نص مترجم لمحاضرة ألقاها الدكتور محمد عبد دراز رحمه الله باللغة الفرنسية، مندوبًا للأزهر في مؤتمر القانون الإسلامي المنعقد بباريس في 7 أغسطس عام 1951م، وحملت المحاضرة عنوان “الربا في نظر القانون الإسلامي”

قسم الدكتور دراز رحمه الله محاضرته إلى ثلاثة أقسام؛ تضمن القسم الأول منها مقدمة تاريخية تحدث فيها د. دراز عن الربا في طائفة من التشريعات السابقة، مدنية ودينية، مثل مصر في عهد الفراعنة، وأثينا وروما واسبارطة واليهودية والنصرانية، ثم أوروبا المسيحية وبلاد العرب قبل الإسلام، والبلاد الإسلامية في العصر الحاضر.

وجاء القسم الثاني تحت عنوان “حقيقة الربا في الإسلام أخذًا من المصادر الأولى للتشريع”، وطرح فيه تساؤلًا عن حقيقة الربا في الإسلام، وهل الإسلام يبيح الربا اليسير؟ وأخذ يسرد نصوصًا من الشريعة الإسلامية تجيب عن هذا التساؤل.

القسم الثالث جاء تحت عنوان “وجاهة التشريع الإسلامي من النواحي الثلاث الأخلاقية والاجتماعية والاقتصادية”.

ختم المؤلف محاضرته بما يلي:

“وكل ما أريد أن أقوله الآن يتلخص في جملتين صغيرتين، أرجو أن يتخذا أساسًا للبحث في التفاصيل.

الأولى: هي أن الإسلام قد وضع إلى جانب كل قانون، بل فوق كل قانون، قانونًا أعلى يقوم على الضرورة التي تبيح كل محظور، (وقَدْ فَصَّلَ لَكُم مَّا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ) (119/7). cryptogamingca.com

الثانية هي أنه لأجل أن يكون تطبيق قانون الضرورة على مسألة ما تطبيقًا مشروعًا لا يكفي أن يكون المرء عالماً بقواعد الشريعة، بل يجب أن يكون له من الورع والتقوى، ما يحجزه عن التوسع أو عن التسرع في تطبيق الرخصة على غير موضعها كما يجب أن يبدأ باستنفاد كل الحلول الممكنة المشروعة في الإسلام؛ فإنه إن فعل ذلك عسى ألا يجد حاجة للترخص ولا للاستثناء، كما هي سُنَّة الله في أهل العزائم من المؤمنين (وَمَن يَتَّقِ الله يجعل له مخرجا وَيَرْزُقُهُ مِنْ حَيْثُ لا يحتسب) (٢/٦٥ – ٣).”

رابط مباشر لتحميل نص المحاضرة

أنهى الإمام الشاطبي مرحلة التقعيد والتنظير لعلم المقاصد بنهاية القرن الثامن الهجري، ليخلو الزمان من البحث في المقاصد ويتوقف تطور علم المقاصد فترة ستة قرون، إلى أن يظهر الإمام المجدد محمد الطاهر بن عاشور فاتحا عهدا جديدا في تطور علم المقاصد بدعوته إلى تأسيس علم المقاصد وفصله عن علم الأصول. ولم يعرف تطورا في مكوناته الأساسية من الجوانب النظرية أو التطبيقية، فبقي علم المقاصد دهرا طويلا من الزمن لم يتجرأ عليه العلماء بالتجديد لا في الجزئيات و لا في الكليات، حتى بعث الله إمام المقاصد في العصر الحديث الشيخ الطاهر بن عاشور ليفتح باب الاجتهاد في دراسة علم المقاصد من جديد فانطلقت البحوث العلمية والأكاديمية في الجامعات المتخصصة، فتناوله الباحثون بالبحث والدراسة وفق المناهج العلمية الحديثة، وقد ساهم الكثير في وضع أسسه و قواعده و تطبيقاته، لينتقل من مباحث متفرقة في أصول الفقه إلى علم متكامل مستقل.

طالع الورقة كاملة من هنا

يعد محمد كامل مرسي باشا من أبرز المحامين والقانونيين البارزين في القرن الماضي، لما له من بصمات واضحة في القضاء والمحاماة، فكان أول من أدخل نظام “القضاء الإداري” إلى مصر، وأول رئيس لمجلس الدولة، ومدير جامعة فؤاد، وأول رئيس تحرير لمجلة (القانون والاقتصاد).

ولد محمد كامل مرسي باشا فى مطلع 1889 بمدينة طهطا السوهاجية، واختار لنفسه دراسة القانون، فحصل عن اقتدار على ليسانس الحقوق عام 1910. بعدها أوفدته الحكومة المصرية في بعثة لدراسة القانون بجامعة ديجون الفرنسية، لينال منها درجة الدكتوراه ويعود إلى مصر عام 1914 .

تتفق المصادر على أن رحلة كامل مرسي بدأت بالمحاماة أولا قبل أن ينتقل إلى العمل بالنيابة العامة عام 1915 فى قنا. ولكن المحطات الفارقة في مسيرته كانت بدايتها عام 1920، عندما عين أستاذًا في مدرسة الحقوق، وهناك أسهم في تعريب عملية التدريس، التي كانت تقوم أساسًا على الإنجليزية دون غيرها.

مناصب عديدة تنقل بينها، وأهمها ما كان من تدرجه في المناصب الدبلوماسية، ممثلا لمصر فى لندن، ولاهاي، وتركيا. ويعود بعد ذلك إلى كلية الحقوق، حيث تولى عمادة الكلية بين عامي 1928 و1936. ومن أهم المحطات اللاحقة، كان عمله ضمن لجان تعديل القوانين المصرية بعد إلغاء “الامتيازات الأجنبية”، والالتزام بقانون موحد يطبق على الجميع. المحطة التالية كانت بقرار تعيينه وزيرًا للعدل في فبراير 1946، وهنا كانت ذروة الدور الذي انتخبته من أجله الأقدار. فقد كان وراء إعداد “قانون مجلس الدولة”، وإدخال نظام “القضاء الإداري” إلى مصر لأول مرة [وهو القضاء الذي يشبه قضاء المظالم في النظام القضائي الإسلامي]. ولأن الرجل كان صاحب نظرة ثاقبة، فإنه أطلق حملة لمخاطبة الرأي العام وتوعيته بأهمية “القضاء الإداري” للفصل في النزاعات وحماية المواطنين من تعسف ما قد يقع عليهم من جانب الجهات الإدارية.

وبجانب نظرته الثاقبة، كان كامل مرسي صاحب مواقف حاسمة، فقد حاول مجلس الوزراء وقتها إرجاء تمرير “قانون مجلس الدولة”، دافعًا بضرورة الانتظار لدورة برلمانية جديدة بخلاف تلك التي كانت أوشكت على الانقضاء، فدافع هو عن القانون الجديد دفاعًا مستميتًا بلغ حد تقديم استقالته من وزارة العدل، فاستجابت الحكومة، وتم إقرار المشروع (قانون مجلس الدولة).

وفى 12 سبتمبر 1946، عُين الدكتور محمد كامل مرسى كأول رئيس لمجلس الدولة، ووقتها علق إسماعيل صدقي باشا، رئيس الوزراء في حينها، على خروج القانوني الفذ من منصبه وزيرًا، بأن “كامل باشا قد رقى إلى وظيفة أعلى وأسمى”.

وعقب إحالته إلى المعاش، عاد د. كامل مرسي إلى ممارسة المحاماة، ثم عين رئيسًا لجامعة فؤاد الأول ما بين نوفمبر 1949، ومايو 1951، وفي العام التالي عاد إلى وزارة العدل وزيرا، ولكن جاءت ثورة 23 يوليو لتعيده إلى المحاماة، بعد أن مكث في الوزارة 24 ساعة، ثم رجع أيضا إلى المحاماة سنة 1953، كما عاد وتولى بعدها منصب مدير جامعة القاهرة في 9 سبتمبر 1954، ورئاسة مجلس الجامعات الثلاث (1954 – 1957)، وعضوية المجمع العلمي المصري.

وقد أسس مجلة “القانون والاقتصاد” وكان أول رئيس تحرير لها، ونائب رئيس تحرير مجلة الاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، ورئيس تحرير مجلة “l’Egypte contemporaine”.

مؤلفاته:

له 15 كتابًا مطبوعًا، منها:

  1. المجموعة المدنية المصرية.
  2. الملكية العقارية في مصر وتطورها التاريخي من عهد الفراعنة حتى الآن.
  3. التأمينات الشخصية والعينية.
  4. الملكية والحقوق العينية (أربعة أجزاء) .
  5. شرح قانون العقوبات.
  6. أصول القوانين.
  7. الشفعة، في القانون الأهلي والمختلط وفي الشريعة الإسلامية.
  8. العقود المدنية الصغيرة.
  9. الملكية والحقوق العينية (أربعة أجزاء).
  10. قوانين المحاكم المختلطة.
  11. شرح القانون المدني الجديد كبير.
  12. الأموال.

وفاته:

توفي في 21 ديسمبر 1957. ومُنح الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة في العام ذاته ثم وسام الجمهورية من الطبقة الأولى في يناير 1958.

على قناتنا باليوتيوب: أول رئيس لمجلس الدولة المصري: د. محمد كامل مرسي

_________________________

المراجع:

– محمد كامل مرسي، موسوعة معرفة، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/kEvKlqu.

– أشرف زهران، محمد كامل مرسي.. المحامي الذي أدخل نظام القضاء الإداري في مصر لأول مرة وأول رئيس لمجلس الدولة وعين وزيرا للعدل، نقابة المحامين المصرية، 19 ديسمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/HoDW2xs. – في ذكرى وفاته الـ 63… عزيمة كامل مرسى واكتمال ولادة مجلس الدولة، جريدة الأهرام، 19 ديسمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/zZfFGVO.

بحث منشور للدكتور محمد سليم العوا في مجلة المسلم المعاصر عام 1975، بعنوان “بين الاجتهاد والتقليد”، بدأ فيها بتمهيد عن دعوة الإسلام لتحرير العقول من الخرافات، وكيف تعلم الصحابة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه كيف يكون التدبر العاقل والتفكير الحر، ثم تناول بعد ذلك النقاط الآتية:

  • الاجتهاد مصدر غير المنصوص عليه من الأحكام
  • نشأة التقليد
  • موقف الفقهاء من التقليد
  • تقدير الرأيين
  • خاتمة في الاجتهاد في هذا العصر

يمكن تحميل البحث كاملًا من هنا

يقول الدكتور عوض محمد عوض الأستاذ المتفرغ في قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق في جامعة الاسكندرية في بداية دراسته التي نُشرت في مقدمة كتاب “أخطاء القضاة.. دراسة مقارنة بين التشريع الإسلامي والقوانين الوضعية”:

الكتاب الذي نُقدِّم له اليوم عُرِّب أو تُرِجم من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية للمرة الأولى منذ نيف ومئة سنة، وعلى وجه التحديد في عام 1333هـ الموافق 1914م، وذكر القائمون على ترجمته أنها كانت بناء على توصية من جانب المستر إيموس ناظر مدرسة الحقوق الخديوية منذ كان مستشارًا بمحكمة الاستئناف الأهلية تعميمًا لنفعه بعد أن استشار مؤلفه، ورأوا أن هذا الكتاب جدير بأن تتناوله أيدي من يهمهم شأن القضاء من قضاة ومحامين وخبراء ومتقاضين من الناطقين بالضاد. وأشاروا إلى أن مؤلف الكتاب تحرى في تدوين فصوله المعززة بالشواهد والاستنتاجات الرجيحة انتقاد عيوب إذا كانت فاشية في بلد كفرنسا عرفت بأنها مبعث العلوم القضائية، فهي في بلد كمصر لم يتجاوز نظامه القضائي -وقت ترجمة الكتاب- أربعة عقود أكثر فشوًّا وأشد ضررًا بالمتقاضين.

طالع الدراسة كاملة من هنا

ملخص:

يعمل هذا البحث على استنطاق التاريخ القانوني والأخلاقي للدولة الحديثة، بهدف إلقاء الضوء على مفهومي القانون والأخلاق في سياق ما قبل الدولة الحديثة وما بعدها، ومناقشة جدلية اتصالهما وانفكاكهما، قبل الانتقال إلى تحديد نطاق الأخلاق والقانون في سياق الشريعة الإسلامية في محاولة جادة لمقاربة إشكال: مدى توافق أو تنافر هذين المفهومين في مختلف السياقات؟ ويخلص البحث إلى أنه لا يمكن فصل القانون عن الأخلاق في التشريع، في ظل انتفاء وجود لتشريع عقلاني خالص، وأن اعتماد النص الشرعي في صياغة نظرية تشريعية متناسقة لا يتنافى مع العقلانية. بل من شأنه أن يكشف عن أن الحرية المجتمعية بمفهوم القانون الحديث ليست من مقاصد الشريعة؛ على اعتبار أن تحقيق “العدل المجتمعي” يجسد تلك المقاصد، حيث لا بد أن تبقى المحكمات الشرعية ثابتة؛ لأن لها مقاصد تتعلق بالنظام الاجتماعي الإسلامي ككل، ولا يصح أن تلبس منظومة الحرية المجتمعية -كما يفهمها القانون الحديث- لباس مقاصد الشريعة؛ فالشريعة لها نظامها الخاص، ويُطبق وفق نسق وجودي ومعرفي أصلاني متكامل، دون تجزئة مخلة بمقاصده وأهدافه.

Abstract

The objective of this research is to investigate the legal and moral history of the modern state in order to shed light on the concepts of law and ethics in the context of pre-modern and post-modern states. Furthermore, the research aims to discuss the dialectic relationship and disengagement between these concepts before examining the scope of morals and law in the context of Sharia. This research endeavors to address the question of the compatibility or incompatibility of these two concepts in various contexts. The research concludes that it is impossible to separate law from morality in legislation, particularly in the absence of a purely rational legal system. Furthermore, reliance on the legal text in formulating a coherent legislative theory isn’t inconsistent with rationality. It also reveals that societal freedom, as understood in the modern legal sense, is not one of the objectives of Islamic law. Rather, achieving “social justice” embodies the objectives of Islamic law, and the Sharia courts must remain steadfast because they serve purposes that are integral to the Islamic social system as a whole. It is incorrect to try to reconcile the system of societal freedom, as understood by modern law, with the objectives of Sharia. This is because Sharia has its own system that is applied according to a comprehensive and foundational existential and epistemological structure, without fractionalization that undermines its objectives and purposes.

