاً، وهناك عوامل أخري (197).
  2. التوقّف: يوصي بهذه الطريقة حينما لا يستطيع العالم أن يقرّر ماذا يختار ريثما يتّضح له واحدة من الطرق الثلاث الماضية.
  3. التساقط: يوصى العالم بموجب هذه الطريقة أن يهمل كلا الروايتين، وذلك بسبب الشكّ في كليهما.
  4. التخيير: تسمح هذه الطريقة للعالم أن يختار أياً من الروايات لأنّها الأنسب للحالة التي يتعامل معها. يطبق الأحناف النسخ قبل أيّة طريقة أخرى، يتبعها الترجيح (198)، بينما تعطي كل المذاهب الأخرى الأولويّة، نظريّاً، لطريقة الجمع. نلاحظ أنّه مع أنّ أكثر مذاهب الفقه متفّقة على أنّ إعمال كلّ النصوص أول من إهمال أيّ منها، فإنّ أكثر العلماء لا يبدو أنهم يعطون الأولويّة، عمليّاً، لطريقة الجمع. فالطريقتان اللتان تستخدمان أكثر من غيرهما في حالة التعارض هما النسخ والترجيح (199)، نتيجة لهذا نجد أنّ عدداً كبيراً من الأدلّة تهمل، بطريقة أو بأخرى، لا لسبب إلا لأنّ الفقهاء لم ينجحوا في فهم كيف يمكن لهم أن يفهموها معاً ضمن إطار للفهم يجمع بينها. لهذا فإنّ إبطال تلك النصوص بقي اعتباطياً إلي حدّ يقلّ أو يكثر. تهمل الروايات “تعتبر مرجوحة” مثلاً إذا حدث أن لم يذكر الرواة “تاريخ الحادثة”، أو أنّ الكلمات المنسوبة إلي النبي صلي الله عليه وسلم ظهر أنّها أكثر تزويقا مما يجب، أو أنّ الراوي كان امرأة – ففي هده الحالة تعتبر رواية الذكر مقدّمة على روايتها “المعارضة” لروايته (200)، من هنا فإنّ النسخ والترجيح يعكسان التوجّه العام للتفكير “ضمن ثنائّيات” في أصل منهج التفكير. بينما من المهام أن تفيد طريقة الجمع بين النصوص من مفهوم تعدد الأبعاد في التغلّب على هذا النقص. إنّ أحدّ النتائج العملية لإهمال عدد كبير من الآيات والأحاديث الشريفة باسم النسخ والترجيح هو مقدار كبير من “عدم المرونة” في الفقه الإسلاميّ، أي عدم قدرته على المعالجة الفعّالة لمختلف الحالات. فالتفكير بكثير من الأحاديث الشريفة والأحاديث التي تعتبر معارضة لها تظهر أنّ تعارضها قد يعود إلى اختلاف في الظروف المحيطة، مثل ظروف الحرب أو السلم، أو الفقر أو الغنى، أو التعامل مع حياة المدينة أو حياة الريف، أو الصيف أو الشتاء، أو المرض أو العافية، أو الشباب أو الكبار السنّ. فتوجيهات القرآن الكريم وأفعال النبي وأوامره، كما رواها من شاهدها، يفترض أنها تختلف بحسب اختلاف هذه الظروف. فعدم البحث في الظروف المرافقة للنص تحدّ من مرونة النصّ. فنفي الأدلّة التي وردت في ظروف السلم، لصالح الأدلة التي وردت في ظروف الحرب، إضافة إلى الطرق الظاهريّة، تحدّ من قدرة الفقيه على التعامل مع كلا أنواع الظروف. وإذا أضفنا إلى هذا منهج “التفكير ضمن ثنائيّات” بلا هوادة، فإنّ هذا سيؤدي إلى أنّ نصوصاً محدّدة جاءت لمعالجة ظروف محدّدة تستخدم وكأنّها عامّة وأبديّة.

إليك هذا المثال الذي يكشف الكثير عن هذه المسألة، وهو يدور حول الآية الخامسة من سورة التوبة، وهي الآية التي صارت تعرف باسم “آية السيف”. تقول الآية: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم” (201)، فالخلفية التاريخية للآية هي أنها نزلت في السنة التاسعة للهجرة، وكان هناك حرب بين المسلمين ومشركي مكّة، وجوّ الأفكار العامّة لسورة التوبة هو أيضاً جوّ نفس الحرب، والتي تعالج السورة ما يتّصل بها. غير أنّ الفقهاء الذين ذكرناهم انتزعوا الآية بعيداً عن جوّها الفكريّ وسياقها التاريخي، وادّعوا أنّهم قد توصّلوا إلي الحكم الصحيح بين المسلمين وغير المسلمين في أيّ مكان وأي زمان وضمن أيّة ظروف. وحكموا بأن الآية تعارض أكثر من مئتي آية أخرى من آيات القرآن الكريم، كلّها تدعو إلي الحوار، وحريّة الاعتقاد، والتسامح، والسلام، بل وإلي الصّبر. لقد ظهر للفقهاء لسبب ما أنّ خيار الجمع بين الآيات غير متاح. فقد حكموا في سعيهم لحلّ التعارض أن أخذوا بمبدأ النسخ، وحكم أكثر المفسّرين أنّ هذه الآية، الخامسة من سورة التوبة، والتي أنزلت في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، قد نسخت كلّ آية كانت قد نزلت من قبلها وظهر أنّها معارضة لها بدون استثناء. وبناء على هذا حكم على الآيات التالية أنها منسوخة: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (فَاصْبِرْ)، (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (العنكبوت 46)، (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)” (202)، يضاف إلي هذا أنّ عدداً كبيراً من الأحاديث النبويّة التي تبيح عقد المعاهدات والتعايش مع الثقافات الأخرى، بالمصطلح الحديث، اعتبرت منسوخة كذلك.

من هذه المعاهدات صحيفة المدينة، والتي كتب النبي صلي الله عليه وسلم فيها عهداً مع اليهود حدّدوا فيه العلاقة بين المسلمين واليهود القاطنين في المدينة المنورة، وذكرت الصحيفة أنّ “المسلمين واليهود أمة واحدة، ولليهود دينهم” (203)، غير أننا نجد المعلّقين على الصحيفة من العلماء القدماء والتقليدييّن الجدد يعتبرون الصحيفة منسوخة، بناء على آية السيف وآيات أخرى مشابهة (204)، إن النظر إلي كل تلك الآيات والأحاديث من خلال بعد واحد – هو الحرب مقابل السلام – قد يدلّ على تعارض، تكون الحقيقة النهائية فيه إما اختيار الحرب أو اختيار السلام، وفي هذه الحالة يكون الخيار اختياراً غير منصف بين السلم والحرب في كل زمان وكل مكان وكل حال.

شكل (6):

إن ما يبدو من تعارض في الصفات بحسب بعد ما قد يساهم بشكل إيجابي بحسب بعد آخر ذي علاقة بالمقاصد

كان مما زاد الطين بلّة أن عدد حالات النسخ التي ادّعاها التابعون هي أكثر من الحالات التي ذكرها الصحابة أنفسهم (205)، ثمّ يلاحظ الملاحظ بعد القرن الأول الهجريّ أنّ الفقهاء من المذاهب الناشئة بدأوا يدّعون وجود عدد كبير من حالات النّسخ، لّم يدّع التابعون وجودها. وهكذا فإنّ النسخ أصبح طريقة لردّ آراء أو أحاديث يدعمها المذهب الآخر، مثال ذلك أنّ أبا الحسن الكرخي (توفّي عام 339 ه/ 951م) كتب ما يلي: “القاعدة الأساسية هي: أن كل آية من آيات القرآن تخالف قول مذهبنا فقد فهمت خطأ أو أنها نسخت” (206)، لهذا فإنه ليس مستغرباً أن يجد المرء في كتب الفقه حكماً معيّناً ناسخاً لغيره في مذهب معيّن ومنسوخا في مذهب آخر. فهذا الاستخدام الاعتباطيّ لمنهج النسخ قد فاقم من المشكلة.

فهم الأدلّة فهما ً متعدد الأبعاد:

فالفهم المتعدّد الأبعاد، بالإضافة إلي المقاربة المقاصدّية، يمكن أن يوفّر حلاً لمشكلة الأدلّة المتعارضة. لاحظ مثلاً صفة يكون لها بعد سلبي وبعد إيجابي (كما في الشكل 6) فالدليلان هنا قد يكونان “متعارضين” فيما يتّصل بهذه الصفة، مثل الحرب والسلم، أو الأمر والنهي، أو الوقوف والجلوس، أو الرجال والنساء، وهكذا. فإذا قصرنا نظرنا على بعد واحد فإنّنا لن نجد طريقاً إل التوفيق بين الأدلة. لكننا حينما نوسّع من أفق البعد الواحد ليصبح بعدين، فإنّنا سنتمكن من “حل” عقدة التعارض ونفهم ونؤول الأدلّة ضمن سياق موحّد.

ونورد فيما يلي أمثلة مشهورة من الفقه حول اختلاف الأدلّة، وهي تمثّل في نفس الوقت الآراء التقليديّة والحداثيّة. غير أنّ ممّا يجدر بالملاحظة أن “التعارض” المزعوم يمكن حلّه بالطريقة المتعدّدة الأبعاد والمقاصديّة كما شرحنا سابقاً.

  1. هناك عدد كبير من الأدلة المتعارضة المتعلقة بمختلف طرق أداء العبادات، وكلّها مرفوعة إلى النبي صلي الله عليه وسلم. فهذه الروايات المتعارضة كثيراً ما أدّت إلي شقاقات حادّة بين المجموعات الإسلاميّة. غير أنّ فهم تلك الأحاديث ضمن مقصد التيسير يعني أن النبي صلي الله عليه وسلم قد أدّى هذه الأعمال من أعمال العبادة في أوقات مختلفة وبطرق مختلفة، ممّا ينبّه الأمّة إلي ضرورة المرونة في هذا الخصوص (207)، من أمثلة هذه الأفعال من أفعال العبادة مختلف وضعيّات الوقوف والحركات أثناء الصلاة (208)، والتشهّد (209)، وسجود السهو (210)، والتكبير في أثناء صلاة العيد (211)، قضاء المسلم ما فاته من صيام رمضان (212)، تفاصيل أعمال الحجّ، وما إلي ذلك.
  2. هناك عدد من الروايات التي تتعلّق بالعُرف، والتي كانت تصنف على أنها “متعارضة”. غير أنّ كل تلك الروايات يمكن تأويلها من خلال مقصد “عموم النصّ”، كما طرح ذلك ابن عاشور (213)، وبعبارة أخرى نرى أنّ الاختلاف بين تلك الروايات يجب أن يفهم على أنه فروق في الأعراف التي تهتمّ كلّ من الرّوايات بالإقرار بها، ولا حاجة إذن لاعتبارها “متعارضة.” مثال ذلك أنّ هناك حديثين، كلاهما عن طريق عائشة رضي الله عنها، يتضمّن أحدهما نهي “أيّ امرأة” أن تتزوج بدون موافقة وليّ أمرها، بينما يبيح الآخر للمرأة الثيّب (التي سبق لها أن تزوجت) أن يكون لها الخيار في أمر الزواج (214)، كما إنّه روي أنّ عائشة، وهي من روى كلا الحديثين السابقين، لم تطّبق شرط “موافقة الولي” في بعض الحالات (215)، وكان فهم الأحناف لذلك أنّ “العرف العربي يقضي أن المرأة التي تتزوّج بدون إذن وليّها عديمة أحياء” (216)، ففهم كلا الرّوايتين ضمن سياق الإقرار بالأعراف، بحسب مبدأ “عموم الشريعة” ينهي مشكلة التعارض، ويوفّر مقداراً من المرونة في ما يخصّ إجراء عقود الزواج بحسب اختلاف الأعراف باختلاف الأزمنة والأمكنة.
  3. اعتبر عدد من الأحاديث تحت بند النسخ، هذا مع أنّها كما قال عدد من الفقهاء مجّرد حالات من التدرّج في تطبيق الأحكام. والقصد من التدرج في تطبيق الأحكام هو بوجه عام “تيسير الانتقال إلى تطبيق الأحكام من خلال تغّير العادات العميقة الجذور في المجتمع” (217)، وهكذا فإنّ “الأحاديث المتعارضة” حول تحريم الخمر والربّا وأداء الصلاة والصيام، كلّ تلك الأحاديث يجب أن تفهم بحسب “التراث النبوي” الذي يقضي بالتدرّج في تطبيق المثل العليا في أيّ مجتمع.
  4. اعتبرت عدد من الأحاديث. المتعارضة “متعارضة” لأنّ عباراتها تدلّ على أحكام مختلفة حالات متشابهة. غير أننا حينما نلاحظ أنّ تلك الأحاديث النبويّة خاطبت أفراداً (أي صحابة) مختلفين، فإنها يمكن أن تحل التعارض. فالمقصد الشرعي المتمثل في “توفير أفضل مصلحة للبشر” سيكون المفتاح لتأويل هذه الأحاديث، بناء على الفروق بين الصحابة. فبعض الأحاديث مثلا تنقل أن النبي صلي الله عليه وسلم أبلغ امرأة مطلقة أنها تفقد حقّها في حضانة الأطفال إذا تزوجت رجلا آخر (218)، غير أن هناك عدداّ من الأحاديث الأخرى “المعارضة” تبين أن المطلقات يمكن لهن أن يحتفظن بأطفالهن تحت رعايتهن بعد أن يتزوجن. من هذه الأحاديث المعارضة ما يتعلق بحالة أم سلمة، فقد حظية أم سلمة بحضانة أطفالها بعد أن تزوجت النبي صلى الله عليه وسلم (219)، وهكذا فإن أكثر المذاهب الفقهيّة قامت اعتماداً على الأحاديث من الفئة الأولى بنقل حضانة الأطفال إلى الأب بشكل آلي حينما تتزوج المرأة. كان حجتهم في ترجيح هذه الأحاديث على الفئة الثانية من الأحاديث أن أحاديث الفئة الأولى “أصحّ”، حيث رواها البخاري واحمد (220)، بينما قبل ابن حزم المجموعة الثانية من الأحاديث ورد المجموعة الأولى، بناء على شكّه في حفظ واحد من رواة المجموعة الأولى (221)، غير أن الصنعاني بعد أن أورد كلا الرأيين قال معلقاً: “يجب أن يبقى الأبناء مع أيّ من الوالدين يستطيع أن يحقق لهم مصلحتهم أفضل من الآخر، فإذا كانت الأم هي الطرف الأقدر على حسن رعايتهم، وسوف تقوم على شؤونهم بشكل أفضل، فيجب أن يكون لها الحق في حضانتهم … يجب أن تكون الأطفال في حضانة أي من الوالدين يكون أقدر من الآخر، ولا يمكن للشريعة أن تقبل إلا بهذا” (222).

وتعني المقاربة متعددّة الأبعاد أيضاً اعتبار أكثر من واحد من المقاصد، إذا كانت الحالة تسمح بذلك، ففي هذه الحال يجب أن تعطى الأولويّة لطريقة “حلّ التعارض” التي تحقق تلك المقاصد على أفضل وجه.

تعدّد الأبعاد وما بعد الحداثة:

وتعدد الأبعاد هو كذلك سمة مهمة في حل واحدة من أهم وجوه التناقض في ما بعد الحداثة، وهي أنه بالرغم من سعي كل توجهات ما بعد الحداثة إلي تفكيك التعارضات الثنائية، فإن التوجهات ما بعد الحداثّية نفسها تميل إلى كونها تنطوي على ثنائية (أي التحرك بين قطبين)، هما الاختزالية وأحادية البعد، صحيح أن مقاربة ما بعد الحداثة إلي الفقه الإسلامي قد أثارت أسئلة مهمة حول “التمسّك بالمركزية” بشكل غير مبرر في بعض المفاهيم الفقهية والمذاهب الفقهية، وعند بعض الشخصيات والمجموعات. وصحيح أن أصحاب ما بعد الحداثة قد بذلوا جهدهم في الكشف عن الأبعاد الثقافية والتدريجية في صياغة النظريات الفقهيّة والأحكام الفقهيّة، و “المناهج التأويليّة” التي تطورت عبر تاريخ الفقه الإسلامي. غير أنّ أصحاب ما بعد الحداثة يميلون إلي التركيز على بعد واحد ومقاربة واحدة إلى نظرية الفقه الإسلامي عموماً، فإما أن تكون مقاربتهم لغويّة، أو منطقيّة، أو تاريخّية، أو ثقافيّة، ويهملون كل الأبعاد الأخرى. فالأنثويّة الإسلاميّة مثلاً هي مقاربة تثير أسئلة أساسية تقتضي أسئلة جذريّة، غير أن النزاع الذكوري – الأنثوي ليس البعد الوحيد أو القوّة الوحيدة التي صاغت الفقه الإسلاميّ عبر تاريخه الطويل، كما يظهر من النظر في الكتابات الفقهية، فهناك عدد آخر من الأبعاد والقوى، كالأبعاد السياسية والاقتصادية وغيرها، قد صاغت الفقه، بينما لا يلاحظ أصحاب ما بعد الحداثة هذه الأبعاد المتعددة.

وبنفس الطريقة نلاحظ أن أصحاب النقد ما بعد (مرتين) الاستشراقي يميلون إلى قصر تقويمهم للجهد العلمي الغربي في الدراسات الإسلامية على الاستشراقي التقليديّ الجذوري. فكثيراً ما يغفلون العدد الكبير من مشاريع البحث الجادة والمساهمات المثمرة للدراسات الإسلاميّة التي ظهرت بأقلام وألسنة الباحثين الغربيين.

والذي يدعو إليه هذا البحث هو مقاربة ناقدة ومتعددة الأبعاد إلي نظرية الفقه الإسلامي، وذلك بهدف تجنب الآراء الاختزالية والتفكير في نطاق الثنائيات. ومن هذا المنطق حاولت أن أسبر غور عدد من الأبعاد في الفقه الإسلامي ونظرياته، بما في ذلك مصادره، واستنباطاته اللغوية، وطرق التفكير والاستنباط التي يقوم عليها، ومدارس التفكير والتوجّهات التي تعمل ضمن نطاقه، بالإضافة إلي مساهمة أبعاد مثل الأبعاد الثقافيّة والتاريخّية، وبعد الزمان والمكان. فالأجزاء المبعثرة والمفككّة لا يمكن أن تنقل الصورة الكاملة، ما لم ننتبه إلي العلاقات البيئية المنظومية والبنيوية التي تربط تلك الأجزاء.

وهكذا فإنه بالرغم من حرب ما بعد الحداثة على النظريات الكبرى، فإنّي أعتقد أنّ عملية ناقدة، متعددة الأبعاد، مبنية على المنظومات، وتضع المقاصد نصب عينها، توفّر لنا إطاراً كافياً لتحليل وتطوير نظريّة الفقه الإسلاميّ.

نحو”المقاصدية”

بينّا أنّ “المقاصديّة” توفّر حلقة وصل بين كلّ سمات المنظومة الأساسيّة الأخرى، مثل الإدراكّية، والشموليّة، والانفتاح، والتراتبّية الهرميّة، والعلاقات البيئّية، وتعدد الأبعاد. أمّا في هذا المبحث فنحن نقوم بالتعرض لبعض نظريّات أصول الفقه الإسلامي التاريخية والمعاصرة وبيان كيف يمكن لسمة المقاصدية أو المقاربة المقاصديّة أن تسهم في تحديد أصول الفقه الإسلامي وتطوير المحاولات المعاصرة للتعامل مع بعض جوانب النقص فيه. والمباحث الفرعية التالية يعالج كلّ منها مجالاً محدّداً ضمن أصول الفقه.

إدخال المقصود في الدلالات اللغوية:

اعتبر علماء الفقه التقليديّون، ربما بتأثير “مبدأ السببيّة” في الفلسفة اليونانّية، أن دلالات عبارات ومصطلحات الكتاب والسنة ليس فيها ما يشير إلي دلالة المقصد. فالعبارة الواضحة (ما يسميّه الأحناف “العبارة”، ويسميّه الشافعيّة “الصريح”)، والتي تعطى الأولويّة فوق كّل العبارات، هي قراءة مباشرة للنص. وهذه القراءة تنطبق على المعنى الحرفّي باسم “المحكم” أو “النصّ” أو “الظاهر”. أمّا “مقصد” العبارة فربّما يقع تحت واحدة من فئة “غير الصريح”: فهي “مفسّر”، أو “إشارة” أو “اقتضاء” أو “إيماء”. فهذه الأصناف من المصطلحات، كما أوضحناه سابقاّ، لا تتمتّع بالحّجيّة لا تّصافها بالظّنّية.

