ليس في العالم العربي على امتداده واختلاف منابعه الثقافية مشتغل بالقانون -ممارسة أو تعليمًا أو تنفيذًا- إلا وهو يدين بفضل كبير لعملاق القانون الفذ عبد الرزاق أحمد السنهوري، وكما تتردد على ألسنة طلاب القانون والمشتغلين به في فرنسا أسماء بلانيول، وريبير، ودوجي، وجيني، وجارسون، وجرانمولان..، وكما يذكر المشتغلون بالقانون في الولايات المتحدة الأمريكية أسماء روسکو ياوند، وأوليفر وندل هولمز..، فإن رجال القانون العرب يتوجون أسانيد بحوثهم الفقهية وأحكامهم القضائية بالإشارة الى عبارة وردت هنا أو هناك في كتابات العلامة السنهوري، فيكون فيها القول الفصل، والرأي المعتمد الذى يتلقاه الخصوم جميعًا بالقبول.
وإلى عهد قريب كانت المعرفة بالسنهوري تعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية؛ أولها جهوده وأبحاثه التي أثمرت ثمرتها الكبرى في صورة “مدونات” أو مجموعات القانون المدني في العديد من الدول العربية وعلى رأسها مصر التي أنجبته، والعراق التي أسهم الإسهام الأكبر في وضع قانونها المدني مقتربا به خطوة جديدة نحو الشريعة الإسلامية.
والمصدر الثاني: كتاباته الفقهية التي تفرد بها، والتي تشبه البحر المحيط في على تفرد بها، والتي تشبه البحر المحيط في اتساعها وعمقها وإحاطتها، والتي تتميز مع ذلك بوضوح ما بعده وضوح، وجزالة في اللفظ والتعبير توشك أن تكون معها مزيجًا من الأدب والقانون، ويستطيع أن ينهل منها -بغير عناء- المبتدئون وخاصة المتخصصين على السواء، وعلى رأس هذه المصادر (الوسيط) في شرح القانون المدني المصري الذي أخرجه -رحمه الله- في عشرة أجزاء مطولة، عامرة بالمراجع العربية والأجنبية والآلاف من أحكام القضاء في مصر وفرنسا وبلجيكا وغيرها. وإلى جانب الوسيط قدم العلامة السنهوري للعالمين العربي والإسلامي رائعته الثانية (مصادر الحق في الفقه الإسلامي) وهو زاد رفيع المستوى، دقيق المنهج، لا يقدر على مثله إلا من كان راسخ القدم في فهم مقاصد الشرائع والمصالح التي تدور أحكامها حول رعايتها، كما أنه يُرسى منهجًا علميًا رصينًا في تناول قضايا الإصلاح التشريعي وبعث النظام القانوني الأصيل للأمة، وهو النظام المستمد من تاريخها والمتمثل في حضارتها.
أما المصدر الثالث: فهو روايات الجيل الذي عاصر السنهوري وعمل معه أو تتلمذ عليه؛ فهؤلاء يعرفون الكثير عن الرجل وخلقه، وانقطاعه المطلق للبحث والتحقيق، وجَلَدُه على مشقة ذلك كله، كما يعرفون فضله في علاقاته بالناس، وترفعه على الصغائر، ويعرفون –بعد ذلك- أطرافًا من مواقفه الوطنية والسياسية.
مذكرات متفرقة
ومنذ شهور قليلة أُضيف الى هذه المصادر الثلاثة مصدر جديد هو مجموعة من
“أوراقه الشخصية”، التي كتبها -رحمه الله- بخط يده وقامت بإعدادها للنشر ابنته الوحيدة الدكتورة نادية السنهوري، والدكتور توفيق الشاوي الأستاذ السابق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة وأحد تلاميذه والمعجبين بعلمه الواسع، والحريصين على إبراز توجهاته نحو تطبيق الشريعة الاسلامية واجتهاداته في ميدان نظام الحكم كما بدت من رسالته التي كتبها عام ۱۹۲۸، باللغة الفرنسية في موضوع “الخلافة”.