Keywords: Sharia: Positive Law; the Modern State; Legislation: Morals

مقدمة:

في الوقت الذي ضرب الفيلسوف الألماني نيتشه Nietzsche ضربته القاصمة والأخيرة لغيبيات ولاهوتيات الدين المسيحي، معلنًا “موت الإله”، ومستبدلًا إياه بسمو الإنسان وعقلانيته، كانت الدولة القومية الحديثة قد توغلت وأحكمت قبضتها على المواطن، وسيطرت على كل ما يدور داخل حدودها (المبتدعة تاريخيًا)، متسلحة بغيبياتها وقدرتها على إلحاق الأذى، فهي الإله الجديد بحسب كارل سمیت Carl Schmitt. واحتكرت إذن الدولة لوحدها ولأول مرة في التاريخ عملية التشريع أو التقنين أو التنظيم للسلوك البشري بين الفرد والفرد، والفرد والمجتمع، وتغيرت الآن المفاهيم جذريًا، لا الفرد هو ذاته قبل مفهوم الدولة، ولا المجتمع هو ذاته قبل الدولة الفرد الآن قد يكون في مواجهة “قانونية” -إن صح التعبير- مع الدولة، والتي أيضًا هي “كيان قانوني معنوي بالمفهوم الحديث للقانون(1)، لكن يجب ألا نقع في فخ التعريف الحديث لمفهوم “القانون” فلعله تعريف حداثي مرتبط بمفهوم الدولة. إذن في إطارنا المفاهيمي، وفي محاولة مناقشة موضوع البحث الدقيق أخلاقية التشريع” يجب أن نحدد معاني وسياقات لمفاهيم مهمة؛ حتى يكون البحث متسقًا وانسيابيًا وعلميًا، (وهي التشريع والأخلاق والعلاقة بينهما في سياق الشريعة والقانون. إن الحرية في التشريع تناقش من خلال اتجاهين الحرية المجتمعية، ويقابلها الحرية الفردية، لكن أولًا عن أي حد نتحدث بالنسبة لمفهوم الحرية؟ الحديث هنا ليس عن الإرادة الداخلية بين الانتخاب والحتمية كمفاهيم فلسفية، الحديث عن الحرية كممارسة فردية، لكنها مرتبطة بالمجتمع. الحرية في أحد تعريفاتها هي “التقييد من خلال القانون بحسب منتسكيو Montesquieu في روح الشرائع(2) ..، وهي أيضًا عملية ضبط من خلال وقوعها ضمن مفهوم العقد الاجتماعي، بحسب جان جاك روسو -Jean Jacques Rousseau(3)، هذه المدرسة يمكن أن يُطلق عليها المدرسة القانونية للحريات، بالإضافة إلى مدارس أخرى مثل: الليبرالية المتطرفة التي أسسها جون ستيوارت مل John Stuart Mill، التي تقدم فيها المصلحة الفردية على الدولة، وتكون العدالة وسيلة إلى تحقيق الحرية وليس العكس(4) مدرسة أخيرة، وهي مدرسة هيجل Hegel وماركس Marx، وفيها يُقدم المجتمع على الفرد. هذا السياق المفاهيمي الغربي بالنسبة للحرية، لكن في السياق الإسلامي هل يمكن التطابق في معنى المصطلح؟ إن هذا المفهوم الحديث للحرية كمصطلح غير موجود في المراجع الرئيسة في الإسلام على الأقل لغويًا، أما مجازًا فله سياقات ومعان أخرى محددة.

نقطة الانطلاق ترتكز على حتمية أن هناك اتفاقًا في السياق الإسلامي والغربي، على أنه لا يوجد مفهوم حرية مطلقة، على الأقل بالمعنى القانوني. وهذا يندرج حتى على الليبرالية المتطرفة، وباعتراف مل نفسه أن هناك حالات يقيد فيها الفرد، وفيها لا يضر الفرد إلا نفسه مثل لعب القمار. لذا يتجاوز البحث الحالي الجدل الفلسفي والاجتماعي، مَن يُشكل مَن؟ هل الفرد يُشكل المجتمع أم العكس؟ لكن يؤكد في السباق الغربي والإسلامي أن الفرد مقيد بالمجتمع وتابع له. نحن لا نتحدث عن سلوك داخلي كشعور الإنسان بالجوع، ولا على السباق أن كل فرد له حيز خاص به منعزل عن الآخر (جزيرة صغرى لكل فرد أو كوكب صغير يعيش عليه)، ليس بحاجة لتنظيم علاقته مع غيره في هذه الحالة. ينعدم معنى مفهوم الحرية أو الحرية المجتمعية، ولأنه ليس كذلك فهو كائن اجتماعي، فلا بد من وجود منظومة أو نسق يرتب وينظم هذه العلاقات. وكما سنرى لاحقًا انحسر واقترن تعريف القانون في السياق الغربي بارتباطه بالدولة، ثم انتقل هذا الطرح إلى البلاد الإسلامية،فلا بد أن نستسلم لطرح أن الدولة فحسب؛ هي من تحتكر التشريع، وبالتالي تحدد ما هو قانوني وما هو أخلاقي.

تقر الدساتير العربية أن الشريعة الإسلامية المصدر الرئيس (أو مصدر رئيس) في عملية التشريع، لكن الواقع عند تبني اتفاقيات دولية مثل اتفاقية إنهاء كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو) نرى تخبطًا وعدم وضوح في عملية المواءمة بين الشريعة والقانون الدولي بالنسبة للحريات وحقوق الإنسان، ومن الأمثلة على ذلك صدور قرارين متضادين من قبل المحكمة الدستورية في فلسطين، وتُفهم حقوق الإنسان في معظم استخداماتها على أنها حقوق كونية تشمل البشر جميعًا، في حين تفهم الحقوق المدنية على أنها مرتبطة بأبناء دولة معينة أو مجتمع معين، فيدعم أنصار الحقوق المدنية مثل: آدم فيرغسون Adam Ferguson وآدم سميث آليات التنظيم الاجتماعي غير المرتبطة بالدولة. الحقيقة أن كثيرًا من المصطلحات في القوانين العربية متضاربة؛ قسم منها تم وضعه من الفقه الإسلامي، وقسم آخر تم استيراده من التشريعات الغربية، علمًا أنه وفق الأنثروبولوجي القانوني الألماني ارنست هیرش Ernst Hirsch عند استيراد القوانين يجب تبيئتها وتكييفها وفق النظام القانوني المستقبل(5) ، والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مفاهيم مثل: كرامة الإنسان وحريته، التي تراها الشريعة مختلفة (الاختلاف في مفهوم تعريف الجسد، والإشكاليات المتعلقة بالمثلية الجنسية)، كذلك تعريف مفهوم “المساواة” التامة بين الجنسين يُحدث إشكالية في مسألة الميراث الثابتة نصًا والمرتبكة مدنيًا، كذلك مقترح قانونية الخمر في بعض الدول العربية مثل تونس يخالف الدستور والذي يُقر بعدم مخالفة القوانين للشريعة الإسلامية، لذلك شارح الدستور يجب أن يكون له باع في الفقه الإسلامي وأيضًا في اللغات التي تم استيراد المصطلحات أو المفاهيم منها، مثلًا مصطلح “تنفيذ القانون جاء من اللغة الإنجليزية، بينما في اللغة الفرنسية يسمى المصطلح “تطبيق القانون”، لذلك الآن هناك فجوة في فهم الدستور بين دارس القانون أو القاضي وبين المشرع الذي وضع التشريعات في خضم الدولة ما بعد الاستعمارية، نحن بحاجة إلى أن ننظر في السياق والزمان اللذين تم وضع الدستور فيهما، فلا تنسف المجتمعات تقاليدها ومورثها العلمي، مثلًا المذهب التفسيري الأمريكي يستند إلى مقاصد واضعي الدستور.

وأهم ما في الأمر أنه انتقلت صلاحية من له الحق في التشريع في العالم الإسلامي، وأيضًا لأول مرة في التاريخ، من فئة الفقهاء المتخصصين وغير الرسميين إلى مصادر رسمية، فقهاء في إطار مؤسسات الدولة (مثل وزارة الأوقاف) أو إلى الجهات التشريعية النمطية الأخرى مثل البرلمان، علمًا بأنه في الحالة الإسلامية القانون يجب أن ينشأ مستقلًا من خلال الفقهاء غير الرسميين؛ لكي يكون في خدمة الفرد، يحميه أولًا من سطوة الحكم السياسي، وثانيًا طبقة الوسط (المفتي) تضبط عملية التشريع، وتضمن سيادة “الدستور” أعلى مستوى تشريعي في الدولة الحديثة” على الحكم السياسي المؤدلج من أو المبني على النسبية والأهواء.

ويهدف البحث إلى مناقشة ومقاربة مفهوم حرية التشريع وأخلاقياته من منظور إسلامي وغربي وفي سياق الالتقاء والتعاند بين الشريعة والقانون والأخلاق، وذلك من خلال استقراء النظريات الشرعية والقانونية والمقارنة فيما بينها.

محاولًا الإجابة عن الأسئلة الآتية:

  • هل ينفك القانون عن الأخلاق في الشريعة الإسلامية؟
  • هل انفصال الأخلاق عن القانون في السياق الغربي حتمي؟
  • هل هناك ضوابط أخلاقية عند التقنين والتشريع؟

لا بد من الإشارة إلى أن البحث يناقش جدلية الحرية في التشريع والتقنين، ليس بالمعنى الفلسفي أو المفاهيمي للمصطلح، لذا يندرج المنهج في إطار مفهوم أخلاقية التشريع” وبناءً عليه، يعرض التاريخ القانوني والأخلاقي للدولة الحديثة، ويوضح مفهومي القانون والأخلاق في سياق الدولة الحديثة، وما قبل الدولة، ويناقش جدلية انفكاك أو اتصال هذه المفاهيم بعضها ببعض، ثم يحدد نطاق الأخلاق والقانون في سياق الشريعة الإسلامية، ويحاول الإجابة عن إشكالية وجود توافق أو تنافر بين هذه المفاهيم في السياقات المختلفة.

إن الموضوع محل الدراسة يناقش أخلاقية التشريع وفق النظرية القانونية (التشريعية) الإسلامية، ويقارنها مع النظرية القانونية الغربية من خلال تناول موضوع الشريعة، والقانون والفلسفة في السياقين الإسلامي والغربي، ويرجى الملاحظة أن البحث لا يناقش النظريات المختلفة فحسب في سياق الدولة الحديثة؛ وإنما جوهر النقد يتجه نحو فلسفة وأخلاقية التشريع فيما قبل الدولة، وما بعد الدولة، كذلك النقد يتجه نحو الدولة القومية الحديثة عمومًا، ثم وبشكل أكثر تخصيصًا، ومن خلال أسئلة البحث، يناقش الآثار السلبية للدولة الحديثة على المنطقة العربية، ويبين البحث الفروقات الجذرية، والتناقضات في هدف التشريع، ودور الجهات التشريعية فيما قبل الدول وما بعدها على سبيل المثال اختلف دور الفقيه أو المفتي في سياق الدولة الحديثة عنه فيما قبلها، حيث إن المفتي الآن تابع لمؤسسة الدولة، بغض النظر عن نواياه وصدقه، فهو خاضع لتعليمات (قانونية) رسمية مثله مثل القاضي، وكل المواطنين مع العلم أن هناك قلة في الدراسات القانونية العربية التي تناقش هذه المسائل، لذلك كان لا بد من الرجوع إلى المصادر الأجنبية وهذا ما يضيف أصالة للبحث.

أولًا: في التباس الإشكالية: سيادة الدولة (السياسية) على القانون

الإنسان كمخلوق اجتماعي عكف على تنظيم علاقته والآخر منذ القدم فهو يتبع منظومة تحدد تلك العلاقات بدءًا من الدائرة الصغرى، الأسرة ثم القبيلة، والعشيرة والدين، وأخيرًا الدولة. الإنسان لا يفعل ما يطيب له فهو مقيد وحريته الفردية أيضًا مقيدة ومحدودة بالنسبة للآخرين، إن المجتمع الليبرالي المتطرف أيضًا لا يمكن أن يدعي الحرية المطلقة، عندما أطلق الليبرالي لابنه اسمًا، وعندما أعطاه التطعيم الطبي من دون موافقته؛ فهو بذلك تعدى على حريته، إن أحد أضداد الحرية التقييد، وتختلف منظومات التقنين أو التقييد فيما بينها في التسميات أو المصطلحات، وتختلف أيضًا في المرجعيات والآليات، ومنهم من يُسمّي ذلك ممنوعًا مسموحًا، شرعيًا أو غير شرعي، حلالًا- أو حرامًا قانوني غير قانوني، لكنها كلها ترمي إلى نفس الهدف، والذي يكمن في تنظيم العلاقات بين البشر.

بحسب ميشيل فوكو فإن الدولة الحديثة بتطبيقها لنظام الحوكمة كأسلوب قوة وسلطة تتدخل بالأفراد في جميع مناحي الحياة، فهي ليست حاكمًا فحسب؛ بل معلم للمواطن، لذلك فعملية التشريع والتقنين من قبل فئة محددة تتبع فكرًا سياسيًا معينًا تحدد من هو المواطن الصالح. ووفق كارل شميت الدولة هي إله جديد تسلّحت بغيبياتها وقدرتها على إلحاق الأذى(6). ومع التغيير الجذري في أحقية وصلاحية الُمشرع انتحلت الدولة صفة المشرع وصارت هي من يحدد ما هو قانوني أو غير قانوني ،غير مكترثة لأخلاقية هذا التقنين، والدولة العربية “القانونية” – إن صح التعبير – بشكل خاص هي وليدة الاستعمار، فهي ضاربة عرض الحائط كثيرًا من التراث القانوني الذي له خصوصية مجتمعية أصيلة، وتتبنى نظرية القانون الوضعي الليبرالي الغربي.

في عملية التشريع وفي الحالة الجيدة الدولة تُشرع وتكون منحازة وغير موضوعية؛ لأن الأمر لا يسمح أن تكون غير منحازة، لذا عملية تحديد الحرية نسبية، ومبنية على أساسين اثنين؛ مفهوم الدولة القومية الحديثة، وأن هذه الدولة تتبع نهجًا معينًا في الحكم مبنيًا على مذهب قانوني غربي مستورد، مما خلق من جهة أولى اضطرابًا في الطبيعة القانونية للحكم نفسه، ومن جهة أخرى إشكالية في تطبيق القوانين المتضاربة مع الموروث والتقاليد الشرقية، وخصوصية المجتمع الشرقي. وانتقلت صلاحية من له الحق في التشريع في العالم الإسلامي، وأيضًا لأول مرة في التاريخ، من فنة الفقهاء المتخصصين وغير الرسميين إلى مصادر رسمية، فقهاء في إطار مؤسسات الدولة (مثل وزارة الأوقاف) أو الجهات التشريعية النمطية الأخرى مثل البرلمان. الولايات المتحدة التي تطبق نظامًا قانونيًا هجينًا تعتمد منذ عام 1973 “مقياس ميلر” لتنظيم حرية التعبير، المعيار الأساسي هنا “إذا كان غالبية الأشخاص في المجتمع يرون طريقة التعبير مقبولة”، لذلك المصلحة العامة تتقدم على المصلحة الخاصة إذا تعارضتا، وكذلك “الحرية المجتمعية” في كل المجتمعات تتقدم على الحرية الفردية. إذن أين تكمن الإشكالية؟ كيف نحدد ما هو صالح للمجتمع؟ ما الأسس التي نرتكز عليها؟ وهل هناك حقيقة كونية واحدة في هذا الإطار؟.