يضاف إلي هذا أنّ دلالات المخالفة، والتي أخذت بها كل المذاهب ماعدا الحنفّية كانت تقتصر على فئات “اللقب” و “الوصف” و”الشرط” و”الغاية” و “العدد”، يعني هذا أنه إذا استخدمت واحدة من هذه العبارات في النصّ، فإن العبارة “المخالفة” تكون مستثناة، بصرف النظر عن اعتبار “المقصد”. وهكذا فإنّ أي لقب أو وصف أو شرط أو غاية أو عدد يختلف عمّا هو مذكور في النصّ لا يكون مقبولاً، حتّى حينما يحدث أنّه يحقق “المقصد” في نفس النصّ بطريقة مشابهة أو أفضل. فهنا أيضاً ينظر إلي المقصد أنّه ظنّي إلي حدّ لا يسمح له أن “يعارض” معنى المخالفة “المنطقيّ”. كان من نتيجة كل ذلك أن أضيفت إلي الطبيعة العامّة الحرفية للأدلة اللغوية، والتي كانت تعطى الأولويّة فوق الأدلّة العقليّة. وهكذا فكما كتب ابن عاشور، “حمل الفقهاء أنفسهم عبأ لا لزوم له هو البحث عن توضيح المبهم وتخصيص غير المقيدّ … هذا مع أنّ … النصوص التي جاءت بخصوص حالات مخصوصة كانت منفتحة للتعميم والتخصيص” (223).

وعلّة اختفاء “دلالة المقصد” ظاهرة بشكل عام في التعامل مع “النصوص الفقهيّة”، حتى في مدارس فلسفة القانون الحديثة (224)، ففي المدرسة الألمانيّة، وخاصّة عند يرينج (225)، والمدرسة الفرنسيّة،ـ وخاصة عد جيني (226)، دعت إلى “مقاصدية” في القانون. دعت كلا المدرستين إلي “إعادة هيكلة” القانون بناء على “المصالح” و “مقصد العدالة” (227)، ودعا يرينج إلي تبديل “قانون السببيّة الآليّ” بــ “قانون المقصد”. وبيّن رأيه في هذه الكلمات:

في “السبب” يكون الموضوع الذي يقود إلي حصول النتيجة سلبيّاً. فيبدو الموضوع ببساطة كنقطة واحدة في الكون ينحصر قانون السببيّة فيها. أمّا عن “المقصد” فإنّ الشيء الذي يتحرّك بفعل المقصد يظهر ذاتيّ الفعل؛ فهو يقوم بالفعل. يتعلق السبب بالماضي، ويتعلق المقصد بالمستقبل. فحينما نسأل الطبيعة الخارجيّة حول سبب عمليّاتها، فإنّها تحيل السائل علي النظر إلي الماضي؛ بينما الإرادة تحيله على النظر إلي الأمام .. علي أن المقصد مهما كان اندماجه مع الفعل، ومهما كانت طبيعة المقصد، فأنّه لا يمكن تصور الفعل بدون المقصد. فــ “الفعل” و “الفعل من خلال المقصد” هما بمعنى واحد. فالفعل بدون مقصد يشبه في استحالته حصول أثر بدون سبب (228).

وإلى جانب ذلك نادى جيني بإيجاد طريقة تعطي مغزى أكبر لـــ “النية في التشريع” تكون “مستنبطة من النصّ” وهي بهذا “تملي قرار المؤوِّل” (229)، غير أنّ هذه النداءات لم يتبلور عنها تغييرات رئيسيّة في المنهج العام للقانون الإيجابيّ (230)، وهكذا فإنّ تعزيز “المقاصدّية” هو جزء تشتدّ الحاجة إليه في القانون عموماً.

أمّا في الفقه الإسلاميّ فقد ظهرت حديثاً عبارة “دلالة المقصد” عند الحداثّيين الإسلاميّين ضمن مصطلحات أصول الفقه عندهم (231)، غير أن هذا التعبير لا يعتبر “قطعياً” بما يكفي ليعطي “حجّيّة” فقهيّة. طالما أنّهم يعطون الحجية العلية لفئة الدليل “الصريح” اللغويّ، ويجعلونه فوق التعابير “غير الصريحة أو الظنّيّة” المستخدمة في المقاصد والقيم العليا.

وقد كان موقف الشاطبي أكثر دعماً للمقاصد حينما وصف المقاصد بأنها “أصول الدين وقواعد الشريعة وكليات الملّة” (232)، أمّا ابن عاشور، وهو يحتلّ المكان الأوّل بين الحداثيّين المقاصديّين، فقد وصف المقاصد بــ “قطعيّة وظنّيّة، قريبة من القطعيّ (233)،” غير أن “المقاصدية” ظلّ ينظر إليها على أنها شيء يحظر، من الناحية النظرية، أن تقوم بدور رئيس في استنباط الأحكام من النصوص المتعلقة بالموضوع.

من ناحية أخرى فإن ما بعد الحداثة الإسلاميّة “فككت” المقاصد عن النصوص، بنفس الطريقة التي كانت قد فكّكت النصوص نفسها، وما بعد الحداثّيين الإسلامييّن يسمّون التأويل الحداثي المبني على المصلحة أو المقصد “ليّ للنصوص وإخراجها عن استقامتها” (234) ويسّمونه “حركة علمانيّة تتخفّى في لبوس الحديث الدينيّ” (235)، ويتّهم ما بعد الحداثيّين الحداثيّين بأنّهم “حركة تبرير للحكّام المستبدّين” (236)، كما يتهمونهم بأنّهم يشجّعون “الأصوليّين” من خلال أمثال تأويلات كتلك (237)، غير أنّ النظام المتفّرع عن الأدلّة اللغوّية في أصول الفقه الإسلامي يمكن أن يحقق “مقاصدية” أنجع من خلال هذه المقترحات المحدّدة:

  1. يجب إضافة “دلالة المقصد” إلي أنواع الدلالات اللغوية للنصوص (انظر الشكل 7). غير أنّ “أولوّيته”، نسبة إلى الدلالات الأخرى، لا يجوز تثبيتها على نحو جامد، بل يجب أن تكون خاضعة للحالة التي هي قيد البحث واهية المقصد نفسه.

شكل (7):

يحتوي هذا الشكل علي إضافة دلالة المقصد إلي الدلالات والمعاني التقليدية في الأصول.

أما مدي أولويتّه فيعتمد علي أهمية المقصد الذي يدّل عليه النصّ

  1. كانت إمكانّية التخصيص والتأويل والنسخ هي المعايير الثلاثة التي تميز أنواع العبارة، وهي “المحكم” و “النصّ” و “الظاهر” و “المفسر”. غير مستويات الوضوح المذكورة، إضافة إلي كونها تحكّميّة، فإنّ المقاصد نفسها يمكن أن تكون الأساس للتحديد والتأويل. يمكن للعبارة أن تكون مخصصة، أو مؤوّلة، عبر مقصدها أو مقاصدها، مقابل التعابير الأخرى “المعارضة”. ومن جهة أخرى فإن النسخ هو شكل من أشكال التطبيق المتدرجّ للأحكام، ويجب أن يفهم ضمن سياق مقصد. الرحمة في الفقه الإسلاميّ.
  2. إنّ مقصد العبارة يجب أن يقرّر أيضاً صحّة “مفهوم المخالفة” لتلك العبارة، بعكس الطريقة التي يقرّر بها صحّة العبارة عبر المناقشة “المنطقيّة” حول ما إذا كانت “العلّة الواحدة يمكن أن تشمل حكمين متقابلين في نفس الوقت” (238)، وهكذا فإذا كانت التعابير “المخالفة” تدّل عليها نصوص أخرى فيجب أن تعتبر كل الدلالات “المتعارضة ضمن المقاصد.
  3. حينما يرد تعبير من الكتاب أو السنّة يتصّل بمقاصد الشريعة، والذي يكون في العادة تعبيرا “عاماً” و”غير محدد”، فيجب عموماً ألاّ “يحدّد” أو “يخصص” بنصوص خاصّة. ولا يجوز بالمقابل أن تهمل النصوص الخاصّة بسبب النصوص “العامّة” و “غير المحددة”. فكل العبارات يجب أن تعطى دورها ضمن إطار عام من المقاصد.
  4. إن العلاقة بين الكلمات “المخصصة” و “غير المخصصة” والتي تمس نفس الحكم وإنما في حالات مختلفة، وهي كلمات يتحكم فيها اختلاف الآراء، فإنه يجب أن تعرف بناء على تحصيل المقاصد، وليس بناء على قاعدة لغوية أو منطقيّة عامّة.

التفسير المقاصديّ للنصوص الشرعية:

كان توجه “التفسير الموضوعي” قد نقلنا خطوات نحو وضع تفسير للقرآن أكثر مقاصدية. وقراءة القرآن لاستخراج مواضيعه ومبادئه ومقاصده يقوم على فهم القرآن على انه وحدة واحدة” (239)، وبناء على هذه النظرة الشمولية، فإنّ العدد الصغير من الآيات المتعلقة بالأحكام، والتي يطلق عليها تقليدياً “آيات الأحكام”، سيتوسّع من بضع مئات من الآيات إلى نصّ القرآن الكريم كله. فالسور والآيات التي تبحث في العقيدة وقصص الأنبياء والحياة الآخرة والكون، كلّها أجزاء من الصورة الكلّيّة، وهي بهذا تقوم بدور في صياغة الأحكام الفقهيّة. إن مثل هذا التوجّه سيتيح للمبادئ والقيم الأخلاقّية أيضاً، والتي هي المواضيع الرئيسية من وراء القصص القرآني والمقاطع التي تصّور اليوم الآخر، أن تصبح العلّة لاستنباط الأحكام، بالإضافة للأسباب اللفظية التي تستخرج من خلال الطرق التقليدية في “تخريج المناط”. مثل هذا الاعتبار يساعد في “تنقيح المناط” وفي “تحقيق المناط”.

إن التوجه إلى الأحاديث الشريفة من زاوية المقاصد يسير بطريقة مشابهة بموجب إدراك شموليّ لحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله. وتحاول هذه الطريقة أيضا أن تصوغ صورة شمولية للسنة النبويّة، وسوف تفيد في التساؤل عن صحّة أحاديث تكون غير متوائمة مع القيم الإسلاميّة الواضحة. مثل هذا المعنى من “عدم التواؤم المنهجيّ” يختلف عن شذوذ المتن” والذي هو معيار يستخدمه العلم التقليدي في عملية “تضعيف المتن”. يعني شذوذ المتن أن الحدث متعارض مع حديث آخر (سواء على لسان نفس الراوي أو غيره). فإذا كان الفقهاء غير قادرين على توفيق الدلالة “اللغوية” للحديثين (أو دلالة العلة في كلا الحديثين) فإن الحديث الأقل يقينا يعتبر شاذّ المتن. غير أنّ الشذوذ المنهجي يعني عدم التوافق مع المبادئ العامة للإسلام، كما يتبين من خلال الفهم الشمولي لنصوص الإسلام. وهكذا فإن “الشذوذ المنهجي”، يمكن أن يكون الاسم الذي يطلق على الطريقة التي يطرحها كثير من المصلحين الحديثين، والتي بموجبها يصحح أو لا يصحح كثير من الأحاديث الشريفة، “بناء على مقدار توافقها مع مبادئ القرآن” (240)، وهكذا فإن “الشذوذ المنهجي” يجب أن يضاف إلي شروط تصحيح المتن لأحاديث النبي صلي الله عليه وسلم.

أخيراً فإن طريقة البحث من خلال المقاصد يمكن أن تسدّ فراغاً حيوياً في وراية الحديث الشريف عموماً، وهو الفراغ الناشئ عن وجود نقص في النصّ. فالأكثرية الساحقة من أحاديث النبي صلي الله عليه وسلم، والتي تبناها كل المذاهب، هي عبارة عن جملة أو جملتين، أو هي جواب لسؤال أو سؤالين، بدون أي شرح للسياق التاريخي أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو البيئي لذلك الحديث. ويرد في نهاية بعض الأحاديث كلمات يختم بها الراوي الحديث بكلمات مفادها: “لا أدري ما إذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم قال كذا لأن “الظرف الذي مرّ بنا كان” كذا … ” غير أن السياق وأثر السياق على فهم الحديث يبقى في العادة مفتوحاً لتكّهن الراوي أو الفقيه. فــ “الصورة الشموليّة” التي طرحناها هنا تساعد في التغلب على هذا النقص في المعلومات من خلال فهم المقاصد العامّة للشريعة.

المقاصد والأغراض في حديث النبي صلي الله عليه وسلم:

يمكن للمقاصد، بمعنى مقاصد النبي صلى الله عليه وسلم حين يتحدث بشيء أو يفعل شيئاً، أن تفيد في استنباط السياق الذي ترد فيه الأحاديث الشريفة. والإمام القوافي قد ميزّ – كما هو معروف – بين أفعال الرسول صلي الله عليه وسلم بوصفه ناقلاً للرسالة الموحاة، وبوصفه قاضياً، وبوصفه قائداً سياسياً، وبيّن أنّ كل واحد من هذه الأدوار له أثره في الشريعة. وتحدثنا كيف أن ابن عاشور أضاف أصنافاً أخرى من “مقاصد النبي صلي الله عليه وسلم،” وكان هذا توسيعاً مهماً لمجال الدلالة من خلال المقاصد. وشرح ابن عاشور الأغراض النبوية التي طرحها من خلال عدد من الأمثلة من الحديث الشريف (241). نورد هنا بعض الأمثلة التي أوردنا ابن عاشور(242):

  1. قصد التشريع: أحد الأمثلة على قصد التشريع عند الرسول صلي الله عليه وسلم هي خطبته أثناء حجّة الوداع، حيث روي عنه أنه قال وقتها: “خذوا عنّي مناسككم (أي لاحظوا ما أفعل من أعمال الحجّ واتّبعوه) فإنّي لا أدري لعلّي لا ألقاكم بعد عامي هذا”، كما قال بعد أن أنهى خطبته تلك: “ليعلم الحاضر منكم الغائب”.
  2. قصد إصدار الفتوى أو الأحكام: والمثال على هذا القصد هو فتاوى الرسول صلي الله عليه وسلم أثناء حجة الوداع، فقد جاءه مثلا رجل وقال: “ذبحت قبل أن أرمي”، فقال له النبيّ: “ارمِ ولا حرج”، ثّم جاء رجل آخر فقال: “حلقت قبل أن أذبح”، فقال النبيّ: “اذبح ولا حرج”، وتابع الراوي أن الرسول صلي الله عليه وسلم ما سئل يومئذ عن شيء قُدّم أو أُخّر إلاّ قال: “افعل ولا حرج”.
  3. قصد إصدار حكم قضائي: من أمثلته: (1) قضاء الرسول صلي الله عليه وسلم بين رجلين، أحدهما من حضرموت والآخر من كندة، حول قطعة أرض؛ (2) قضاء النبي صلي الله عليه وسلم بين البدويّ وخصمه، حين قال البدويّ: “يا نبي الله اقض بيننا”؛ (3) قضاء النبي صلي الله عليه وسلم بين حبيبة وثابت. اشتكت حبيبة بنت سهل، زوجة ثابت، إلي النبي صلي الله عليه وسلم أنها لا تحب ثابتاً وأنها تريد الطلاق منه، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: “أتردّين عليه حديقته؟” قالت: “أردّ كلّ ما أعطاني”، ثم قال النبي صلي الله عليه وسلم لثابت: “خذ الحديقة منها”، فأخذ الحديقة وطلّقها.
  4. قصد القيادة. أمثلة ذلك إذنه صلي الله عليه وسلم للمسلم بامتلاك الأرض المشاع لمن أحياها، ونهيه عن أكل لحم الحمير في غزوة خيبر، وقول النبي صلي الله عليه وسلم في أثناء غزوة حنين: “من قتل قتيلاً له في قتله شاهد فله سلبه”.
  5. قصد الإرشاد (وهي أوسع من التشريع). مثال ذلك يظهر في حديث ابن سويد، والذي قال فيه: “لقيت أبا ذرّ، وهو يلبس رداء، وغلامه يلبس رداء مثل ردائه، فسألته عن سبب ذلك فقال: “سببت غلاماً لي بأن عيّرته بأمّه، فقال لي النبي صلي الله عليه وسلم: “يا أبا ذرّ! هل عّيرته بأمّه؟ إنّك امرؤ فيك جاهّلية، إخوانكم خولكم”.
  6. قصد الوساطة: مثاله أن النبي طلب من بريرة أن تعود إلى زوجها بعد أن فارقته، فقالت بريرة: “يا رسول الله! هل تأمرني أن أفعل؟ فقال: “لا إنما أنا شافع”، فقالت: “فلا حاجة لي فيه”، وروى البخاريّ أيضا أنه لما مات والد جابر، سأل جابر النبي صلي الله عليه وسلم أن يكلم دائني والده ليضعوا عنه بعض دينه، ولما رفضوا قبل الرسول صلي الله عليه وسلم رفضهم. مثال آخر حول الوساطة حدث حينما طالب كعب بن مالك عبد الله بن أبي حدرد بدين له عليه، فطلب النبي صلي الله عليه وسلم من كعب أن يضع عنه نصف الدين، واستجاب كعب.
  7. قصد النصيحة: مثال ذلك حينما منح عمر بن الخطاب رجلاً جواداً، وأهمل الرجل ذلك الجواد. فرغب عمر في أن يشتري الجواد من الرجل، ظاناً انّه سيبيعه بسعر بخس. وحينما استشار النبي صلى الله عليه وسلم، قال له: “لا تشتره، ولو باعة إياك بدرهم، فإن العائد في هبته كالكلب يعود في قيئه”. وروى زيد أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “لا تبيعوا الخضار قبل أن يبدو صلاحها”، غير أنّ زيداً أضاف معلقاً: “إنما قال هذا ناصحاً، لأن أناساً أكثروا من الشجار حول هذا”.
  8. قصد المشورة: من هذا أن بشيرا طلب من النبي صلى الله عليه وسلم أن يشهد أنه أعطى أحد بنيه أعطية. فقال النبي صلي الله عليه وسلم: “أكلّ بنيك أعطيتهم مثل ذلك؟” فقال: “لا”، فقال النبي صلي الله عليه وسلم: “فلا تشهدني على جور (أي ظلم)” .
  9. قصد تعليم المثل العليا. من ذلك أن النبي صلي الله عليه وسلم سأل أبا ذرّ: “هل ترى جبل أحد؟” فقال أبو ذرّ: “نعمّ” فقال: “لو أن لي ذهباً يعدل جبل أحد، فلا أحب أن أبيت ثلاث ليالٍ وعندي منه دينار إذا وجدت من أعطيه، اللهم إلا شيئاً أستبقيه لدين”، كذلك قال البراء بن عازب: “أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نحافظ علي سبعة أمور، ونهانا عن سبع: أمرنا أن نعود المريض، وأن نمشي خلف الجنازة، وأن نشمّت العاطس، وأن نبر قسم من أقسم، وأن نعين المظلوم، وأن ننشر السلام، وأن نجيب الدّاعي. ونهانا عن لبس خواتم الذهب، وعن الأكل في آنية الفضة، وأن نستخدم سرجاً من الديباج، وأن نلبس الثياب المصرية الدمقس أو الديباج، أو الحرير. “كذلك يروي علي بن أبي طالب: “نهاني رسول الله صلى الله عليه وسلم عن استعمال خواتم الذهب، وعن لبس الحرير وعن لبس المصبوغ بالزعفران، وأن أقرأ القرآن راكعاً وساجداً. لا أقول نهاكم ولكن أقول نهاني”، كذلك فإنّ النبي صلى الله عليه وسلم قال لرافع بن خديج معلماً كذلك: “لا تؤجر أرضك، ولكن احرثها بنفسك”.
  10. قصد ترسيخ مبادئ المجتمع. من ذلك هذا الحديث الشريف: “والله لا يؤمن! والله لا يؤمن! والله لا يؤمن!” قال قائل: “من هو ذاك يا رسول الله؟” فقال: “من لا يأمن جاره بوائقه”.
  11. قصد عدم التعليم. يشمل هذا الأحاديث التي تصف كيف كان يأكل النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف يلبس، وكيف يضطجع، وكيف يمشي، وكيف يركب، وكيف يضع، يديه في السجود. مثال آخر هو ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقف في حجة الوداع فوق تل يشرف على واد لبني كنانة، وعلقت على ذلك عائشة: “لم يكن نزول النبي صلى الله عليه وسلم في الأبطح من شعائر الحج، وإنما كان مكانا كان ينزل فيه النبي صلى الله عليه وسلم ليكون أيسر لانطلاقه إلي المدينة”.