والأوراق الشخصية التي نُشرت هي مجموعة مذكرات متفرقة قد كتبها السنهوري -رحمه الله- لتكون نوعًا من “مناجاة النفس”، أو “اليوميات” الخاصة، ولم يفكر أبدًا في نشرها؛ أية ذلك أنها كثيرًا ما تكون تعبيرًا عن فكرة غامضة أو خاطرة تسجل عاطفة خاصة تجاه موقف عابر أو حدث عام أو خاص دون أن تبسط القول بالرأي الواضح المفصل، كما أن السنهوري -رحمه الله- لم يعن قط بتحقيق الكثير مما أشار اليه من أقوال الآخرين، بل ومن الأحاديث النبوية والأحكام الشرعية، على غير عادته المستقرة في كل كتاباته التي نشرها على الناس، لهذا فإن وضع تلك الأوراق الشخصية في إطارها الصحيح يبدو أمرًا ضروريًا حتى لا يتعلق أحد بعبارة وردت في سياق معين فيحولها الى “رأى السنهوري”، أو موقف محدد له من إحدى القضايا.
كذلك لا يخفى أن تلك الأوراق الشخصية قد كتبت على امتداد سنوات طوال، فقد كتب المذكرة الأولى يوم ١٤ أغسطس ١٩١٦، قبل سفره إلى فرنسا، ولم يكن عمره يجاوز الثانية والعشرين عامًا، وكتب المذكرة الاخيرة يوم ١١ أغسطس ١٩٦٩، أي أن بينهما أكثر من نصف قرن من الزمان المحمل بالتجارب والخبرات والنضج العقلي والعاطفي، وإنما تظهر القيمة الحقيقية لهذه المذكرات –فيما نرى- في كشفها عن جوانب متعددة من شخصية السنهوري وشواغله الذاتية، واستجاباته الذهنية والعاطفية، وعن القضايا التي احتلت اهتمامه وهو يتدرج نموًا ونضجًا من مرحلة طلب العلم والرحلة المبكرة الى فرنسا . إلى أن تولى القضاء والوزارة والتدريس ومارس السياسة وخاض العديد من التجارب والمواقف الوطنية.
وليس من أهداف هذه السطور أن تقدم السنهوري الفقيه القانوني لقراء العربية، وإن كان الجيل الجديد من ناشئينا، وخصوصا أولئك الذين يشتغلون بالقانون، يحتاجون الى تمثل “القمة”، الرفيعة التي تجلت في السنهوري، عالمًا محققًا أمينًا، وباحثًا مدققًا لا يكل من طول المعاناة في البحث، وفقيهًا موصولَ العقل والقلب بثقافة أمته وحضارتها وشريعتها، لم يصرفه عن ذلك ما حصله من علم بحضارة الآخرين ومن نشأة في ظلال قيم تلك الحضارة ومعاييرها.
إنما الهدف من هذه السطور أمران:
الأول: الوقوف على بعض المعالم “غير المذكورة”، في شخصية العلامة السنهوري، كما كشفت عنها “أوراقه الشخصية” التي نشرت أخيرًا.
الثاني: الوقوف عند بعض خصائص منهجه البحثي والفقهي في القانون الوضعي والشريعة الاسلامية على السواء، كما وصفه هو في بعض تلك “المذكرات”.
ونختار هنا من جوانب شخصية السنهوري جوانب ثلاثة كشفت عنها أوراقه الشخصية:
أولها: موقفه الاجتماعي، وعنايته الخاصة بحقوق العمال والفلاحين فهو يعبر في بعض كتاباته الشخصية المبكرة عن تعاطفه القوى مع الفقراء والمحرومين، ثم يصل من ذلك الى التفكير في إنشاء حزب للعمال والفلاحين.. فيكتب -وهو بعد في فرنسا يطلب العلم- في ٨ سبتمبر ۱۹۲۳ أنه “إذا استقرت الحياة البرلمانية في مصر توجد حاجة لإنشاء حزب للفلاحين والعمال يكون غرضه إشراك الفلاحين بقدر ما يمكن في حكم أنفسهم بعد نشر التعليم فيهم وإصلاح حالتهم المادية من جميع الوجوه، ويأخذ هذا الحزب من مبادئ الاشتراكية الجزء العملي منها غير المتطرف”. ويعود السنهوري مرة أخرى يوم 9 اكتوبر ۱۹۲۳ فيتحدث عن هذا الحزب فيقول: حزب الفلاحين والعمال حزب يستمد مبادئه من تجارب الأمم الغربية ومن التعاليم الفقهية الصحيحة التي أتى بها الإسلام والمسيحية، وهو الحزب الذي أرى مصر في حاجة إليه بعد أن تظفر بنصيبها من الاستقلال التام وبعد أن تستقر الحياة البرلمانية فيها، وأهم اغراض هذا الحزب على ما أرى:
- تعليم الفلاحين والعمال (تعليمًا إجباريًا مجانيًا).