يرى أتباع الوضعية القانونية أمثال جون أوستين وهوبز أن المعيار الأساسي هو أن الفعل يبقى قانونيًا ما لم يتأذى به الآخرين، لذا القمار عنده قانوني طالما الأمر صدر من قبل الدولة صاحبة السيادة فيجب أن يطاع، لكن من الواضح أنه هنا أيضًا حصل تقييد للحريات من قبل الدولة التي فرضت نفسها وأيديولوجيتها الفكرية والسياسة من خلال القانون، إن عملية تشريع القوانين حسب الدولة الحديثة تكون من خلال المؤسسات الرسمية التابعة لها، والطريقة المثلى حاليًا تكون من خلال اقتراح نواب المجلس التشريعي للقوانين، الذي يكون أعضاؤه منتخبين من قبل أفراد الدولة، وهؤلاء النواب ينتمون لحزب معين يتبع أيدولوجية فكرية معينة، وغالباً “دولة سيادة القانون”؛ الحديثة والقومية تتبع مذهبًا قانونيًا وحيدًا هو “الوضعية القانونية الليبيرالية”، إذن نحن أمام ضرورة مناقشة مفاهيم يعتقد أنها من المسلمات في آلية ونظام الحكم، مثل مفهوم الدولة القومية، دولة سيادة القانون، النظرية القانونية لما بعد الاستعمار، وأخيرًا الاستشراق القانوني. إن مرحلة ما بعد الاستعمار هي الآن النهج الرئيس الذي يتم فيه مناقشة علاقة الغرب بـ “الآخر” بشكل نقدي والدراسة النقدية للقانون في طليعة هذه العلاقة. تم وصف الدراسات القانونية لما بعد الاستعمار” على أنها ممارسة تركز على القانون باعتباره أداة للاستعمار”، ويشير الباحثون إلى أن المشروع القانوني الغربي المضمن في تقاليده الوضعية الليبرالية استبعد عمومًا (أو لم يعترف) أشكال القانون الأخرى، ويستبعد هذا النظام القانوني المتحيز والعرقي إمكانية وجود قانون خارج نطاق حدوده وإطاره “الخاص”، لذلك يستبعد من فكره أو مفهوم القانون أي قانون لا يتوافق مع النموذج الغربي: وهي – على سبيل المثال لا الحصر – النظرية القانونية الوضعية، والنظرية القانونية النسوية، ونظرية العرقية النقدية، والنظرية القانونية النقدية والواقعية القانونية(7). وأصبحت آثار الاستعمار والاستشراق القانوني جزءًا لا ينفصم عن الثقافة القانونية والتعليمية والمؤسسية؛ بحيث لا تزال الدولة الاستعمارية بمثابة نقطة مرجعية في الخطاب المحلي(8).

إن أحد أهداف نظرية ما بعد الاستعمار هو تفكيك مصدر هذه النظريات الغربية وإعادة بناء معان جديدة في الخطاب والحوار، ومع ذلك تجدر الإشارة إلى أن نظرية ما بعد الاستعمار تعرضت للنقد السلبي فيما يتعلق بنرجسيتها الواضحة؛ فقد اعتبرها البعض طريقة أخرى تواصل بها النظرية الأوروبية “المتفوقة” حوارها (مع نفسها) لتفسير “الآخر”، وهي بأي حال من الأحوال ليست نظرية متجانسة ووحدوية، بحسب تعريف ميشيل فوكو للحدود الشاملة للنظرية(9). إن نظرية ما بعد الاستعمار تطورت من خلال مجموعة من “المصادر المفاهيمية”، دون وجود منهجية واحدة، علاوة على ذلك تعتمد نظرية ما بعد الاستعمار على مجموعة واسعة – وغالبًا ما يتم الاختلاف عليها – من النظريات والممارسات من أجل تطوير نظرية المعرفة الخاصة بها(10). وفي سياق إشكالية دولة سيادة القانون يرى المفكر الإيطالي جورجو أغامبين Giorgio Agamben أننا هنا أمام حالة الاستثناء والتي تقع على الحدود الفاصلة بين السياسة والقانون، ومن ثم يصعب تعريفها، والتي تطبق في حالات الحرب الأهلية مثلًا، والانتفاضة والمقاومة، وهي تلك الحالة التي يسهل فيها تبرير أي أفعال يقوم بها صاحب السيادة، الذي يمتلك سلطة مطلقة (تكاد تكون إلهية)، حفاظًا على النظام القانوني، كأنها تعليق للقانون من أجل القانون. وفي هذا الإطار يُعرف أغامبين الشمولية الحديثة بأنها: “عملية تأسيس حرب أهلية قانونية من خلال تطبيق حالة الاستثناء، بما يسمح بإمكانية التصفية الجسدية ليس فقط للخصوم السياسيين؛ بل لشرائح كاملة من المواطنين تعتبرهم السلطة لسبب أو لآخر غير قابلين للاندماج في النظام السياسي(11). وهناك دلالات واضحة على أن حالة الاستثناء حالة دائمة ومتواصلة حتى في البلاد الديمقراطية، فإذا صح تأطير “حالة الاستثناء” ضمن تعريف نظري، لتبين أنها تلك الحالة “السائلة” التي تذوب فيها مادة القانون، بتعليقه أو غيابه، مع استخدام الأدوات الأمنية والشرطية غير الاعتيادية، لتنتج في النهاية واقعًا قمعيًا يبدو مشروعًا تمامًا(12)، يشير أغامبين إلى أن طبيعة حالة الاستثناء تقدم نفسها كنموذج للحكم، أي اعتبارها قاعدة، وليست تدبيرًا استثنائيًا؛ بل هي ترغب في أن تغدو هي القاعدة والنموذج الأمثل للحكم، من خلال الذوبان الفاحش للسلطات المختلفة. إذن حالة الاستثناء حالة يصعب التمييز فيها بين حالات السلام وحالات الحرب، بين الطارئ والدائم، بين الاستثناء والقاعدة، بين الضرورة والحكمة، إنها ليست شرعنة الأمر غير قانوني؛ بل تُقدّم نفسها “كضرورة” وجب خوضها ضد الخصوم السياسيين، لا أحد يعلم متى تنتهي ومتى بدأت، إن الجميع يكون ضمنها عاريًا تمامًا، عاريًا أمام آلة السُلطة القمعية، ومُجردًا من أية هوية قانونية. في هذه الحالة يُثار جدل حول إمكانية الفرد العادي (كشخصية قانونية) أن يقاضي الدولة (ككيان قانوني معنوي) في عمل (مثلًا خوض الدولة حربًا غير عادلة) غير أخلاقي. الدولة الحديثة امتلكت أدوات العنف والتشريع، وبذلك فرضت الدولة وقانونها الحديث نفسيهما على النظام الاجتماعي، لذا يجب علينا عند مناقشة موضوع البحث أن نأخذ بالحسبان واقع الدولة الحديثة التي هيمنت أيضًا على الثقافة القانونية، وفرضت نفسًا معينًا من البحث العلمي القانوني، وحددت معرفة قانونية كونية واحدة(13).

ثانيًا: انحسار مشروعية التشريع في مفهومي “السيادة” “والدولة الحديثة”:

قامت حنة أرندت “Hannah Arendt” بنقد فكر هوبز الذي يرى أن المصدر الوحيد للتشريع هو إرادة السلطة، فالقانون يكون تشريعًا صحيحًا بفضل سلطة الإلزام التي تفرضها الدولة؛ لذا بحسب هوبز، إن معايير الأخلاق نابعة من الإنسان نفسه، وليس من نظام كوني، ولا من إرادة إلهية. القواعد الأخلاقية هي من ابتكار العقل البشري، وتتأثر باعتبارات مثل: سلامة النظام الاجتماعي، وأهمية الحفاظ على الحياة، واعتداء شخص على آخر. إن نظرية هوبز تقرر أن الأخلاق يجب أن تقوم على قوانين موضوعية يتوصل لها العقل البشري، وليس اعتمادًا على التقاليد أو السلطة الدينية للنصوص المقدسة(14). وقد أدت إلى تأسيس مفهوم جديد وحديث عن العلاقة بين القانون والأخلاق في ذلك الوقت، وهذا المفهوم الحديث هو ما تُسلّم به الدوائر الفلسفية الغربية(15). أهم ما يتعلق بهذا التغيير الجذري أنه يعتبر نقطة تحول فاصلة في التاريخ. إن مصادر العقل، وبالتالي اللزوم والوجوب وغير ذلك من أفكار الضرورات الحتمية عند كانط “Kant” صارت الآن تكمن في النفس، في القوى البشرية الداخلية، ولم تعد نتاجًا فكريًا في النظام الكوني بالمفهوم الأرسطي أو الأفلاطوني، أو غيرهما، أو حقيقة ثقافية، أو تتخذ المثال الإنساني مقياسًا لها كما ذهب بروتاجوراس Protagoras”” الفيلسوف اليوناني. وبفعل ذلك تقطع الحرية – كما فعل العقل – علاقتها مع العالم الخارجي وتصبح جزءًا من النفس البشرية، وتدور معها دائمًا في حدودها. إن الفيلسوف نيتشه قد أخذ ثنائية ديكارت “Descartes” إلى أكثر نتائجها تطرفًا، فهو في كثير من الأحوال قد قلب الأخلاق الأوروبية المسيحية التي أسسها القديس توما الإكويني “Thomas Aquinas” رأسًا على عقب؛ فالرابط المتداخل بين ما ينبغي أن يكون وما هو قائم بالفعل في العالم المسيحي، قد تفرع عند ديكارت وكانط، في حين أزاله تمامًا نيتشه، مع العلم أن الوضعية القانونية عند أوستن “Austen” لم تذهب إلى ذلك الحد الذي ذهب إليه فكر نيتشه، لكنها بوضوح تشير أنه لا مكان للأخلاق في القانون وهو الموقف الذي اختلف عند هارت Hart”” الذي جادل بأن هناك تداخلات أخلاقية كامنة في القانون. إذن الانقسام بين القانون والأخلاق له مرجعية فلسفية في أوروبا، وأصبح لاحقًا مُسلَّما به، وشكّل حقيقة علمية، وأثر ذلك في القانون الإسلامي، حتى صار يدعي كثير من المستشرقين أن القانون الإسلامي لا يمتلك نظرية تعاقدية، أو أنه لا يفرق بين القانون الموضوعي والقانون الإجرائي، وأنه لا يميز بين الأخلاق والقانون وانتقادات أخرى(16). وإذا كان المصطلح الأخلاقي كما يفهم في عصر الحداثة لم يوجد في الإسلام قبل الحداثة؛ فإن التمايز بين الأخلاق والقانون لم يكن له وجود كذلك، لا في الشريعة عامة ولا في القرآن خاصة. وقد أصبح مصطلحًا قانونيًا متأثرًا أيدلوجيًا بأفكار ميشيل فوكو عن المراقبة والعقاب والهيمنة على الأفراد الذين يخضعون للسلطة، وهذه كلها آليات للتحكم تجعل فهمنا الحديث للقانون ينسحب على فهمنا للأخلاق مختلفًا عن أي نظام قانوني سابق، وبناء عليه فإنه مختلف عن أي مفاهيم سابقة عن القانون، فما هو قانوني في القرآن هو كذلك أخلاقي، والعكس صحيح. ويرى حلاق أنه “يمكننا حتى أن نقلب التحيزات الحديثة، ونقول: إن القانون كان في الأساس مشتق من الأخلاق، وبهذا تكون الأخلاق هي الأصل، إذا بحثنا عن مفهوم القانون الخالص وفصلناه عن المساحة الأخلاقية الواسعة لا يعني مجرد سوء فهم لمقاصد القرآن فحسب؛ بل سيقودنا هذا أيضًا إلى تفكيك البنى المعرفية للشريعة كلها(17).

ثالثًا: سيادة الشريعة (القانون) على الحكم (اللا دولة) السياسي:

أما بالنسبة إلى آلية التشريع وعلاقتها بالأخلاق في السياق الإسلامي بالطبع فإنها تختلف جذريًا عنها في السياق الغربي، فإن الفقهاء المتخصصين طبقة مكونة من علماء غير رسميين جعلت من دراسة الفقه أمرًا تعبديًا، وهم لم ينشأوا من الطبقة السياسية المتمايزة عن غيرها، كما كان الحال في الغالب بالنسبة إلى فقهاء الرومان خلال الفترة الجمهورية، كما أنهم لم يحصلوا على مقابل مادي لجهودهم في دراسة الفقه، كذلك لا يستقيم الفقه النظري إلا إذا عُمِل به؛ لذلك فإن الاستقراء والاستنباط، وكل المنهجيات الفكرية، ومحاولة فهم ما ينبغي فعله في كل موقف (الإفتاء) كان نوعًا من التعبد بالنسبة إليهم، وعليه فتقليد النظام المتبع في المؤسسة الرومانية لم يكن ليؤدي لنشأة هذه الظاهرة، وأهم ما في الأمر أن القادة السياسيين (ولاة الأمر) لم يحاولوا أبدًا أن يشرعوا للدولة التي سرعان ما صارت إمبراطورية إسلامية، على الرغم من امتلاكهم لكل وسائل الإكراه والقوة السياسية، وإنهم على الرغم من اهتمامهم بدراسة الفقه قد تركوا إصدار الأحكام الفقهية للعلماء غير الرسميين الذين لم يكونوا جزءًا من الجهاز التنفيذي على الإطلاق، ولم يفكروا يومًا في تشريع قانون للإمبراطورية كما فعل الأباطرة الرومان، أو البيزنطيون، أو الصينيون(18)، وكانت البنية الدستورية للإسلام تطبق سيادة القانون بصورة أكثر كفاءة من أي مثيلاتها المعاصرة، بما في ذلك النظام الأورو الأمريكي، ومن المعلوم أن النظام الإسلامي كان أيضًا غير مسبوق، فلم يكن في الثقافة السياسية للشرق الأدنى التي كان المسلمون المؤسسون الأوائل على اتصال بها قد طورت أي مفهوم مماثل عن سيادة القانون، وبالتالي أي نظام فعال للفصل بين السلطات(19)، لذلك تعد الحوكمة الحديثة هوية بسيطة بين الدولة وأفرادها؛ حيث يتداخل المجتمع والثقافة مع الحكومة والحكم. ويرى فوكو أن الفرد القومي الحديث والمواطن في الدولة الحديثة قد نشأ كنموذج مصغر للكيان الأكبر وهو الدولة، وتأسيسًا على تلك الفكرة جاء قول فوكو وما بعد البنيوية وغيرهم بأن الدولة في كل مكان، وأن من الخداع البحث عن انقسام ذي مغزى بين الدولة والثقافة، ما دامت الدولة تُشكّل المواطن، وما دام المواطن بدوره كائنًا اجتماعيًا ونفسيًا وسياسيًا وثقافيًا شكل الدولة(20)، وإذا كان الإحكام والقوة والمراقبة والحماية في أوروبا أدوات لتدريب مواطن مطيع، وفي الوقت ذاته، كفء ومنتج ماديًا، ويدين بالولاء السياسي للدولة القانونية، فإن الخضوع والحاكمية بمعناها الصحيح في القرآن إنما يكون للسلطة الإلهية من أجل إنتاج أنساق من الأجواء العامة الصالحة، والمحاسبة الأخلاقية، والمسؤولية الاجتماعية، وهذا كله من أجل العدالة التي هي مبدأ أساسي في الشريعة الإسلامية(21)

رابعًا: نطاق التشريع في السياق الإسلامي:

جادل کولسن “Coulson” أن الأحكام القرآنية بدأت تعدِل الممارسات المبنية على العادات والعرف، بصورة متدرجة ومستمرة خلال القرن الهجري الأول، لكنه غير مقتنع بحجم الآيات التشريعية في القرآن عند مقارنتها مع الوصايا الأخلاقية، فمن بين 500 آية تشريع أو أكثر 80 آية فحسب هي التي تتعلق بموضوعات قانونية خالصة، أما الآيات الأخرى فلا تدخل في التصنيف القانوني؛ لأنها تتعلق بالفروض التكليفية، كالعبادات: الصلاة، والصوم، والحج، وعلى الرغم من أن الآيات التشريعية تناولت تفاصيل كثيرة إلا أنها ما زالت – من وجهة نظره – لا تمثل إلا حلولًا لمشكلات معينة، من كونها محاولة لمعالجة الموضوعات العامة معالجة كاملة شاملة، فهو ينظر للقرآن على أنه مدونة قانونية، ويزداد الأمر إشكالًا عندما يظن كولسن وكثير من المستشرقين أن معظم القيم الأخلاقية في القرآن ليست لها آلية إلزامية واقعية في هذا العالم(22). برأي حلاق يفترض كولسن بأنه لا يكون لتلك القيم تأثير قانوني حقيقي إلا إذا كان لها مثل تلك الآلية، ومن ثم فإن القانون لا يعتبر قانونًا في الحقيقة إلا إذا ارتبط مع أحد مفاهيم الإلزام والإكراه سواء في ذاتها أم بالتبعية، أما إذا كانت النصوص القرآنية لا تتوافق مع تلك المفاهيم، فهي لا تعدو أن تكون مجرد وصايا أخلاقية لا قوة لها شأنها شأن أي مواعظ دينية(23). وهذا بالطبع تصوّر مغلوط في فهم أحكام الشريعة، فالطرح الحالي متأثر في تعريف الأحكام الشريعة بسياق المعنى الحداثي القانوني للأحكام، هذا الطرح مجرد من معاني الأخلاق في الشريعة الإسلامية.

إن الأصل في القواعد أنها أخلاقية تحدد سلوك كل فرد بالنظر إلى ذاته ونفسه؛ من حيث كمالها والسمو بها، وفي هذا السبيل تفرض الشريعة واجبات أخلاقية شتى لسمو الإنسان، لأن تلك من المهمة الأولى للشريعة، والجزاء على الإخلال بهذا الواجب عدم قبول الرأي العام، وجزاء في الدار الأخرى، وهذه السلطات تنافس بقوة سلطان الجزاء الدنيوي. على أن القاعدة الأخلاقية قد ترتقي إلى قاعدة شرعية فقهية تحدد سلوك الفرد بالنسبة لغيره؛ إذا ترتب على الإخلال بها الضرر بالناس، وذلك بترتيب جزاء دنيوي فتواجه أثر الإخلال بالواجبات إلى الغير، وتقرّر للمضرور حقًا في الضمان أو التعويض عما لحق به من ضرر قضائيًا. وفي الحقيقة إن القاعدة الشرعية، مثل: قاعدة منع الضرر، وقاعدة نفي الحرج، وقاعدة الأمور بمقاصدها؛ نجدها كلها قواعد أخلاقية في الأصل، أصبحت قواعد شرعية لحماية قيم الإنسانية في المجتمع والفقه الإسلامي، بما هو ديني الصبغة يتسق مع كل قاعده أخلاقية كانت أم فقهية؛ للتأكيد على الأصل العام الذي قامت عليه الشريعة وهو جلب المصالح ودرء المفاسد، وكل هذه الأحكام مرتبطة بالضرورات الخمس(24). إن الحكم الشرعي منشأ الحق، وفي اعتبار الحق شرعيًا من استناده إلى تقرير الشارع وتقريره إنما يكون بحكم، ولما كانت الأحكام في الشريعة عند جمهور الأصوليين والفقهاء معلقة بمصالح العباد في الدارين جملة وتفصيلًا، وبمعنى أن الحكم في الشريعة مندمج مع ما هو أخلاقي، ويمكن تعليله، عدا كل ما يتعلق بالعبادات والمقادير الشرعية، مما لا يستقل العقل بإدراكه. ويذكر الإمام الشاطبي أن الشارع وضع الأحكام في مصالح العباد في العاجل والآجل معًا، ودليله الاستقراء الذي يؤدي إلى القطعية، استقراء النصوص يُبيّن المقاصد التي تقع ضمن ثلاثة منازل: الضروريات، والحاجيات، والتحسينيات(25). وفيما يتعلق بالاستدلال القياسي أصر الشافعي(26) على أنه لاستخدام أي علة – نسبة تشريعية بمفهوم القانون الحديث – يجب أن يتم تتبعها بشكل صريح إلى نص إلهي موثق من أجل أن تكون صالحة كأساس للقياس، ولا تُعزى إلى تقليد أهل المدينة، حسب رأي المالكية. واقترح الغزالي(27) بصفته من أتباع الشافعية تسوية بارزة؛ حيث يمكن أن يسمح الاجتهاد القائم على أغراض الشريعة الإسلامية بالاستدلال القانوني القياسي من مبدأ عام، ولا يرتبط بشكل خاص بنص معين، بشرط أن يحتفظ بواحد أو أكثر من أغراض المقاصد الخمسة. بهذه الطريقة اقترح الغزالي استخدام النصّ والنظر في المقصد، من أجل استنباط القاعدة. يمكن القيام بذلك باستخدام مصادر غير نصية، وفي الوقت نفسه، عدم الوقوع في فخ الذاتية. في رأي الغزالي فإن القانون هو مزيج بين النص المنزل ومبادئه القانونية المتجذرة والأغراض العليا للقانون. في هذا الصدد تعتبر المالكية أن المصلحة هي نفسها قاعدة من قواعد الشريعة، ونتيجة لذلك ليس من العائق بالنسبة للمالكيين دمج المصالح التي ليس لها مصدر نصي في اجتهادهم. ومع ذلك عندما تسكت الشريعة تمامًا عن أي أمر فهذه علامة أكيدة على أن المصلحة المعنية ليست أكثر من مصلحة خادعة لا تصلح للتشريع.

وأعرب الشاطبي عن وجهة نظر مفادها أن الطريقة الاستقرائية يمكن أن تخلق فكرة المصلحة في الشريعة، كموضوع عام … وأيضًا في وصف العلة للأوامر المختلفة بالتفصيل. ويؤكد الشاطبي أن بلوغ المصالح غاية نهائية للشريعة الإسلامية على أساس الدراسة الاستقرائية للشريعة الإسلامية. ويلاحظ الشاطبي أن المقارنات الدالة على الدلالة، ونقاط (الحكمة) الكامنة وراء أحكام الشريعة الإسلامية المتعلقة بالمعاملات الاجتماعية والاقتصادية (المعاملات)؛ غالبًا ما يتم تحديدها بوضوح في المصادر النصية للقانون، والتي يعتبرها مؤشرًا على أنه من المتوقع أن يهتم (الباحث الشرعي – القانوني) باتباع مقاصد تلك الأحكام عند تطبيقها وألا يهتم فقط بالتمسك بصيغة الحكم(28).

ويعلق حلاق قائلًا: “هذه الطريقة الجديدة ليست كالطريقة التقليدية، فهي تتجاوز النظرة الوحدوية للقرآن لدى بعض الفقهاء. ويقدم الشاطبي نظرية فريدة من نوعها يُنظر فيها إلى النص باعتباره وحدة متكاملة”(29) ، في نظر الشاطبي يمكن أن يخلق هذا نظرة ضيقة ومائلة للقانون، ويفتقد أهمية المصلحة بسبب عدم مراعاة مجمل المصادر الموثوقة.

وينتقد الشاطبي اعتماد الفقهاء المفرط على القياس الشكلي في استنباط الأحكام القانونية على أساس قضايا ثابتة معزولة، بالاعتماد على القياس ينحصر عمل الفقيه في الصيد، وإيجاد حالة واحدة واضحة يمكن أن يستمد منها العلة ومن ثم إصدار أحكام جديدة.

من ناحية يمكن النظر إلى حجة الشاطبي على أنها إدانة لعقيدة الوحدوية التي تسود جميع مجالات الفكر الإسلامي الكلاسيكي، لقد أثرت الخاصية الوحدوية للتركيز على الخاص مقابل العالمي بشكل كبير على الفكر الإسلامي، بما في ذلك النظرية القانونية، وهدف الشاطبي هو تخفيف سيطرة المذهب الوحدوي على النظرية القانونية من خلال إدخال مقاربة شاملة للقانون في التفكير القانوني، بدلًا من نهج خاص تمامًا، ويصنف الشاطبي إلى جانب الشافعي من حيث الأهمية: لأن عرضه لهدف وروح الشريعة الإسلامية أتاح للشريعة الإسلامية الخروج من الضيق الذي قاده التقيد الصارم بالحدود التي حددها البعض في أصول الفقه، مهد أصول فقه الشافعي الطريق لعلم الفقه الذي حدد الأصول من حيث المصادر، وحصر بعض الفقهاء أسلوب الاستنباط الشرعي في القياس، وأدت هذه الطريقة إلى طريق مسدود في حل المشاكل القانونية الحديثة في غياب السوابق، وسعى الشاطبي للخروج من هذا المأزق من خلال مذهبه في مقاصد الشريعة.

خامسًا: التباس نطاق التشريع بين السياق الشرعي والغربي

إن القاعدة القانونية تنظم الأفعال البشرية بالإضافة إلى قواعد أخرى مثل قواعد الأخلاق وقواعد الدين وقواعد الشرف، وحسب الوضعية القانونية ما يميز القاعدة القانونية عن غيرها من القواعد الأخرى أن المصدر الذي يضمن الجزاء في القاعدة القانونية السلطة العمومية(30)، لكن غارديس Gardish يقول: إن الفرق بين القانوني وغير القانوني هو فرق في الدرجة؛ ففي الضمير الجمعي يُحدِث خرق القاعدة القانونية أثرًا أكبر من الأثر الذي خلق القاعدة الأخلاقية. لكن قد ينقض هذا القول مؤكدًا أن ثمة حالات يكون فيها أثر عدم احترام القاعدة الأخلاقية أشد وقعًا من أثر عدم تطبيق القاعدة القانونية، ويعرض غارديس للقارئ قول كوبتن Copton، ومضمون هذا القول أن ميدان القاعدة الأخلاقية أوسع من ميدان القاعدة القانونية؛ إذ إن الأولى تشمل زيادة على علاقة الفرد بأمثاله علاقة الفرد بنفسه، وعلاقة الفرد بالله تعالى، ويجادل عبد المجيد في أنه يمكن أن نزيد ونقول إنه حتى في إطار علاقة الفرد بالفرد هناك جوانب لا تغطيها القاعدة القانونية، بل القاعدة الأخلاقية تغطي ذلك، مثلًا لا يعاقب القانون شخصًا لا يرد السلام، بينما تفعل الأخلاق ذلك على الأقل في حالات معينة، هذا قول البعض لكن غارديس يرد أن هذا الكلام صالح في إطار القوانين الغربية المعاصرة، وهو ليس صحيحًا في أطر أخرى فكم من أنظمة وكم من إمبراطوريات أجبرت -قانونيًا- الأفراد على عبادة إله معين، ثم إنه لا توجد قوانين تناولت الانتحار/ محاولة الانتحار؛ أي تناولت العلاقة بين الفرد ونفسه في السياق الغربي، أين يكون إذن الفرق بين القاعدة القانونية والأخلاقية على مستوى البنية، فلا فرق على هذا المستوى للقاعدة الأولى عن الثانية؛ لأنه يمكن ما يتعلق بالبنية أن نتحدث عن قاعدة تنظم السلوك وحسب، ونصفها في الحالتين القانونية والأخلاقية؛ من حيث إننا نتحدث عن كون القاعدة توجب وتمنع وتبيح، وأما على مستوى الطبيعة، يوجد فرق يتمثل في أن القاعدة القانونية مرتبطة بالجزاء إن غاب غابت، هل هذا يعني أن أدوات السلطة التنفيذية هي العنصر الأساس في القاعدة القانونية؟ ينبغي القول إن الجزاء المرتبط بالقاعدة يكون عنيفًا، لكن أحكام قانون الكنيسة الكاثوليكية مثلًا مرتبطة بعقوبات من دون عنف، وإن هذا المثال للقانون الكنسي يظهر أن القانون لا يفترض وجود دولة، إذن الفرق بين القانون والأخلاق لا يكمن في أن العقوبة في القانون توقعها السلطة العمومية والعقوبة في الأخلاق لا توقعها هذه السلطة، بل الفرق أن الأخلاق ليس مرتبطة ارتباطًا عضويًا بالعقوبة وإن كانت إلهية وهذا خلافٌ للقانون(31).

من هنا نفهم قول أرسطو ومن بعده القديس توما الإكويني بأن القانون يهدف إلى إصلاح الفعل الخارجي الذي يمكن للغير أن يتحكم فيه، ومن ثم ما يمكن أن يعاقب عليه هذا الفارق في الطبيعة بين القانون والأخلاق، وهذا لم يمنع دولة كليانية من فرض قوانين تتعلق بالعقيدة، لكن هذه القوانين غير قابلة للتطبيق، وهكذا فإن ما يمنع القانون من أن يوسع في مجاله، ومن أن يتمدد إلى ما تمددت إليه الأخلاق؛ أن القانون لا يستطيع أن يطبق في هذه الحالة. من كل ما تقدم يُخلص إلى أن الأخلاق غير مرتبطة بالجزاء، وإن كان هذا الجزاء القانوني مرتبطًا ارتباطًا بالدولة أو غير الدولة، هذا عن الفرق أما عن علاقة القانوني والأخلاقي فالأخلاق يمكن أيضًا أن نستثني الحالات النادرة التي يقر فيها القانون بقاعدة أخلاقية أو يأتي بقاعدة لا تتلاءم مع الأخلاق، أن تتمثل في أن يعاقب القانون ما هو مناف للأخلاق؛ بهذا يضيف القانون الجزاء، ويدعم بذلك الأخلاق، ويتجاهل القانون بعض القواعد الأخلاقية مثلًا ألا يتناول من قام بمحاولة الانتحار. يمكن أن نرى فارقًا آخر بين القانون والأخلاق من زاوية أخرى، القانون يعاقب المخالف ولا يثيب المحترم والمنفذ للقانون، أما في الأخلاق فيمكن أن يكون الجزاء لا سلبيًا فحسب بل إيجابيًا أيضًا(32).

 في الحديث عن مفهوم الالتزام “القانوني” في سياق الوضعية القانونية يقول دوركين Dworkin إن لدينا فهمًا هشًا للغاية لهذه المفاهيم، ويمكن قول الشيء نفسه عن فكرة القانون نفسها؛ لأنه كما يقول دوركين: “نحن معتادون على تلخيص مشاكلنا في مسألة الفقه الكلاسيكية: ما هو “القانون”؟(33) في الإجابة عن هذا السؤال ترى الوضعية القانونية النظرية العامة لما هو القانون – عام بمعنى أنه غير مرتبط بنظام قانوني معين، أو ثقافة قانونية، ولكن يسعى لإعطاء توضيح وتبيان معنى القانون(34). ماذا تقول الوضعية القانونية عن القانون إذن؟ التوصيف الذي قدمه دوركين، يؤكد أن الوضعية القانونية، أولًا: إن القوانين هي قواعد مدعومة من القوة العامة، التي يستخدمها مجتمع من الناس، لتنظيم أعمالهم والشؤون في مختلف مجالات الحياة الاجتماعية، لكن الأكثر إثارة للاهتمام “هذه … القواعد يمكن تحديدها وتمييزها بمعايير محددة، عن طريق الاختبارات التي لا تتعلق بالمحتوى ولكن بنسبتها أو الطريقة التي بها اعتمدت أو تطورت(35) ، النظام القانوني لديه اختبار أساسي للقانون في شكل قاعدة تقريرية(36). ثانيًا: إن مجموعة من هذه القواعد القانونية الصحيحة هي شاملة لكل من “القانون”؛ بحيث إذا لا تغطي هذه القاعدة حالة شخص ما بشكل واضح … ثم لا يمكن أن تقرر هذه القضية من خلال التطبيق الجاف للقانون، بل يجب أن يقررها بعض المسؤولين مثل القاضي عند ممارسة سلطته التقديرية، وهو ما يعني التخطي وراء القانون لجلب أنواع من المعايير لإرشاده في تصنيع قاعدة قانونية جديدة أو تكملة قاعدة قديمة.. ثالثًا: [يقول] دوركين: إن شخصًا ما لديه التزام قانوني، هو القول إن قضيته تقع بموجب قاعدة قانونية صالحة تتطلب منه القيام به أو الامتناع عن القيام بشيء ما…. في غياب مثل هذه القاعدة القانونية الصحيحة لا يوجد أي التزام قانوني. الجدل الذي يطرحه دوركين بعدم وجود تمييز نهائي بين القواعد القانونية والمعايير الأخلاقية هو بالضبط ما ينكره جون أوستن في هذه الكلمات الشهيرة: وجود القانون هو شيء بعينه؛ الفضل أو الجدارة، والنقص هو آخر، سواء كان استفسارًا واحدًا أم لا، سواء كان ذلك متوافقًا مع معيار مفترض أم غير متوافق، فهو تحقيق مختلف القانون، الموجود بالفعل، هو قانون على الرغم من أننا نكرهه أو أنه قد يختلف عن النص الذي ننظم بموجبه أنفسنا استحسنناه أو ورفضناه “(37).

في السياق الإسلامي جادلت المعتزلة بأن العدالة معروفة من خلال العقل البشري، وفي القطب الآخر جادل (أهل الحديث) والأشاعرة أن السبب (العقلانية) هو بالضرورة نزوي ومتقلب، وأن العدالة لا تتحقق إلا من خلال الوحي بالمقابل، على حد تعبير عبد الجبار إن الوحي يكشف فقط جوانب في خصيصة هذه الأفعال التي يجب أن نتعرف على شرورها أو صلاحها من خلال التعقل، لأننا إذا عرفنا أن الصلاة ذات فائدة عظيمة لنا … وأننا سنكافأ في الحياة الآخرة؛ كان ينبغي لنا أن نعرف طابعها الإلزامي [أيضًا] بسبب التعقل، لذلك نقول إن الوحي لا يستلزم وجوب الشر أو الخير من أي شيء، فإنه يكشف فقط عن خصيصة الفعل عن طريق الإشارة إليه، لكن من غير المقبول عمومًا الادعاء أن المعتزلة كانوا نفعيين. وفقًا لحوراني. اختار المعتزلة تحديد المصطلحات الأساسية للأخلاقيات بطرق تتفادى الغائية، أخلاقيات المعتزلة تحاول تحديد أن الفعل صحيح أم خاطئ؛ لأنها تفسر واجبًا (إلزاميا) حسنًا وقبيحًا (سيئًا) ليس بالكامل، من خلال العلاقات مع المآلات، ولكن في بعض الأحيان على الأقل تخصيصه الأفعال نفسها(38).

خاتمة

تقر المدرسة الوضعية متمثلة بهارت أن للقانون مكنونات أخلاقية، ويؤكد دوركين أنه في بعض المسائل نحتاج أن نذهب إلى ما وراء القانون لنُقر قاعدة قانونية أو ننشئ قاعدة جديدة، إذن لا يمكن فصل الأخلاق عن القانون بالتمام، بالمقابل تُقرّ المدارس القانونية الغربية باستخدام العقلانية في التشريع، وتقر بوجود أنساق ومنظومات قانونية موضوعية وضعية يتوصل لها العقل البشري من فعل الإنسان الحداثي العقلاني غير الموضوعي (النسبي)، بالمقابل فإن بناء نظرية معرفة قانونية بحسب منهجية منسقة ترتكز على مرجعية النص الشرعي، يعتبرها البعض تنافي العقلانية، ولا يجدر بنا الانغلاق ضمن نسق وجودي أو ديني ما، الحقيقة أن نمط وأسلوب حياة العقلانية الحداثية مضبوطة ومفيدة بمنظومات وأنساق في جميع مجالات الحياة ومن ضمنها التقييدات القانونية، وفي هذا السياق تجد أن مبادئ العقلانية يتم تبنيها مع الزعم أنها ليست مبنية على أي مبدأ عقلي وأية أسس قبلية، والواقع أن هذا الزعم يظل مجرد ادعاء وهمي دون أي تحقق فعلي في سلوكه التفكري والعملي؛ لأن العقلاني حين يفكر وينتج معرفة قانونية ما ينطلق من نسق معرفي ما، أو نظرية قانونية معينة في البحث العلمي، ويعالج معطيات بحثه بمبادئ عقلية ومعارف قبلية ما، وإلا لما كانت هناك أي إمكانية لإنتاج معرفة عملية.

والسؤال المثير للجدل هنا: هل القانون قوالب جاهزة لتنظيم المجتمع أم أن المجتمع يضع القانون لتنظيمه؟ لا تنسف المجتمعات تقاليدها ومورثها العلمي، مثلًا المذهب التفسيري يستند إلى نص ومرجعية، الذي يرجع إلى مقاصد واضعي الدستور الأمريكي. إذن في تحديد أخلاقية التشريع في السياق الإسلامي نستند إلى مرجعية شرعية مبنية على نظرية معرفة إسلامية خاصة، مرتبطة بوجودية إيمان، وترتكز على منهجية تأسست من خلال علم أصول الفقه، العملية متشابكة ليست عامودية وتتضمن تحليلًا لأحكام الشريعة، وليست المسألة تقنية مجردة؛ إذ إن ربطها بالمقاصد الشرعية والمصالح يجعلها مختلطة بالأخلاق، لذلك في التقنين الشرعي هناك وجود للمبادئ والسياسات والمعايير التي يفتقرها القانون الغربي الخالص. وصف أبو حنيفة الفقه بأنه معرفة الروح/ النفس حقوقها وواجباتها، وفي الخطاب الفقهي التقوى والأخلاق والقانون تتحد في رواية واحدة متماسكة، تتشابه المعتزلة مع أنصار القانون الطبيعي في السياق الغربي؛ حيث للعقل منزلة أولى، أما الأشعرية فتتفق مع مدرسة الوضعية القانونية في أنّ المرجعية الأولى للنص، غير أن الاختلاف الجذري هنا أن ثوابت النص الشرعي وقطعياته لا تتبدل وتتغير بمرور الزمان، إلا أنه بالنسبة للقانون الوضعي فما هو لازم وضروري وقطعي في مرحلة ما من التاريخ قد يتغير ويتبدل بتطور المجتمع، والذي حاجته هي التي تتحكم بمشروعية القوانين، علمًا بأن تقدير العامة لما هو مناسب لها مثار جدل في النظريات القانونية الغربية؛ فمنهم من يرى بتقيد العامة في تحديد مصلحة المجتمع، وهذا يقع في صلب نقد مفهوم الديمقراطية، مثلًا كانت العلاقة الزوجية الشرعية لا تتم إلا من خلال عقد يقرّه القانون، وبطابع رسمي، بل حتى مكان انعقاد العلاقة (الكنيسة) كان شرطًا أساسيًا، لكن بمرور الزمن وبموت الكنيسة صارت العلاقة الزوجية تعتبر شرعية في إطار خارج عقد زواج رسمي، مثلًا في إطار القانون العقلاني، ولما احتكرت الدولة صفة المشرع، وصارت هي من يحدد ما هو قانوني أو غير قانوني غير مكترثة لأخلاقية هذا التقنين، ولطالما الأمر صدر من قبل الدولة صاحبة السيادة فيجب أن يُطاع، مع أنه هنا أيضًا حصل تقييد للحريات من قبل الدول التي فرضت نفسها وأيديولوجيتها الفكرية والسياسية من خلال القانون في عملية التقنين وفي الحالة الجيدة – ليس ليبيرالية متطرفة – الدولة تُشرّع، وتكون منحازة، وغير موضوعية؛ لأن الأمر لا يسمح أن تكون غير منحازة، لذا عملية تحديد الحرية المجتمعية نسبية وضابطها موافقة غالبية المجتمع. لكن بما أن التشريعات تلك بحسب تصنيف أبو حامد الغزالي في كتاب محك النظر تتعلق بالمشهورات، مثل تحديد أن الكذب قبيح، تعتمد على شهادة الكل أو الأكثر أو شهادة الجماهير. إذن المشهورات لا تُضفي إلى يقين، وهي نسبية ومحل خلاف ونظر، بحسب الجهة المشرعة، وبما أن هذه الجهة تتبع توجهًا فكريًا معينًا؛ فعندما تُقين لا تأخذ بالحسبان الأخلاق، فقد تُلغي هذه القوانين أحد الثوابت الأخلاقية، فلا غرابة أن فرنسا سنت مؤخرًا قانونًا ووفق مبدأ الحرية المجتمعية، يحظر تسجيل كلمة أم أو أب في الاستمارات والأوراق الرسمية؛ بل أوجبت تسجيل والد رقم “1” و ” والد رقم 2، أما في الحالة الإسلامية فإن القانون ينشأ مستقلًا من خلال الفقهاء غير الرسميين، وكذلك هو في خدمة الفرد يحميه من سطوة الحكم السياسي، فطبقة الوسط المفتي غير الرسمي تضمن سيادة القانون على الحكم السياسي المؤدلج، إنّ الحرية المجتمعية بمفهوم القانون الحديث ليست من مقاصد الشريعة؛ بل العدل المجتمعي، والقسط المجتمعي هو المعنى المقاصدي السليم، الصورة الكلية هي أنه لا بد من أن تبقى المحكمات الشرعية ثابتة؛ لأن لها مقصودات تتعلق بالنظام الاجتماعي الإسلامي ككل، ولا يصح أن نلبس منظومة الحرية المجتمعية -كما يفهمها القانون الحديث- لباس مقاصد الشريعة، فالشريعة لها نظامها الخاص، ويُطبّق وفق نسق وجودي ومعرفي أصلاني متكامل دون تجزئة مخلة بمقاصده وأهدافه.

الهوامش:

  1. الدولة ككيان قانوني لها مركز قانوني معنوي، لها شخصيتها القانونية، تُقاضي وتُقاضى، مثلها مثل الشخص (الفرد) القانوني العادي.
  2. شارل مونتسكيو، روح الشرائع، ترجمة عادل زعيتر، الجزء 1-2 (القاهرة: دار المعارف، 3591-4591).
  3. جان جاك روسو، العقد الاجتماعي، ترجمة عادل زعيتر (بيروت: دار الرافدين، 2102).
  4. جون ستيوارت ميل، الحرية، تعريب طه السباعي ط1 (الإسكندرية: مكتبة ومطبعة الشعب، 2291).
  5. E.D. Hirsch, Validity in Interpretation (New Haven: Yale Univ. Press, 1967).
  6. كارل شميت، اللاهوت السياسي، ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط (الدوحة بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 8102، ص 15).
  7. Young Robert, Postcolonialism: An Historical Introduction (Oxford UK: Blackwell, 2001).
  8. إدوارد سعيد، الاستشراق: المفاهيم الغربية للشرق، (القاهرة: دار رؤية النشر والتوزيع، 8791).
  9. Michel Foucault. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language (New York: Barnes & Noble, 1972), p.114.
  10. Robert, p. 64.
  11. جورجو أغامبين، حالة الاستثناء، ترجمة: ناصر إسماعيل، مدارات للأبحاث والنشر، القاهرة، 5102، ص44.
  12. السابق نفسه.
  13. Marc Galanter. “The Modernisation of Law”, in: Myron Weiner, ed., Modermsation: The Dynamics of Growth (New York: Basic Books, 1966). pp. 153-165.
  14. Hannali Arendt, The Origins of Totalitarianism (San Diego: Harcourt, 1976), pp. 139-157.
  15. وائل حلاق، القرآن والشريعة: نحو دستورية إسلامية جديدة، الشبكة العربية للأبحاث والنشر، بيروت، 19102، ص 23.
  16. السابق، ص 53.
  17. السابق نفسه.
  18. Wael Hallaq. The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament, (U.S.A: Columbia University Press, 2013), pp. 48-70.
  19. Ibid. pp. 37-73.
  20. Michel Foucault, Power: Essential Works of Foucault, 1954-1984, edited by James Faubion, (New York: the New Press, 1973), pp. 207-220.
  21. Hallaq, pp. 79-89.
  22. N. J. Coulson, Introduction to Islamic Law (Edinburgh: Edinburgh University Press, 1964), p. 34.
  23. حلاق، ص 52.
  24. الشاطبي، الموافقات في أصول الشريعة دار ابن عفان، ط1، الأوقاف السعودية، 7991)، ص 52.
  25. السابق، ص 16.
  26. محمد بن إدريس الشافعي، الرسالة، تحليق أحمد محمد شاكر (القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 8531هـ / 1940م)، ص 93.
  27. أبو حامد محمد بن محمد الغزالي، المستصفى، تحقيق: محمد عبد السلام عبد الشافي (القاهرة: دار الكتب العلمية، 3991)، ص 271.
  28. الشاطبي، ص 16.
  29. حلاق، ص 621.
  30. HL.A. Hart, The Concept of Law (Oxford New York: Clarendon Press, Oxford University Press, 2nd ed, 1994), p. 24.
  31. عبد المجيد الزروقي، أصول الفقه – مسار عملية استنباط القانون الإسلامي (منهجية الفقه وفلسفته (بيروت: دار الكتب العلمية 7102)، ص 13.
  32. السابق، ص 43
  33. Ronald Dworkin, Taking Rights Seriously (Cambridge, Mass. Cambridge University Press 1978), p. 14.
  34. Hart, p. 24.
  35. Dworkin, p. 17.
  36. Ibid. p. 59.
  37. John Austin, and Wilfrid E Rumble, The Province of Jurisprudence Determined (Cambridge: Cambridge University Press, 1995), p. 157.

Fathi Hourani, Reason and Tradition in Islamic Ethics (Cambridge, UK: Cambridge University Press, 1985), p. 153.

المراجع

أولا: العربية

أغاميين، جورجو. حالة الاستثناء ترجمة ناصر إسماعيل القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2015.

حلاق، وائل. القرآن والشريعة: نحو دستورية إسلامية جديدة. بيروت الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019.

روسو، جان جاك. العقد الاجتماعي. ترجمة عادل زعيتر. بيروت: دار الرافدين 2012.

الزروقي، عبد المجيد. أصول الفقه – مسار عملية استنباط القانون الإسلامي (منهجية الفقه) وفلسفته. بيروت: دار الكتب العلمية، 2017.

سعيد، إدوارد. الاستشراق: المفاهيم العربية للشرق. القاهرة: دار رؤية للنشر والتوزيع، 1978.

الشاطبي. الموافقات في أصول الشريعة. دار ابن عفان، ط1، الأوقاف السعودية، 1997.

الشافعي، محمد بن إدريس. الرسالة. تحقيق أحمد محمد شاكر. القاهرة: مصطفى البابي الحلبي، 1358هـ/1940م.

شميت، كارل. اللاهوت السياسي. ترجمة رانية الساحلي وياسر الصاروط. الدوحة/ بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018.

الغزالي، أبو حامد محمد بن محمد المستصفى. تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي. القاهرة: دار الكتب العلمية، 1993.

مونتسكيو، شارل. روح الشرائع. ترجمة عادل زعيتر الجزء 1-2. القاهرة: دار المعارف، 1953-1954.

میل جون ستيوارت الحرية تعريب طه السباعي. ط1. الإسكندرية: مكتبة ومطبعة الشعب، 1922.

ثانيًا: الأجنبية

References:

Agamben, Giorgio. Aghambyn, jwrjw halat al-Istithna’. (in Arabic), trans Naşir Ismail. al-Qahirah: Madarat lil- Abhath wa-al-Nashr, 2015.

Al-Zarriqi, Abd al-Majid. usil al-fiqh-masar ‘amaliyat istinbat al-qamin al-Islami (manhajiyah al-fiqh) wa falsafanihu. (in Arabic), Bayrut: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyah 2017.

Al-Shatibi al-Muwafaqat fi usul al-shari’ah. (in Arabic), al-Awqaf al-Sa’ūdīyah Ed., Dar Ibn ‘Affan, 1997.

Al-Shafi, Muhammad ibn Idris. Al-Risalah. (in Arabic), tahqiq Ahmad Mulhammad Shakir al-Qahimh: Mustafa al-Babi al-Halabi 1358 H-1940.

Al-Ghazali, Abu Hamid Muhammad ibn Muhammad. M-Mustafa. (in Arabic), tahqiq Muhammad Abd al-Salam ‘Abd al-Shafi. al-Qahirah: Dar al-Kutub al-‘Ilmiyah 1993.

Arendt, Hannah. The Origins of Totalitarianism New ed with added prefaces ed. San Diego New York London: Harcourt Brace Jovanovich, 1994.

Austin, John, and Wilfrid E Rumble, The Province of Jurisprudence Determined. Cambridge: Cambridge University Press 1995.

Bentham, Jeremy. An Introduction to the Principles of Morals and Legislation Dover ed. Mineola N.Y: Dover Publications, 2007.

Coulson, N. J. A. History of Islamic Law. Edinburgh University Press, 1964.

Dworkin, Ronald. Taking Rights Seriously. Cambridge, Mass… Cambridge University Press, 1978.

Foucault, Michel. Power: Essential Works of Foucault, 1954-1984, edited by James Faubion, New York: the New Press, 1973.

Foucault, Michel. The Archaeology of Knowledge and the Discourse on Language. New York: Barnes & Noble, 1972.

Galanter, Marc. “The Modernisation of Law” in: Myron Weiner, ed., Modernisation: The Dynamics of Growth. New York: Basic Books, 1966.

Hallaq, Wä’il. Al-Qur’an wa-al-shari’ah: Nahwa dustūrīyat Islāmīyah jadidah. (in Arabic), Bayrüt: al-Shabakah al-Arabiyah lil-Abhith wa-al-Nashr, 2019.

Hallaq, Wael. The Impossible State: Islam, Politics, and Modernity’s Moral Predicament. New York: Columbia University Press, 2013.

Hart. H. LA. The Concept of Law. 2 ed. Oxford New York: Clarendon Press, Oxford University Press, 1994.

Hourani, George. Reason and Tradition in Islamic Ethics. Cambridge: Cambridge University Press 1985.

Mill, John Stuart. Al-Hurriyah (in Arabic), ta rib Tāhā al-Sibā’ī, al-Iskandariyah: Maktabat wa-Matba’at al-Sha’b, 1″ Ed, 1922.

Montesquieu, Charles. Ruh al-shara T. (in Arabic), trans Adil Zu aytir. B 1-2, al-Qahirah: Dar al-Ma’arif, 1953- 1954.

Rousseau, Jean-Jacques. Al-‘Igd al-ijtimai. (in Arabic), trans ‘Adil Zu’aytir. Bayrüt: Dar al-Rafidayn 2012.

Said, Edward. Al-Istishraq: al-mafahim al-Gharbiyah lil-Sharq. (in Arabic), al-Qahirah: Dar ru’yah lil-Nashr wa-al-Tawzi, 1978.

Schmitt, Carl. Al-Lahut al-siyasi. (in Arabic), trans Raniyah al-Sahili wyasr alṣārwt. al-Dawḥah/Bayrüt: al-Markaz al-‘Arabi lil-Abbath wa-dirasat al-Siyāsāt, 2018.

Young, Robert. Post colonialism: An Historical Introduction. Oxford UK: Blackwell 2001.


* مجلة تجسير، المجلد الخامس، العدد 1 (2023)، تصدر عن مركز ابن خلدون للعلوم الإنسانية والاجتماعية وتنشرها دار جامعة قطر.

** أستاذ مساعد في القانون، جامعة القدس فلسطين، ‏عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته..

ورقة بحثية للدكتور علي أحمد علي مرعي، جاءت بعنوان “من تاريخ التشريع الإسلامي: المنزلة التشريعية للسنة”، يتحدث فيها عن معنى السنة ومدى حجيتها ومنزلتها من القرآن الكريم.

حمّل الورقة من هنا

دراسة قام بترجمتها الباحث محمود عبد العزيز ونشرها مركز نهوض للدراسات والأبحاث من تأليف الدكتور أحمد عاطف الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، يستعرض فيها تاريخ أصول الفقه في أسلوب حكائي قصصي، وكأن أصول الفقه شخص يتحدث عن نفسه ويستعرض خصائصه وأهم مراحله وأبرز معالمه المنهجية وأعلامه المؤسسين والمطورين.

يمكنك تحميل البحث كاملًا من هنا

ورقة للدكتور محمد سليم العوَّا، نُشرت كتاب “مقصد العدل في القرآن الكريم”، طبعة مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، لندن، ص 17 -46.

  1. عرض الدكتور محمد حسن جبل لمعاني تعبير (العدل) ومشتقاته في القرآن الكريم وانتهى بعد استقراء مواضع الاستعمال القرآني لهذه الكلمة إلى أنها ترد في مواضعها كلها بمعنى العدل الذي هو ضد الظلم، اللهم إلا في أربعة مواضع.[1] ويذكر الدامغاني أن العدل في القرآن الكريم يفسَّر على خمسة أوجه هي: الفداء، الإنصاف، القيمة، شهادة أن لا إله إلا الله، الشرك.[2]
  2. وقد ورد لفظ العدل وما اشتق منه في القرآن الكريم، تسع عشرة مرة، مستعملا بمعاني الحكم بالحق، وضد الجور، والإنصاف، والقسط، والسوية وما إليها، مما سبق ذكره.[3]على أنه ينبغي التنبه دائمًا إلى أن المقاصد القرآنية هي أصل المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية. ومقاصد القرآن مبسوطة في الكتاب العزيز كله لا يقتصر البحث عنها على الآيات التي ورد فيها اللفظ الدال عليها أو المؤدي معناها، وإنما يرتحل للوقوف عليها بين دفتي المصحف الشريف، المرة بعد المرة، ليقف الراغب في التعرف على مقاصد القرآن الكريم على طلبته. كيف لا وهو الذي لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، ويظل غضًا في فم كل قارئ وقلبه ما أخلص النية في تلاوته، وقصد بها وجه الله تعالى.
  3. فمن ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل…﴾ وقوله في الآية نفسها ﴿…فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يُمِلَّ هو فليملل وليه بالعدل…﴾[البقرة:282]. والمراد بالعدل في هذه الآية، بموضعيها، الحق،[4] بألا يزيد في الدَّيْن ولا ينقص منه بل يتحرى الحق والمعدلة بينهم.[5]
  4. ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل…﴾[النساء:58].  والخطاب الآمر بالحكم بالعدل في هذه الآية موجه للذين يتولون الحكم بين الناس في الخصومات، والمكلف بالحكم بين المتنازعين – كالقاضي والمحكّم ومن إليهما – عليه العناية بإظهار المحق منهما من المبطل، أو إظهار الحق لأحدهما وأخذ حقه ممن اعتدى عليه. والعدل: مساواة بين الناس في تعيين الأشياء لمستحقيها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه. والعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو من حسن الفطرة. والعدل في الحكم، وفي أداء الشهادة بالحق هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قِيدَ أنملة يجر إلى فساد متسلسل.[6]  والعدل – في هذه الآية – عند الشوكاني هو فصل الخصومة على ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وليس الحكمُ بالرأي المجردِ من الحقِّ في شيء.[7]
  5. ولا ريب في أن هذا المعنى – لو انفرد – لجعل العدل مقصدًا قرآنيًا عامًا، ذلك أنه لا يختلف اثنان في أن صلاح المجتمع والأمة من أعظم المقاصد التي رعاها الإسلام وحثَّ عليها القرآن الكريم.  ولا ريب في إتيان الشريعة بالنهي عن الفساد كله. والعدل هو الذي يحقق منع الفساد، فهو مقصود لذاته ومقصود لغيره. فأما أنه مقصود لذاته فبيانه أن القرآن والسنة متظاهران على الأمر بإيتاء كل ذي حق حقه، وعلى تحريم العدوان، ورده إن وقع، بإعادة الحق إلى صاحبه أو بتعويضه عما لحقه من ضرر؛ وأما أنه مقصود لغيره فبيانه أن صلاح العالم لا يكون إلا به، وما يقتضيه المقصود الشرعي بحيث لا يتحقق إلا به يكون مقصودًا كذلك وإلا تناقضت أدلة الشرع وتهاترت، وهذا عبث ينزه الشارع – سبحانه وتعالى – عنه في قول المسلمين كافة.[8]
  6. ومن مواضع ذكر (العدل) في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَرون﴾ [النحل:90].  وقد اختلف في تأويل العدل والإحسان في هذه الآية، فنقل الطبري عن عبد الله بن عباس t أن المراد بالعدل قول لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض[9] وأصَّل الطبري ذلك على فهم العدل على أنه «الإنصاف، ومن الإنصاف الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله، وأن نولي الحمد أهله… فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له».[10]  ونُقِل عن علي بن أبي طالب t أن العدل هو الإنصاف، والإحسان التفضل. وعن سفيان بن عيينة أن العدل ها هنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية.[11]  واستحسن الشوكاني – بعد ذكره لتلك المعاني – تفسير العدل بمعناه اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فيكون المقصود أن يكون العباد على حالة متوسطة في الدين، ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغُلوّ المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين[12] وذهب ابن عطية إلى أن العدل هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع، وأداء الأمانات وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق.[13]
  7. وأولى ما قيل، في معنى العدل هنا، بالصواب هو ما ذهب إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور[14] من أن العدل كلمة مجملة جامعة فيصار فيها إلى ما هو مقرر بين الناس في أصول الشرائع، وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، إذ مرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة. وحقوق الناس بعضهم على بعض قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية. وهو يصف هذه الآية بأنها جامعة أصول التشريع. وأن العدل فيها يعني إعطاء الحق لصاحبه. وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجيّ من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات.[15]  وإذا كان العدل أصلا جامعًا للحقوق، على هذا النحو، فلا ريب أنه يمثل مقصدًا عامًا من المقاصد القرآنية التي يتحقق بمراعاتها والنزول عندها مراد الشارع من التشريع بوجه عام.
  8. وقد روي عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها ثم قال: «إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئًا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعه».[16] ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «هذه أجمع آية في القرآن لخير يُمتَثَلُ، ولشر يجتنب».[17]
  9. وفي القرآن الكريم أمرٌ لرسول الله ﷺ: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾ [الشورى:15]. قال الشوكاني: «والظاهر أن الآية عامة في كل شيء»[18]، ونقل الطبري عن قتادة أنه قال: «أُمر نبي الله ﷺ أن يعدل فعدل حتى مات صلوات الله عليه. والعدل ميزان الله في الأرض، به يُأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدِّق الله الصادق، ويكذِّب الكاذب، وبالعدل يردُّ المعتدي ويوبخه».[19] والمقصود بالعدل هنا هو العدل في جميع الأحوال.[20]
  10. وقد أمر الله بالتزام العدل في الشهادة على الوصية فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم…﴾[المائدة:106].[21]   وقال تعالى، في الإشهاد على الطلاق:﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله…﴾[الطلاق:2].[22]  ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بينة واضحة، بعيدة عن الاحتمالات والتوهمات».[23]
  11. ولم يأمر القرآن الكريم بالعدل في الحكم والفعل فحسب، بل فرض الله، سبحانه وتعالى، في كتابه، العدل في الكلام المنطوق ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى…﴾[الأنعام:152]. قال الشيخ ابن عاشور: «وهذا جامع كلَّ المعاملات بين الناس [التي تكون] بواسطة الكلام… والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق: بإبطالها أو إخفائها… ومنه التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة، وقول الحق في الصلح… وإذا وعد القائل لا يخلف، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث، ولا يحلف على الباطل، وإذا مدح أحدًا مدحه بما فيه. وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقًا فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به… والمرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل. وأما أن يقول الظلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك… وجاء طلب الحق بصيغة الأمر بالعدل، دون النهي عن الظلم أو الباطل…».[24] ومرد هذا الفهم الصحيح للآية الكريمة أن كلام الناس يكون حقًا أحيانًا، ويكون باطلاً أحيانًا أخرى، والأمر بالعدل أمر بألا يكون الكلام إلا بالحق، فهذا هو مراد الشارع من الآية. وفي قوله تعالى ﴿ولو كان ذا قربى﴾ نهي عن التعصب لقريب أو التعصب على بعيد، ونهي عن الميل مع صديق أو على عدو، بل الواجب هو التسوية في الحق بين الناس لأن ذلك هو العدل الذي أمر الله به.[25]
  12. ولأن واجب القيام بالعدل، أو بما يوجبه العدل من حق للغير لا يسقط عن المسلم في أي حال كان، ولأن الإنسان قد لا يستطيع القيام بالواجب منه على الوجه الأكمل فإن القرآن الكريم لم يأمر بالعدل الكامل التام في كل حال، بل أمر بما يمكن منه عندما يكون الوصول إلى تحقيقه كاملا غير مستطاع. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء:129]. فالعدل الذي تنفي هذه الآية إمكانه هو العدل المطلق الكامل، الذي يسوي فيه الرجل بين زوجاته في الأقوال والأفعال والمحبة والمعاشرة، وغير ذلك من صور التعامل بين الرجل ونسائه.[26] وعبّرت الآية الكريمة بــــ ﴿لن﴾ للمبالغة في نفي إمكان العدل التام، وعلل ذلك ابن عاشور بأن «أمر النساء يغالب النفس، لأن الله جعل حُسْنَ المرأة وخُلُقَها مؤثرًا أشد التأثير، فرب امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهن في ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتًا في محبة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصًا على إظهار العدل بينهن، فلذلك قال ﴿ولو حرصتم﴾. وأقام الله ميزان العدل بقوله: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ أي لا يُفْرِطْ أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهن حتى يسوء الأخرى بحيث تصير كالمعلقة».[27] وقد نهى الله تعالى عن الميل كل الميل، لأن ترك الجور كل الجور في وسع الرجل، فليكن الميل بقدر، وليتجنب ما يعد منه جورًا تصبح معه إحدى الزوجتين – أو الزوجات – كالمعلقة.[28]
  13. ومع أن العدل الكامل غير مستطاع – بصريح النص القرآني – فإن القدر الممكن منه واجب على الزوج إعمالا لقاعدة التكليف بالوسع.  والعدل في أداء حقوق الزوجة الواحدة – حال عدم التعدد – واجب وجوبه بين الزوجات المجتمعات إذا تعددن. فلا يجوز للرجل أن يميل عن زوجته ميلا يعد ظلمًا لها ولو لم يبلغ بها أن تكون كالمعلقة. فإن من واجب الأزواج البرُ بالزوجات وإحسان الصلة بهن وهذا بعض معنى قول الله تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء:34]، فإن القوَّام هو القائم على الشيء بما يصلحه. وليس الإصلاح أن يظلمها أو يميل عنها أو يقصر في حقوقها.  فإن «من الحب حظًا هو اختياري، وهو أن يَرُوضَ الزوج نفسَه على الإحسان لامرأته، وتحمل ما لا يلائمه من خَلْقِها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتى يحصل من الإلف بها والحُنُوَّ عليها، بطول التكرر والتعود، ما يقوم مقام الميل الطبيعي».[29] وهذا أحد المواضع التي استنبطت منها القاعدة القائلة: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».
  14. وأمر الله سبحانه أن يكون العدل أساس الحكم في جزاء قتل الصيد عمدًا في الحرم ﴿… فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة…﴾[المائدة:95]. والحكمان من ذوي العدل – في هذا المقام – يجب أن يَجْمعا، إلى العدالة الذاتية، المعرفةَ بقيمةِ الصيد الذي قتله المُحْرِم لأنه ليس كل عدلٍ يعرف ذلك. وما يحكم به الحكمان يكون ملزمًا للمحكوم عليه.[30]
  15. وفرض الله – تبارك اسمه – القيام بالعدل بين المسلمين وأعدائهم ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾[المائدة:8]. والشنآن هو البغض، أو شدته، فنهى الله تبارك وتعالى عن ترك العدل الواجب على المؤمنين بسبب البغضاء بينهم وبين غيرهم. ثم أكد سبحانه وجوب العدل في كل حال بجملة ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار.[31]
  16. وقد جمع القرآن الكريم بين الأمر بالعدل الخاص والأمر بالعدل العام في آية واحدة هي قوله تعالى في شأن قتال البغاة من المسلمين: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات:9]. فبعد أن تبغي إحدى الطائفتين على الأخرى يأتي الأمر بالإصلاح بينهما بالعدل. والمراد به العدل الخاص في شأن الخسائر التي لحقت بكل فريق إذ تفاوتها يوجب النظر الذي يراعي تحقيق العدالة لكل منهما. والفئة التي خضعت للقوة وألقت السلاح تكون شاعرة بانتصار الفئة الأخرى عليها، كسيرة الخاطر لهزيمتها، فأوجب الله تعالى على المسلمين أن يستعيدوها إلى الجماعة ويشعروها بأخوة الإسلام لئلا يورث القتال بينها وبين الطائفة الأخرى بغضاء ذميمة، أو شحناء مستكنة، يستثيرها أدنى مثير فينشب القتال من جديد.
  17. ثم بعد هذا العدل الخاص أمر ربنا – تبارك اسمه – بالعدل العام بقوله ﴿وأقسطوا﴾ ومؤداه أن يعدل المسلمون في كل أمورهم، وزاد الترغيب فيه بقوله ﴿إن الله يحب المقسطين﴾. فالعدل العام واجب في كل حال، والعدل الخاص واجب عند وقوع ما يقتضيه، فلا تنفك الأمة، أو الجماعة المسلمة، عن أن تكون على حال في العدل دائمة لا يسوغ لها التحلل منها أو التغاضي عن النزول على حكمها.[32]
  18. ويلفت النظر في الآيتين الكريمتين، من سورة المائدة وسورة الحجرات، أن القرآن الكريم قدم في إحداهما ذكر القسط على العدل، وقدم في الثانية ذكر العدل على القسط. وقد يلوح للمتأمل أن المغايرة في الصيغة يترتب عليها مغايرة في المعنى ولابد. لكن الصحيح أن اللفظين بمعنى واحد في كلام العرب وفي الاستعمال القرآني، وما التقديم والتأخير في النظم القرآني إلا أداة من أدوات البلاغة المعجزة لهذا الكتاب العزيز.
  19. وقد ورد لفظ القسط ومشتقاته منفردًا مرادًا به العدل في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾[آل عمران: 18]. وأهل التفسير متفقون على أن ﴿بالقسط﴾ تعني بالعدل.[33]  قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور «والقسط: العدل… وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نظمها، وفي تقدير بقاء الأنواع، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل: لدفع ظلم بعضهم بعضًا، وظلمهم أنفسهم، فهو القائم بالعدل سبحانه، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله».[34]
  20. وذهب الشيخ ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله…﴾[النساء:135]، إلى أن القسط هو العدل، غير أن القسط كلمة معربة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحكم، وأما لفظ العدل فأعم من ذلك.[35]ومقصود الآية أمر المؤمنين بالشهادة بالحق – وهو العدل – على أنفسهم بحقوق الغير، وعلى والديهم أو الأقربين بما يلزم أيًا منهم من حقوق لغيره، وذكر الأبوين لأنهما أحب الخلق، في العادة، إلى الإنسان، وذكر الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا  شهد المرء بما على نفسه وبما على هؤلاء المقربين إليه من حقوق للغير كان أحرى أن يشهد على الأجنبي من الناس حيث ينتفي داعي كتمان الشهادة أو تغيير وجه الحق فيها.[36]
  21. ومن تلك الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿… وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾[الأنعام:152]. ومثله قوله سبحانه في سورة هود ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾[هود:85]، ومثل ذلك في الآية (35) من سورة الإسراء، وفي الآيتين (181) و(182) من سورة الشعراء، وفي الآية (9) من سورة الرحمن. ودلالة هذه الآيات، في تكرارها، على أهمية العدل في العلاقات التجارية، من بيع وشراء ونحوها لا تخفى، إذ في مثل ذلك يكثر الطمع والتغابن والتطفيف، فنبه الله – تبارك اسمه – على خطورة ذلك وعلى أهمية اتباع العدل في تلك المعاملات ونظائرها، وفاءً بالحقوق لأصحابها وتوقيًا لأكل مال الناس بالباطل الذي تَفسدُ به الدنيا، وتُمحقُ به البركة، وهذا كله مخالف لمقصود الله تعالى في إحقاق الحق وإبطال الباطل.
  22. ولعل أجمع آية في وجوب حمل الناس على العدل هي قوله تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد:25].  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله تعالى وحقوق خلقه. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ فمن عَدَلَ عن الكتاب قوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد رُوي عن جابر بن عبد الله t أنه قال: «أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا – يعني السيف – من عَدَل عن هذا – يعني المصحف -».[37]  ومذهب بعض أهل التفسير في هذه الآية أنها خبر عن إرسال الرسل وإنزال الكتب وشَرْعِ العدل (=القسط) وتعليم صناعة السلاح ليحاربَ به من عاند، ولم يهتد بهديْ الله، فلم يبق له عذر.[38] والقسط في هذه الآية هو العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور، لأن القسط يقتضي إجراء أمور الناس كلها على ما يقتضيه الحق، فهو عدل عام. أما العدل الذي يقتضيه ذكر الميزان فهو مختص بالفصل بين متنازعيْن في كل منازعة على حدة.[39]
  23. والآية رقم (25) من سورة الحديد، مثلها مثل الآية رقم (9) من سورة الحجرات، تذكر كل منهما عدلين: عدلا عامًا وعدلا خاصًا، في تنبيه، لا يخطؤه النظر، من القرآن الكريم على وجوب العدل في كل حال وتحريم الجور في كل مجال. ولذلك قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرفاتها بأن مقصدها أن يكون للأمة ولاة يسوسون مصالحها، ويقيمون العدل فيها وينفذون أحكام الشريعة بينها… وقد أشار إلى هذا قوله ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط…﴾ [الحديد:25]… ومقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء كلها على الجملة أن يشتمل على ما فيه إعانة على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي… وقد ظهر أن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغه الحقوق إلى طالبيها، وذلك يعتمد أمورًا: أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه، والعدالة» وهي «الوازع عن الجور في الحكم والتقصير في تقصِّي النظر في حجج الخصوم؛ فإن القضاء أمانة ولذلك قرنه الله بالأمانات في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[النساء:58]».[40]
  24. وقد نصت الآيات المذكورة آنفًا على العدل في جميع مجالات الحياة، جليلها وصغيرها، ليتبين أولو الألباب أن العدل – باعتباره مقصدًا قرآنيًا – يجب تحقيقه في كل علاقة بين طرفين، نُصَّ عليها في القرآن الكريم أم لم ينص؛ فوجوبه بين الرجل وأهله، وبين الحاكم والمحكومين، وفي كتابة الديون والإشهاد على الوصية، والإشهاد على الطلاق، ووجوبُه في القول وجوبَه في العمل… كل ذلك دليل يقاس به ما لم يُنَصَّ عليه من أفعال الناس وأقوالهم وعلاقاتهم وتصرفاتهم، من حيث وجوب العدل فيه، على ما نص عليه القرآن بخصوصه.
  25. وينبغي التنبه إلى أن الاحتفاء بمفهوم العدل في القرآن الكريم لا يتبين من تتبع مواضع ورود الألفاظ الدالة عليه وحدها، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة دالة على وجوب العدل دون أن تكون متضمنة كلمة (العدل) أو (القسط)، أي إن هذه الآيات تدل على مقصد العدل، وكونه من مقاصد القرآن الكريم، بطريق الإشارة أو الإيماء دون طريق العبارة الصريحة اللفظ. مما يقتضي تأمل القرآن الكريم كله، فإن كثيرا من آياته التي لا تتضمن تلك الألفاظ تدل بمؤداها على كون العدل مقصدًا قرآنيا أساسيًا. تأمل، إن شئت، قول الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًأ﴾[البقرة:143]. والوسط: السواء والعدل والنصف.[41]
  26. ومن أمر القرآن الكريم بالعدل، دون إيراد لفظه أو لفظ مرادف له، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا﴾ [النساء:9]. ودون خوض في تأويلات المفسرين، من القدامى والمحدثين، لمعنى هذه الآية، فإن الذي يعنينا منها هو تفسير القول السديد. قال الطبري: «والسديد من الكلام هو العدل والصواب»[42] وكذلك قال القرطبي، ثم قال: «وقيل المعنى قولوا للميت قولا عدلا»،[43] أي في حال احتضاره.
  27. وأحكام الميراث مبناها كلها على العدل في قسمة المال الموروث بين مستحقيه، وهو عدلٌ لو أنفق أهل الأرض فيه أعمارهم ما هم ببالغيه، وكفى دليلا لصحة ذلك قول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾[النساء:11]. وذهب الطبري إلى أن معنى هذه الآية الكريمة أن الله تعالى «لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي عليه من مواضع المصلحة في البدء والعاقبة».[44]
  28. ومن هذه الآيات قوله سبحانه في شأن النساء ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾[البقرة:231]. وقوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ [البقرة:232]. وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ [النساء:19]. وقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾[النساء:20].
  29. وتأمل، كذلك، الآيات الكريمة الدالة على التوسط في الأمور المذكورة فيها، من مثل قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسُطها كل البسط فتقعد ملومًأ محسورًا﴾ [الإسراء:29]، وقوله ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنْسَ نصيبك من الدنيا﴾[القصص:77]، وقوله سبحانه ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:67]. فهذه الآيات، ونظائرها، تدل على معنى العدل وإن لم يرد فيها لفظه أو لفظ مرادف له.[45]
  30. ونظائر هذه الآيات الكريمة كثيرة جدًا في القرآن الكريم، وهي مفرقة في مجالات متعددة، الأمر الذي يدل على أن مقصد العدل مقصد محيط، في التشريع القرآني، بأحكام العلاقات الإنسانية كافة. ولينظر من شاء في أحكام الزواج والطلاق والميراث والوصية، والبيع والشراء، والحدود والقصاص فإنه يجد مدار الأمر فيها على العدل ومناط النهي فيها هو الظلم. وهذا قاطع في اعتبار العدل مقصدًا قرآنيًا يُتحرى ويُتبع ويُؤمر به ويُنهى عن ضده، وهو الظلم، في أي نوع من أنواع العلاقات الإنسانية.[46]

[1] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة 2010، ج3 ص 1423. والمواضع التي أريد بها غير المعني المذكور هي: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾[البقرة 48 و123]، فالمراد هنا الفدية؛ ﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾[المائدة:95]، والآية فيمن قتل الصيد وهو محرم والمراد صيام أيامٍ تساوي قيمة الصيد المقتول، وللعلماء في تحديد تلك الأيام أقوال عدة، انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، ط دار ابن حزم، بيروت 1423هــ / 2002م عند تفسير الآية؛ ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾[الأنعام:70]، أي إن تَفْدِ النفسُ الكافرةُ يوم القيامة بكل فداء لا يقبل منها؛ ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾[الأنعام:1]، أي يشركون بأن يُسووا بين الله تعالى وبعض خلقه. ومما يخرج عن معنى العدل الذي هو ضد الظلم -ولم يذكره- قوله تعالى ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك[الانفطار:7]، فمعناه جعلك أيها الإنسان معتدلا سَوي الخلْق.

 

[2] الدامغاني، السابق، الموضع نفسه. وهو يرى أن العدل في قوله تعالى:﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى… ﴾[النحل:90]، يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد، ص 80.

 

[3] هذا العدد لا يشمل مواضع ورود لفظ (العدل) ومشتقاته حيث قصد به معنى آخر.

 

[4] محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس 1997، ج3 ص 101 و105.

 

[5] الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فنيَّ الرواية والدراية من علم التفسير، دار ابن حزم ودار الورّاق، بيروت 2000، ص 255؛ وابن عطية، المحرر الوجيز، دار ابن حزم، بيروت 2002، ص 259.

 

[6] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 93-95، وص 224 في تفسير الآية 135 من سورة النساء.

 

[7] الشوكاني، فتح القدير، السابق، ص 391.

 

[8] راجع، في تقريب هذا المعني، كتابيْ الأخ العلامة الدكتور أحمد الريسوني: مقاصد المقاصد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت، ومركز المقاصد للدراسات والبحوث، الرباط، الطبعة الثالثة 2014؛ والذريعة إلى مقاصد الشريعة، دار الكلمة، القاهرة 2015.

 

[9] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله التركي، دار عالم الكتب، الرياض 1434هــ / 2013، ج14 ص 334.

 

[10] المصدر نفسه.

 

[11] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي، القاهرة 1387هـــ / 1967م (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، ج10 ص 160.

 

[12] فتح القدير، السابق، ص 969.

 

[13] ابن عطية، السابق، ص 111.

 

[14] ابن عاشور، التحرير والتنوير، السابق، ج 14 ص 255.

 

[15] المصدر نفسه، ص 254.

 

[16] الشوكاني، السابق، ص 971.

 

[17] القرطبي، السابق، ص 165.

 

[18] فتح القدير، السابق، ص 1585,

 

[19] تفسير الطبري، ج20، ص 486.

 

[20] تفسير القرطبي، ج 16 ص 13.

 

[21] انظر تفسير الآية في: ابن عاشور، السابق.

 

[22] ابن عاشور، السابق، ج28 ص 309 وفي مقتضى صيغة الأمر: هل هو للوجوب أم للندب، وهل يشمل الفراق والرجعة أم يقتصر على الرجعة وحدها؟ خلاف فقهي لخّصه ابن عاشور في هذ الموضع.

 

[23] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 114، في تفسيره لآية سورة البقرة 282.

 

[24] ابن عاشور، السابق، ج8، ص 166-168. وكلامه نفيس فراجعه.

 

[25] الشوكاني، السابق، ص 556.

 

[26] ابن عطية، السابق، ص 487.

 

[27] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 218. والمعلقة التي ليست أيمًا ولا ذات زوج.

 

[28] الشوكاني، السابق، ص 421. والقصد بعبارة «ترك الجور كل الجور في وسع الرجل» هو أن بعض الجور ملازم لعدم استطاعة العدل الكامل بين النساء، فكانت الرخصة فيما لا يمكن التخلص منه مما لا تصبح مضارة المرأة معه كاملة أو مؤذية لها بمثل إيذاء المعلقة.

 

[29] ابن عاشور، المصدر نفسه، الموضع نفسه.

 

[30] ابن عاشور، السابق، ج7 ص 47؛ الشوكاني، السابق، ص 493.

 

[31] ابن عطية، السابق، ص 508؛ الشوكاني، السابق، ص 450.

 

[32] ابن عاشور، السابق، ج26 ص 240؛ الشوكاني، السابق، ص 1662.

 

[33] ابن الجوزي، زاد المسير، المكتب الإسلامي، بيروت، 1384هــ / 1964م، ج1 ص 362؛ الشوكاني، السابق، ص 274؛ ابن عطية، السابق، ص 284.

 

[34] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 187.

 

[35] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 225. والمقصود بأنها كلمة معربة أنها نقلت إلى العربية من كلمة just الإنجليزية ونظيراتها في اللغات الأوروبية الأخرى. وتأمل ما ذكرناه في الحاشية رقم 53 الآتية.

 

[36] الشوكاني، السابق، ص 422.

 

[37] ابن تيمية، السياسة الشرعية، دار الشعب، القاهرة 1969، ص 26؛ وقرب: الشيخ محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار القلم، القاهرة 1964، ص 466. وحديث جابر رواه سعيد بن منصور في سننه، القسم الثاني من المجلد الثالث، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت د.ت، رقم 2935 ص 335 وقد أورده ابن تيمية بصيغة التمريض (رُوي) إشارة إلى ضعفه عنده. والصواب أن الكلام ليس لجابر t ولكنه لرجل ممن كانوا خرجوا على عثمان t قاله يسوِّغُ به خروجه. وهو هكذا في المستدرك يرويه جابر عن هذا الخارج على عثمان t وصحح الحاكم رواية جابر وتابعه الذهبي. راجع المستدرك، الحديث 5939، ط دار الفكر، تحقيق دكتور محمود مطرجي، بيروت 1422 / 2002، ج4 ص 151.

 

[38] ابن عطية، السابق، ص 1828.

 

[39] ابن عاشور، السابق، ج27 ص 415. وقارن ما نقلناه عنه في تفسير الآية (135) من سورة النساء في الفقرة رقم (27) من هذا البحث. فقد ذهب هناك إلى خصوص القسط وعموم العدل، وهو هنا يقول بالعكس، أو هكذا يبدو والله تعالى أعلم.

 

[40] باختصار في مواضع النقط من: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، السابق، ص 495-503. وهو في الطبعة التي حققها الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة ج3 ص 518-529.

 

[41] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق 1423ه / 2002م، ص 869.

 

[42] الطبري، جامع البيان، ج6 ص 453.

 

[43] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5 ص 52 و53، وهذا القول الثاني المراد به أن يقال ذلك عند احتضار الشخص فتكون تسميته «ميتًا» بحسب المآل، وشرح القرطبي القول العدل بأنه تلقين الميت «لا إله إلا الله» بأن يقولها الحاضر عنده بحيث يسمعه إياها ولكن لا يأمره بقولها. وفي الآية أقوال أخرى لكن ما نقلناه عن الطبري والقرطبي هو الصواب إن شاء الله.

 

[44] الطبري، السابق، ص 473؛ وانظر: القرطبي، السابق، ص 75.

 

[45] لفتني إلى هذه الآيات ودلالتها سؤال أوردته الابنة الأستاذة أمل العشماوي في أثناء تعليقات المشاركين في الدورة الثانية لمقاصد القرآن الكريم بعد تقديم هذه الدراسة.

 

[46] راجع: دكتور علي الزوبي، السابق، ص 67.

تحدث المستشار طارق البشري في هذه المحاضرة عن جهود العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري في تقنين الفقه الإسلامي، بعد أن تحدث في الجزء الأول من هذه المحاضرة عن الاحتلال التشريعي التي تعرضت له الدول العربية والإسلامية منذ القرن التاسع عشر.

 واستكمل المستشار البشري ما بدأه في المحاضرة السابقة، مركزًا على جهود السنهوري نحو تحقيق الاستقلال التشريعي، ومما ذكره في هذا الشأن:

  • في عام 1932م كتب الدكتور عبد الرزاق السنهوري مقالة في مجلة القانون والاقتصاد تحدث فيها عن الاستقلال التشريعي.
  • في عام 1933م كتب السنهوري مقالة عن تنقيح القانون المدني وتعديله.
  • في عام 1933م تم الاحتفال بالعيد الخمسين لنشأة المحاكم الأهلية التي كانت تطبق القوانين الأجنبية، وفي هذا الاحتفال ذاته انبثقت حركة الاستقلال التشريعي والقضائي في مصر، بقيادة رائدها الدكتور السنهوري رحمه الله، والذي يعد أهم رجال القانون الوضعي والقانون الإسلامي في الوطن العربي في القرن العشرين، ومن أمضاهم أثرًا، ويُعتبر أبو القانون المدني العربي في عصر الاستقلال السياسي للعديد من البلاد العربية.
  • بإلغاء الامتيازات الأجنبية، وإلغاء المحاكم المختلطة استردت مصر سيادتها القانونية والقضائية.
  • معاهدة مونترو التي أبرمت عام 1937م وضعت قيدًا على التشريعات الجديدة، وهو عدم الخروج عن التشريع الحديث، مما يعني عدم الرجوع مباشرة إلى الشريعة الإسلامية.
  • حصل الدكتور السنهوري على اثنين دكتوراه في فرنسا خلال فترة وجيزة لا تتعدى الـخمس سنوات، وكانت الدكتوراه الأولى عام 1925م بعنوان: “القيود التعاقدية الواردة على حرية العمل”، وأما الدكتوراه الثانية كانت عام 1926م بعنوان: “الخلافة الإسلامية وتطورها لتصبح هيئة أمم شرقية”.
  • كان السنهوري يعمل لمدة 18 ساعة يوميًا في كهولته وشيخوخته.
  • كان السنهوري مولعًا بالقانون والشريعة الإسلامية والأدب.
  • كان للسنهوري دراسات وأبحاث قيمة في القانون وفي الشريعة (ذكر المحاضر العديد من عناوينها وأشار إلى محتويات منها منوها إلى أهميتها وما امتازت به).
  • إن استراتيجية السنهوري نحو الاستقلال التشريعي يمكن تبينها من خلال قوله: “علينا أولاً أن نمصر الفقه، فنجعله فقهًا مصريًا خالصًا، نرى فيه طابع قوميتنا، ونحس أثر عقليتنا، ففقهنا حتى اليوم لا يزال هو أيضًا، يحتله الأجنبي. والاحتلال هنا فرنسي ، وهو احتلال ليس بأخف وطأة ولا بأقل عنتًا من أي احتلال آخر. ولا يزال الفقه المصري يتلمس في الفقه الفرنسي الهادي المرشد، لا يكاد يتزحزح عن أفقه أو ينحرف عن مساره، فهو ظله اللاصق وتابعه الأمين…”.  ويقول أيضًا ” إن الشريعة الإسلامية شريعة الشرق ووحي إلهامه وعصارة أذهان مفكريه، نبتت في صحرائه وترعرعت في سهوله ووديانه… لو وطئت أكنافها وعبدت سبلها، لكان لنا من هذا التراث الجليل ما ينفخ روح الاستقلال في فقهنا وقضائنا وفي تشريعنا…”، فهاتين العباراتين ترسمان استراتيجية حركة السنهوري نحو الاستقلال التشريعي.
  • القانون المدني -الذي وضعته لجنة برئاسة السنهوري- اعتمد على ثلاثة مصادر هي: 1- القانون المقارن 2- أحكام المحاكم المصرية 3- الفقه الإسلامي.
  • تُعد المادة الأولى من القانون المدني الجديد أول نص قانوني منذ عام 1833 يلزم القاضي بالرجوع للشريعة الإسلامية.
  • صدر القانون المدني المصري في عام 1948م، وعُمل به في عام 1949م، وكان له تأثير كبير على تطور القوانين العربية.
  • قام السنهوري بوضع قانون مدني لدولة العراق، وكان مصدره في ذلك القانون المدني المصري، ومجلة الأحكام العدلية التي كانت مطبقة في دولة العراق.
  • قام السنهوري بوضع العديد من القوانين للدول العربية والإسلامية.
  • في سبتمبر من عام 1962م كتب السنهوري مقالة في مجلة القضاء العراقية بعنوان: “نحو قانون مدني عربي”.
  • كان السنهوري يأمل في:
  • دراسة الفقه الإسلامي ومقارنته بقواعد القانون المقارن.
  • التمييز بين الاعتقاد الديني المحض وبين الشريعة الإسلامية باعتبارها أحكامًا للمعاملات.
  • التمييز بين الأصوليات وبين المتغيرات والأحكام الفرعية التي يمكن أن تتغير وتخضع للتغيير.
  • الأخذ بالإجماع -بعد تطويره- كمصدر من مصادر الشريعة الإسلامية.

رابط مباشر للفيديو على قناتنا: حوارات الشريعة والقانون