إن توسيع ابن عاشور لدلالة الأحاديث الشريفة، كما عرضناه في الأمثلة السابقة، يزيد من مستوى “المقاصدية” عما كانت عليه في المناهج القديمة، ويوجد مقدارا من المرونة في تأويل الأحاديث وتطبيقها.

القياس عن طريق المقاصد:

أكثر المذاهب والفقهاء يسمحون بالقياس بناء على العلة التي يقوم عليها الحكم، وليس بناء على الحكمة من وراء الحكم، وهو أمر أشرنا إليه سابقاً. كان دافع الفقهاء في ذلك المحافظة على “الانضباط” (أو الدقة) من خلال علّة الحكم، ويقصدون بالانضباط “الاستمرارية بالرغم من تغير المكان والزمان”. وبعبارة أخرى فإنه من أجل الحفاظ على الشكل عند المستوى الإجرائيّ، فإن الفقهاء يقررون أن العلّة من وراء الأحكام يجب ألا تتغير أبداً مع الظروف. وحتى أولئك الفقهاء الذين يسمحون بأن تصبح “الحكمة” هي علة الأحكام، فإنهم يضعون شرطاً لذلك أن تلك الحكمة يجب أن تكون “منضبطة” (243).

غير أن التحليل المتأني لـــ “الانضباط” الذي يشترط أن تتصف به العلة يظهر لنا أنه خاضع في العادة للتغيرات، ولا يمكن تعريفه بشكل دقيق، وهو ما بينه ابن قدامة، وهو فقيه حنبلي كبير (244)، استند ابن قدامة إلى مثال مشهور يسمح للمرء المريض أن يفسخ صيامه بناء على “انضباط” علة المرض، ثم علّق على ذلك بقوله: “ولكنّ المرض ليس منضبطاً، لأن المرض يتفاوت. فبعض الأمراض تضّر بالصائم وبعضها لا علاقة لها بالصّيام، مثل آلام الأسنان، والجروح الصغيرة، والانتباجات، والقروح الصغيرة، إلخ. وهكذا فإنّ “المرض” لا يمكن أن يكون المقياس الصحيح بحد ذاته، وإنّما الحكمة، وهي تجّنب الضّرر، يجب أن يجري تبنّيها كمعيار” (245)، والواقع أنّ حجّة ابن قدامة تنطبق على كلّ أنواع العلل. يضاف إلي هذا أنّ “الحكمة” التي أشار إليها في المثال الذي أوردناه هي ما يسمّيه الفقهاء “المناسبة”، أو “العلّة” أو “تحقيق المصلحة”. وكنا قد أوضحنا في الفصل الأوّل أن الفقهاء بدأوا يعرّفون “المصالح” بمعني “المقاصد” منذ القرن الهجريّ الخامس، وهم بنقلتهم هذه صاروا يتعاملون مع “المناسبة” على أنها “المقاصديّة”.

غير أنّنا نعود فنقول إن “الظنّيّة” التي تنطوي عليها المقاصد منعت الفقهاء من قبولها كعلل، بشكل يكون لها بابها المستقلّ. لعلّ أكثر الفقهاء كانوا تحت تأثير المنطق اليونانيّ، وخاصّة منطق أرسطو (والذي وصلهم عن طريق ابن سينا) حينما وافقوا على إعطاء “الاستنباط” مكاناً فوق “الاستقراء” ليكون أداتهم في الوصول إلي “اليقين المنطقي” كان أرسطو قد بّين أنّ الاستقراء يمكن أن يكون إمّا تامّاً” حين يغطّي كلّ فرد ذي علاقة” أو غير تام “حين لا يغطّي كلّ فرد ذي علاقة”، وهكذا فقد اقترح أنّه حتي إذا افترضنا “فائدة الاستقراء التامّ” و “ظنّيّة الاستقراء غير التامّ” فإن الاستقراء ليس هو الأداة التي في متناول الباحث للوصول إلي اليقين المنطقيّ (246)، وهذه الحجّة هي نفس الحجة التي استخدمها الفقهاء بحرفيتها في مختلف المذاهب، بدءاً من الرازي والغزالي وانتهاء بالسيوطي والآمدي (247)، وهكذا فإنّ القياس الجزئي الشكليّ، والذي بني على دليل واحد، قد أعطي مكانة فوق المفاهيم الشمولية المبنيّة على المقاصد، والتي تقوم أيضاً على المعرفة المسحيّة الاستقرائيّة استقراء غير تامّ. لقد قصدنا في عرضنا في مبحث سابق لرؤية متعّددة الأبعاد للـ “يقين” أن ندعم مبدأ المقاصدية، في نظام فرع أصول الفقه الإسلامي المختص بالتفكير من خلال القياس.

المصالح المتوافقة مع المقاصد:

كان كثير من الفقهاء يشعرون بالقلق من أن إعطاء مكانة مصدر التشريع المستقلّ للـ “مصالح” قد يتصادم مع نصوص الكتاب والسنّة (248)، ونفس القلق يعبر عنه الباحثون في فلسفة القانون حول العلاقة بين ادّعاء وجود “المقاصد” وبين التشريعات. من هنا فإن المحكمة العليا في الولايات المتحدة، والعديد من رجال القانون البريطانيين، وضعوا شرطاً لقبول أيّ “قصد” يجري ادّعاؤه. فهم يصرون على أن “المصدر الوحيد المقبول كدليل على قصد المشرع هو نص التشريع” (249)، وأنا أوافق على أن هذا الشرط يمكن أيضا أن يحلّ الجدل حول صلاحية المصالح لتكون مصدراً مستقلاً للتشريع في الفقه الإسلامي. وطالما أن المقاصد يجري “استقراؤها” من نصوص الوحي، فإنّ المصلحة يكون لها صلاحية شرعية إذا ظهر أنها مرادفة للمقاصد، وهو ما قال به العديد من الفقهاء (250)، من هنا فإنّ المصالح “المعتبرة” و “المرسلة” ستمتزجان في فئة واحدة من المصالح التي هي مذكورة إما بالتصريح أو التلميح في نصوص الوحي، على شرط أن تحقق “المقاصدية” في نظام الشريعة.

الاستحسان مقاصديّاً:

كانت المذاهب التي تبنّت الاستحسان قد ادّعت أنها تحاول ملء فراغ في القياس (251)، غير أنني أعتقد أنّ الفراغ موجود لا في القياس الشكليّ، بل في التعريف الحرفيّ للعلة، وهو تعريف كثيراً ما يضيّع المقصود من وراء الحكم. وهكذا فقد كان الاستحسان بالنسبة لتلك المذاهب يعني ببساطة التغاضي عن شكليات “الدلالات” وتطبيق المقصد مباشرة. إليك أمثلة من حالات اقتبسناها من كتاب ابن الحسن الشيباني المبسوط. لاحظ تاريخية كثير من تلك الأمثلة، وأنّنا نوردها هنا لمجرّد التوضيح.

  1. طبق أبو حنيفة الاستحسان في الصفح عن المجرمين، مثل من يقترفون الغلول لأنه بعد مرور فترة من الزمن، يكون مقترف المغلول قد “ابتعد عن سلوكه، واثبت انه تغير، وتاب”. حكم أبو حنيفة في هذه الحالة ألاّ توقع العقوبة، بالرغم من وجود علّتها، لأنّ “القصد من العقوبة ردع الناس عن الجريمة، وهذا لم يعد له دور في هذه الحالة” (252).
  2. العقود التي يؤجل فيها الدفع حتى تحدث أمور معينّة (في الأوقات المحددّة) هي عقود “لاغية” عند الحنفية. ولكن مصلحة الناس جعلت أبا الحسن الشيباني يطبّق الاستحسان لتحليل العقد على شرط أن يدفع المشتري المبلغ المستحقّ فوراً (253).
  3. سمح أبو حنيفة بــ “اللبَّس” في العقود حين “لا يؤدّي اللبس إلي نزاعات بحسب الأعراف المحلّيّة”، وذلك من مثل: “اللبَّس في عرض أو طول البناء”، فتطبيق الأحاديث تطبيقاً” لا يفسح مجالاً للبس في العقود” يخالف رأي أبي حنيفة. غير أن أبا حنيفة يطبق الاستحسان بأن يلاحظ أنّ “مقصد” الأحاديث هو “منع الخصام” (254).
  4. وبطريقة مشابهة يسمح أبو حنيفة بعقود الإيجار التي كانت توقت بتوقيت “غير دقيق”، ومنها مثلاً “وقت خروج قافلة الحجاج مغادرة الكوفة نحو مكّة” فالجوانب غير المعروفة في العقد يجعله لاغياً، بحسب القياس المباشر المعتمد على الحديث الشريف، ولكنّ الاستحسان يسمح بوجود اللبس في التوقيت بقصد التيسير (255).
  5. طبّق أبو حنيفة الاستحسان حين سمح باستخدام الكلمات العربيّة الخاصّة بالخطبة لتكون تعهّد زواج، “هذا إذا لم تكن الكلمات التي يستخدمها الناس في لهجة محدّدة فيها مراد حصول الزواج” (256)، وهنا أيضاً أعطي الاعتبار “للمقصد” أو “القصد” هنا.
  6. إذا ركب من يفاوض على شراء الحيوان ذلك الحيوان، فإنّه يكون بذلك قد أعلن عن “قبوله”، وهذا هو الحكم عند الأحناف. غير أنّه إذا كان ركوبه الحيوان بــ “قصد” أخذه إلي حيث يفترض أن يحصل على الطعام أو الشراب، فإنّ هذا “لا يكون تصريحاً بالقبول”، وهذا اعتمادا على الاستحسان الذي يدخل في الاعتبار القصد من العمل (257).
  7. إذا شربت القطّة من إناء، فإنّ سؤرها يجعل الإناء نجساً عند الحنفيّة “بناء على قياس يربط بين سؤر الحيوان ولحمة، ولحم الهرّ محّرم”، غير انه نظراً إلي “صعوبة تطبيق هذا الحكم على القطط الأهلية”، حكم أبو حنيفة أنّ هذا الإناء “طاهر لكنه مكروه”، وهكذا فإنّ قصد “التيسير” كان المعيار في الحكم في هذه المسالة (258).
  8. طبّق أبو حنيفة الاستحسان حين سمح بدفع الزكاة على الإبل بما يجب من الغنم، كما يّبين الحديث الشريف، أو بما يجب من الإبل؛ بعكس كلمات الحديث الحرفية، “لأن هذا سيكون أنفع لمالك التقطيع”، وهكذا فإنّ قصد النفع هو المعيار في الحكم في هذه المسالة (259).

وهكذا فكما تظهر الأمثلة السابقة بوضوح فإن الاستحسان هو بالأساس شكل من إضافة “المقاصديّة” إلي التفكير الفقهيّ. غير أنّ المذاهب الفقهيّة التي لم تقبل بالاستحسان حاولت أيضاً أن تحقق المقاصديّة بطرق أخرى.

فتح الذرائع من أجل تحقيق الغايات الطيّبة والقاصد:

طرح بعض المالكية “فتح الذّرائع” بالإضافة إلي “سدّ الذّرائع” (260)، قسم القرافي الأحكام إلي “الوسائل” و “المقاصد”، ورأيه أن الوسائل التي تؤدّي إلي مقاصد محّرمة يجب سدّها، بينما الوسائل التي تؤدّي إلي مقاصد شرعيّة يجب فتحها (261)، وهكذا فإنّ القرافي ربط مكانة الوسائل بمكانة ما تؤدّي إليه من مقاصد، واقترح ثلاثة مستويات من المقاصد، وهي “الأقبح” و “الأفضل” و “والمتوسطة”.

وأمّا ابن فرحون (توفّي عام 769 ه/ 1367م) وهو مالكيّ أيضاً، فقد طّبق فكرة القرافي حول “فتح الذرائع” على عدد من الأحكام (262).

وهكذا فإن المالكيّة لا يحصرون أنفسهم في الجانب السلبي من إصدار الأحكام “بحسب نتائجها”، وهو تعبير نستعيره من الفلسفة الأخلاقيّة، وإنّما يوسّعون من طريقتهم في التفكير لتشمل الجانب الإيجابي من نتائج الأشياء، وهو ما عّبروا عنه بفتح الذرائع للوصول إلى مقاصد طّيبة، حتى وإن لم تكن تلك المقاصد قد ذكرت في نصوص الوحي بشكل محدّد.

الأعراف ومقصد “العموم والعالمّية”:

اقترح الطاهر بن عاشور طريقة جديدة في بحث العرف، بناء على مقاصد الشريعة. كان قد كتب فصلا في كتابة مقاصد الشريعة حول العرف، أعطاه عنواناً مقاصدياً حين سماه” عالميّة الشريعة الإسلامية” (263)، ففي الفصل المذكور لم يوجّه ابن عاشور اهتمامه إلي أثر العرف على تطبيق الأحاديث الشريفة، كما هو متّبع في الطريقة التقليديّة، وإنّما بحث في أثر الأعراف العربّية على الأحاديث نفسها. نورد فيما يلي ملخّصاً من بحث ابن عاشور المذكور.

أوضح ابن عاشور أولاً أنّ من الضروري للشريعة الإسلاميّة أن تكون شريعة عالميّة، لأنّها تنادي بأنّها “شريعة لكلّ البشريّة في كلّ مكان وكلّ زمان،” وهو ما نصّت عليه عدد من الآيات والأحاديث النبويّة التي اقتبسها (264)، ثمّ توسّع ابن عاشور في الحكَم من وراء اختيار النبي صلى الله عليه وسلم من بين العرب، مثل كون العرب منعزلين عن الحضارات، ممّا هيّأهم “ليختلطوا ويتفاعلوا بشكل منفتح مع الشعوب الأخرى لأنّه ليس بينها وبين تلك الشعوب عداوات، بعكس الفرس والروم والأقباط”، غير انه لابد من أجل أن تكون الشريعة الإسلامية عامة عالميّة، “أن تكون شرائعها وأوامرها قابلة للتطبيق بشكل متوازن على كل البشر، بقدر الإمكان”، وهو ما يؤكد عليه ابن عاشور. من أجل هذا، كما يقول، “جعل الله تعالى الشريعة الإسلامية مبنّية على الحكم والأسباب التي هي قابلة للإدراك في العقول البشرية، ولا تتغير بتغير الأمم والأعراف”، من هنا فقد أوضح ابن عاشور لماذا منع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه من أن يكتبوا ما يقول، “حتى لا تعتبر الحالات المفردة قواعد عامة”. وبدأ ابن عاشور يطبّق أفكاره على عدد من الأحاديث الشريفة، في محاولة لفرز الأعراف العربيّة عن القواعد التقليديّة المنتشرة. وكان ممّا كتب (265):

لهذا فإن الشريعة الإسلامية لا توجه اهتمامها إلي تحديد ما هو نوع الملبس أو المنزل أو المركوب الذي على الناس أن يستخدموه … وبناء على هذا، فإنه يمكننا أن نقرر أنّ الأعراف والتقاليد لأمّة ما لا حقّ لها، من حيث هي، في أن تفرض على الأمم الأخرى لتكون تشريعا لتلك الأمم، ولا حتّى الأمّة التي نشأ التشريع بين ظهرانيها … فهذه الطريقة من الفهم قد أزالت كثيرا من البلبلة التي واجهت العلماء في فهم أسباب تحريم الشريعة لسلوكيات محددة … مثل تحريم وصل الشعر للنساء، وتفليج الأسنان (تفريقها عن طريق سنها) ووشم النساء أنفسهنّ … فالمعني الصحيح في مثل هذه الأمور، في نظري … أن هذه العادات المذكورة في الحديث الشريف كانت عند العرب مؤشرات على نقص العفّة عند المرأة، لذلك فإنّ تحريم هذه الأمور كان يهدف في الواقع إلي مقارعة دوافع سيئة محددّة … كذلك فحينما نقرأ: … (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) (الأحزاب: 59) .. فهذا تشريع يأخذ بعين الاعتبار عادة عربية، ولهذا فإنه لا يشترط أن ينطبق على النساء اللاتي لا يلبسن هذا النوع من الثياب… وهكذا فبناء على مبدأ “عالمية” الشريعة الإسلاميّة فقد طرح ابن عاشور طريقة في تأويل الأحاديث الشريفة من خلال فهم الخلفيّة الثقافيّة للعرب التي تكمن خلف تلك الأحاديث، وليس من خلال التعامل معها على أنها ثوابت مطلقة وأحكام لا قيد عليها. من هنا فقد فهم الأحاديث التي أوردناها في ضوء مقاصدها الأخلاقيّة العليا، وليس من خلال التعامل معها على أنها قواعد للسلوك بحد ذاتها. فهذه الطريقة من التعامل مع الأعراف تعزّز “المقاصدية” في نظام الشريعة الإسلامية.

الاستصحاب:

مبدأ الاستصحاب هو “دليل عقليّ”، كما ينظر إليه الفقهاء. غير أن تطبيق هذا الدليل يمكن أن ينظر إليه على أنه تطبيق مقاصد الشريعة. من ذلك مثلاً أنّ “استصحاب البراءة حتي تثبت الإدانة” يقصد به الحفاظ على مبدأ العدل (226)، واستصحاب الحلال حتى يثبت التحريم يقصد بها الحفاظ على مبدأ الرّحمة وحرّيّة الاختيار (267)، واستصحاب صفات معينة مثل ضيق القدرة المالية (268)، ونية العبادة (269)، يقصد بها الحفاظ على مقصد التيسير.

يضاف إلي هذا أنّ الترابي اقترح توسيعا للاستصحاب التقليدي ليشمل “استصحاباً واسعاً” تكون فيه كلّ القيم، مثل العدالة والأسرة بل وحتّى العبادات، على حالها كما يعرفها ويمارسها الناس بناء على ميولهم المخلصة، بحيث يفترض أنّها مقبولة على ما هي، والاستثناء الوحيد من قاعدة الاستصحاب هذه هو ما ورد تصحيحه أو تعديله في الشريعة الموحاة (270)، وهكذا فإن مبدأ الاستصحاب، في شكله التاريخي وفي شكله الحداثي، هو نوع من تحقيق مبادئ الشريعة.

“المقاصدية” بوصفها أرضية مشتركة للمذاهب:

نرى في أيامنا هذه انقسامات حادة توسم بأنها “علمّية” بين صفوف السنّة والشيعّة، والتي يحبّ الكثيرون، انطلاقاً من دوافع مختلفة، أن يروا فيها انقسامات “طائفية”، والحقيقة أنّ الخلافات الفقهية و”الحديثية” بين مختلف المذاهب السنيّة والشيعيّة تعود في نهاية المطاف إلي مواقفهم السياسية، وليس إلي “عقيدتهم”، ولكن مهما يكن الأمر فإن انقساماً عميقاً بين السنّة والشيعة يشاهد اليوم في المحاكم والمساجد والتعامل الاجتماعي في أكثر البلاد، ممّا يفاقم تلك الانقسامات لتتحول أحيانا إلي نزاع دامٍ في عدد من البلاد، لقد ساهمت هذه الانقسامات في ثقافة واسعة الانتشار من ضيق الصدر في الحياة المدنية والفشل في التعايش مع “الآخر”.

لقد قمت بإجراء دراسة مسحية حول أحدث الدراسات حول المقاصد، والتي كتبها علماء سنيّوّن وشيعة بارزون، وقد ظهر لي من خلال الدراسة تشابه ملفت للنظر في مقاربات الفريقين إلى المقاصد (271)، فكلا المقاربتين تتناول نفس المواضيع (الاجتهاد والقياس والحقوق والقيم والأخلاق، وما شابه ذلك)، وترجع إلي نفس الفقهاء ونفس الكتب (كتاب البرهان للجويني، وكتاب علل الشريعة لابن بابوية، وكتاب المستصفي للغزالي، وكتاب الموافقات للشاطبي، وكتاب المقاصد لابن عاشور)، ويستخدمون نفس التصنيفات النظرية (مصالح، ضرورات، حاجيّات، تحسينات، مقاصد عامّة، مقاصد خاصّة، وهكذا)، وأكثر الفروق الفقهيّة بين المذاهب السنيّة والشيعيّة ترجع إلي أحاديث آحاد وتفصيلات الأحكام. بينما المقاربة المقاصديّة إلي الفقه فهي مقاربة شموليّة لا تقيّد نفسها بحديث واحد أو بحكم جزئيّ، وإنما ترجع إلي مبادئ عامة وقواسم مشتركة. فتنطبق المقاصد العليا، مثل مقاصد الوحدة والتوفيق بين المسلمين، يجب أن يكون لها أولويّة أعلي من تطبيق الدقائق الفقهيّة. لهذا فقد منع آية الله مهدي شمس الدّين العدوان عبر الخط السنّي الشيعي، بناء علي “المقاصد العليا المتمثلّة في التوفيق، والوحدة والعدالة” (272)، فالمقاربة المقاصديّة تركّز علي قضايا المساحات الفلسفيّة العليا، وهي بهذا تتغلّب علي الخلافات حول التاريخ السياسيّ للمسلمين، وتشجّع علي ثقافة تشتدّ الحاجة إليها، ثقافة التوافق والتعايش السلميّ.