- تأليف النقابات الزراعية ونقابات العمال.
- تحسين الحالة الصحية في مساكن الفلاحين والعمال.
- اشتراك الفلاحين والعمال اشتراكًا فعليًا –بعد أن يتم تعليمهم- في إدارة حكومتهم وفي إدارة الحياة الاقتصادية للبلاد على مبادئ بعيدة عن التطرف الاشتراكي.
- مقاومة الاستعمار الأوروبي السياسي والاقتصادي في جميع الدول الشرقية والتفاهم في ذلك مع عمال وفلاحي الأمم الغربية ومطالبتهم بالقيام بعمل جدي في سبيل تحقيق هذا المبدأ المشترك بين الجميع. وينتبه السنهوري رحمة الله عليه إلى مخاطر تسلل الوصوليين والدخلاء الى مثل هذا الحزب. فيقول: “ويجب العمل على إبعاد الوصوليين عن هذه الحركة وجعلها حركة صادقة مخلصة للعمال والفلاحين … ويختم كلامه بقوله “وأقصد بالفلاحين هنا غير كبار المزارعين، وهم عمال الزراعة وصغار الملاك من المزارعين”.
ومن المؤكد أن السنهوري قد تأثر في كتاباته هذه بالجو السياسي والاجتماعي الذي أحاط به في فرنسا حيث كُتبت هذه المذكرات التي تتحدث عن الاشتراكية وعن حزب العمال والفلاحين، ومع ذلك فقد بدا في بعضها حرصه على التوفيق بينها وبين أصول الحضارة العربية الإسلامية، فهو يكتب من لاهاي في ١٥ اغسطس ١٩٢٤ قائلًا “لا أرى أن الروح الاشتراكية تتناقض مع الروح الشرقية (الإسلامية)، ففي مصر مثلاً يمكن القيام بالإصلاحات الداخلية اللازمة لتقوية الأمة على أسس إسلامية تؤدى الى توزيع الثروة توزيعًا أقرب الى العدل من التوزيع الحالي، على أن رؤية السنهوري للمشكلة الاجتماعية قد تطورت فيما يبدو من مجرد دعوة إلى إنشاء حزب العمال والفلاحين إلى توجيه لتصنيع البلاد، حتى يرتفع مستوى معيشة الجميع، فنراه يكتب من دمشق في ١٣ يناير ١٩٤٤ أي بعد عشرين عامًا من تفكيره في إنشاء حزب للعمال والفلاحين قائلًا: والمسألة الاجتماعية في مصر ليست في الأخذ من الأغنياء لإعطاء الفقراء أكثر مما هي في رفع مستوى المعيشة للجميع فإن متوسط إيراد الفرد في مصر منحط إلى درجة لا تكاد تصدق، فاذا وزعت الثروة الحاضرة على جميع المصريين بالسواء بقي متوسط الإيراد منحطا كما هو، لذلك فإن علاج المسألة الاجتماعية في مصر هو في نشر الصناعة فيها والأخذ بيدها بأكبر جهد مستطاع، ثم يلخص الأمر كله بقوله “ومحاربة الفقر لا تكون إلا برفع مستوى المعيشة، ورفع مستوى المعيشة لا يكون إلا بإيجاد الصناعات الكبرى، على أن هذا التوجه الجديد لا يطفئ إحساسه بفقر الفقراء والحاجة إلى منح الناس جميعا فرصة متكافئة في الحياة ..، فهو يكتب في ١٢ يناير ١٩٤٤ “أن الإسلام يُرشد البشر حتى يتبينوا أن إعطاء الفقير ليس إحسانًا عليه تمليه الرحمة بل هو حق له يفرضه القانون”، ثم يعود في ١١ اغسطس ١٩٥٧ وهو يستقبل عامه الثالث والستين فيكتب: لأبذلن الجهد في خدمة بلدي مسترشدًا بمبادئ ثلاثة:
المبدأ الأول يتصل بالحياة حياة الاجتماعية وهو تكافؤ الفرص بين الناس من يوم أن يُولدوا إلى أن يتم إعدادهم لمعترك الحياة وتظل فكرة إنشاء حزب العمال والفلاحين قائمةً وحيةً في ذهنه فيقول: “ولعل هذه المبادئ.. ترسم الخطوط الرئيسية لبرنامج داخلي لحزب اشتراكي ديمقراطي للعمال والفلاحين في مصر، اسأل الله الكريم وأنا في مستهل هذا العام الجديد من حياتي – أن يجعل من حظي المساهمة في إنشاء هذا الحزب”.