المقاصديّه كمعيار أساسي للاجتهاد:

بناء على التحليل الذي أوردناه للــ “لمقاصدية” التي نجدها في الأدلة والمناهج اللغويّة والعقليّة المختلفة، فإن من الواضح أن تحقيق المقاصد ليست مختصّة في بضع مناهج أصوليّة، مثل القياس أو المصلحة، وهذه الأخيرة يركز عليها كثير من التنظيرات التقليدية والمعاصرة. وإنما أريد أن أقول إن تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامّية هي الهدف العميق لكلّ مناهج الاجتهاد اللغوية والعقلية الأساسية، بصرف النظر عن اختلاف أسمائها ومقارباتها. نضيف إلي هذا أن تحقيق المقاصد بوجهة منظوماتية يظهر في الحفاظ على الانفتاح والتجديد والواقعية والمرونة في نظام الفقه الإسلاميّ.

لهذا فإن صواب أي نوع من الاجتهاد يجب أن يحدده مستوى “مقاصديته”، أي مستوى تحقيقه لمقاصد الشريعة. كذلك فإن صواب أي حكم يجب أن يحدّده مستوى تحقيقه للمقاصد. فالاختيار بين الأحكام، أو نتائج الاجتهاد، كانت تجري في السابق بناء على مراتب جامدة لمناهج أساسية تحكم الاجتهاد، مثل الإجماع، والقياس، ورأي الصحابيّ، وعمل أهل المدينة. كانت المذاهب الفقهية تختلف حول مراتب المناهج الأساسّية. غير أنّه بناء على ما عرضناه من تحليل المقاصدية في المناهج الأساسية، فإن الاختيار بين النتائج المختلفة للاجتهاد يجب أن يجري بناء على تحقيق المقاصد، بصرف النظر عن مذهب الفقيه أو ميوله. فنتيجة الاجتهاد التي علينا تبنيها هي التي تحقق المقصد .. ومن هنا فإذا كانت دلالة أحد المقاصد تعارض دلالة مقصد آخر، فالمقصد الذي يظهر أنه الأعلى، بناء على الترتيب الهرمي الذي أوضحناه، هو الذي يجب أن يعطى الأولوية. والخلاصة أن عملية الاجتهاد تصبح في واقعها تحقيقا للمقاصدية في الفقه الإسلامي.

_____________________________________
* نُشرت هذه المراجعة في العدد رقم (79) من مجلة الفكر الإسلامي المعاصر (إسلامية المعرفة سابقًا) الصادر عام 2015

الهوامش

  1. رواه أبو داود في سننه (رقم 4291)، والطبراني في المعجم الأوسط (رقم 6527)، وابن عدي في الكامل (1/ 114- المقدمة)، والحاكم في المستدرك (4/ 522)، والبيهقي في معرفة السنن والآثار (1/ 137)، وفي مناقب الشافعي (1/ 137)، وأبي عمرو الداني في “السنن الواردة في الفتن وغوائلها” (رقم 364)، والخطيب في تاريخ بغداد (2/ 61- 62)، والهروي في ذم الكلام (رقم 1107)، وابن عساكر في “تبيين كذب المفتري” (ص/ 51- 52)، والمزي في تهذيب الكمال (12/ 412، 24/ 364)، وابن حجر في توالي التـأسيس (ص/ 46) وغيرهم من طرق عن عبد الله بن وهب أخبرني سعيد بن أبي أيوب عن شراحيل ابن يزيد المعافري عن أبي علقمة عن أبي هريرة – رضي الله عنه – به مرفوعاً.
  2. جاسر عودة، شبكات التصنيف التكاملي، أطروحة دكتوراه (جامعة واترلو، كندا 1996).
  3. أحمد بن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، تحرير عبد الرحمن النجدي، الطبعة الثانية (الرياض: مكتبة ابن تيمية، بدون تاريخ)، المجلد 19، ص 131.
  4. عبد الرحمن شيخي – زاده، مجمع الأنهار (بيروت: دار الكتب العلمية، 1998)، المجلّد الأوّل، ص 11.
  5. ابن أمير الحجّ، التقرير والتحرير في علم أصول الفقه (بيروت: دار الفكر، 1996)، المجلد الأوّل، ص. 26.
  6. ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، المجلد 13، ص. 113.
  7. بر الدّين العيني، عمدة القاري شرح صحيح البخاري (بيروت: دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ)، المجلد الثاني، ص. 52.
  8. علي السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج (بيروت: دار النشر، 1983)، المجلد الأول، ص. 39.
  9. لازلو، رؤية العالم من خلال المنظومات: رؤية شموليّة لزماننا، ص. 4.
  10. الفريد كورزيبسكي korzybski، تعريف بالمنظومات غير الأرسطيّة وعلم المعاني العام، (An Introduction to Non-Aristotelian Systems and General Semantics ، الطبعة الرابعة (ليكفيل، كونيكتكيت: الشركة الدولية لمكتبة النشر غير الأرسطية، 1958) ص 38 من الترقيم الروماني.
  11. يمكن الرجوع مثلاً إلي: عبد الملك الجويني، البرهان في أصول الفقه، تحرير عبد العظيم الديب، الطبعة الرابعة (منصورة: الوافي 1418 ه/ 1998م)، المجلد الثاني، ص. 590، وإبراهيم الغرناطي الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة، تحرير عبد الله دراز (بيروت: دار المعارف، بدون تاريخ)، المجلد الأول، ص. 29.
  12. الشاطبي، الموافقات، المجلد الثاني، ص. 61.
  13. ماتورانا، شجرة المعرفة، ص. 5.
  14. فون بيرتالانفي، “نظرية المنظومات العامّة”.
  15. جمعيه المجلة، مجلة الأحكام العدليّة،  تحرير نجيب هواويني (كرخانة تجارة كتب، بدون تاريخ)، ص. 100.
  16. أبو مظفر السمعاني، قواطع الأدّلة في الأصول، تحرير إسماعيل الشافعي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، مجلد 2، ص. 84، وأبو حامد الغزالي، المستصفى في علم الأصول، تحرير محمد عبد السلام عبد الشافي، الطبعة الأولي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1413 ه)، المجلد 1، ص. 296، وشمس الدين بن القيم، إعلام الموقّعين، تحرير طه عبد الرؤوف سعد (بيروت: دار الجليل، 1973)، المجلّد 1، ص. 333.
  17. جاسر عودة، شبكات التصنيف التكاملي، أطروحة دكتوراه (جامعة واترلو، 1996)، ص. 19.
  18. نفس المصدر، ص. 6.
  19. روبرت إيه ويلسون وفرانك سي كيل Keil، محّرران، موسوعة معهد ميشجان للتقنيه MIT في علوم الإدراك (لندن: مطبعة معهد ميشجان للتقية، 1999)، ص. 104 – 105.
  20. عودة، أطروحة دكتوراه، ص. 32.
  21. السّمات قد تكون مرئيّة، أو وظيفيّة، أو عدّدية، أو مجموعة من العوامل. يمكن مثلاً تصنيف عدد ما من الأشياء بحسب سمات اللون، أو الوزن، أو الحجم، أو السعر، أو الشكل وهكذا. فكلّ من هذه المواصفات يمكن أن ينشأ عنها عدد من التصنيفات. فتصنيف اللون مثلاً، وهو كيف يحدد البشر الإحساس باللون في كلمات، يتفاوت بتفاوت اللغات والثقافات، ويتأثر بعدد من العوامل النفسية – الماديّة والعصبيّة – الفيزيولوجّية.
  22. ج. عودة و م. كامل. “شبكة أنموذجيّة عصبيّة للتصنيف الغامض. ” نوته محاضرات منشورة في سلسلة عالم الكمبيوتر، مجلّد 2005: نوتة محاضرات في الذكاء الاصطناعي (2000)، ص. 584.
  23. في المثال الذي أوردناه يمكن أن تصنف نفس الأشياء في سياق أحد المفاهيم، مثل مفهوم “المنفعة” فـــ “منفعة” شيء ما ليست سمة بسيطة يحكم عليها بأنها صحيحة أو خاطئة، أي أن الشيء “له منفعة” أو “ليست له منفعة”. وإنّما المنفعة قد تكون خليطاً متشابكاً من سعر الشي، وقيمته الجماليّة، ومنفعته لمجتمع ما، وغير ذلك من الأبعاد. فالخط “الغامض” بين الأصناف، مثل عالي المنفعة أو متوسط المنفعة أو منخفض المنفعة، ليس رقماً واضحاً أو قياساً واضحاً.
  24. جمشيد جاراجيداغي، “منهج المنظومات: لغة شموليّة للتفاعل والتصميم. تجاوز الفوضى وفهم التعقيد،” في موقع systcmsthinkingpress.com (2004)، ص38.
  25. نفس المصدر، ص. 12.
  26. يمكن الرجوع مثلاً إلى: الشاطبي، الموافقات، المجلد 1، ص. 173، المجلد 3، ص. 1.
  27. جاسر عودة، فقه المقاصد: إناطة الأحكام الشرعية بمقاصدها (فيرجينيا، المعهد العالمي، للفكر الإسلامي، 2006)، ص. 51.
  28. أحمد بن تيميّة، دقائق التفسير، تحرير محمد الجلينيد (دمشق: مؤسسة علوم القرآن، 1404 ه)، المجلد 2، ص. 110.
  29. محمد الطيب البصري، المعتمد في أصول الفقه، تحرير خالد الميس، المطبعة الأولى (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1983 م/ 1403 ه)، المجلد 2، ص. 184، راجع أيضاً: أحمد الطيب، “نظريّة المقاصد عند الشاطبي ومدى ارتباطها بالأصول الكلامية،” المسلم المعاصر، رقم 103 (2002)، ص. 39، وطه جابر العلواني، “مقاصد الشريعة،” في مقاصد الشريعة، تحرير عبد الجبار الرافعي (دمشق: دار الفكر، 2001)، ص. 75، وحسن الشافعي، الآمدي وآراؤه الكلامية، الطبعة الأولى (القاهرة: دار السلام، 1998)، ص. 441.
  30. الطيب، “نظرية المقاصد”.
  31. نفس المصدر.
  32. طه جابر العلواني، مقاصد الشريعة، الطبعة الأولى (بيروت: المعهد العالمي للفكر الإسلامي ودار الهادي، 2001)، ص. 75.
  33. أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة، ترجمة م. س. كمالي (الكونغرس الفلسفي في الباكستان، 1963 [جرى اقتباسه في 18 كانون الثاني/ يناير 2005])؛ متوفر في موقع: http://www.muslimphilosophy.com
  34. شهاب الدين الآلوسي، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم (بيروت: دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ)، المجلد 15، ص. 39.
  35. علي أبو الحسن الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام، تحرير سيد الجميلي، الطبعة الأولى (بيروت: دار الكتاب العربي، 1404 ه) المجلد 3، ص. 246.
  36. الشاطبي، الموافقات، المجلد 2، ص. 6.
  37. الطيّب، “نظريّة المقاصد”.
  38. ابن القيم، إعلام الموقّعين، المجلد 3، ص. 3.
  39. ابن رشد، تهافت التهافت.
  40. نفس الصدر.
  41. الشاطبي، الموافقات، المجلد 2، ص. 25.
  42. ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، المجلد 13، ص. 113.
  43. السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، المجلد الأول، ص. 39.
  44. الحاج، التقرير، المجلّد الأول، ص. 26.
  45. انظر مثلاً: الفضل، التحدث باسم الله Speaking in God’s Name.
  46. انظر مثلا: الحاج، التقرير، المجلة الثالث، ص. 158، جلال الدين السيوطي، الدرّ المنثور (بيروت: دار الفكر، 1993) المجلد الثالث، ص. 86.
  47. أحمد بن تيمية، نقد مراتب الإجماع، الطبعة الأولى (بيروت: دار الفكر، 1998).
  48. سلطان، “الحجّيّة”، ص. 100.
  49. ماول عز الدين، الفقه الإسلامي: من الأسس التاريخيّة إلى الممارسة المعاصرة Islamic ‘Law: From Historical Foundations to Contemporary Practice تحرير كارول هيلنبراند (ادنبره: مطبعة جامعة ادنبره المحدودة، 2004)، ص. 47.
  50. شحرور، نحو أصول جديدة، ص. 207.
  51. أنظر مثلاً: الحاج، التقرير، المجلد الثالث، ص. 158.
  52. الفضل، التحدث باسم الله، ص. 275.
  53. جارودي، الإسلام، ص. 103.
  54. الحاج، التقرير، المجلد الثالث، ص. 412، الشوكاني، إرشاد الفحول، المجلد الأول، ص. 140.
  55. انظر مثلاً أحمد بن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري (بدون تاريخ)، المجلد الثالث عشر، ص. 320، الحاج، التقرير، المجلد الأول، ص. 28، السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، المجلد الثالث، ص. 259، عبد الملك الجويني، البرهان في علوم القرآن، الطبعة الرابعة (المنصورة، مصر: الوفاء، 1997)، المجلد الثاني، ص. 868.
  56. البخاري: كشف الأسرار، المجلد الرابع، ص. 27.
  57. انظر: نيكولاس ريشر Rescher، “المنطق العربي”، تحرير بول إدوراردز، موسوعة الفلسفة (نيويورك: ماكميلان، 1967)، المجلد الرابع، ص. 526، الوليد بن رشد، فصل المقال في تقرير ما بين الشريعة والحكمة من اتصال (ترجم ضمن مجموعة: أعمال ابن رشد، ترجمة محمد جميل الرحمن) (إيه جي ويدجري، 1921 [جري اقتباسه في 18 كانون الثاني/ يناير، 2005]؛ من موقع. www.muslimphilosophy.com.
  58. الغزالي، المستصفى، المجلد الأول، ص. 252.
  59. نفس المصدر.
  60. عودة، أطروحة الدكتوراه، ص. 70.
  61. محمد بن عمر الرازي، المحصول، تحرير طه جار العلواني (الرياض: مطبعة جامعة الإمام محمد بن سعود، 1400 ه) المجلد الأول، ص. 547- 573.
  62. حسن الشافعي، الآمدى، ص. 150.
  63. الجويني، البرهان، المجلد الثاني، ص. 590.
  64. الشاطبي، الموافقات، المجلد الأول، ص. 29.
  65. نفس المصدر، المجلد الثاني، ص. 61.
  66. انظر مثلاً: حسن الترابي، التفسير التوحيدي، الطبعة الأولي، (لندن: دار الساقي، 2004) المجلد الأول، ص. 25.
  67. ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص 50، العلواني، مقاصد الشريعة، القرضاوي، كيف نتعامل مع القرآن العظيم؟
  68. الترابي، التفسير التوحيدي.
  69. نفس المصدر، ص. 20.
  70. سماتمس Smuts، الشموليّة والتطوّر، ص. 5 من المقدمة.
  71. كورزيبسكي، تعريف بالمنظومات غير الأرسطية وعلم المعاني العام، ص. 217.
  72. سماتمس، الشموليّة والتطوّر، ص. 270- 272.
  73. جيرالد جاهامي، مفهوم السببيّة بين المتكلمين والفلاسفة: بين الغزالي وابن رشد، الطبعة الثانية (بيروت: دار المشرق، 1992)، ص. 78- 79.
  74. انظر مثلاً: الآمدي، الإحكام، المجلد الثالث، ص. 249، ابن رشد، الوليد، تهافت التهافت، تحرير سليمان دنيا، الطبعة الأولي (القاهرة: دار المعرف، 1964) ص. 785، ابن القيّم، إعلام الموقّعين، المجلد الثالث، ص. 3، الطيّب، “نظريّة المقاصد.” الشاطبي، الموافقات، المجلد الثاني، ص. 6.
  75. عبده، رسالة التوحيد، ص. 26.
  76. كورزيبسكي، تعريف بالمنظومات غير الأرسطية وعلم المعاني العام، الكتاب الأول، ص. 5.
  77. ديفيد كي نوجل Naugle: رؤية العالم: تاريخ فكرة (جرائد رابيدز: إيرمانس، 2002) ص2.
  78. ساير، جيمس دبليو، تسمية الفيل. داونرزجرو فنإلينوي: مطبعة انترفارسيتي، 2004، ص. 19- 20.
  79. أو بي جينكيز، ما هي صورة العالم؟ (1999 [جري اقتباسه في كانون الثاني/ يناير، 2006]؛ متوفر في موقع  http://orvillcjenkins.com/worldview/worldvwhat.html
  80. ريتشارد ديويت، صور العالم: تعريف بتاريخ وفلسفة العلم (مالدين، ماساتشوستس: بلاكويل، 2004)، ص. 3.
  81. ساير نيمينيج، صور العالم: استكشافات عبر – ثقافية في العقائد البشريّة، الطبعة الثالثة (برنتس هول، 1999)، ص. 19- 20.
  82. نفس المصدر، ص. 4 من أرقام المقدمة.
  83. حينكينز، ما هي صورة العالم؟
  84. ديويت، صور العالم: تعريف بتاريخ وفلسفة العلم، ص. 5.
  85. عبد الفتاح، سيف. “حول صورة العالم عند محمد عبده” ورقة قدمت أثناء الذكرى المئويّة للشيخ محمّد عبده (بيبلوثيكا أليكزاندرينا، الإسكندرية، مصر، كانون الأول/ ديسمبر، 2005)، ص. 7.
  86. ساير، إطلاق الأسماء، ص. نوجل، صورة العالم: تاريخ فكرة، ص. 29.
  87. انظر مثلاً: المجلّة، مجلة الأحكام العدّلية، عدد 43، 45. وانظر أيضاً: ابن عابدين الحاشية، المجلد 4، ص. 556.
  88. سلطان، “الحجيّة”، ص. 620.
  89. مسعود بن موسي فلوسي، مدرسة المتكلّمين (الرياض: مكتبة الرشد، 2004)، ص. 354.
  90. مثل “ولد” و “لحم” قد تعني “أولاد” و “لحم البقر” أو “لحم البقر والطيور” بهذا الترتيب، بحسب المنطقة التي ينتمي إليها المتكّلم وبحسب لهجته.
  91. ذكر الحديث أيضاً “الأقط”، وهو نوع من الطعام لم يعد معروفاً في المطبخ العربيّ. فبحسب الزبيدي (القرن السادس عشر الميلادي): الأقط هو حليب ماعز أو حليب نوق يطبخ ثم يترك حتى يجفّ من أجل استخدامه في الطبخ – محمد الزبيدي، تاج العروس في جواهر القاموس (بيروت: دار النشر، بدون تاريخ). يسمح كثير من العلماء “الحداثيين”، معتمدين عادة علي المذهب الحنفي، بدفع قيمة مالية تعادل ثمن صدقة الفطر. غير أنّ التطبيق الظاهري لهذه الصدقة لا يزال هو السائد حالياً في بلاد مثل السعوديّة.
  92. ابن القيم، أحكام أهل الذمّة، المجلد الثاني، ص. 728.
  93. سابق، فقه السنّة، المجلد الثالث، ص. 29.
  94. بيترز، ردولف، “القتل في خيبر: أفكار حول أصول طريقة أسامة في القانون الإسلامي”، القانون الإسلامي والمجتمع 9، رقم 2 (2002)، ص. 133.
  95. أحمد بن تيمية، اقتضاء الصراط المستقيم مخالفة أصحاب الجحيم، تحرير محمد حامد، الطبعة الثانية (القاهرة: مطبعة السنّة، 1369 ه) ص. 148- 150.
  96. نفس المصدر، ص. 158، 59، 60، 37, بهذا الترتيب.
  97. هذا أيضاً رأي أكثريّة مذاهب الفقه. يمكن من أجل دراسة مقارنة، الرجوع إلي ابن رشد: بذاته المجتهد ونهاية المقتصد، المجلد 2، ص. 12.
  98. ابن القيم، الطرق الحكميّة، المجلد 1، ص. 5.
  99. ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، ص. 375.
  100. مثال ذلك الأردن، بحسب الخبرة الشخصية لبعض أصدقائي الأردنيين.
  101. هذا هو الحال في أكثر المساجد التي دخلتها في المملكة المتحدة، وأدهشني هذا الأمر.
  102. دي ويت، صور العالم: تعريف بتاريخ وفلسفة العلم، ص. 5.
  103. مثال ذلك دعوى الفلاسفة بخلود العالم (قدم العالم حسب تعبيرهم) وفي المساجلة المشهورة حول “التهافت” بين الغزالي وابن رشد، يؤكد ابن رشد أن قولنا إنّ العالم قديم بمعني أنه أبدي، كما يعتقد الغزالي، لا يختلف عن قولنا إن العالم قديم بمعني أنه أزلي، أي قديم، وهو ما كان يقول به الفلاسفة اليونان وغيرهم من الفلاسفة.
  104. أحمد بن تيمية، درء تعارض العقل والنقل (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، المجلد الثالث، ص. 218.
  105. السيوطي، الدر المنثور، المجلد الثالث، ص. 86، أبو عامر بن الصلاح، فتاوي ابن الصلاح، 2005.
  106. نفس المصدر.
  107. حسن بشير صالح، علاقة المنطق باللغة عند فلاسفة المسلمين (الإسكندرية: الوفاء، 2003)، ص. 86.
  108. الديب، “إمام الحرمين،” ص. 39.
  109. عصام نصّار، الخطاب الفلسفي عند ابن رشد وآثاره في كتابات محمّد عبده وزكي نجيب محمود (القاهرة: دار الهداية: 2003)، ص. 16- 21.
  110. وديع مصطفى، “ابن حزم ومواقفه من الفلسفة والمنطق والأخلاق” (أطروحة ماجستير، جامعة الإسكندرية، نشر المجمع الثقافي، 2000).
  111. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل.
  112. مصطفى، “ابن حزم”، ص. 203.
  113. الغزالي، المستصفى في أصول الفقه.
  114. انظر: علي بن حزم، تقريب المنطق، تحرير إحسان عباس، الطبعة الأولى (بيروت: بدون تاريخ).
  115. انظر: جي إتش فون رايت wright، “المنطق الأخلاقي Deontic Logic،” ما يند، السلسلة الجديدة، 60، عدد 237 (1951).
  116. أنور الزعبي، ظاهرية ابن حزم الأندلسي: نظرية المعرفة ومناهج البحث (عمّان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1996)، ص. 49.
  117. نفس المصدر، ص 100- 103.
  118. جون إفسوا sowa، تمثيل المعرفة: الأسس المنطقية والفلسفيّة والحسابية … computational (باسيفيك جروف: بروكس، 2000)، ص. 359.
  119. و. حلاق، ابن تيمية وهجومه علي المناطقة اليونان (أكسفورد: مطبعة كلارندون، 1993).
  120. نفس المصدر.
  121. اقتبسه: أبو يعرب المرزوقي، “إصلاح العقل في الفلسفة العربية” (أطروحة دكتوراه، نشرها مركز دراسات الوحدة العربيّة، 1994)، ص. 176.
  122. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، المجلد الأول، ص. 203.
  123. المرزوقي، “إصلاح العقل في الفلسفة العربيّة”، ص. 177، المعجم، المنطق عند الغزالي.
  124. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، المجلد الثالث، ص. 218.
  125. أبو حامد الغزالي، تهافت الفلاسفة. ترجمة م. س. كمالي (الكونجرس الفلسفي الباكستاني، 1963 [جري اقتباسه في 18 كانون الثاني/ يناير، 2005]؛متوفر في موقع: http://www.muslimphilosophy.com
  126. الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، ص. 3.
  127. روز الند وارد جوين، المنطق والبلاغة والتفكير القانوني في القرآن (لندن ونيويورك: روتلدج، 2003)، ص. 156. وانظر أيضا العجم، المنطق عند الغزالي، ص. 163- 165. إن الاستنتاجين المستخلصين هنا يمكن تفسيرهما شكلياَ كما يلي: مودس بوننس: إذا كان صحيحاً أنّ “إذا كان أ صحيحاً، فإن ب صحيح” فإذا كان أ صحيح، فإن ب سيكون صحيحا. ومودس تولنز: إذا كان صحيحا إذا كان أ فإن ب صحيح، فإذا كان ب غير صحيح، فإن أ ليس صحيحاً.
  128. القرآن الكريم، سورة الأنبياء، آية 21.
  129. أبو حامد الغزالي، القسطاس المستقيم (بيروت: كاثوليك بابليشنج هاوس، 1959)، ص. 62.
  130. العجم، المنطق عند الغزالي، ص. 65.
  131. نفس المصدر.
  132. القياس الاستدراكي: إمّا كذا أو كذا صحيح (أو ربمّا كلاهما). لا يكون كلاهما باطلاً. فإذا عرفت أن أحد الطرفين باطل، فإنه لا بد أن يكون الطرف الآخر صحيحا. نعبر عن هذا شكلياً بالقول: إذا كان أ مقابل ب، وكان أ باطلاً، فــ ب صحيح.
  133. أبو حامد الغزالي، محكّ النظر (القاهرة: المطبعة الآدابية، بدون تاريخ)، ص. 43.
  134. القياس الفرضي: إذا كان لدينا عبارتان مشمولتان، حيث يكون الطرف الأول من الأولى نفس الطرف الثاني من الثانية، فيمكننا أن نحذف هذا الجزء المشترك ونصل الطرفين الباقيين معاً بعبارة أخرى. فمثلاً إذا كان أ ß ب (أ يشتمل على ب) وكان ب ß ج، إذن أ ß ج. استخدم الغزالي بدل ب “العلّة” في هذا المثال.
  135. الغزالي، محك النظر، ص. 31.
  136. انظر مثلاً ابن تيمية وابن حزم، وانظر العجم، المنطق عند الغزالي.
  137. علي السبكي، الآراء الفقهية (لبنان: دار المعرفة)، المجلد الثاني، ص. 644.
  138. فون رايت von wright، “المنطق الأخلاقي”.
  139. نفس المصدر.
  140. إذا شئت بعض الأمثلة علي تطبيق هذا الحكم فراجع: السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، المجلد الأول، ص. 118، الرازي، المحصول، المجلد الثاني، ص. 322، الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، المجلد الأول، ص. 57، أحمد بن تيمية، المسودة في أصول الفقه، الطبعة الثانية (القاهرة: مكتبة المدني، بدون تاريخ)، ص. 58، الشاطبي، الموافقات، المجلد الأول، ص. 125. (141) س. و. دي ماركو، “المنطق القانوني الأخلاقي، “ضمن: موسوعة فلسفة القانون، تحرير كريستوفر جراي (نيويورك ولندن: جارلند ناشرون، 1999).
  141. نفس المصدر.
  142. ريتشر، المنطق العربي، المجلد الرابع، ص. 526.
  143. نفس المصدر، المجلد الرابع، ص. 527.
  144. ماجد فخري، تاريخ الفلسفة الإسلامية، المطبعة الثانية (لندن، نيويورك: لونجمان، مطبعة جامعة كولومبيا، 1983)، ص. 353.
  145. تبن رشد، فصل المقال.
  146. نفس المصدر.
  147. نصار، الخطاب الفلسفي، الترابي، قضايا التجديد، ص. 193.
  148. عاطف العراقي، النزعة العقليّة في فلسفة ابن رشد، الطبعة الخامسة (القاهرة: دار المعارف، 1993) ص. 369.
  149. جراي، محرراً، موسوعة فلسفة القانون، ص. 439.
  150. العراقي، النزعة العقليّة في فلسفة ابن رشد، ص. 70.
  151. فلوسي، مدرسة المتكلمين، ص. 332.
  152. علي، المنطق والفقه، ص. 150.
  153. ابن تيمية، درء تعارض العقل والنقل، المجلد الأوّل، ص. 14.
  154. نفس المصدر، المجلد الأول، ص. 15- 23.
  155. عبد الله رابي، القطعيّة والظنّيّة في أصول الفقه الإسلامي (القاهرة: دار النهار، بدون تاريخ)، ص. 24- 27.
  156. أبو حامد الغزالي، مقاصد الفلاسفة (القاهرة: دار المعارف، 1961)، ص. 3.
  157. علي جمعة، علم أصول الفقه وعلاقته بالفلسفة الإعلامية (القاهرة: المعهد العالي للفكر الإسلامي، 1996)، ص. 29.
  158. سليمان أبو دواود، السن (دمشق: دار الفكر)، المجلد الثالث، ص. 257.
  159. الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين (بيروت: دار الكتب العلمية، 1990) ، المجلد الثاني، ص. 255.
  160. البخاري، الصحيح، المجلد الخامس، ص. 2216.
  161. اليسابوري، المستدرك على الصحيحين، المجلد الأول، ص. 553.
  162. البخاري، الصحيح، المجلد الثاني، ص. 532.
  163. ابن رشد، بداية المجتهد، المجلد الثاني، ص. 43.
  164. السيواسي، شرح فتح القدير، المجلد الثاني، ص. 192، ابن عبد البرّ، التمهيد، المجلد الرابع، ص. 216.
  165. ابن حجر، فتح الباري شرح صحيح البخاري، المجلد العاشر، ص. 375.
  166. انظر مثلاً: علي الآمدي، الإحكام في أصول الأحكام (بيروت: دار الكتاب العربي، 1404 ه)، المجلد السادس، ص. 124.
  167. ذكره ولم يأت بما يؤيّده: أبو بكر البيهقي، السنن (المدنية: الدار، 1989)، المجلد السادس، ص. 124.
  168. ذكره ولم يأت بما يؤيده: محمد الصنعاني، سبل السلام (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1379 ه)، المجلد الثالث، ص. 227.
  169. بلتاجي، منهج عمر، ص. 190.
  170. نفس المصدر، ص 190.
  171. جلال الدين السيوطي، تدريب الراوي (الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ)، المجلد الثاني، ص. 180.
  172. انظر مثلاً، ابن الجزري (توفي عام 832 ه/ 1429 م) في كتابه حول روايات القرآن الكريم، حيث عدّ 80 إسناداً متوازياً للقرآن وتوسع في تنوعها. انظر: ابن الجزري، النشر في القراءات العشر، ص. 117- 280.
  173. ابن الصلاح، المقدمة في علوم الحديث، ص. 28.
  174. ابن تيمية، المسودة في أصول الفقه، ص. 223.
  175. ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، ص. 78- 83.
  176. الفضل، التحدث باسم الله، ص. 238.
  177. انظر مثلاً: السيوطي، الدرّ المنثور، المجلد الثالث، ص. 86.
  178. السبب عندهم هو “الظنّيّة” في تلك المناهج. انظر: سلطان، “حجّيّة”، الفصل الثالث.
  179. الغزالي، المستصفى، ص. 304.
  180. هذا بحسب مذهب الغزالي الأشعري، والذي يعتقدون بحسبه أنّ الله “لا يحتاج أن يكون لأفعاله أسباب أو مقاصد”، كما أوضحناه في مبحث 3- 1.
  181. الغزالي، المستصفى في أصول الفقه، ص. 279، الشاطبي، الموافقات، المجلد الرابع، ص. 129، ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوي، المجلد 19، ص. 131.
  182. الغزالي، مقاصد الفلاسفة، ص. 62.
  183. ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، المجلد 19، ص. 131.
  184. عبد العزيز البخاري، كشف الأسرار (بيروت: دار الكتب العلمية، 1997)، المجلد الثالث، ص. 77.
  185. انظر مثلاً: عودة، فقه المقاصد، ص. 65- 68.
  186. السبكي، الإبهاج في شرح المنهاج، المجلد الثالث، ص. 218.
  187. البخاري، الصحيح، ص. 69.
  188. نفس المصدر.
  189. عودة، فقه المقاصد، ص. 106.
  190. أبو بكر المالكي بن العربي، عارضة الأحوذي (القاهرة: دار الوحي المحمدّي، بدون تاريخ)، المجلد العاشر، ص. 264.
  191. أنظر مثلاً: بدران بدران، أدلة الترجيح المتعارضة ووجوب الترجيح بينها (الإسكندرية: مؤسّسة شباب الجامعة، 1974).
  192. عودة، فقه المقاصد، ص. 64.
  193. السيوطي، الأشباه والنظائر، المجلد الأول، ص. 192.
  194. آية الله محمد باقر الصدر، دروس في علم الأصول، الطبعة الثانية (بيروت: دار الكتب اللبناني، 1986)، المجلد الثاني، ص. 222.
  195. أنظر مثلاً: الرازي، التفسير الكبير، المجلد الثالث، ص. 204، الفضل بن الحسين الطبروسي، مجمع البيان في تفسير القرآن (بيروت: دار العلوم، 2005)، المجلد الأول، ص. 406، ندا، النسخ في القرآن، ص. 25.
  196. بدران، أدلّة الترجيح، الفصل الرابع.
  197. الحاج، التقرير، المجلد الثالث، ص. 4.
  198. عودة، فقه المقاصد، ص. 105- 110.
  199. عبد المجيد السوسرة، منهج التوفيق والترجيح بين مختلف الحديث وأثره في الفقه الإسلاميّ، الطبعة الأولى (عمّان: دار النفائس، 1997)، ص. 395.
  200. ترجمة م. أسد.
  201. الآيات البقرة: 256، الأنعام: 13، المؤمنون: 96، الروم: 60، فصلت: 46، الكافرون: 6، بهذا الترتيب.
  202. برهان زريق، الشاطبي: ميثاق الرسل، الطبعة الأولى (دمشق: دار النمير ودار معد، 1996)، ص. 353.
  203. نفس المصدر، ص. 216.
  204. بناء على نفس الدراسة المسحية لكتب الحديث التي قمت بها، كما ذكرنا ذلك سابقاً.
  205. العلواني، “مقاصد الشريعة ،” ص. 89.
  206. وهو ما اقترحه عدد من الفقهاء. منهم مثلاَ: الشافعي، الرسالة، ص. 272 – 275، محمد الزرقاني، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، الطبعة الأول (بيروت: دار الكتب العلميّة، بدون تاريخ)، المجلد الأوّل، ص. 229.
  207. السيواسي، شرح فتح القدير، المجلة الأول، ص. 311، السرخسي، أصول السرخسي، المجلد الأول، ص. 12، الكاساني، بدائع الصنائع، المجلد الأول، ص. 207.
  208. الشافعي، الرسالة، ص. 272- 275.
  209. محمد بن عيسى الترمذي، الجامع الصحيح سنن الترمذي، تحرير أحمد م. شاكر (بيروت: دار إحياء التراث العربي، بدون تاريخ)، المجلد الثاني، ص. 275.
  210. النووي، المجموع، المجلد الرابع، ص. 145.
  211. الغزالي، المستصفى، المجلد الأول، ص. 172- 174.
  212. ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص. 236.
  213. ابن نجيم، البحر الرائق، المجلد الثالث، ص. 117، المرغيناني، الهداية شرح بداية المبتدئ، المجلد الأول، ص. 197.
  214. السيواسي، شرح فتح القدير، المجلة الثالث، ص. 258.
  215. ابن عابدين، حاشية ردّ المحتار، المجلد الثالث، ص. 55.
  216. محمد الغزالي، نظريات في القرآن (القاهرة: نهضة مصر، 2002)، ص. 194.
  217. النييابوري، المستدرك علي الصحيين، المجلد الثاني، ص. 255.
  218. ابن رشد، بداية المجتهد، المجلد الثاني، ص. 43.
  219. محمد بن إسماعيل الصنعاني، سبل السلام شرح بلوغ المرام من أدلة الأحكام، تحرير محمد عبد العزيز الخولي (بيروت: دار إحياء التراث العربي، 1379 ه)، المجلد الثالث، ص. 227.
  220. نفس المصدر،
  221. نفس المصدر.
  222. ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص. 234.
  223. فون يرينج von jhering، القانون بوصفه وسيلة لتحصيل غاية، ص. 22 من ترقيم المقدمة.
  224. نفس المصدر، ص. 52 من ترقيم المقدمة.
  225. جيني، .Methoded ‘inrerpretation Et Source En Droit PrivePositif المجلد الثاني، ص. 142.
  226. فون يرينج، القانون بوصفه وسيلة إلى غاية، ص. 54 من ترقيم المقدمة، جيني، ميتوددينتربريتاسيون، المجلد الثاني، ص. 142.
  227. فون يرينج، القانون بوصفه وسيلة إلى غاية، ص. 7- 9.
  228. جييء ميتوددينتربريتاسيون، المجلد الثاني، ص. 190.
  229. فون يرينج، القانون بوصفه وسيلة إلى غايةـ التعريف، ص. 22 من ترقيم المقدمة.
  230. انظر مثلاً عبد الله بن بيه، أمالي الدالات ومجالي الاختلافات، الطبعة الأولى (جدة: دار المنهاج، 2007)، ص. 361، والترابي، قضايا التجديد، ص. 157.
  231. الشاطبي، الموافقات، المجلة الثاني، ص. 25.
  232. ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص. 225.
  233. موجيسي، النسوية والأصوليّة الإسلاميّة: حدود التحليل ما بعد الحداثي، ص. 140.
  234. أركون، “إعادة التفكير بالإسلام اليوم،” ص. 221.
  235. المرزوقي، “إصلاح العقل في الفلسفة العربيّة،” ص. 12.
  236. موسي، “النقد”. Poetics.
  237. أبو زهرة، أصول الفقه، ص. 139.
  238. الترابي، التفسير التوحيدي، ص. 20، جابر، المقاصد الكّلّية، ص. 35.
  239. انظر مثلاً: العلواني، “مدخل إلى فقه الأقليّات”، ص. 36، الغزالي، السنّة النبويّة، ص. 19، 125، 61، الغزالي، نظرات في القرآن، ص. 36، النمر، الاجتهاد، ص. 147، الترابي، قضايا التجديد، ص. 157، ياسين داتون Dutton، أصول الفقه الإسلامي: القرآن، الموطأ وعمل أهل المدينة (سري: كيرزون، 1999) ص. 1، جون مقدسي، “فحص الحقيقة للاستحسان كطريقة للتفكير الفقهي الإسلامي،” مجلة UCLA للقانون الإسلامي والشرق أوسطي، عدد 99 (الخريف/ الشتاء) (2003)، أ. وموتوشو، “مشكلة الأمر في أصول الفقه” (أطروحة دكتوراه، جامعة أدنبره، 1984)، صافي، إعمال العقل، ص. 130، شمس الدين، الاجتهاد والتجديد في الفقه الإسلامي، ص. 21.
  240. ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، الفصل السادس.
  241. رجعت هنا إلى ترجمة محمد الطاهر ميساوي لكتاب ابن عاشور في المقاصد: محمد الطاهر بن عاشور، بحث ابن عاشور في المقاصد الشرعية، ترجمة: محمد الطاهر الميساوي (لندن – واشنطن: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2006).
  242. الآمدي، الإحكام، المجلد الخامس، ص. 42.
  243. ابن قدامة، المغني، المجلد الثالث، ص. 42.
  244. نفس المصدر.
  245. أرسطو، أعمال أرسطو.
  246. الغزالي، مثلاً: الغزالي، المستصفى، الرازي، التفسير الكبير، المجلد الثالث، ص. 133، السيوطي؛ جلال الدين، تدريب الراوي في شرح تقريب النووي، تحرير عبد الوهاب عبد اللطيف (الرياض: مكتبة الرياض الحديثة، بدون تاريخ)، المجلد الأول، ص. 277, الحاج، التقرير، المجلد الأول، ص. 86، الشافعي، الآمدي، ص. 149.
  247. حسان، نظريه المصلحة في الفقه الإسلامي.
  248. جراي، محرراً، موسوعة فلسفة القانون، ص. 428.
  249. الجويني، الغياثي، ص. 253، الغزالي، المستصفى، المجلد الأول، ص. 172، الرازي المحصول في علم الأصول، المجلد الخامس، ص. 222، الآمدي، الإحكام، المجلد الرابع، ص. 286، الطوفي، التعيين، ص. 239.
  250. ابن قدامة، المغني، المجلد الخامس، ص. 148.
  251. السرخسي، أصول السرخسي، المجلد التاسع، ص. 205.
  252. نفس المصدر، المجلد الخامس، ص. 117.
  253. نفس المصدر.
  254. نفس المصدر، المجلد 16، ص. 25.
  255. نفس المصدر، المجلد الخامس، ص. 62.
  256. نفس المصدر، المجلد الخامس، ص. 181.
  257. نفس المصدر، المجلد الأول، ص. 50.
  258. نفس المصدر، المجلد الثالث، ص. 53.
  259. القرافي، الذخيرة، المجلد الأول، ص. 153، القرافي، الفروق (مع حواشيه)، المجلد الثاني، ص. 60، برهان الدين بن فرحون، تبشيرات الحكام في أصول القضيّة ومناهج الأحكام، تحرير جمال مرعشلي (بيروت: دار الكتب العلمية، 1995)، المجلد الثاني، ص. 270.
  260. القرافي، الذخيرة، المجلد الأول، ص. 153، القرافي، الفروق (مع حواشيه)، المجلد الثاني، ص. 60،
  261. ابن فرحون، تبشيرات الحكام، المجلد الثاني، ص. 270 وما يليها.
  262. ابن عاشور مقاصد الشريعة الإسلامية، ص. 234.
  263. ذكر ابن عاشور مثلاً: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ) (سبأ: 28) (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا) (الأعراف: 158)، والحديث الشريف: “كان النبي يبعث إلى قومه خاصة، وبقت إلى الناس عامّة” (رواه مسلم).
  264. ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، ص. 236.
  265. القرافي، الفروق (مع حواشيه)، المجلد الرابع، ص. 49، أبو زهرة، أصول الفقه، ص. 278.
  266. القرافي، الذخيرة، المجلد الأول، ص. 151، ابن عبد السلام، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، المجلد الأول، ص. 23.
  267. ابن تيمية، كتب ورسائل وفتاوى، المجلد الثاني، ص. 214.
  268. نفس المصدر، المجلد الأول، ص. 56.
  269. الترابي، قضايا التجديد، ص. 167.
  270. انظر مثلاً: محمد مهدي شمس الدين، “مقاصد الشريعة،” محمد حسين فضل الله، “مقاصد الشريعة،” العلواني،” “مقاصد الشريعة” عبد الهادي الفضلي، “مقاصد الشريعة” ضمن كتاب مقاصد الشريعة، تحرير عبه الجبار الرفاعي (دمشق: دار الفكر، 2001). وانظر أيضاً القرضاوي، المدخل.
  271. شمس الدين، “مقاصد الشريعة”، ص. 26.