ثانيًا: اهتمامه باللغة العربية وقرضه للشعر:
تجاوزت عناية السنهوري رحمه الله باللغة العربية حدود الاهتمام الطبيعي الذي يوليه رجل القانون عادة للغة وصحة استخدامها؛ فبالإضافة إلى ما تميزت به تآلیف العلامة السنهوري وكتاباته الفقهية من جزالة في اللفظ ودقة في التعبير ووضوح في العرض، فقد كانت له -كما تظهر من أوراقه الشخصية- اهتمامات واسعة باللغة العربية بلغت حد التفكير في تطوير طريقة كتابتها. وقد انتبه -رحمه الله- إلى تأثر اللغة بالميادين الجديدة التي تعبر عنها، في وقت مبكر جدًا حيث كتب من لاهاي في أول سبتمبر ١٩٢٤ ملاحظًا أنه في مطلع هذا القرن دخل في اللغة العربية أسلوب اللغة العملية في العلوم الاجتماعية المختلفة، وأنه يحسن أن يتقصى باحث هذه الأساليب المختلفة ويتتبع طريقة أصولها في اللغة العربية وما يجب أن يصنع لترقيتها مع عدم الخروج عن روح اللغة العربية.
كذلك ينتبه السنهوري الى دور النهضة اللغوية في تحقيق الوحدة العربية والاسلامية ولذلك يدعو في ٥ سبتمبر ١٩٢٤ إلى مؤتمر للغة العربية ينعقد في القاهرة، يُصدر القرارات اللازمة لتحقيق هذه النهضة من بينها -في رأيه- تأليف مجمع لغوى لوضع الألفاظ التي تنقص اللغة العربية في العلوم المختلفة وتأليف مجمع أدبي لتشجيع الآداب العربية وتجديدها بحيث تتفق مع روح العصر الحاضر، ويشير -بصفة خاصة- إلى أن من المؤلفات التي تنقص اللغة العربية مؤلف في الاستعمار من الوجهة التاريخية ووجهة نظر القانون الدولي، ويكتب السنهوري من دمشق في ١٦ مارس ١٩٤٤ محللاً ترتيب الحروف الهجائية في اللغة العربية ومقترحًا وضع قواعد جديدة لتشكيل الحروف يكون من شأنها الإقلال منه بقدر الإمكان. كما يكتب من دمشق كذلك في ١٩ مارس ١٩٤٤ عن “الحروف القمرية والحروف الشمسية”، كما يكتب عن مهمة المجامع اللغوية وقضية المصطلحات العلمية، وفي تطوير اللغة قائلا في جسارة وثقة أن “اللغة ليست كائنًا حيًا فحسب، بل هي مجموعة من الكائنات الحية وهى الألفاظ، ولما كان الحى يولد ويموت فإن هذه السُّنة تجري على الألفاظ في اللغة، فمنها ما يموت إذا بطل استعماله، ومنها ما يولد إذا استحدثه أهل هذه اللغة، فموت اللفظ وميلاده أمران موكولان إلى الاجيال المتعاقبة ممثلين في كُتابهم وأدبائهم وعلمائهم، ويصاحب هذا الاهتمام المقترن بالموقف النقدي حتى يكتب في ١٧ ابريل 1953 أن اللغة العربية لغة الكتابة فيها بعيدة عن لغة الكلام، ولغة الحاضر قريبة من لغة الماضي، وهذا إنما يدل على قليل من التطور، ويدلل على ذلك بقوله: أليست الشقة ما بين اللغة العربية الفصحى في عهدنا الحاضر ولغة العباسيين أقرب من الشقة ما بين لغة العباسيين ولغة الجاهلية؟ أليس هذا دليلًا على أن اللغة العربية تطورت ما بين عهد الجاهلية والعصر العباسي أكثر مما تطورت ما بين العصر العباسي وعصرنا الحاضر؟؟
وأغرب من كل ما تقدم وأبعده عن ظن كثير من العارفين بالعلامة السنهوري أنه -رحمه الله – كان كثير الاستشهاد بالشعر، وكان ينشئ منه أبياتًا قليلةً يُحملها كثيرًا من أفكاره، وبعضًا من عواطفه وأوراقه الشخصية عامرةً بهذا الاستشهاد وذلك الانشاء، ففي سنة ١٩١٦ -وهو لا يزال بعد طالب في كلية الحقوق- يكتب في أول ذكرياته ثلاثة أبيات يحملها همومه وهموم أمته وهموم الحركة الوطنية في مصر والعالمين العربي والاسلامي فيقول:
أأرضى أن أنام على فراشي***ونوم المسلمين على القتاد
وأهنأ في النعيم برغد عيش*** وقومي شتتوا في كل واد
فلا نعمت نفوس في صفاء*** إذا نسيت نفوسا في الصفاء
ولا يفلح علم القانون، بانضباطه ومنطقه المحكم وقوالبه الصارمة في أن يطفئ جذوة المشاعر الحية في نفس السنهوري الشاب فإذا به في ١٦ أكتوبر ۱۹۱۸ يعبر عن عشق عذري يتأجج في النفس الشابة الطاهرة فيقول من أبيات له:
وأذكره في خلوتي ومدامعي*** تسيل وأنفاسي جوى تصعد
أكاد إذا ما جنته أن أبثه***حديثي لولا أنني أتجلد
وما بي منه غير حب مطهر***عن الرجس والأدناس والله يشهد
ويوانيه هاتف الشعر في غير أمور العشق والغزل، فتقرأ له في ٢٢ يونيو ۱۹۳۱ يصف مجلس النواب في أعقاب الانتخابات التي أجراها إسماعيل باشا صدقي قائلاً:
نواب هذا الشعب صفوا جندهم*** وتحصنوا بسيوفه وحرابه
ما بالهم متوجسين كأنهم*** لا يدخلون البيت من أبوابه
وتحصنوا بالجند حتى يأمنوا***من كيد شعب أمعنوا في حربه
والشعب ينكرهم فهل من منصف***يأتي ليحمي الشعب من نوابه
ويتابعه هذا الهاتف الشعرى حتى وهو يدرس القانون ويتعرف على كنوز الشريعة فيكتب من بغداد في ١٧ سبتمبر ١٩٤٣ مناجيًا أبا حنيفة، مادحًا تجدد الفروع في فقهه مع بقاء الأصول الثابتة في منهجه فيقول:
أبا حنيفة هذا فقهكم بقيت***منه الأصول وقامت أفرع جدد
ماذا على الدوحة الشماء أن ذهبت***منها الفروع وظل الجذع والوتد
وتستولى على شعره -في كهولته وشيخوخته- نزعة تأمل فلسفي فنراه يكتب -في القاهرة – في ٧ أكتوبر ١٩٥٧ أبياتًا عن القمر الصناعي يقول فيها:
أطلقوه كوكبًا نحو الفضاء***فانظروا في الجو هل راح وجاء
أترى جبار هذى الأرض قد***صعر الخد لجبار السماء
أيها الإنسان لا تزه فما***أنت في الأصل سوى طين وماء
وتتسلل إلى شعره سحابات هم دفين، وعلامات ضيق لعلها صاحبت بداية اعتلال صحته، فيكتب في ٢٣ اكتوبر 1957:
متى ينفد الصبر الطويل وتنقضي*** ليال توالت كلها ظلمات
تعاليت هذا النور يعقب ظلمة***ويعقب موت المستكن حياة
ولعل آخر ما أنشأه من الشعر، بيتان رددهما، وهو يبدأ الحادية والسبعين من عمره:
وصلت الى السبعين ثم تركتها***وهانزا أمشي لمرحلة أخرى
ومازلت أخطو خطوة بعد خطوة***وئيدا إلى أن أخطو الخطوة الكبرى
تُرى هل كان تلامذة السنهوري وقراء فقهه الواسع يعرفون عنه هذه الشاعرية الخفية التي جاءت بها قريحته الفذة والتي كشفت عنها أوراقه الشخصية التي احتفظ بها لنفسه طول حياته؟
ثالثا: نظرته الى الفقه الإسلامي، وخدمته للشريعة
كان السنهوري -رحمه الله- جادًا فيما يقول ويكتب، وكان محققًا في كل ما يبحث صبورًا على مشاق البحث العلمي وما يقتضيه من غوص في المصادر الأصيلة، واستقصاء لتلك المصادر، وحيازته لأدوات التفقه في الشرائع المختلفة، وهكذا كان اقترابه من الفقه الإسلامي منذ نشأته الأولى اقتراب الباحث عن الحقيقة المدقق في مهمتها، والأمين- بعد ذلك في عرضها، ولم يكن اقترابه منها اقتراب المتعجل في الأخذ أو المتسرع في العطاء أو المؤثر للجهاد الأسهل على الجهاد العلمي الأفضل، وتكشف أوراقه الشخصية في مرحلة شبابه وطلبه للعلم عن اهتمامه بقضية أساسية هي قضية “التوفيق” بين العقل والنقل، وهو توفيق لم يجد فيه صعوبةً ولا عسرًا، فقد اعتقد -منذ نشأته- أن العقل مدخلا الى التشريع الاسلامي، وأن الشرع والعقل لا يتناقضان.
يكتب – رحمه الله – في ۱۱ مارس ۱۹۲۳ وهو لايزال طالبًا في ليون بفرنسا “أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يأت بأحكام تتناقض مع العقل في زمنه أو توقع إمكان تناقضها في المستقبل بل أنه نظر إلى إمكان تطور العقل فأوجد في الأحكام التي أتي بها مرونة وجعلها صالحة لكل زمان تُطبق فيه. وبعد، فهل العقل البشري استقر على حالة واحدة؟”.
ثم يعود فيكتب في ٢ سبتمبر ١٩٢٤، داعيًا الذين يجتهدون في استنباط أحكام الشريعة الاسلامية إلى أن يظلوا منتبهين إلى نسبية الاجتهاد، وإلى أن الأحكام التي يستنبطونها تظل -بدورها- قابلة للتطور، فيقول: “مهما كانت الحاجة الشديدة إلى النهوض بالشريعة الإسلامية وجعلها مطابقة لروح العصر الحاضر فلا يغيب عمن يريد القيام بإصلاح من هذا القبيل أن يترك للشريعة مرونتها ويكتفى باستنباط أحكام منها تتفق مع العصر الذي هو فيه دون أن يرتكب فيقول لصلاح هذه الأحكام المستنبطة صلاحية مطلقة، فقد يجيء عصر آخر تتغير فيه المدنية والآراء السائدة في الوقت الحاضر، وقد يكون بعض الآراء في فقه الشريعة لا يصلح في الوقت الذي نحن فيه ويجب تعديله في نظر البعض، ثم يأتي عصر آخر يكون فيه نفس الرأي صالحًا”.
ومن المؤكد أن فكرة إحياء الفقه الاسلامي، كانت واحدة من الأفكار الأساسية التي ربط بها السنهوري حياته([1]) وقد تجلت في ميادين عديدة أولها حرصه على وصل “التقنينات العربية الحديثة” بالفقه الإسلامي، وحرصه على تصحيح منهج “الإحياء” ذاته ثم حرصه على إنشاء المعاهد والمؤسسات التي تقوم على ذلك الإحياء، كما تجلت -في النهاية- فيما نذر له نفسه عن الكتابة الجادة في أدق أمور الفقه الإسلامي.
ولعل ما دفعه على بعث هذا الموقف الإيجابي من قضية إحياء الفقه الإسلامي، ما لاحظه مبكرًا حيث كتب من باريس في 28 يناير 1924 قائلًا: “إن المسلمين استطاعوا أن يبنوا مدينة زاهرة مع محافظتهم على عقائد الإسلام أما المسيحيون فلم يستطيعوا أن يتمدنوا إلا عندما تركوا الدين المسيحي بالفعل”.
أما عن منهج أحياء الفقه الاسلامي، فقد حدده -بدوره- في مرحلة مبكرة من حياته العلمية، حيث كتب – من باريس كذلك -في ٢٤ فبراير ١٩٢٤ قائلاً إن الأساس الذي يبنى على إحياء الشريعة الإسلامية يجب أن يكون كما يأتي:
- تمييز الاعتقاد الديني المحض عن الشريعة باعتبارها قانونًا لتنظيم علاقات البشر بعضها بالبعض (الفقه أو علم الفروع).
- في نظام الفقه يؤخذ الجزء الخاص بالقانون، ويستخرج منه القواعد العامة للشريعة الإسلامية، وهي قواعد تصلح لعموميتها أن تُطبق في كل زمان ومكان، وتعتبر هذه القواعد أصولًا للشريعة الاسلامية.
- هذه الأصول لا تتغير باعتبارها أصولاً، ولكن تطبيقاتها تختلف (أولاً) باختلاف الدين (ثانيًا) باختلاف الأمم، ثم يضيف: “وأُزيد هنا أنه في إحياء الشريعة الاسلامية لا ينبغي الاقتصار على كونها شريعة صالحة لتطبيقها على المسلمين في العصر الحاضر بل على غير المسلمين أيضًا، وليس معنى هذا إرغام غير المسلمين على اتباع قواعد لا تعتبرها معتقداتهم وأديانهم المختلفة التي يجب احترامها احترامًا تامًا، وإن معناه أن تكون حركة إحياء الشريعة الاسلامية مبنية على أساس لا يتناقض مع هذه المعتقدات”.
والواقع أن السنهوري -رحمه الله- كان متنبهًا منذ بداية تفكيره في قضية إحياء الفقه وتجديد نهضة العالم الإسلامي إلى أن هذه الدعوة لا يمكن -أبدًا- أن تكون دعوة مفرقة بين المسلمين والمسيحيين فهو يكتب من ليون في ۱۸ أكتوبر ۱۹۲۳ قائلاً: “وأرى أن المدنية الإسلامية هي ميراثٌ حلالٌ للمسلمين والمسيحيين واليهود المقيمين في الشرق فتاريخ الجميع مشترك والكل تضافروا على إيجاد هذه المدنية”.
على أن تناول السنهوري لقضية العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى ظل محكومًا -طوال الوقت- بمنهج العلم وموضوعيته لا بملاءمات السياسة وتكونها، فنجده يقول في مقدمة كتابه الجليل عن مصادر الحق في الفقه الإسلامي، في الدروس التي ألقاها عامي 1953، ١٩٥٤ على طلبة قسم الدراسات القانونية بمعهد الدراسات العربية “أن همه في البحث لن يكون إخفاء ما بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي من فروق في الصفة والأسلوب والتصوير بل على النقيض من ذلك سنُعنى بإبراز هذه الفروق حتى يحتفظ الفقه الإسلامي بطابعه الخاص، ولن تحاول أن تصطنع التقريب ما بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي على أسس موهومة أو خاطئة، فإن الفقه الإسلامي نظام قانوني عظيم له صنعة يستقل بها .. وتقضى الدقة والأمانة العلمية علينا أن نحتفظ لهذا الفقه الجليل بمقومات طابعه ونحن في هذا أشد حرصًا من بعض الفقهاء المحدثين، فيما يؤنس فيهم من ميل إلى تقريب الفقه الإسلامي من الفقه الغربي”.
وهكذا التزم العلامة منهج الأمانة والموضوعية وهو يمارس رسالته الجليلة في إحياء الفقه الإسلامي … وليت منهجه هذا يكون أسوة حسنة لجيل معاصر من الشباب والذي تؤرقه الرغبة في إحياء الفقه الإسلامي، ولكن كثيرين منهم يفتقدون المنهج العلمي الصحيح في ممارسة هذه التبعة الكبيرة، أو تضيق صدورهم عن تحمل مشقات البحث الدؤوب وتبعات الجهاد الأفضل في ميدان لا يصلح له ولا يغنى فيه الجهاد الأسهل.
وبعد، هذه إطلالات سريعة على حياة غنية بالعطاء متعددة الظلال والألوان، عرف منها رجال القانون جانبًا وغابت عنهم جوانب، فأردنا بهذه الكلمات السريعة أن نعلن عن بعض تلك الجوانب في شخصية عالم عاش متبتلًا لعلمه منقطعًا لرسالته، عازفًا عن كل صور الإعلان عن المهام الجليلة التي حملها بحقها وأدى أمانتها كأحسن ما يكون الأداء.
* مقال نُشر في مجلة العربي الكويتية في العدد الرابع الصادر في الأول من أبريل عام 1988.
[1] كتب – رحمه الله – في الاسكندرية في ١٢ أغسطس ١٩٥١ يقول: “وقد ازددت يقينًا وأنا اليوم استقبل السابعة والخمسين في عمري بأن مشروع الفقه الإسلامي وما ينبغي لهذا الفقه المجيد من دراسة علمية في ضوء القانون المقارن قد انغرس في نفسي، وأصبح جزءًا في حياتي يكبر معها ولكنه لا يشيب ولا يهرم”.