يعد كتاب “جمود الدراسات الفقهية..أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج” للكاتب المغربي أحمد الخمليشي، محاولة جادة وجريئة للجواب عن سؤالين مؤرقين هما: ‪ “لماذا يشتغل الآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها ؟‪ ولماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس؟

ولا يكتفي الكاتب بالأسئلة، بل يقدم جملة من الأفكار والمقترحات، وضعها في وصفة علاجية لما أسماه “مساعدة على إنقاذ الفقيه من جموده .

كتاب “جمود الدراسات الفقهية” الذي يقع في حدود 264 صفحة، صدر سنة 2010 وطبع عدة مرات في الرباط بدار “المعرفة” سنة 2010. وفي القاهرة بدار “الكلمة” للنشر والتوزيع عام 2014.

بغض النظر عن قبول أو رفض ما يعرضه الكاتب من مادة فكرية وفقهية بين طيات صفحاته، فإن الكتاب جدير بالقراءة لما يتضمنه من أفكار تجديدية وطابع نقدي و أسلوب منهجي بسيط ومريح للقارئ لتسلسل أفكاره ودقة مصطلحاته.

وفي هذا الكتاب يناقش الباحث قضايا تهم الدراسات الفقهية والفكر الفقهي والفقه الإسلامي في علاقته بالواقع، وما يراه منطلقًا لرؤية تجديدية تتجاوز الرؤية التقليدية ومقولاتها التي تقف دون انفتاح العقل الفقهي على الواقع ومتطلباته.

ضوابط الإمام الشافعي

يقول الخمليشي في مقدمة كتابه أن “علم أصول الفقه فكرة عقلانية خلاقة في ظل الظروف التي كان يعيشها المسلمون في القرن الثاني الهجري من الهند إلى أقصى شمال إفريقيا والأندلس ومن القوقاز إلى اليمن وجنوب السودان…”وهي شعوب -كما يقول الخمليشي- لا يُعرف إن كانت قد اعتنقت الإسلام عن وعي وإدراك، كما أنها شعوب تتحدث عشرات اللغات وقليل منها من يتقن لغة الدين الجديد.

ويؤكد الخمليشي أن الإمام الشافعي يعتبر بحق صاحب رؤية ثاقبة عندما أسس علم أصول الفقه بوضع ضوابط تفسير نصوص الشريعة مؤكدًا على ضرورة توفر المنتصب للتفسير على معرفة واسعة بالنصوص ذاتها، وعميقة باللغة العربية ودلالات مفرداتها وعباراتها، فلولا هذه البادرة الدالة على عمق في التفكير وشعور بالمسئولية لاستحال الأمر إلى فوضى في تطبيق شريعة الإسلام في أقاليم متباعدة جغرافيا، متباينة النحل والأعراف والتقاليد مختلفة اللغات ولهجات التواصل، لكن كل فكرة جديدة ومبتكرة تنشأ ناقصة، تستكمل عناصرها ونضوجها بالمناقشة وملاحظة النتائج في التطبيق.

حقائق نهائية تنقل ولا تتعقل

ويتساءل الكاتب: هل حصل هذا لأصول الفقه؟ تناول الدارسون بالتحليل جوانب هامة من موضوعات أصول الفقه ودققوا المناقشة لعناصرها، مع ذلك بقيت موضوعات أخرى تلقن بصفتها حقائق نهائية تنقل ولا تتعقل، وهذا ما أساء إلى علم أصول الفقه وأصاب الفكر الفقهي بالشلل الذي أصبح بمرور الزمن مزمنا عصيا على العلاج.

ويعدد الخمليشي أمثلة كثيرة مثل: إسناد التقرير في جميع شؤون الحياة إلى فرد دون حسيب أو رقيب في التعليل والتبرير، مع حتمية آراء الأفراد، أغفل التفكير في وسيلة لتدبير الاختلاف والمحافظة على تماسك المجتمع والتعايش السلمي بين أفراده، تخصص الفرد “المجتهد” قاصر على معرفة ضوابط التفسير الأصولية التي لا تفيد إلا في النصوص التفصيلية الظنية الدلالة، ولا توصل إلا إلى الظن والترجيح لأحد معاني النص، تغييب الأمة عن المساهمة في التقرير، وعن الشعور بالمسؤولية الجماعية عن تلقي خطاب الشريعة وحسن التطبيق لمضمونه في بناء المجتمع والتخطيط لمسيرته.

ويستنتج الخمليشي في الأخير أن الرأي الذي ساد أصول الفقه انتهى إلى إلغاء دور العقل في فهم نصوص الشريعة وتفسيرها ورسخ مبدأ “العقل لا يحسن ولا يقبح”، ويقدم لكتابه بقوله “هذه بعض منافذ الخلل الذي أصاب الفكر الأصولي والفقهي بالعطب المزمن، ولا أمل في إصلاحه إلا بمناقشتها وتدارك ما فيها من أخطاء – فهل نحن واعون بهذا؟ الجواب تقدمه مؤسسات التكوين والبحث في الدراسات الإسلامية العليا”.

فقهاء لا ينتجون فقها!!

كتاب “جمود الدراسات الفقهية” محاولة للجواب عن سؤالين مؤرقين للعديد من الدارسين والمهتمين بقضايا الفقه الإسلامي: ‪ لماذا يشتغل الآلاف والآلاف بدراسة أصول الفقه ولا ينتجون فقها ؟ ‪-

لماذا لا يهتم دارسو الفقه الإسلامي والباحثون فيه بوقائع الحياة كما يعيشها الناس ويساهمون في تحليل عناصرها واقتراح الحلول الملائمة لتنظيمها؟

من المؤكد أن أسباب جعجعة الدراسات الأصولية دون طحين، والإهمال المتعمد لوقائع الحياة المعيشة ترجع الى خلل – أو “عطب قديم” بتعبير الملك عبد الحفيظ في بداية القرن العشرين- في بعض التصورات المقدمة في دراسات أصول الفقه تمكنت من تعقيم هذه الدراسات وتعطيلها من الإنتاج المرغوب فيه.

أولا: أزعم أن في مقدمة نوافذ الخلل أو العطب :

‪ إسناد صلاحية التقرير للأحكام المنظمة للعلاقات الاجتماعية إلى “المجتهد” باسم تفسير النصوص الخاصة وتنزيل الكليات والنصوص العامة، مع الإهمال الكلي لآية (وأمرهم شورى بينهم).

ومع إضفاء صفة “أحكام الله” على الآراء الاجتهادية سواء عند المصوبة أو المخطئة من الأصوليين، وهو ما يفرض على الدارس تلقيها بروح الإذعان والامتثال وليس بهاجس النقد والتقييم وإمكانية التغيير.

‪تغييب الأمة عن التقرير وعن الشعور بالمسئولية عن تنظيم المجتمع والتخطيط لمسيرته بقصر توجيه الخطاب إلى الفرد وحده بما في ذلك ما سمي “فروض الكفاية”.

ثانيا: أن مما يساعد الدراسات الأصولية على تحقيق أهدافها تلقين روادها:‪

  • حق الإدلاء بالرأي في تنظيم حياة المجتمع لكل من أنس القدرة على ذلك.‪
  • اعتبار الآراء الاجتهادية آراء شخصية في التفسير يستأنس بها بقدر ما تتوفر عليه من سند.
  • التركيز على آية (وأمرهم شورى بينهم) باعتبارها المحور الأساسي لأصول الفقه.
  • قيام كل حكم من أحكام الشريعة في المعاملات على علة بمفهوم الحكمة أي تحقيق مصلحة أو درء مفسدة، وبالتالي تطبيق مبادئ: إمكانية تغير الأحكام بتغير الزمن أو المكان، الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، وجوب مراعاة مآل التطبيق في الأحكام..

تشريح وعرض الحالة

قسم الخمليشي كتابه “جمود الدراسات الفقهية” إلى قسمين: القسم الأول تناول فيه مسألة “نشأة وتطور الفقه وأصوله وواقعهما” وتضمن الفصل الأول عن “نشأة الفقه وأصوله” شرح فيه جملة من المفاهيم المتعلقة بالفقه والشرع والعلم ونصوص الوحي وطبيعة ووسائل التفسير والمفسر وغيرها.

وفي الفصل الثاني تطرق لمسألة تطور أصول الفقه، وتحدث فيه عن ما أسماه “مبادئ وأفكار كانت في حاجة إلى تقويم” تضمنت شرحا لمصادر التشريع (السنة، الإجماع، الآثار) ومصادر الاجتهاد (وسائله، القائمون به، والحكم الاجتهادي)، وتطرق الخمليشي في هذا الفصل إلى “مبادئ ومفاهيم أسيء تفسيرها في التطبيق” ومنها المصلحة وعلة الحكم والمجتهد وقواعد التفسير وضوابطه وغيرها.

وذيل هذا الفصل بخلاصة أكد فيها أن الإغفال عن تقويم بعض المبادئ والقواعد التي أسس عليها علم أصول الفقه وإساءة تطبيق البعض الآخر أديا إلى نتائج سلبية:

  • غياب القراءة النقدية الهادفة إلى التطوير عن طريق التقويم.
  • طغيان المناقشات اللفظية وتفريع الخلافات على حساب التحليل
  • بعد التنظير عن الممارسة
  • العقم الكلي للانتاج الفقهي فقد فرض التقليد المذهبي ومنع مجرد الخروج عن الإمام وكبار مقلديه.

في الفصل الثالث، تناول مؤلف كتاب “جمود الدراسات الفقهية” مسألة “واقع الفكر الأصولي والفقهي”، وتحدث عن التلقين ومقاصد الشريعة واستمرار تجاهل مؤسسات التشريع والفتاوى والاجتهاد الجماعي.

وخصص الخمليشي القسم الثاني من كتابه إلى الجوانب العلاجية، فجاء عنوان هذا القسم: “محاولة العلاج”، حيث تعلق الفصل الأول بأصول الفقه، والفصل الثاني بالفقه.

جينات الفكر الفقهي ومقترح العلاج

وانتهى الخمليشي في نهاية كتابه إلى خلاصة، أكد فيها أن التأسيس لفهم آخر رسالات السماء لم يكن أمرا هينا، لكن الأمر كان – كما يقول الكاتب – مثقلا بثقافة صارمة في موضوع التعامل مع الدين وغيبياته، وهذا – كما يعتقد- كان سببا لنشوء الفكر الفقهي حاملا لجينات تعيق النمو والتطور.

ويقول الخمليشي أنه على الرغم من أن القرآن حث على استعمال العقل ومسؤولية الفرد والتنفير من التقليد إلا أن هناك مساهمات يرى أنها ساعدت أو أدت إلى توجيه مسيرة الفكر الفقهي جمعها في عدة أفكار تتعلق أساسا بالوقائع التي تحدث للانسان وحكمه، واكتشاف الحكم الأزلي، وهامش تحرك “المجتهد” والمعرفة المطلوبة فيه، وصفة الرأي الاجتهادي والحكم الشرعي..

ويصف الكاتب هذه الأفكار بالـ “الوضع الشاذ” ثم يقترح عدة أفكار لتجاوزها.

أولا: في مجال أصول الفقه

  • إبراز الحق بوصفه حكما شرعيا مع التأكيد على عناصره الأساسية وفي مقدمتها وجوب حمايته.
  • تجاوز المفهوم المختزل لمصطلح “الحاكم” والاعتراف بأن الإنسان “حاكم”في ما هو مسؤول عن تدبيره.
  • التمييز في السنة بين الوحي والتدبير السياسي والإداري لشؤون المجتمع الإسلامي.
  • التخلي عن ادعاء اكتشاف “المجتهد” لحكم الله الأزلي واعتبار رأيه “حكما شرعيا” ملزما.
  • التخلي عن مبدأ الكثير من الأصوليين وهو “العقل لا يحسن ولا يقبح” لأنه يتناقض مع الدين الذي يأمر باستعمال العقل.
  • الحديث عن المعرفة المؤهلة لتفسير النصوص ولكن دون تقسيم الناس إلى مجتهدين ومقلدين.
  • التأكيد على أن ضوابط أصول الفقه لا تساعد دارسها إلا في تفسير النصوص الجزئية.
  • إنهاء التجاهل للواقع الذي تعيشه جميع المجتمعات الإسلامية نتيجة التطور الحاصل في مفهوم الدولة

ويتساءل مؤلف كتاب “جمود الدراسات الفقهية”: هل يمكن مثلا اليوم الأخذ بمصطلحي: “المجتهد” و”المقلد” في تنظيم شؤون الحياة: أنظمة الشركات، القضاء، العمران، الحريات العامة. كما ينصح الاصوليين بعدم التهرب ومواجهة حقائق الواقع إذا أرادوا التأسيس لفقه يساعد الناس على تنظيم شؤون حياتهم والسير بها إلى الأفضل.

ثانيا: في مجال الفقه

  •  الفقه يعني عرض الوقائع والعلاقات المعيشة وتكييفها، وفهم النصوص وتطبيقها على هذه الوقائع، والمنتسبون إلى زمرة “الفقهاء” يكاد يكون جميعهم يقتصرون على الحكاية والنقل، لذلك ينبغي ألا يُسمح بحمل وصف “الفقيه” أو “العالم” إلا من ثبُتت مساهمته في إنتاج الفقه والحلول الميسرة للتعايش ومواصلة البناء وعمارة الأرض.
  • التحديد الدقيق لمجال الفقه المؤسس على ضوابط التفسير الأصولية.
  • الالتزام بالمفهوم اللغوي والمنطقي لمصطلح “الفقه” وهو أنه رأي شخصي في تفسير النص وهو ما يفرض إنهاء وصفه بالحكم الشرعي الملزم وتعويض ذلك باقتراح المؤسسة التي يمكنها المقارنة بين مختلف الآراء.
  • التوقف النهائي عن فتاوى التحليل والتحريم وإصدار الأحكام القطعية باسم الشريعة، بسبب ما ينشأ عنها من أضرار وفتن بدءا من التعدد والتناقض أو عدم المعرفة.
  • التطبيق الفعلي لمبدأ “تغير الأحكام بتغير الزمن” الذي يتداوله الفقه كثيرا دون أن يجد سبيلا للتطبيق.
  • ضرورة خروج الفقيه من العزلة التي سجن نفسه فيها ومناقشة المستجدات من أفكار وأوضاع ونظم وطنية وعالمية بأسلوب الحوار والاقناع ودافع الرغبة في البحث عن الحق والصواب، وليس بنبرة الرفض المبيت ولغة الوصاية وإلقاء الأحكام الجاهزة باسم الله أو باسم الشريعة.

ويتوقع الكاتب في الأخير أن ما يقترحه من أفكار “كمساعدة على إنقاذ الفقيه من جموده” سيُواجه بالرفض ليس فقط من بعض العلماء الذين لن يتقبلون منازعتهم في وظيفة الوساطة بين نصوص الدين والمؤمنين به، وإنما أيضا من “المؤمن العادي” الذي أسرته ثقافة تشكلت منذ أول عهد للانسان.

______________________________

*عرض للباحث نور الدين قلالة لكتاب “جمود الدراسات الفقهية- أسبابه التاريخية والفكرية ومحاولة العلاج” من تأليف الدكتور المغربي أحمد الخلميشي، أستاذ القانون الخاص، وقد نُشر هذا العرض على موقع إسلام أون لاين.

طلب إلي الأستاذ حسن جلال العروسي أن أكتب كلمة أصدر بها هذا الكتاب الذي ترجمه إلى اللغة العربية في تاريخ النظريات السياسية.

ويسعدني أن أستجيب لهذا الطلب.

فالكتاب لأستاذ أمريكي كبير من أساتذة الفلسفة بجامعة كورنل، استعرض فيه تاريخ الفكر السياسي منذ العصور الأولى، وماشاه إلى العصر الحديث، وذلك في تحليل رائع، ونظرات نافذة، وتأصيل عميق.

 وهذا الجزء من الكتاب الذى يخرجه اليوم الأستاذ العروسي لقراء العربية يتناول من تاريخ الفكر السياسي الحقبة الأولى التي استغرقتها الفلسفة الإغريقية، والتي انطوت على نوع من النظام السياسي للدولة عُرف (بدولة المدينة). وقد وفق الأستاذ العروسي في ترجمة الكتاب كل التوفيق. فأسلوبه عربي رصين، وعباراته متخيرة منتقاة، لا تكلف فيها ولا ابتذال، وقد حرص كل الحرص على تأدية المعنى في دقة وأمانة.

وقدم للكتاب الدكتور عثمان خليل عميد كلية الحقوق بجامعة إبراهيم. والدكتور عثمان من خيرة فقهائنا في القانون العام. وقد أوحى إليه الكتاب بتقديم رائع، فيه من المعاني القوية والنظرات العميقة ما جعله يحلق في سماء الفكر السياسي، ويضيف ثروة فكرية جديدة إلى الثروة الضخمة التي يزخر بها الكتاب.

وقامت مؤسسة فرانكلين الثقافية بنشر هذا المؤلف القيم. وإن هذه المساهمة من جانبها لتستحق كل تقدير. ونرجو أن يكون في متابعتها نشر أمثال هذه الكتب القيمة مترجمة إلى اللغة العربية ما يدعم أواصر التجاوب الثقافي بين الفكرين الشرقي والغربي.

والموضوعات التي عرض لها هذا الجزء من الكتاب، تحت عنوان “دولة المدينة”، تتناول تحليل البيئة الفكرية التي سبقت سقراط ومهدت لظهوره، ثم تعرج إلى بسط أهم الأفكار التي انطوت عليها الفلسفة السياسية لثلاثة هم أكبر فلاسفة الإغريق: سقراط وأفلاطون وأرسطو. وقد تعاقب هؤلاء الفلاسفة الثلاثة واحدًا تلو الآخر، وكان الثاني تلميذًا للأول، والثالث تلميذًا للثاني، في عصر هو من أزهى عصور الفكر البشرى.

وأحسب أن هذا الكتاب قد طلع على القراء في وقت مناسب. ووجه المناسبة فيه أن مِصْرَ في سبيلها إلى وضع دستور جديد. فقد برمت بالدستور القديم، فعمدت إلى إلغائه. وسخطت على العهد الماضي، فتنكرت له. وقالت عن مساوئ ذلك العهد الشيء الكثير، فهو عهد لا يقيم وزنًا للدستور، ولا سيادة فيه للقانون. فالبلاد إذن في حاجة إلى أن تتعلم شيئًا جديدًا تقيم على أساسه دستورها الجديد. وفلسفة الإغريق السياسية -على بُعد ما بيننا وبينها من زمن- جديرة أن تعلمنا هذا الشيء الجديد. فهي تعلمنا مبدأ سيادة القانون. وهل يوجد مبدأ أجل وأنبل من مبدأ سيادة القانون، نراه يطالعنا من ثنايا الفلسفة الإغريقية، منقوشاً في كل صفحة من صفحاتها، وهو العصارة من تجارب أفلاطون، والصميم في فلسفة أرسطو؟ فلنتابعه إذن كما هو مبسوط في هذا المؤلف الجليل.

كان أفلاطون في شبابه، عندما كتب “الجمهورية”، يؤمن بحكومة الفلاسفة وبالحكم المطلق المستنير. فالحكم عنده لا يكون إلا لقلة من العلماء المستنيرين. وكان يرى من الحماقة أن تغل يد الحاكم الفيلسوف بأحكام القانون، وهذا الحاكم الفيلسوف، أو هذا العالم المستنير، يقوم سنده في تولى السلطان على الزعم بأنه هو الوحيد الذي يعرف طريق الخير والعدالة. واستبعد أفلاطون هذه الدولة المثالية التي صورها في “الجمهورية” فكرة القانون، وأبرز الدولة مؤسسة تفرض على المواطنين وصاية دائمة يتولاها الحاكم الفيلسوف.

وهذه الوصاية هي أسلم صور الحكم، بل هي وحدها الحكم الحقيقي، حيث يكون الحكام مستنيرين متمكنين من العلم، سواء حكموا بالقانون أو بغير القانون، وسواء رضيت عنهم رعاياهم أو كانوا غير راضين. فالحكم للعلم والمعرفة، وهو حكم الفرد المطلق، ولا حاجة فيه للقانون. لذلك كانت هذه الدولة المثالية من الكمال بحيث لا تتلاءم مع أحوال البشر. هي نموذج مَقرُه في السماء، يحاول البشر أن يحاكوه، ولكنهم لا يستطيعون أن يبلغوه.

ولما كان البشر لا يعيشون في السماء ، بل يعيشون في الأرض، فقد رأى أفلاطون نفسه، بعد أن تقدمت به السن، وأنضجته التجارب، وذاق مرارة الفشل في محاولته أن يقيم حكومة الفيلسوف في صقلية عن طريق تثقيف ملكها ديونيسيوس، مضطرًا أن يرجع عن رأيه، وأن يقبل حلا وسطًا في كتابه الثاني “السياسي”، فيقول: “علينا أن نتصور الدولة وما فيها من قوانين موروثة على أنها نوع من المحاكاة للمدينة السماوية. ولا أقل من أن نقرر ما لا شك فيه، وهو أن القانون أفضل من الهوى، وأن صلاح الحاكم الخاضع للقانون أفضل من تلك الإرادة التحكمية التي تصدر عن طاغية مستبد، أو عن حكومة بلوتوقراطية، أو عن حكم الغوغاء. ولا ريب كذلك في أن القانون هو بوجه عام قوة باعثة على الحضارة يصبح الإنسان بدونها -مهما تكن صفته– أخطر من الحيوانات المتوحشة”.

أدرك أفلاطون أن هناك فرقاً كبيرًا بين الخضوع لسلطان القانون، والخضوع لإرادة مخلوق من البشر، مهما انفرد بالحكمة والخير. ولم يرَ بُدًا من أن ينادى  بمبدأ سيادة القانون، وأن يقرر أن القانون وحده هو الذي يسود الحاكم والمحكوم.

فهو يكتب لأتباع ديون في صقلية: “لا تدعوا صقلية ولا أي بلد آخر يخضع لسادة من البشر، بل يجب ألا يخضعوا لغير القانون. ذلكم هو مذهبي. واعلموا أن الخضوع شر على كل من السادة والمسودين، عليهم جميعًا وعلى أحفادهم وذراريهم”.

ثم يعلن بعد ذلك إيمانه العميق بالقانون في كتابه الثالث “القوانين” فيقول: “فلنفرض أن كل واحد منا نحن المخلوقات الحية إن هو إلا دمية بارعة صنعتها الآلهة، ولسنا ندرى أكان غرضها من ذلك اللهو أم الجد. ولكننا تعلم حق العلم أن ما فينا من انفعالات هي كالأوتار أو الحبال التي تجذبنا، وأنها لتعارضها -فيما بينها- تجرنا إلى أفعال متضادة، فتبلغ الحد الذي يفصل بين الخير والشر. وهنا يحدثنا العقل أن كل واحد منا يجب أن يتمسك على الدوام بخيط واحد فقط من تلك القوى الدافعة له، وألا يدعه يفلت منه بأي حال من الأحوال ويقاوم شد الخيوط الأخرى: هذا الخيط هو الحاكم الذهبي، هو حكم العقل المقدس الذي يسمى القانون”.

والنظام الديمقراطي في أثينا من شأنه أن يعين أفلاطون على التمسك بمبدأ سيادة القانون. فقد كان القضاء مسيطرًا على الحياة العامة. فهو، فوق أنه يفصل في قضايا الأفراد المدنية والجنائية، يبسط رقابته على الموظفين، فيختبر صلاحية المرشح قبل توليه الوظيفة إذا أقيمت الدعوى بعدم صلاحيته، ثم هو يراجع أعمال الموظف بعد إنهاء خدمته، بل هو يجاوز رقابة الموظفين إلى رقابة القانون. فكان كل مواطن يستطيع أن يطعن في أي قانون بأنه مخالف للدستور، فيقف العمل بهذا القانون فورًا حتى تقضى المحكمة في شأنه، فيحاكم القانون على غرار محاكمة الأفراد، وللمحكمة أن تقضى بإلغائه. فالقانون إذن يخضع للدستور، والموظف يخضع للقانون. هذا هو مبدأ سيادة القانون كاملا، بلغت فيه أثينا مرتبة عليا، لم تبلغ مرتبة أعلى منها دولة متحضرة في العصر الحالي.

 ثم يأتي أرسطو بعد أفلاطون. والدولة الفاضلة عنده أساسها الاجتماعي هو وجود طبقة متوسطة قوية، «ليس أفرادها من الفقر بحيث تنكسر أجنحتهم، ولا من الغني بحيث ينشبون أظافرهم». وحيثما وجدت هذه الطائفة من المواطنين؛ كانت جماعة لها من اتساع صفوفها ما يكفل للدولة الارتكاز على أساس شعبي، ولها من التحرر عن الهوى ما يمكنها من مراقبة الموظفين المسئولين، ولها من طبيعة انتخاب أعضائها عاصم من مساوئ حكومات الجماهير.

ويحدثنا مؤلف هذا الكتاب عن أرسطو أن مثله الأعلى كان على الدوام الحكم الدستوري لا الحكم الاستبدادي، حتى لو كان هذا الاستبداد هو الاستبداد المستنير الذي يصدر عن الملك الفيلسوف؛ فهو إذن من أكبر المنتصرين لمبدأ سيادة القانون. ومن ثم فقد قبِل منذ البداية أن يكون القانون في أية دولة صالحة هو السيد الأعلى. فالقانون هو: “العقل مجردًا عن الهوى”. والحكم الدستوري يتمشى مع كرامة الرعايا وعزتهم، إذ إن الحاكم الدستوري يحكم رعاياه برغبتهم، وبذلك يختلف كل الاختلاف عن الدكتاتور الطاغية. وللحكم الدستوري كما يفهمه أرسطو عناصر رئيسية ثلاثة: أولها حكم يستهدف الصالح العام، وبذلك يتميز عن الحكم الطائفي الذي يستهدف صالح طبقة واحدة، وعن الحكم الاستبدادي الذى يستهدف صالح فرد واحد. وثانيها أنه حكم قانوني، أي أن الحكومة تدار فيه بمقتضى قوانين عامة لا بمقتضى أوامر تحكمية. وثالثها أن الحكومة الدستورية حكومة رعية راضية، فتتميز بذلك عن الحكومة الاستبدادية التي تستند إلى محض القوة.

هذان إذن رجلان من أكبر فلاسفة الإغريق، بل من أكبر فلاسفة العالم، يقولان بمبدأ سيادة القانون، ويقولان بهذا المبدأ منذ المراحل الأولى في تطور الحضارة البشرية. فأين من حكومة القانون حكومة المستبد العادل!

وهل يجتمع الاستبداد والعدل؟!!

لَتِلك خرافة إذا كان أفلاطون قد آمن بها في شبابه، فقد أدرك في شيخوخته أنها سراب لا وجود له. كان أفلاطون في بداية أمره كما قدمنا يؤمن بحكومة الفلاسفة حتى نراه يقول: “لا سبيل إلى تحقيق حياة أسعد للجنس البشرى إلا بإحدى وسيلتين، فإما أن يتولى مقاليد الحكم جمهرة الفلاسفة، وإما أن تتحول الطبقة الحاكمة بمعجزة من معجزات الإرادة الإلهية إلى طبقة من الفلاسفة”. فهو قد كان يعتقد ألا سبيل إلى تحقيق سعادة البشر إلا بأن يتولى الفلاسفة الحكم، أو بأن يصبح الحكام فلاسفة. ولكنه عدل بعد ذلك عن هذا الرأي، وعلم -بعد أن نضجت خبرته- أن الفلاسفة إذا تولوا الحكم فهم لا يلبثون أن يفسدوه، وأن الحكام إذا أصبحوا فلاسفة أسرعوا إلى ترك الحكم خشية أن يفسدهم. فالحكم الصالح لا تلتمسه فلسفة الإغريق في الحكم المطلق للفيلسوف، ولكن تنشده في مبدأ سيادة القانون.


*ينشر موقعنا -للمرة الأولى على شبكة الإنترنت- هذا التصدير المهم الذي كتبه العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري للجزء الأول من كتاب “تطور الفكر السياسي”، لجورج هـ. سباين، وترجمة حسن جلال العروسي، طبعة دار المعارف عام 1954م.

مقطع مرئي للدكتور خالد فهمي أستاذ التاريخ بجامعة توفتس Tufts بالولايات المتحدة الأمريكية، يقدم فيه كتابه الصادر عن دار الشروق، وترجمة حسام فخر، حيث يوضح د. خالد أن الكتاب يتناول عددًا من القضايا منها العلاقة مع الغرب، وتأسيس الدولة المصرية الحديثة، ويعالج هاتين القضيتين من خلال ممارسة إشكالية -على حد قوله- وهي الطب الشرعي، فهو يمازج بين الطب الذي هو أحد تجليات العلم الحديث، والقانون الذي جرت العادة باعتباره وافدًا حل محل الشريعة الإسلامية التي كانت تطبق.

 

تأتي هذه الدراسة ضمن سلسلة من الدراسات الأكاديمية المعنيَّة ببيان حالة الفقه الإسلامي وتشريعه في فترة ما بين منتصف القرن التاسع عشر والقرن العشرين، بالإضافة إلى بيان أوجه التشابه والاختلاف بين التشريع الإسلامي والغربي. وتُعَدُّ هذه الدراسة -إلى جانب كتاب “أثر مدرسة الحقوق الخديوية”، و”المقارنات والمقابلات”، و”في أصول النظام القانوني الإسلامي”، وجميعها من إصدار مركز نهوض للدراسات والبحوث- من الدراسات التي ستضيف كثيرًا إلى القارئ المتطلِّع لمعرفة السياق التاريخي والتعليمي والاجتماعي والسياسي والتشريعي لهذه الفترة. لذا ينبغي أن تكون هذه الدراسة من الدراسات التي تدفع بالباحثين صوب الاتجاه الصحيح عند اختيار الموضوعات الأكاديمية وكيفية بحثها؛ لكونها تضع منهجًا متكامل الأركان في كيفية التعاطي مع مثل هذه الموضوعات.

وتعمل هذه الدراسة وأمثالها على الكشف عن مكنونات التراث الإسلامي المتوارية بين طبقات التاريخ المنسيَّة، بغيةَ تقديمها في تصورات وأنماط معرفية صحيحة، ما عساه أن يساعد في تكوين أُطر منهجية وتصورات حقيقية من شأنها التوصُّل إلى نقاط التقاء مشتركة بين النُّظُم التشريعية التي قد تبدو مختلفةً في أحيان كثيرة، مع محاولة الإفادة من القواسم المشتركة التي يتوصل إليها في بناء جسور من الثقة والتواصل بين هذه النُّظُم من جهة، ثم العمل على استغلال مواطن التشابه والاتفاق، وتفادي مواضع التصادم والاختلاف من جهة أخرى. 

وصف الكتاب

ينتظم هذا الكتاب -المكوَّن من خمسمائة وإحدى عشرة (511) صفحة- في عشرة فصولٍ منتظمة في أربعة أقسامٍ رئيسة، جاء القسم الأول منها بعنوان: أصول الإحياء التشريعي، محتويًا على ثلاثة فصول، الأول منها بعنوان: استقبال القانون الأوروبي في السياقَيْن السياسي والاجتماعي، وعرجت فيه الدراسة على اختلاط سلطة إسلامية المحاكم والقوانين، والاستقبال المصري للقانون الأوروبي والتخصُّص القانوني الحديث في الاقتصاد في إطار السياقَيْن الاجتماعي والثقافي، بالإضافة إلى الإحياء الإسلامي ومركزية العقد الثالث من القرن العشرين. وأما الفصل الثاني فجاء بعنوان: الإحياء التشريعي الإسلامي المبكِّر والقبول الوطني، وتناولت الدراسة أفكارًا مهمَّة، منها: الدفاع عن النموذج النظري للنظام التشريعي الإسلامي، وإرهاصات النزعة الإحيائية في الصحافة ومدارس القانون، ونبهت كذلك على دور الأستاذ محمد رشيد رضا وإسهامه في الإحياء التشريعي الإسلامي بوصفه أيديولوجيا، وخُتم هذا القسم بالفصل الثالث، وعنوانه: مجلة نقابة المحامين الشرعيين والمنعطف الإسلامي، ويتناول هذا الفصل عددًا من الأفكار الرئيسة، أهمها: ادعاء الخمول في العلوم الفقهية الإسلامية، وعدم ملاءمة القانون الأوروبي، وثنائية المفردات القانونية بوصفها أداة أيديولوجية، وصلاحية الشريعة لكل زمان ومكان، والاجتهاد بوصفه مجالًا بحثيًّا، وخُتم هذا الفصل بالتعريج على أفكار الفقهاء.

وأما القسم الثاني فكان عنوانه: دور القانون الأوروبي والحملات الإمبريالية في الإحياء التشريعي الإسلامي، وتضمَّن ثلاثة فصول رئيسة، أولها عنوانه: التدخلات الأجنبية في القوانين المستمدَّة من الشريعة الإسلامية، وشمل هذا الفصل عددًا من النقاط المهمَّة؛ كالدراسات الأكاديمية للشريعة في أوروبا، ودور المستشرقين والباحثين الموالين للسلطة الاستعمارية، وبيان القانون العثماني والنزعة الإسلامية الأوروبية المقارنة، وجهود سافاس باشا وسنوك هرغونيه ولامبير في التشريع الإسلامي. وجاء الفصل الثاني في هذا القسم تحت عنوان: امتداد الفكر القانوني في الجزائر وفرنسا وألمانيا، وعرج المؤلف فيه على جهود المدونين والمقارنين قبل تأسيس مدرسة القانون بالجزائر، وأشار إلى تدشين عمليات جمع القوانين ومقارنتها ومعالجتها داخل التقاليد القانونية في الجزائر، وبداية إعادة صياغة القانون المقارن، والوحدة القانونية والعالمية والعلمانية والإمبريالية في مؤتمر 1900م، والوقوف على مدى التأثير الألماني المتفشي في القانون المقارن والنظريات القانونية، والمدرسة القانونية الرومانية والقانون المدني الألماني، ثم ختم هذا الفصل بعرض تأثير الأفكار الألمانية في المذهب الفرنسي. وأما الفصل السادس في ترتيب الدراسة والثالث في هذا القسم فجاء بعنوان: البرنامج المقارن للإصلاح التشريعي الإسلامي، وعرض فيه عددًا من الأفكار الرئيسة، أهمها: النزعة المقارنة والإحياء الإسلامي من وجهة النظر العالمية لإدوارد لامبير، وتطلعات القانون المقارن ومناهجه ومقدماته بشكل عام، ونظرية التاريخ القانوني العالمي، والإطار المنهجي المسبق للنزعة المقارنة، والمواجهة بين النزعة المقارنة والنزعة الاستشراقية، وتطبيق التاريخ القانوني ومبادئ النزعة المقارنة على الإسلام، ثم كان الختام مع فكرة المرونة ومناهضة النزعة الشكلية في الاجتهاد.

وجاء القسم الثالث من هذه الدراسة بعنوان: التحولات في التعليم والمجال الدراسي، وشمل ثلاثة فصول رئيسة، هي السابع والثامن والتاسع على حسب ترتيب الدراسة، وقد حمل أول هذه الفصول عنوان: التعليم والمجال الدراسي للقانون الفرنسي-المصري والقانون الفرنسي قبل عام 1923م، وأشار فيه المؤلف إلى مدرسة الحقوق الخديوية (كلية القاهرة) قبل تأسيس المحاكم المحلية وبعدها، كما أشار إلى بيان السباق الإنجليزي-الفرنسي للهيمنة على عمادة مدرسة الحقوق الخديوية، وأوضح كذلك حال القانون الفرنسي تحت قيادة تيستو وسكوت، والهيمنة الإنجليزية وإقصاء التعليم الفرنسي، ثم عرج على فترة ما بعد رحيل لامبير عن عمادة مدرسة الحقوق الخديوية، ودور الكلية الفرنسية وتواصل النفوذ الفرنسي. ثم جاء الفصل الثامن بعنوان: التعليم والدراسات العلمية في التشريع الإسلامي في الفترة من عام 1868م إلى عام 1923م، وعرض هذا الفصل مجموعةً من الأفكار من أهمها: الإحياء والمنهج الدراسي في جامعة الأزهر ومدرسة دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي ومدرسة الحقوق الخديوية، وخُتم هذا الفصل بالتنويه بالكلية الفرنسية واستمرار التقاليد الفرنسية. وجاء الفصل التاسع والأخير في هذا القسم بعنوان: ازدهار الدراسات المتقدمة بعد عام 1923م، وحوى هذا الفصل عددًا من الموضوعات الأساسية، منها: التمصير والتعريب وإحياء النفوذ الفرنسي والتوجُّه اللامبيري، والعمداء والأساتذة المصريون، والدراسات العلمية الفرنسية-المصرية، والباحثون الواعدون والدراسات المتقدمة وبرنامج الدراسات العليا، وإحياء الشريعة الإسلامية في المنهج الدراسي الجديد، وخُتم هذا الفصل بالإشارة إلى الرابط بين عملية إحياء الشريعة الإسلامية والتطورات الدولية من حيثُ الاختلاف والمنافسة والآفاق الدولية والقانون المقارن في كلية الحقوق بجامعة القاهرة.

وخُتمت الدراسة بالقسم الرابع الذي جاء تحت عنوان: أشكال جديدة من الفكر التشريعي الإسلامي، واشتمل على فصل واحد، وهو العاشر، وعنوانه: أصول النظرية العامة في الفكر التشريعي الإسلامي، وقد احتوى على مجموعة من الأفكار الرئيسة من بينها: القانون الفرنسي-المصري والمجال الدراسي الجديد، وأصول النظرية العامة في الفقه المصري، وخُتم هذا الفصل بالحديث عن روابط التأثير بين القانون الأوروبي والفقه الإسلامي. ثم جاءت الخاتمة لتتناول فكرة تحجيم النزعة الإحيائية المعتدلة وتراجع التوجُّه المصري-الفرنسي، وكذلك فكرة النزعة الاستبدادية والتوجهات الفرنكو-مصرية.   

المنهجية العلمية للكتاب

من الواضح أن المؤلف قد اعتمد أساسًا على المنهج الوصفي، حيث إنه تعرَّض لفترة زمنية محدَّدة بالوصف والبيان، بغيةَ إعطاء صورة كاملة للقارئ عن هذه الحقبة التاريخية، كما أن المنهج التحليلي بدا واضحًا في مواضع كثيرة من الدراسة، فقد اعتنى المؤلف بالوقوف على بعض الأحداث، وأخذ في تحليلها وتفكيكها، ثم عمد إلى قراءتها في سياقاتها التاريخية والاجتماعية السابقة واللاحقة عليها للوصول إلى نتيجة مُقنِعة، ولم يغفل المؤلف المنهج الاستقرائي، وذلك باستقرائه لبعض الجزئيات والموضوعات التي وضع لها إحصائياتٍ دقيقة. وكل هذا من شأنه أن يدلِّل على أن المناهج العلمية تتداخل وتتكامل للوصول إلى النتائج العلمية المعتبرة.

 الأفكار الرئيسة

جاء هذا الكتاب ليميط اللثام عن فترة زمنية وحقبة تاريخية (1975-1952م) مليئة بالأحداث العظام من الناحية السياسية والاجتماعية والتعليمية، وقد حاول مؤلفه -وهو أكاديمي بارع ومحامٍ ماهر- جاهدًا أن يقف بالقارئ على حقيقة يرتاب فيها كثيرٌ من الباحثين، وهذا جهد مشكور بذله في تسطير هذه الدراسة، بغيةَ كشف خفاياها وتبيين غوامضها، وقد هُدي في كثيرٍ من أجزائها إلى الوصول إلى نتيجة منطقية مُرضية. ولا تزال هذه الحقبة بحاجة إلى بعض الدراسات الأكاديمية العميقة في بعض الموضوعات التي عرج عليها المؤلف سريعًا مع التنبيه على أنها تحتاج لمزيد من الدراسة والبحث.

عرضت الدراسة إلى بداية ظهور القانون الأوروبي وأسباب هذا الظهور، وهل نتج ذلك عن الدور السياسي الذي لعبه الاحتلال الفرنسي لمصر مع بداية القرن الثامن عشر أم نتيجة تقاعس الفقهاء المسلمين عن أداء دورهم في النهوض بالفقه الإسلامي؟ وساقت الدراسة الأدلَّة على محاولة الهيمنة على الجانب التشريعي بفرض القانون الفرنسي الذي تُرجم إلى العربية، ثم السيطرة على الجانب القضائي بإنشاء المحاكم المختلطة (1875م) والمحاكم الأهليَّة (1883م) تباعًا، وأشارت إلى دور علماء الشريعة الذي اقتصر على بيان أحكام العبادات دون البحث عن حلول عملية للخروج من الأزمة التي أضحت الأُمَّة على وشك الوقوع فيها آنذاك بسبب رفض الفقهاء الاستجابة لطلب الخديوي بوضع تقنينٍ قانونيّ فقهيّ على غرار كود نابليون في المعاملات المدنية، ما دفع الخديوي في نهاية الأمر إلى أن يميل إلى فكرة ترجمة التقنينات الفرنسية والعمل بها.

وبيَّنت الدراسة أنه أمام هذا الزحف التشريعي المُحكَم في كافة المجالات المدنية والتجارية والجنائية وغيرها، اقتصر الوجود الشرعي الكامل على مجالات الزواج والطلاق والوصايا والوقف والميراث، فيما عُرف بالأحوال الشخصية، ليتقلَّص الدور التشريعي للشريعة الإسلامية وأدبياتها في مجال الأحوال الشخصية فقط، ولم يعُد لها وجود فعَّال في الجوانب العملية إلَّا ما ورد من بعض الإشارات الخاصة ببعض القضايا التي تستلزم النص عليها. وحاولت الدراسة أن تبرِّر هذا الاقتصار والتقليص للفقه الإسلامي، فأشارت إلى أن الدور الذي لعبه غير المسلمين في بناء النظام القانوني الجديد -من أمثال مكرم عبيد ويوسف وهبة (1852-1934م)- ربما يكون من أسباب الاستبعاد الكُلي للشريعة الإسلامية، لكنها لم تقطع بذلك، وأكَّدت على أن هذه الفكرة بحاجة إلى مزيدٍ من العناية والتدقيق للوقوف على صحتها من عدمه.

لقد عمد الاحتلال إلى مناهضة الحركة العلمية المُعلية من قيمة التراث الفقهي على حدِّ تعبير الدراسة، ودلَّلت الدراسة على هذا الأمر بقولها إن الوزير محمد قدري باشا (1821-1886م) فَقَد منصبه بسبب إعلانه عن ميوله الشرعية وإعداده مشروعاته التشريعية الثلاثة في باب المعاملات، والأحوال الشخصية، والوقف. كما عمل الاحتلال أيضًا على تهميش الشريعة الإسلامية والتقليل من أهميتها التشريعية بشتَّى الطرق وكافة الوسائل، وسعى في سبيل ذلك إلى إعاقة كافة الجهود الرامية إلى إحياء التشريع الإسلامي.

 وأظهرت الدراسة الجهود القيّمة التي قام بها السيد جمال الدين الأفغاني (1897م) وتلميذه الأستاذ الإمام محمد عبده (1905م)، وكيف أنهما عملا على وجود الشريعة الإسلامية في كافة الميادين. وأكَّدت بما لا يدع مجالًا للشكِّ على أن الإمام محمد عبده قد ورث الأفكار الإحيائية التي وضع أُسسها السيد الأفغاني، وفي سبيل ذلك بدأ الإمام في دعوته الواضحة والصريحة الرامية إلى التجديد في طريقة تناول التراث الفقهي وعرضه، الأمر الذي أثار حفيظة كثيرٍ من رجال الأزهر على الأستاذ الإمام. وأشارت الدراسة إشارة دقيقة -حسبما أرى- إلى أن نظرة الأستاذ الإمام محمد عبده إلى الشريعة قامت على اعتبارها أسلوبًا للحياة، الفكرة التي لم تكن لتخدم أفكاره الإصلاحية ومنهجه الإحيائي؛ إذ الأَولى -من وجهة نظر المؤلف- أن يُنظر إليها بوصفها نظامًا قانونيًّا متكاملًا، وأنا أوافق المؤلف تمام الموافقة على رأيه هذا، وأؤكِّد على أن الفقه الإسلامي نظام قانوني، يملك كافة مقومات التجديد والنهوض والاستمرار، شريطةَ أن يلقى العناية اللازمة لذلك.

ولم تغفل الدراسة كذلك الدور البارز الذي لعبه الشيخ محمد رشيد رضا (1935م) في الدعوة إلى إحياء التشريع الإسلامي، وقد صرح بذلك في مجلته التي عالجت هذه الجزئية في كثيرٍ من المقالات، وأوضحت أن رشيد رضا كان أكثر وضوحًا وصرامةً في مطالبته بالإحياء الديني على كافة المستويات من شيخه الأستاذ الإمام محمد عبده.

وفي سياق الكشف عن المحاولات الجادة المطالبة بالعودة إلى التشريع الإسلامي، بيَّنت الدراسة الدور الأزهري الذي قام به الأزهر الشريف ورجاله في سبيل ذلك، وألقت الضوء على التيار المحافظ الذي رفض استقبال القانون الأوروبي رفضًا تامًّا، لكنه على الرغم من رفضه واستنكاره لم يقدِّم شيئًا يُذكَر في سبيل الاحتفاظ بالتشريع الإسلامي، مكتفيًا بالرفض والاستنكار، فكان سببًا -على ما أرى- من أسباب التمهيد للقانون الأوروبي الوافد، ثم نبهت الدراسة على وجود تيارٍ أزهريّ إصلاحيّ نادى كثيرًا بإجراء العديد من الإصلاحات التعليمية والتشريعية، كفكرة إصلاح التعليم في الأزهر وتنقيح مناهجه وترتيب مواده لتكون مواكبةً للمستجدات العصرية، وساقت الدراسة طرفًا من السجالات والمحاورات التي دارت بين شيوخ الأزهر ورجاله حول هذا الأمر. ولعلَّ هذا يدفعني للتأكيد على أن الأزهر على الرغم من الدور التعليمي والسياسي والاجتماعي البارز الذي يؤديه عبر التاريخ، فإنه لم يأخذ في تلك الفترة بزمام المبادرة للمسارعة في وضع بعض التقنينات الشرعية على غرار التقنينات الغربية ليقطع السبيل على المناوئين لفكرة إحياء التشريع الإسلامي، وهذا السبب من أبرز الأسباب التي فتحت الباب على مصراعيه أمام القوانين الغربية لغزونا في عقر دارنا. 

كما أن الدراسة في بيانها للدور الذي أدته المؤسسات التعليمية الشرعية قد أوضحت الأدوار التي أدتها المؤسسات التعليمية الموازية للأزهر الشريف؛ كمدرسة دار العلوم، ومدرسة الحقوق الخديوية، ومدرسة القضاء الشرعي. حيث أشارت الدراسة إلى دور مدرسة دار العلوم في إحياء التشريع الإسلامي، وأنها لم تضطلع بأكثر من تخريج مُعلِّمي اللغة العربية وإعدادهم في أول الأمر، ثم سعت بعد ذلك إلى تخريج عددٍ من الطلاب بغيةَ حصولهم على أماكن شاغرة بالسلك القضائي، الأمر الذي قابله الأزهر ورجاله بالرفض التام، ما لفت الأنظار إلى إنشاء مدرسة متخصِّصة في تأهيل القضاة الشرعيين وإعدادهم، وقد تبلور هذا المجهود في عام 1907م بتأسيس مدرسة القضاء الشرعي، المدرسة التي استقبلت عددًا من خريجي الأزهر ودار العلوم والحقوق الخديوية للتدريس بها، وقد أبلت هذه المدرسة بلاءً حسنًا في الجانب التشريعي والقضائي، فأخرجت مجموعةً من النابهين في المجال الشرعي والقانوني من أمثال: محمد أبو زهرة (1898-1974م)، وعلي الخفيف (ت 1978م)، وعبد الوهاب خلاف (1888-1956م). غير أن عمر هذه المدرسة كان قصيرًا، فلم يكتب لها البقاء طويلًا نظرًا للمعارضة الشديدة التي أظهرها الأزهر لبقاء هذه المدرسة، ما أدى في نهاية المطاف إلى إغلاقها نهائيًّا بحلول عام 1930م، والتحاق مُعلِّميها بالجامعة المصرية أو الأزهرية لتدريس الشريعة الإسلامية وعلومها.

وأرى أن هذه الدراسة كانت موفقةً إلى حدٍّ كبيرٍ في عرضها لجهود مدرسة الحقوق الخديوية في إحياء التشريع الإسلامي، حيث إنها كشفت بما لا يدع مجالًا للشكِّ عن الدور الفاعل للمدرسة في مجابهة الأوضاع التشريعية المتزامنة مع إنشائها. وكيف أنها استطاعت -بفضل جهود أعلامها- أن تظهر الوجه الحقيقي للفقه الإسلامي وتراثه؛ وذلك لأن المدرسة قد أحدثت تغيرًا واضحًا وبارزًا في طريقة عرض المادة الفقهية وتناولها، ما كان سببًا في تقديم الفقه الإسلامي في ثوب جديد، فلم تعُد الدراسة التقليدية للمطولات الفقهية المشحونة بالحواشي والمتون التي يحار فيها اللبيب المنهجَ المعتمد للدراسة، ما أدى إلى ظهور الأساليب الفنيَّة الجديدة في الكتابة؛ كالتنظير الفقهي، والتقنين الفقهي، والمقارنات التشريعية، وهذه الأساليب إنما نشأت وترعرعت في ظلال مدرسة الحقوق الخديوية. 

 هذا، وإذا كانت الدارسة قد اهتمَّت اهتمامًا كبيرًا بالجهود المؤسسية في إحياء التشريع الإسلامي، وهذا توجُّه محمود لها فيما أرى، إلَّا أنها سلطت الضوء على بعض الشخصيات البارزة التي حاولت جاهدةً تقديم سياقٍ معرفيّ شرعيّ مختلف عن نظيره التقليدي لخدمة فكرة الإحياء والتجديد التشريعي، وكان من بين هؤلاء الدكتور شفيق توفيق شحاتة، وهو مصري مسيحي درَّس القانون المدني بكلية الحقوق، جامعة القاهرة، وقدَّم أطرحته للدكتوراه عن نظرية الالتزامات في الفقه الحنفي عام 1936م، بإشراف علمي من الشيخ أحمد إبراهيم (1874-1945م)، وقد مثَّلت دراسة شحاتة مسارًا معرفيًّا جديدًا من نوعه في مجال الدراسات الفقهية، حيث كتبها شحاتة باللغتَيْن العربية والفرنسية، وامتازت أطروحة شحاتة بأنها قدَّمت أنموذجًا معرفيًّا ورؤيةً مستقبليةً لما ينبغي أن تكون عليه الدراسات الفقهية، إلى جانب فتحها المجال لمناقشات علمية إزاء بعض الفروع الفقهية عند الحنفية، كحرية التعاقد مقارنةً بالقانون الفرنسي.

وقد كانت هذه الأطروحة مصدرَ إلهام لمن جاء بعد شحاتة وتعرَّض لنظرية الالتزام أو العقد بالكتابة، كالشيخ أبي زهرة وأحمد إبراهيم والسنهوري (1971م)، وقد تناول جميعهم نظرية العقد والالتزام بالتدريس والكتابة. وعليَّ هنا أن أسجل بالغ إعجابي بهذه الدراسة وصاحبها، وأنها كانت من الدراسات الدافعة للفقه الإسلامي في مجال القانون المقارن، وأرى أننا بحاجة ملحَّة لدراسة علمية رصينة تكشف عن السياق المعرفي والمنهجي لشفيق شحاتة وكتاباته على وجه العموم، وأطروحته هذه على وجه الخصوص.

 وأما الشخصية الثانية التي تعرَّضت لها الدراسة بالحديث، فكانت شخصية العلَّامة لامبير (1947م)، عميد مدرسة الحقوق الخديوية ما بين عامي 1906-1907م، الذي كان له دور عظيم في تقديم الفقه الإسلامي للمجتمع الدولي ليصبح واحدًا من المنظومات القانونية الدولية المعترف بها في مؤتمر القانون المقارن عام 1937م، وساعد بجهوده المضنية وأفكاره الشمولية على تطوير القانون المقارن، وأسهم إسهامًا كبيرًا في تكوين العقلية القانونية للعلَّامة السنهوري وغيره من المصريين، الذين استقدمهم إلى جامعة ليون وأشرف على أطروحتهم العلمية، كالدكتور محمود فتحي، صاحب رسالة التعسُّف في استعمال الحق في الفقه الإسلامي. غير أن المؤلف انتقد هجوم لامبير غير المُبرَّر على المذاهب الفقهية الأربعة، ونظرية الإجماع، وسلطة الفقهاء. وينبغي أن أشير هنا إلى أنه من الضروري لمعرفة موقف لامبير من الفقه الإسلامي الوقوف على ما دوَّنه في كتابه “القانون المدني المقارن” من صفحة (279) إلى صفحة (389) باللغة الفرنسية، والسعي في ترجمة هذا النص لمحاولة فهم توجُّه لامبير فيما يتعلَّق بالشريعة الإسلامية، لمعرفة السبب الكامن وراء هذا الاهتمام، هل كان بدافع من الدراسة المتعمقة للتراث الفقهي، أم بتأثيرٍ من الدراسات الاستشراقية؟ وهذا بدوره سيساعد على فهم كثيرٍ من القضايا والمسائل التي تعرَّض لها أحد أبرز تلاميذه -السنهوري- في تصوراته ومناهجه التشريعية، التي كانت وما زالت مثارًا للجدل، لكونه قد أثَّر تأثيرًا مباشرًا في التكوين القانوني لعقلية السنهوري.

إن هذه الدراسة جاءت لتسدّ فراغًا في المسار المعرفي لفترة تاريخية مهمَّة من تاريخ الدولة المصرية، حيث إنها تعرض لبداية ظهور القانون الوضعي في السياقَيْن السياسي والاجتماعي مع محاولة ربط ذلك بحالة التشريع الإسلامي وقتئذ. وقد نجحت الدراسة إلى حدٍّ كبيرٍ في رصد حالة المؤسسات التعليمية الشرعية خلال هذه الفترة، وردود أفعالها إزاء ما نزل بالأمة المصرية، وكيف أن بعضها استسلم للأمر الواقع، في حين أن بعضها الآخر لم يستسلم لهذا الواقع المرير، فسعى دون هوادة للبحث عن أُطر ومناهج معرفية مُقنِعة لتقديم التراث الفقهي مرةً أخرى، لعله بهذه الطرح الجديد يجد مخرجًا من الأزمة التي باتت تحيط بالتشريع الإسلامي.

وتفتح هذه الدراسة لمن يطالعها بعناية كثيرًا من الموضوعات في مجالات بحثية متنوِّعة، تصلح أكثرها لتكون أطروحات علمية مستقلة، حيث إنها عرضت عرضًا سريعًا لبعض الموضوعات التي تحتاج إلى مزيد بحث وعناية للوقوف على نتائجها العلمية، فعلى سبيل المثال من الموضوعات التي بحاجة إلى أبحاث مستقلة: جهود غير المسلمين في خدمة التشريع الإسلامي من أمثال شفيق شحاتة وسليمان مرقص، وكذلك فكرة الإسناد الشرعي للقوانين العربية الحالية على غرار ما تمَّ بالقانون المدني المصري في أطروحة الدكتوراه للدكتور محمد إبراهيم طاجن، واستكمال مشروعات الأعمال الكاملة التي بدأها الدكتور محمد عمارة لكثيرٍ من أعلام الدراسات الشرعية والقانونية لهذه الفترة، وإجراء المقارنات والمقابلات بين النظام القانوني الإسلامي والنُّظُم القانونية الأخرى في كثيرٍ من الموضوعات، إلى جانب وجود عددٍ لا حصر له من الموضوعات التي تقدِّمها هذه الدراسة وأمثالها. ما يعني أننا بحاجة ماسَّة لنجد تجليات ليونارد وود ورسالته في كثيرٍ من الدراسات الأكاديمية.

 على أنه لا يفوتني أن أثمّن وأشيد بالجهود التي بذلها المؤلف في جمع المادة العلمية لهذه الأطروحة، وقد كان للقاءات الشخصية التي أجراها مع أساطين الشريعة والقانون في مصر أثرها الطيب في إخراجها على هذه الصورة التي بين أيدينا، حيث أفادت الدراسة من لقاء المرحوم الدكتور محمد كمال إمام (2020م)، وأستاذنا الدكتور محمد أحمد سراج، والمرحوم الدكتور برهام عطا الله (2020م)، وغيرهم ممَّن أشار المؤلف إليهم في مقدمته، كونه أفاد منهم إفادة تامَّة في جميع مسارات الدراسة.

سعت هذه الدراسة بحيادية تامَّة إلى إزاحة الركام الهائل الجاثم على صدر هذه الحقبة التاريخية، بغيةَ إبراز الأسباب الحقيقية التي أدت إلى استيطان القانون الغربي وإحلاله محلَّ الشريعة الإسلامية في كافة المجالات باستثناء أبواب الأحوال الشخصية، وسعت كذلك إلى رصد تطوُّر حركة الإحياء التشريعي الإسلامي الجماعية والفردية، وحاولت تفسير بعض المواقف والأحداث حسب المعطيات المتاحة بحيادية كاملة دون تقديم تبريراتٍ لا توحي إلَّا بالميل لفكرة ما أو الترويج لها، وهو ما يُحمَد للمؤلف على طول الدراسة. كما أنَّ لوفرة المصادر والمراجع العربية والأجنبية النادرة أثرًا قويًّا في الرفع من قيمة الدراسة، والإسهام في قبول ما فيها من أفكار وما توصَّلت إليه من نتائج، يمكننا البناء عليها في إطار تعزيز نشر الثقافة القانونية.

وأستطيع القول في ختام عرض أبرز الأفكار والمبادئ التي تناولتها الدراسة بالعرض والتحليل والمناقشة: إنها قدَّمت خدمة جليلة للباحثين في الدراسات الشرعية الإسلامية، لا سيما المهتمين بالجوانب التشريعية والقضائية، وأنها بالتضامن مع أطروحة “أثر مدرسة الحقوق الخديوية” للدكتور محمد إبراهيم طاجن، التي نشرها مركز نهوض للدراسات والبحوث بالتزامن مع نشر هذه الدراسة، ستفتحان المجال أمام الباحثين الأكاديميين الحريصين على تقديم ما يعود بالنفع على الأمة العربية، بل وعلى الإنسانية جمعاء، وأنهما يكمل بعضهما بعضًا في إماطة اللثام عن هذه الفترة التاريخية المليئة بالأحداث والحوادث التي كان لها أثرها في السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي.    

يمكنك الإطلاع على القراءة كاملة من هنا

_______________

*نُشرت هذه القراءة على الموقع الإلكتروني لمركز نهوض للدراسات والبحوث بتاريخ 1 مارس 2022

تأخد قضية التراث مكانها بين قضايا وجودنا المعاصر، وهذا الكتاب يستوعب أبعاد تراثنا، من قديمه البعيد إلى العصر القيادي للحضارة الإسلامية، وحركة انتقاله إلى الغرب على معابر الأندلس وصقلية والبوسفور، ووصوله إلى أيدي المستشرقين، ثم يتابع سيره من فجر اليقظة إلى العصر الحاضر.. هنا في وطنه، وهناك في الغرب المعاصر.
ويلقي الكتاب على تراثنا أضواء تكشف عن جدواه وقيمته، وتدعو إلى إنشاء مركز للتراث، وتشكيل هيئة عليا تخطط لإحيائه وحمايته وخدمة الحياة به، وتنسق الجهود المبعثرة في الميدان.

*متاح عبر الرابط التالي: