موقع حوارات

موقع حوارات

إحدى الإشكاليات التي يوردها وائل حلّاق حول مشروع إدوارد سعيد في نقد الاستشراق أنه لم يهتم بدراسة الاستشراق القانوني، ولهذا السبب فاته أنه ما دام التداخل بين الاستعمار والاستشراق موجود، »فإن القانون هو المشروع المركزي الاستعماري، والوسيلة التي استعمرت السلطة وشكلت الرعايا«.[1] ويقول حلّاق إن من ضمن ما ينبغي علينا دراسته قبل دراسة الشريعة، دراسة القانون من زاوية النظريات النقدية.[2]

»إن علينا دراسة ومساءلة أنفسنا أولًا قبل دراسة الشريعة”؛[3] في القانون كما في غيره من العلوم والمعارف الحديثة، كثيرًا ما يُسقِط الناظر إلى الشريعة أمورًا تنبع من مسلمّات أو افتراضات الحقل الذي ينظر منه، بل يمكن القول بأننا كذوات حداثيّة عامةً، كثيرًا ما ننظر إلى الشريعة من منظور الأفكار والقيم النسقية، التي تُشكّل نسيج الحياة الحداثيّة. من هنا نفهم دعوة حلّاق ومقصدها بضرورة مساءلة الذات الحديثة ومسلّماتها قبل دراسة الشريعة.

في هذه المقالة نستعرض بعض إشكاليات الفكر القانوني الحديث في التعاطي مع الشريعة الإسلامية من خلال نموذج التعليم القانوني. والفكر القانوني الحديث بوصفه نمطًا سائدًا منذ أن هيمنت الحداثة، يودي بنا في فخّ الاستشراق؛ إذا أردنا أن نفكّر في أنماط »قانونية« مختلفة عنه، انطلاقًا من أرضيّته الحداثية بطبيعة الحال. لهذه الغاية، سنسرد بشكل ميسّر اختراق الدولة الحديثة لسياقنا العربي والإسلامي، ومن ثم نوضّح هيمنة الفكر القانوني الحديث وإشكالية تعاطيه مع الشريعة من خلال التّطرق إلى مثال التعليم القانوني. معتمدين في ذلك على مشروع الأستاذ وائل حلّاق في دراسة الشريعة ونقد الحداثة.

القانون حيث الدولة

يُعنى بالاستشراق القانوني، الدراسات الاستشراقيّة للنظم التشريعية والقانونية لغير الأوروبيين، والمراد هنا، دراسة أنماط التنظيم  السابقة لهيمنة الدولة الحديثة. هذا لا يعني بالضرورة، عدم وجود دراسات استشراقية عن الشرق وتنظيمه بعد نشوء الدول القومية فيه.

أما الحداثة فنتناولها بوصفها مشروعًا أوروبي التاريخ بالقدر نفسه الذي فرض فيه معانيه وأشياء أخرى على العالم، كحقيقة كونية وأبدية، اعتمادًا على فلسفة الأنوار (عصر التنوير) بالرغم من التنوع الكبير فيما بينها. والاستشراق بالمعنى الذي عمّقه حلّاق، يمكن تلخيصه، بوصفه دراسة الشرق من المنطلقات المعرفية الحداثيّة، دراسة تزعم »الحياد« و» الموضوعية«، وهذه المزاعم غير منفصلة بطبيعة الحال عن المشروع الاستعماري الحديث.[4]

إنّ القانون الحديث والدولة الحديثة/القوميّة عاملان أساسيان من عوامل مشروع الحداثة. وبعد نشوء الدولة الحديثة في أوروبا، امتدت هذه الدولة إلى العالم، باعتبارها تنظيمًا جديدًا يُشكّل في هيمنته قطيعةً مع ما قبله. لقد امتدّت الدولة الحديثة إلى الشرق كما العالم، وقد جاء هذا التحوّل في منطقتنا إلى الدولة الحديثة، بتدخُّل الماكينة الاستعمارية الأوروبية، واستكملت النخبة القوميّة المحليّة ما بعد الاستعمارية مشروع بناء الدولة الحداثيّة، وخلال ذلك، كان يتسلّل إلينا قرين الدولة المُسمّى بالقانون، حتى أصبح أمرًا واقعًا، مجذِّرًا الدولة ومتجذِّرًا بها.

يظنُّ البعض اليوم أن الدولة ظاهرة تصلح لكل زمان، وتكون سيادة القانون فيها قيمة عُليا ينادي بها المجتمع، سعيًا وراء الدولة المنشودة، والتي بات وجودها، أي الدولة، مفروضًا ومفترضًا، ومعها؛ بات القانون كذلك، فلا وجود للدولة دون القانون، الذي هو قانون الدولة بالضرورة.[5]

جاءت هيمنة الدولة في منطقتنا -وهي أكثر مؤسسات الحداثة أهمية- نتيجة للمنافسة والمواجهة التي حصلت بينها وبين الشريعة؛ فقد انتهت هذه المواجهة التي مرّت بمراحل عديدة، بانتصار الدولة في السيطرة على التشريع و»إنهاء البنى المؤسسية للشريعة وتفكيكها نهائيًا (…)  وانبثاق تصوّر جديد للشريعة«،[6] فالمواجهة هذه أدّت إلى تحوّلٍ بنيويٍّ عميق، كذلك الأمر، إلى تحوّلٍ في النظام المعرفي، بهيمنة نظام معرفي جديد، »وأضحى موضوع الشريعة لا يزيد عن كونه قانونًا وضعيًا مصدره إرادة القوة لدى الدولة«.[7]

فما يعرف بـ»تقنين الشريعة« اليوم مثلًا، ما هو إلا قولبة نصوصٍ وأحكامٍ شرعيّة معيّنة، في قالب القانون الوضعي الحديث، واختيرت هذه النصوص والأحكام بطرق ووسائل مختلفة، أبعد ما تكون عن تاريخ الشريعة، وبعد ذلك يكون المُنتج النهائي نصًّا قانونيًّا يعمل داخل منظومة القانون والدولة، ويستمد شرعيّته وإلزاميّته منها، فنكون أمام »شريعة« مُخرجة من سياقها بطبيعة الحال، بل ويمكن القول إنها ليست هي هي؛ ما عادت ذاتها وصُيّرت غيرها.

كيف ندرس القانون؟

إنَّ ما نتعلّمه عن القانون في كلّيّات القانون الفلسطينية على سبيل المثال – وهو نمطٌ سائدٌ في معظم كليات القانون في العالم – هو التطبيق، وقدر ضئيل من نظريّة القانون حتى نتمكّن من التعامل مع القوانين المحليّة ونستعد للإلتحاق بمهنة المحاماة، بمعنى أننا في معظم سنوات الدراسة الجامعية ندرس النصوص القانونية النافذة والمطبّقة في المحاكم الفلسطينية، وأحيانًا ندرس الأحكام القضائية المتعلّقة بالنصوص القانونية.[8]

إن دراسة القانون بهذه الطريقة، أي دراسة ما هو مطبّق من القوانين، تشير إلى هيمنة الفكر القانوني الحديث بما يحمله من مسلّمات؛ فقد بات هذا القانون مفترضًا كما ذكرنا، يقبع في الخلفية، دون إشارة إليه، ناهيك عن مساءلته، لأن جلّ همّ دارس القانون المطبّق هو النَصُّ نفسه، أو النَص وإشكاليّات الممارسة القانونيّة في الواقع، ومع أهميّة هذه الأخيرة -وقلّة التطرّق إليها في التعليم- إلّا أنّها لا تتجاوز سقف أسس القانون الحديث؛ لأنها في نهاية المطاف تنطلق من مركزيّة قانون الدولة، بوصفه حكرًا للدولة، وغالبًا ما تحصر إشكالية القانون في تطبيقه، كأن الإشكالية تنتهي بالتطبيق »الصحيح« للقانون.

»كلّما أصبحت دراسة القانون أكثر نظريّة مالت إلى النقد، الذي هو نقد الذات ونقد الآخر«.[9] وبينما تكون دراستنا للقانون أكثر تقنية ومنطلقة ممّا هو مطبّق من نصوص فقط، فإننا لن نكتفي بتفويت فرصة النقد والنقد الذاتي فحسب، بل غالبًا سنعتبر أن أي طرح نقدي للقانون هو خارج دائرة »علم القانون« أساسًا، فهو إما غير علمي أو لا يعنينا كقانونيين عالأقل، وهذا ما نواجهه كثيرًا كطلبة في كلّيّات الحقوق على سبيل المثال.

قانون إسلامي أم شريعة إسلامية؟

يوجد كثيرٌ من الغلط حول الشريعة نابعٌ عن ترجمة مفاهيم الإسلام ومصطلحاته؛ إذ يُترجَم مفهوم ما إلى لفظة معيّنة، فيصبح المفهوم محمّلًا بالحمولة التي تحملها اللفظة في اللغة التي تُرجمت إليها. وأحد الأمثلة الأساسيّة لإشكاليّات الترجمة لمفاهيم الإسلام، هو ترجمة مصطلح الشريعة الإسلامية إلى اللغة الإنجليزية، الذي يُترجم عادةً إلى (Islamic Law)، والذي يعني حرفيًا »القانون الإسلامي«، فيُتعامل مع  مصطلح »القانون الإسلامي« باعتباره مرادفًا لـ»الشريعة الإسلامية«.

إن استخدام مصطلح »القانون الإسلامي« كمرادف لـ»الشريعة الإسلامية« يعني: »أن نُسقط –إن لم نكن نقحم– على ثقافة الإسلام التشريعية، مفاهيم مشبّعة بالخصوصيّة لقانون الدولة القوميّة الحديثة«،[10] بكلمات أخرى؛ عندما نستخدم »القانون« لوصف »الشريعة« نكون قد حمّلنا الشريعة دلالات عديدة ليست منها، ونكون قد حكمنا عليها مسبقًا، لأنَّ الناظر إليها يكون منطلقًا ممّا يعنيه القانون لرؤية ما تعنيه الشريعة.

 أحد المواضيع التي ندرسها في السنة الأولى من دراسة القانون، وغالبًا نمرّ عنه سريعًا على الرغم مما يحمله من أهميّة وتركيب، فنتجاوز النقاش الدائر حوله كي نستطيع الولوج إلى ما هو سارٍ ومطبّق من تشريعات وقوانين، هو موضوع تمييز القانون أو القواعد القانونية، بل وفصلها عن غيرها من العلوم والقواعد المعيارية الأخرى؛ فنميّز بين قواعد القانون وقواعد المجاملات، ونميّز أيضًا بين علم القانون وعلم السياسة مثلًا، والفصل الأهمّ الذي نجريه، والذي يحيل إلى نشأة ما هو »قانوني«،[11] ألا وهو الفصل بين القانون والأخلاق.[12]

هذا الفصل بين ما هو قانوني وبين ما هو أخلاقي، هو أحد المقولات الأساسيّة في القانون الحديث، الّتي تغدو من المسلّمات حين نشتغل أو نفكّر بالقانون، فحين جاء الاستشراق كي يدرس الشريعة الإسلاميّة، وجدها لم »تضاهي أي نسخة من القانون الأوروبي«، فحكم عليها بالفشل وعدم الكفاءة والفعاليّة؛ لأن الناظر إلى الشريعة بوصفها »القانون الإسلامي« والمنطلق من مسلّمات القانون الحديث، تلك المسلّمات التي تتطلّب من أيّ قانون أن يُخرج نفسه من دائرة الأخلاق، سيجد أنّ الشريعة لا يوجد فيها هذا الفصل، فلم تتعامل مع القانوني والأخلاقي باعتبارهما منفصلين، بل كشيء واحد، ومن ثم سيرى عدم الإنفصال هذا بنبذ وإدانة، في حين أنه ليس فقط يمكن اعتبار عدم الفصل بين القانوني والأخلاقي في الشريعة امتيازًا إيجابيا لها، بل يمكن عكس تلك النظرة الدونية تجاه الفصل بينهما.[13]

إنّ افتراض القانون الحديث بفصل القانون عن الأخلاق، هو كأشياء كثيرة في الحداثة جُعلت حقيقة كونية وأبدية، والشاهد هو أنها تأتي مفترضة، فتُنتج أحكامها بمجرّد طرح السؤال، أي إنها تحمل الإجابة في السؤال نفسه، ويقع الغلط بشكل جليّ حين يكون السؤال عن أشياء هي بالأساس خارج نظام الحداثة المعرفي، كالسؤال مثلًا عن طبيعة »القانون الإسلامي«! لذلك كلّه، وترديداً لدعوة حلاّق، ينبغي علينا قبل دراسة الشريعة، الحذر في تعاملنا مع اللغة، لأن الكلمات انحياز، كما يجب دراسة القانون دراسة نقدية بفهم أصوله النظرية، والتّعمّق في الحداثة ونظامها المعرفي المهيمن، فنحن مدينون لأنفسنا بذلك.

________________________

هوامش:

*نُشر هذا المقال على موقع “إدراك” بتاريخ 4 إبريل 2023

[1]مقابلة وائل حلاق في مدونة الشريعة الإسلامية، مترجمة على منصة إدراك، رابط المقابلة.
[2] المصدر السابق
[3] المصدر السابق
[4] بتقعيد الاستشراق على بنى الحداثة الأعمق، يُصبح الإشكال في الحداثة نفسها وفي نظامها المعرفي، من هنا يُفهم استشكال حلّاق للعلوم الحديثة، بوصفها هي الأخرى، وليس فقط الاستشراق كحقل معرفي، تحمل في طياتها إشكاليات منهجية. أنظر إلى: وائل حلاق. قصور الاستشراق: منهج في نقد العلم الحداثي، ترجمة: عمرو عثمان. بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2019.
[5] أنظر إلى: وائل حلاق. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة: عمرو عثمان. بيروت المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
[6] وائل حلاق. الشريعة النظرية الممارسة والتحولات، ترجمة: كيان أحمد حازم يحيى، بيروت: دار المدار الإسلامي، 2019، 943.

[7]المصدر السابق، 943.

[8] تجدر الإشارة إلى أنّ التطبيق هنا يختلف عمّا يتحدّث عنه معظم أساتذة القانون محليًّا؛ أنَّ التوجُّه السائد في تعليم القانون في الجامعات الفلسطينية هو توجُّه نظريّ، بعيد عن التعليم العمليّ أو التطبيقيّ، وهذا صحيح، لكن يصبح المقصود بالتّطبيق، الذي عرّفته آنفا، التّطبيق بصورة نظريّة بعيدة عن واقع ممارسة المهن القانونية. ويحاجج مَن يستنكر هذه الطريقة غالبًا، بدعوى تحقيق مزيد من المهنَنَة في تعليم القانون؛ أي أن يصبح ما نتعلّمه هو التطبيق بصورة عمليّة وليست نظريّة كما هو الآن، كأن يكون تعليمًا ميدانيًّا يحتكّ مع المهنة مثلا؛ وذلك من أجل “تهيئة الطلبة لسوق العمل”.

أنظر إلى: Mutaz Qafisheh, A century of the law profession in Palestine: quo vadis?, International Journal of the Legal Profession,2018 VOL. 25, NO. 2, 175–212.

[9] مقابلة وائل حلاق في مدونة الشريعة الإسلامية، مترجمة على منصة إدراك، رابط المقابلة.
[10] وائل حلاق. ما هي الشريعة، ترجمة: طاهرة عامر وطارق عثمان، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2016. 17-18.

[11] أنظر إلى الفصل الرابع: وائل حلاق. الدولة المستحيلة: الإسلام والسياسة ومأزق الحداثة الأخلاقي، ترجمة: عمرو عثمان. بيروت المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2014.
[12] أنظر إلى: عباس الصراف، جورج حزبون. المدخل إلى علم القانون: نظرية القانون- نظرية الحق، عمان: دار الثقافة للنشر والتوزيع، 2016. وهو كتاب أكاديمي معتمد للتدريس في كثير من كليات الحقوق.
[13] وائل حلاق، ما هي الشريعة، مصدر سابق، 17.

بحث للدكتور عبد العزيز حسن صالح منشور في المجلد (8) العدد 4 بمجلة الدراسات القانونية والاقتصادية بكلية الحقوق جامعة مدينة السادات، الصادر في ديسمبر 2022م.
يتناول البحث ضمانات المحاكمة العادلة للمتهم في القانون الروماني والشريعة الإسلامية؛ حيث أقرت الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية وقوانين الإجراءات الجنائية المعاصرة بمختلف الدول ضرورة تمتع المتهم أثناء محاكمته بالعديد من الضمانات بهدف تحقيق العدالة، فإذا كانت العدالة الجنائية تتأذي من وقوع جريمة دون عقاب مرتكبيها فإنها تتأذي أيضًا وبشكل أكبر إذا أدين شخص برئ أو انتهكت حقوقه أثناء محاكمته لما يُعد في ذلك من ظلم بَيْن.
وبالنظر إلى الوضع في القانون الروماني الذي يُعد وبحق مصدرًا مهمًا لكثير من قوانين الدول العربية سنلاحظ أن وضع المتهم قد اختلف من وقت لآخر وذلك بحسب ظروف المجتمع السياسية والاجتماعية والدينية، بخلاف الوضع في الشريعة الإسلامية.
ولقد أوضح الباحث في هذه الدراسة ضمانات المتهم في كل من القانون الروماني والشريعة الإسلامية لما في ذلك من أهمية على المستويين العلمي والعملي، وقسّم البحث إلى مقدمة ومطلب تمهيدي ومبحثين على النحو التالي:

  • مطلب تمهيدي: مفهوم وأساس المحاكمة العادلة للمتهم.
  • مبحث أول: ضمانات المتهم في مرحلة ما قب المحاكمة.
  • مبحث ثاني: ضمانات المتهم في مرحلة المحاكمة.

رابط مباشر لتحميل البحث

بحث للدكتور محمد علي حسونة منشور في المجلد (9) العدد 1 بمجلة الدراسات القانونية والاقتصادية بكلية الحقوق جامعة مدينة السادات ، الصادر في مارس 2023م.

يتناول البحث مفهوم الحريات العامة بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي؛ حيث يحظي موضوع الحريات العامة باهتمام كل فرد من أفراد المجتمع، وذلك علي خلاف الوضع بالنسبة للسلطة، ذلك أن السلطة وما يدور حولها من صراعات وتطورات لا تهم إلا طبقة محددة في جميع الأنظمة؛ لأن السلطة بحكم طبيعتها أوليجارشية أي تقع بين يدي قلة منأفراد المجتمع، ومن ثم يظل المواطن العادي منصرفًا عنها نهائيًا، أو متفرجًا عليها دون اكتراث أو معلقًا على ما يدور حولها من أحداث، أما الحريات العامة فتهم المواطن العادي، وهي تهمه في حياته اليومية وتؤثر في سعادته الشخصية بشكل مباشر.

وأوضح الباحث أن الشريعة الإسلامية وضعت الحريات العامة في مكانة لم يضعها أحد من قبل، حيث شكلت مجتمعًا تسوده الحرية الحقيقية.

ولقد تناولت الدراسة مفهوم الحريات العامة بين الشريعة والقانون كدراسة مقارنة عن طريق تناول جانب من الأحكام التي تساعد في تحديد مفهوم الحريات العامة وخصائصها وحدودها وكذا مقارنة مركز الفرد بشأن الحريات العامة والضمانات المقررة لممارستها.

وتأسيسًا على ما سبق فقد قسم الباحث دراسته إلى ثلاثة فصول على النحو التالي:

  • الفصل الأول: المفاهيم الأساسية للحقوق والحريات العامة
  • الفصل الثاني: مدلول الحريات العامة وخصائصها وحدودها
  • الفصل الثالث: مقارنة مركز الفرد بشأن الحريات العامة في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية.

رابط مباشر لتحميل البحث

يحتاج الناس في حياتهم إلى القضاء، فلم يخل مجتمع من المجتمعات من جهة تقضي بين الناس وتفصل بينهم في منازعاتهم وتنصف المظلوم وتردع الظالم، ولهذا السبب لم تغفل الشريعة عنه وإنما شرعت الأحكام لإيجاد مؤسساته، وبينت الشروط فيمن يتولى مهامه، وأرست أصوله، وشرع العلماء في تنزيل تلك الأصول وتحويلها إلى إطار مؤسسي له بنية داخلية محددة، وإجراءات تضبط عمله، وفي السطور التالية أسعى إلى التعرف على بنية النظام القضائي في الإسلام ومكوناته، والضمانات التي تكفل له تحقيق العدالة.

بنية النظام القضائي في الإسلام

يضطلع النظام القضائي في الإسلام بمهمة أساسية هي الفصل بين الأفراد وفقا للقانون الإسلامي والذي يتم تعريفه بأنه ” الأحكام الشرعية المستفادة من القرآن والسنة ومن المصادر المعتبرة شرعا في هذه الأحكام”[1] فهو الذي يحدد ما للأفراد من حقوق وما عليهم من واجبات. ويتألف نظام القضاء الإسلامي من ثلاثة أركان هي: –

أولا: القاضي، ويمثل الركن الأول من أركان المنظومة القضائية، فهو الذي يحسم الخلافات ويفض المنازعات، وتنعقد للقاضي ولاية القضاء من قبل ولي الأمر أو من يقوم مقامه كوزير العدل، فإذا لم تنعقد ولاية القضاء لا يكون قاضيا ولو اتفق المتنازعون عليه، والأصل أن يتولى ولي الأمر أو الإمام القضاء بنفسه لكنه لعظم مهامه وضيق أوقاته ينيب عنه من تتوفر فيه شروط القضاء: ومنها رجاحة العقل والنضوج العقلي، والبلوغ إذ لا ولاية للصبي على ذاته حتى تمتد لغيره، وسلامة البدن والحواس، والعدالة.  

وثمة شرطان يثيران نقاشا فقهيا وهما: اشتراط الذكورة والإسلام، والذكورة شرط عند جمهور الفقهاء فلا يجوز عندهم تقليد المرأة القضاء، وحجتهم حديث “ما أفلح قوم ولوا أمرهم امرأة” وخالفهم في ذلك كل من: الحنفية الذين أجازوا أن تكون المرأة قاضيا في غير الحدود والقصاص، و الإمام الطبري الذي ذهب إلى أن الذكورة ليست شرطا لتولي القضاء والإفتاء لا يشترط فيه الذكورة، وفقهاء الظاهرية الذين رجحوا أن الحديث يتعلق بالخلافة، وأنه ليس هناك دليل على منعها من ولاية غيرها من الولايات. وأما اشتراط الإسلام فقد قال به جمهور الفقهاء، وذهب الحنفية إلى جواز ولاية غير المسلم على غير المسلمين وعللوه بأن أهلية القضاء مثل أهلية الشهادة.

وإذا كان القاضي يستمد ولايته من الخليفة -ولي الأمر- فإن هذا الاستمداد في حقيقة الأمر هو من عامة المسلمين الذين اختاروه، وصار يمثلهم في مصالحهم ومنها حقهم في ولاية القضاء، فهو في تعيينه للقاضي يكشف عن إرادتهم في هذا التعيين، وضمانا لنزاهته يتقاضى القاضي راتبا من الخزانة العامة “بيت المال” بوصفه عاملا من عمال الدولة، ويحظر عليه جمهور الفقهاء الاشتغال بأعمال التجارة وبما يصرفه عن أعمال القضاء.

ثانيا: الدعوى: وهي ما يدعى به إنسان على آخر من حق ويريد من القاضي أن يقضي له به، وتتألف من ثلاثة عناصر:

أ‌- المدعي، وهو طالب الحق الذي يتقدم إلى القاضي بالدعوى لاستخلاص حقه، ويشترط فيه أن يكون: ممن تقبل شهادته أمام القاضي، أن يتقدم بطلب النظر في الدعوى، وأن يكون حاضرا وقت إقامة الدعوى أو أن يقيم عنه وكيلا إن كان غائبا.

ب‌- المدعى عليه، وهو الذي يصدر الحكم ضده، سواء كان واحدا أم جماعة ويشترط حضوره وقت حضوره وقت صدور الحكم عليه، لأنه لا يجوز الحكم على الغائب إلا إذا كان له من ينوب عنه.

جـ- المدعى به، وهو الحق الذي يطالب به المدعي، وهو موضوع الدعوى، وفي العصر الإسلامي المبكر كان القاضي يحكم في جميع القضايا دون تخصيص، وحول هذا المعنى يقول ابن رشد “واتفقوا أن القاضي يحكم في كل شيء من الحقوق، كان حقا لله أو حقا لآدميين، وأنه نائب عن الإمام الأعظم في هذا المعنى”، ومع اتساع دائرة المدعى به إلا أنه لا يصح أن تكون العبادات مما يصلح الادعاء به، فليس للقاضي أن يحكم في صحة الصلاة وأسباب الطهارة وإنما هي مما يدخل في باب الاستفتاء.

ثالثا: الحكم: وهو يصدر عن القاضي بعد سماع حجج وبينات ودفوع أطراف الدعوى، وفيه يحكم على المدعى عليه سواء بالإدانة أو الإبراء، وسواء كان الحق لله تعالى أو للعبد أو لكليهما معا.

خصائصه المميزة

يمكن أن نستشف من خلال مكونات النظام القضائي أن هنالك خصائص تميزه عن غيره من النظم القضائية المعاصرة، ومنها:

– الشريعة مصدر القانون، فالله سبحانه وتعالى هو المشرع للقانون وليس للإنسان سوى تطبيقه عن طوع واختيار لا عن جبر وإكراه، والقاضي ليس إلا مبينا وكاشفا عن حكم الله.

– العدالة والمساواة، إذ لا يميز القضاء الإسلامي بين الناس حسب المكانة الاجتماعية أو الجنس أو العرق أو الشرف غيرها من أنواع التمييز فالجميع في ساحة القضاء سواء مهما تباينت منازلهم أو ألوانهم أو أجناسهم.

– الشمول، فهو يشتمل على شئون الأموال والأعراض والدماء وشئون الأسر، وشئون الحكم، والحرب والسلام، والعقود والتحكيم وغيرها، وهذا الشمول مستمد من شمول الشريعة ذاتها.

– وحدة القضاء، وهي واحدة من أهم مميزات القضاء الإسلامي؛ إذ أن الإنسان أمام القضاء الإسلامي ليس أمام قضاء متعدد الاختصاصات والجهات ومتباين المصادر، لكنه أمام قضاء واحد تندمج فيه كافة الاختصاصات وتتوحد فيه طرائق الدعوى والإثبات. 

– اقتصاره على الأمور الحياتية دون الأمور العبادية، إذ على الرغم من أن مصدر القانون مصدر متجاوز وعلوي إلا أن القانون لا يحكم إلا في الأمور الحياتية[2]، وهذا الفصل هام للغاية إذ يرشدنا أن الحكم على الأمور العبادية ليس إلا لله وحده ومن ورائه الضمير الإنساني فليس لإنسان التدخل في كيفية أداء أحدهم لعباداته وصلواته وإلزامه بشروط صحتها وما إلى ذلك.

ضمانات العدالة والاستقلال

ثمة ضمانات وضعها رجال الشريعة عبر العصور من أجل ضمان تحقيق القضاء في الإسلام للعدالة بين الناس، وضمن هذا الإطار يمكن التحدث عن بعض القواعد الفقهية التي تم تضمينها في البنية القانونية لتضمن تحقيق العدالة للمتقاضين دون محاباة، ومن هذه القواعد قاعدة ” الحق لا يسقط بتقادم الزمان” وبمقتضاها يحق لأرباب الحق المطالبة قضائيا باسترداد حقهم مهما تطاول الزمان، حتى إن انقضت المدة الزمنية المخصصة لإقامة الدعوى، ومنها إجازة فسخ عقود المكره من بيع وشراء وهبة وغيره بعد زوال الإكراه الشرعي، فإن مات المكره انتقل الحق إلى ورثته. ومنها عدم قبول شهادة المستخدمين لصالح مخدوميهم في الدعاوى، وما إلى ذلك من قواعد ضبطت الممارسة القضائية وكفلت العدالة بها.

غير أن هذه القواعد وحدها ما كانت لتكفل العدالة لولا مبدأ استقلال القضاء عن باقي السلطات في الدولة، وهذا الاستقلال على شاكلتين:

– استقلال ذاتي داخلي، يراد به فصل القضاء عن نوازع القاضي الذاتية التي قد يختل بها مقصد العدل، ويشمل سلامة القاضي في صفاته: الذاتية والخلقية والدينية، وتحرره من الخوف والحاجة، ومن هذا الاستقلال الذاتي للقاضي غير المنصوص عليه في القوانين ينبع استقلال النظام القضائي بأسره، لأن نابع من ضمير القاضي ومراعاته لأحكام الشريعة ومبادئها.

– استقلال خارجي، يتعلق بمنع تدخل غير القاضي وتأثيره على القاضي، وهو يتضمن الاستقلال الوظيفي ويعني قيام القاضي بواجبه القضائي دون تدخل من أي جهة أو تأثير، والاستقلال العضوي الذي يعني إفراد القضاء بسلطة منفصلة عن باقي السلطات.

وثمة ضمانات وضعها العلماء تكفل استقلال القضاء من قبيل، وضع شروط ذاتية وخلقية فيمن يتولى القضاء، وحصر تولية القاضي في الإمام أو من ينوب عنه، وعدم نقل قضية دخلت في ولايته بلا سبب مشروع، وعدم جواز عزله إلا بطلب منه أو بمقتضى مصلحة شرعية، وعدم نقض حكم القاضي من أي جهة حتى وإن كان السلطان ذاته، إذ الأصل صحة الحكم القضائي ولا يبطل منه إلا ما خالف نصا شرعياً أو خالف إجماعاً قطعياً أو ظنيا أو خالف القواعد العامة، وعدم جواز نظر القاضي دعوى يمثل هو أو أحد أقاربه طرفا فيها، وحظر منح الهبات والهدايا للقضاة. وهي ضمانات تكفل في مجموعها تحقق الاستقلال بنوعيه.

وقد ناقش الفقهاء مسألة تدخل ولي الأمر في عمل القاضي واعتبروه معصية، واستدلوا على ذلك بالقاعدة الشرعية ” لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”، وأن السمع والطاعة لولي الأمر يكون في غير معصية فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة، وذهبوا إلى أنه إذا أصر ولي الأمر على التدخل رغم ممانعة القاضي وجب عليه الاستقالة حفاظا على استقلاليته، لأنه ليس بإمكانه التنازل عنها لأنها ليست حقا شخصيا له وإنما هي من حقوق الله تعالى التي لا يجوز التنازل عنها[3].

واستقلال القاضي لا يمنع من مراقبة أعماله وتفقد أحواله، ولولي الأمر أن يطالبه بعدم تأخير الدعاوى بغير مبرر، وأن ينظر في أقضيته وأحكامه التي يصدرها فإذا تبين أنه أخطأ في بعضها جاز عزله عند بعض الفقهاء، وإذا قصرت الرقابة عن الوصول لهدفها من مراقبة القضاة وتقويمهم ووقع من بعضهم الخطأ أقرت الشريعة التشكي فيجوز لأحد المتداعيين في الدعاوى أن يتشكى من انحياز قاضيه إلى خصمه أو بوجود عداوة سابقة معه أو غير ذلك من الأمور، ويجب عليه أن يرفع شكواه لولي الأمر الذي ينظر فيها وأن يعاقب القاضي أو يعزله إن ثبت جوره وظلمه.

الخلاصة، أن المؤسسة القضائية الإسلامية كانت تتشكل من بنية هرمية محددة الأركان والمهام، وأنها تمتعت بالاستقلال عن السلطتين التنفيذية والتشريعية بفضل مجموعة الضمانات التي كفلتها الشريعة واستنبطها الفقهاء، وهو ما أمكنها من تحقيق مبدأ العدالة القضائية.

________________________

*مقال منشور على موقع إسلام أون لاين

[1] عبد الكريم زيدان، نظام القضاء في الإسلام، بيروت: مؤسسة الرسالة، 1989، ط2، ص 5.

 

[2] محمد فاروق النبهاني، النظام القضائي في الإسلام، الرياض: التضامن الإسلامي، 1972.

 

[3] عبد الفتاح أبو غدة، قبسات من تاريخ القضاء في الإسلام، الكويت: الوعي الإسلامي، ع 58، 1969، ص 65.

 

. [4]عبد الكريم زيدان، المرجع السابق، ص 72-73. 

ليس في العالم العربي على امتداده واختلاف منابعه الثقافية مشتغل بالقانون -ممارسة أو تعليمًا أو تنفيذًا- إلا وهو يدين بفضل كبير لعملاق القانون الفذ عبد الرزاق أحمد السنهوري، وكما تتردد على ألسنة طلاب القانون والمشتغلين به في فرنسا أسماء بلانيول، وريبير، ودوجي، وجيني، وجارسون، وجرانمولان..، وكما يذكر المشتغلون بالقانون في الولايات المتحدة الأمريكية أسماء روسکو ياوند، وأوليفر وندل هولمز..، فإن رجال القانون العرب يتوجون أسانيد بحوثهم الفقهية وأحكامهم القضائية بالإشارة الى عبارة وردت هنا أو هناك في كتابات العلامة السنهوري، فيكون فيها القول الفصل، والرأي المعتمد الذى يتلقاه الخصوم جميعًا بالقبول.

وإلى عهد قريب كانت المعرفة بالسنهوري تعتمد على ثلاثة مصادر رئيسية؛ أولها جهوده وأبحاثه التي أثمرت ثمرتها الكبرى في صورة “مدونات” أو مجموعات القانون المدني في العديد من الدول العربية وعلى رأسها مصر التي أنجبته، والعراق التي أسهم الإسهام الأكبر في وضع قانونها المدني مقتربا به خطوة جديدة نحو الشريعة الإسلامية.

 والمصدر الثاني: كتاباته الفقهية التي تفرد بها، والتي تشبه البحر المحيط في على تفرد بها، والتي تشبه البحر المحيط في اتساعها وعمقها وإحاطتها، والتي تتميز مع ذلك بوضوح ما بعده وضوح، وجزالة في اللفظ والتعبير توشك أن تكون معها مزيجًا من الأدب والقانون، ويستطيع أن ينهل منها -بغير عناء- المبتدئون وخاصة المتخصصين على السواء، وعلى رأس هذه المصادر (الوسيط) في شرح القانون المدني المصري الذي أخرجه -رحمه الله- في عشرة أجزاء مطولة، عامرة بالمراجع العربية والأجنبية والآلاف من أحكام القضاء في مصر وفرنسا وبلجيكا وغيرها. وإلى جانب الوسيط قدم العلامة السنهوري للعالمين العربي والإسلامي رائعته الثانية (مصادر الحق في الفقه الإسلامي) وهو زاد رفيع المستوى، دقيق المنهج، لا يقدر على مثله إلا من كان راسخ القدم في فهم مقاصد الشرائع والمصالح التي تدور أحكامها حول رعايتها، كما أنه يُرسى منهجًا علميًا رصينًا في تناول قضايا الإصلاح التشريعي وبعث النظام القانوني الأصيل للأمة، وهو النظام المستمد من تاريخها والمتمثل في حضارتها.

 أما المصدر الثالث: فهو روايات الجيل الذي عاصر السنهوري وعمل معه أو تتلمذ عليه؛ فهؤلاء يعرفون الكثير عن الرجل وخلقه، وانقطاعه المطلق للبحث والتحقيق، وجَلَدُه على مشقة ذلك كله، كما يعرفون فضله في علاقاته بالناس، وترفعه على الصغائر، ويعرفون –بعد ذلك- أطرافًا من مواقفه الوطنية والسياسية.

مذكرات متفرقة

ومنذ شهور قليلة أُضيف الى هذه المصادر الثلاثة مصدر جديد هو مجموعة من
“أوراقه الشخصية”، التي كتبها -رحمه الله- بخط يده وقامت بإعدادها للنشر ابنته الوحيدة الدكتورة نادية السنهوري، والدكتور توفيق الشاوي الأستاذ السابق بكلية الحقوق بجامعة القاهرة وأحد تلاميذه والمعجبين بعلمه الواسع، والحريصين على إبراز توجهاته نحو تطبيق الشريعة الاسلامية واجتهاداته في ميدان نظام الحكم كما بدت من رسالته التي كتبها عام ۱۹۲۸، باللغة الفرنسية في موضوع “الخلافة”.

والأوراق الشخصية التي نُشرت هي مجموعة مذكرات متفرقة قد كتبها السنهوري -رحمه الله- لتكون نوعًا من “مناجاة النفس”، أو “اليوميات” الخاصة، ولم يفكر أبدًا في نشرها؛ أية ذلك أنها كثيرًا ما تكون تعبيرًا عن فكرة غامضة أو خاطرة تسجل عاطفة خاصة تجاه موقف عابر أو حدث عام أو خاص دون أن تبسط القول بالرأي الواضح المفصل، كما أن السنهوري -رحمه الله- لم يعن قط بتحقيق الكثير مما أشار اليه من أقوال الآخرين، بل ومن الأحاديث النبوية والأحكام الشرعية، على غير عادته المستقرة في كل كتاباته التي نشرها على الناس، لهذا فإن وضع تلك الأوراق الشخصية في إطارها الصحيح يبدو أمرًا ضروريًا حتى لا يتعلق أحد بعبارة وردت في سياق معين فيحولها الى “رأى السنهوري”، أو موقف محدد له من إحدى القضايا.

كذلك لا يخفى أن تلك الأوراق الشخصية قد كتبت على امتداد سنوات طوال، فقد كتب المذكرة الأولى يوم ١٤ أغسطس ١٩١٦، قبل سفره إلى فرنسا، ولم يكن عمره يجاوز الثانية والعشرين عامًا، وكتب المذكرة الاخيرة يوم ١١ أغسطس ١٩٦٩، أي أن بينهما أكثر من نصف قرن من الزمان المحمل بالتجارب والخبرات والنضج العقلي والعاطفي، وإنما تظهر القيمة الحقيقية لهذه المذكرات –فيما نرى- في كشفها عن جوانب متعددة من شخصية السنهوري وشواغله الذاتية، واستجاباته الذهنية والعاطفية، وعن القضايا التي احتلت اهتمامه وهو يتدرج نموًا ونضجًا من مرحلة طلب العلم والرحلة المبكرة الى فرنسا . إلى أن تولى القضاء والوزارة والتدريس ومارس السياسة وخاض العديد من التجارب والمواقف الوطنية.

وليس من أهداف هذه السطور أن تقدم السنهوري الفقيه القانوني لقراء العربية، وإن كان الجيل الجديد من ناشئينا، وخصوصا أولئك الذين يشتغلون بالقانون، يحتاجون الى تمثل “القمة”، الرفيعة التي تجلت في السنهوري، عالمًا محققًا أمينًا، وباحثًا مدققًا لا يكل من طول المعاناة في البحث، وفقيهًا موصولَ العقل والقلب بثقافة أمته وحضارتها وشريعتها، لم يصرفه عن ذلك ما حصله من علم بحضارة الآخرين ومن نشأة في ظلال قيم تلك الحضارة ومعاييرها.

 إنما الهدف من هذه السطور أمران:

الأول: الوقوف على بعض المعالم “غير المذكورة”، في شخصية العلامة السنهوري، كما كشفت عنها “أوراقه الشخصية” التي نشرت أخيرًا.

الثاني: الوقوف عند بعض خصائص منهجه البحثي والفقهي في القانون الوضعي والشريعة الاسلامية على السواء، كما وصفه هو في بعض تلك “المذكرات”.

 ونختار هنا من جوانب شخصية السنهوري جوانب ثلاثة كشفت عنها أوراقه الشخصية:

أولها: موقفه الاجتماعي، وعنايته الخاصة بحقوق العمال والفلاحين فهو يعبر في بعض كتاباته الشخصية المبكرة عن تعاطفه القوى مع الفقراء والمحرومين، ثم يصل من ذلك الى التفكير في إنشاء حزب للعمال والفلاحين.. فيكتب -وهو بعد في فرنسا يطلب العلم- في ٨ سبتمبر ۱۹۲۳ أنه “إذا استقرت الحياة البرلمانية في مصر توجد حاجة لإنشاء حزب للفلاحين والعمال يكون غرضه إشراك الفلاحين بقدر ما يمكن في حكم أنفسهم بعد نشر التعليم فيهم وإصلاح حالتهم المادية من جميع الوجوه، ويأخذ هذا الحزب من مبادئ الاشتراكية الجزء العملي منها غير المتطرف”. ويعود السنهوري مرة أخرى يوم 9 اكتوبر ۱۹۲۳ فيتحدث عن هذا الحزب فيقول: حزب الفلاحين والعمال حزب يستمد مبادئه من تجارب الأمم الغربية ومن التعاليم الفقهية الصحيحة التي أتى بها الإسلام والمسيحية، وهو الحزب الذي أرى مصر في حاجة إليه بعد أن تظفر بنصيبها من الاستقلال التام وبعد أن تستقر الحياة البرلمانية فيها، وأهم اغراض هذا الحزب على ما أرى:

  1. تعليم الفلاحين والعمال (تعليمًا إجباريًا مجانيًا).
  2. تأليف النقابات الزراعية ونقابات العمال.
  3. تحسين الحالة الصحية في مساكن الفلاحين والعمال.
  4. اشتراك الفلاحين والعمال اشتراكًا فعليًا –بعد أن يتم تعليمهم- في إدارة حكومتهم وفي إدارة الحياة الاقتصادية للبلاد على مبادئ بعيدة عن التطرف الاشتراكي.
  5. مقاومة الاستعمار الأوروبي السياسي والاقتصادي في جميع الدول الشرقية والتفاهم في ذلك مع عمال وفلاحي الأمم الغربية ومطالبتهم بالقيام بعمل جدي في سبيل تحقيق هذا المبدأ المشترك بين الجميع. وينتبه السنهوري رحمة الله عليه إلى مخاطر تسلل الوصوليين والدخلاء الى مثل هذا الحزب. فيقول: “ويجب العمل على إبعاد الوصوليين عن هذه الحركة وجعلها حركة صادقة مخلصة للعمال والفلاحين … ويختم كلامه بقوله “وأقصد بالفلاحين هنا غير كبار المزارعين، وهم عمال الزراعة وصغار الملاك من المزارعين”.

ومن المؤكد أن السنهوري قد تأثر في كتاباته هذه بالجو السياسي والاجتماعي الذي أحاط به في فرنسا حيث كُتبت هذه المذكرات التي تتحدث عن الاشتراكية وعن حزب العمال والفلاحين، ومع ذلك فقد بدا في بعضها حرصه على التوفيق بينها وبين أصول الحضارة العربية الإسلامية، فهو يكتب من لاهاي في ١٥ اغسطس ١٩٢٤ قائلًا “لا أرى أن الروح الاشتراكية تتناقض مع الروح الشرقية (الإسلامية)، ففي مصر مثلاً يمكن القيام بالإصلاحات الداخلية اللازمة لتقوية الأمة على أسس إسلامية تؤدى الى توزيع الثروة توزيعًا أقرب الى العدل من التوزيع الحالي، على أن رؤية السنهوري للمشكلة الاجتماعية قد تطورت فيما يبدو من مجرد دعوة إلى إنشاء حزب العمال والفلاحين إلى توجيه لتصنيع البلاد، حتى يرتفع مستوى معيشة الجميع، فنراه يكتب من دمشق في ١٣ يناير ١٩٤٤ أي بعد عشرين عامًا من تفكيره في إنشاء حزب للعمال والفلاحين قائلًا: والمسألة الاجتماعية في مصر ليست في الأخذ من الأغنياء لإعطاء الفقراء أكثر مما هي في رفع مستوى المعيشة للجميع فإن متوسط إيراد الفرد في مصر منحط إلى درجة لا تكاد تصدق، فاذا وزعت الثروة الحاضرة على جميع المصريين بالسواء بقي متوسط الإيراد منحطا كما هو، لذلك فإن علاج المسألة الاجتماعية في مصر هو في نشر الصناعة فيها والأخذ بيدها بأكبر جهد مستطاع، ثم يلخص الأمر كله بقوله “ومحاربة الفقر لا تكون إلا برفع مستوى المعيشة، ورفع مستوى المعيشة لا يكون إلا بإيجاد الصناعات الكبرى، على أن هذا التوجه الجديد لا يطفئ إحساسه بفقر الفقراء والحاجة إلى منح الناس جميعا فرصة متكافئة في الحياة ..، فهو يكتب في ١٢ يناير ١٩٤٤ “أن الإسلام يُرشد البشر حتى يتبينوا أن إعطاء الفقير ليس إحسانًا عليه تمليه الرحمة بل هو حق له يفرضه القانون”، ثم يعود في ١١ اغسطس ١٩٥٧ وهو يستقبل عامه الثالث والستين فيكتب: لأبذلن الجهد في خدمة بلدي مسترشدًا بمبادئ ثلاثة:

المبدأ الأول يتصل بالحياة حياة الاجتماعية وهو تكافؤ الفرص بين الناس من يوم أن يُولدوا إلى أن يتم إعدادهم لمعترك الحياة وتظل فكرة إنشاء حزب العمال والفلاحين قائمةً وحيةً في ذهنه فيقول: “ولعل هذه المبادئ.. ترسم الخطوط الرئيسية لبرنامج داخلي لحزب اشتراكي ديمقراطي للعمال والفلاحين في مصر، اسأل الله الكريم وأنا في مستهل هذا العام الجديد من حياتي – أن يجعل من حظي المساهمة في إنشاء هذا الحزب”.

ثانيًا: اهتمامه باللغة العربية وقرضه للشعر:

تجاوزت عناية السنهوري رحمه الله باللغة العربية حدود الاهتمام الطبيعي الذي يوليه رجل القانون عادة للغة وصحة استخدامها؛ فبالإضافة إلى ما تميزت به تآلیف العلامة السنهوري وكتاباته الفقهية من جزالة في اللفظ ودقة في التعبير ووضوح في العرض، فقد كانت له -كما تظهر من أوراقه الشخصية- اهتمامات واسعة باللغة العربية بلغت حد التفكير في تطوير طريقة كتابتها. وقد انتبه -رحمه الله- إلى تأثر اللغة بالميادين الجديدة التي تعبر عنها، في وقت مبكر جدًا حيث كتب من لاهاي في أول سبتمبر ١٩٢٤ ملاحظًا أنه في مطلع هذا القرن دخل في اللغة العربية أسلوب اللغة العملية في العلوم الاجتماعية المختلفة، وأنه يحسن أن يتقصى باحث هذه الأساليب المختلفة ويتتبع طريقة أصولها في اللغة العربية وما يجب أن يصنع لترقيتها مع عدم الخروج عن روح اللغة العربية.

كذلك ينتبه السنهوري الى دور النهضة اللغوية في تحقيق الوحدة العربية والاسلامية ولذلك يدعو في ٥ سبتمبر ١٩٢٤ إلى مؤتمر للغة العربية ينعقد في القاهرة، يُصدر القرارات اللازمة لتحقيق هذه النهضة من بينها -في رأيه- تأليف مجمع لغوى لوضع الألفاظ التي تنقص اللغة العربية في العلوم المختلفة وتأليف مجمع أدبي لتشجيع الآداب العربية وتجديدها بحيث تتفق مع روح العصر الحاضر، ويشير -بصفة خاصة- إلى أن من المؤلفات التي تنقص اللغة العربية مؤلف في الاستعمار من الوجهة التاريخية ووجهة نظر القانون الدولي، ويكتب السنهوري من دمشق في ١٦ مارس ١٩٤٤ محللاً ترتيب الحروف الهجائية في اللغة العربية ومقترحًا وضع قواعد جديدة لتشكيل الحروف يكون من شأنها الإقلال منه بقدر الإمكان. كما يكتب من دمشق كذلك في ١٩ مارس ١٩٤٤ عن “الحروف القمرية والحروف الشمسية”، كما يكتب عن مهمة المجامع اللغوية وقضية المصطلحات العلمية، وفي تطوير اللغة قائلا في جسارة وثقة أن “اللغة ليست كائنًا حيًا فحسب، بل هي مجموعة من الكائنات الحية وهى الألفاظ، ولما كان الحى يولد ويموت فإن هذه السُّنة تجري على الألفاظ في اللغة، فمنها ما يموت إذا بطل استعماله، ومنها ما يولد إذا استحدثه أهل هذه اللغة، فموت اللفظ وميلاده أمران موكولان إلى الاجيال المتعاقبة ممثلين في كُتابهم وأدبائهم وعلمائهم، ويصاحب هذا الاهتمام المقترن بالموقف النقدي حتى يكتب في ١٧ ابريل 1953 أن اللغة العربية لغة الكتابة فيها بعيدة عن لغة الكلام، ولغة الحاضر قريبة من لغة الماضي، وهذا إنما يدل على قليل من التطور، ويدلل على ذلك بقوله: أليست الشقة ما بين اللغة العربية الفصحى في عهدنا الحاضر ولغة العباسيين أقرب من الشقة ما بين لغة العباسيين ولغة الجاهلية؟ أليس هذا دليلًا على أن اللغة العربية تطورت ما بين عهد الجاهلية والعصر العباسي أكثر مما تطورت ما بين العصر العباسي وعصرنا الحاضر؟؟

 وأغرب من كل ما تقدم وأبعده عن ظن كثير من العارفين بالعلامة السنهوري أنه -رحمه الله – كان كثير الاستشهاد بالشعر، وكان ينشئ منه أبياتًا قليلةً يُحملها كثيرًا من أفكاره، وبعضًا من عواطفه وأوراقه الشخصية عامرةً بهذا الاستشهاد وذلك الانشاء، ففي سنة ١٩١٦ -وهو لا يزال بعد طالب في كلية الحقوق- يكتب في أول ذكرياته ثلاثة أبيات يحملها همومه وهموم أمته وهموم الحركة الوطنية في مصر والعالمين العربي والاسلامي فيقول:

أأرضى أن أنام على فراشي***ونوم المسلمين على القتاد

وأهنأ في النعيم برغد عيش*** وقومي شتتوا في كل واد

فلا نعمت نفوس في صفاء*** إذا نسيت نفوسا في الصفاء

ولا يفلح علم القانون، بانضباطه ومنطقه المحكم وقوالبه الصارمة في أن يطفئ جذوة المشاعر الحية في نفس السنهوري الشاب فإذا به في ١٦ أكتوبر ۱۹۱۸ يعبر عن عشق عذري يتأجج في النفس الشابة الطاهرة فيقول من أبيات له:

وأذكره في خلوتي ومدامعي*** تسيل وأنفاسي جوى تصعد

أكاد إذا ما جنته أن أبثه***حديثي لولا أنني أتجلد

وما بي منه غير حب مطهر***عن الرجس والأدناس والله يشهد

 ويوانيه هاتف الشعر في غير أمور العشق والغزل، فتقرأ له في ٢٢ يونيو ۱۹۳۱ يصف مجلس النواب في أعقاب الانتخابات التي أجراها إسماعيل باشا صدقي قائلاً:

نواب هذا الشعب صفوا جندهم*** وتحصنوا بسيوفه وحرابه

ما بالهم متوجسين كأنهم*** لا يدخلون البيت من أبوابه

وتحصنوا بالجند حتى يأمنوا***من كيد شعب أمعنوا في حربه

والشعب ينكرهم فهل من منصف***يأتي ليحمي الشعب من نوابه

ويتابعه هذا الهاتف الشعرى حتى وهو يدرس القانون ويتعرف على كنوز الشريعة فيكتب من بغداد في ١٧ سبتمبر ١٩٤٣ مناجيًا أبا حنيفة، مادحًا تجدد الفروع في فقهه مع بقاء الأصول الثابتة في منهجه فيقول:

أبا حنيفة هذا فقهكم بقيت***منه الأصول وقامت أفرع جدد

 ماذا على الدوحة الشماء أن ذهبت***منها الفروع وظل الجذع والوتد

 وتستولى على شعره -في كهولته وشيخوخته- نزعة تأمل فلسفي فنراه يكتب -في القاهرة – في ٧ أكتوبر ١٩٥٧ أبياتًا عن القمر الصناعي يقول فيها:

أطلقوه كوكبًا نحو الفضاء***فانظروا في الجو هل راح وجاء

 أترى جبار هذى الأرض قد***صعر الخد لجبار السماء

أيها الإنسان لا تزه فما***أنت في الأصل سوى طين وماء

 وتتسلل إلى شعره سحابات هم دفين، وعلامات ضيق لعلها صاحبت بداية اعتلال صحته، فيكتب في ٢٣ اكتوبر 1957:

متى ينفد الصبر الطويل وتنقضي*** ليال توالت كلها ظلمات

تعاليت هذا النور يعقب ظلمة***ويعقب موت المستكن حياة

 ولعل آخر ما أنشأه من الشعر، بيتان رددهما، وهو يبدأ الحادية والسبعين من عمره:

وصلت الى السبعين ثم تركتها***وهانزا أمشي لمرحلة أخرى

ومازلت أخطو خطوة بعد خطوة***وئيدا إلى أن أخطو الخطوة الكبرى

تُرى هل كان تلامذة السنهوري وقراء فقهه الواسع يعرفون عنه هذه الشاعرية الخفية التي جاءت بها قريحته الفذة والتي كشفت عنها أوراقه الشخصية التي احتفظ بها لنفسه طول حياته؟

ثالثا: نظرته الى الفقه الإسلامي، وخدمته للشريعة

كان السنهوري -رحمه الله- جادًا فيما يقول ويكتب، وكان محققًا في كل ما يبحث صبورًا على مشاق البحث العلمي وما يقتضيه من غوص في المصادر الأصيلة، واستقصاء لتلك المصادر، وحيازته لأدوات التفقه في الشرائع المختلفة، وهكذا كان اقترابه من الفقه الإسلامي منذ نشأته الأولى اقتراب الباحث عن الحقيقة المدقق في مهمتها، والأمين- بعد ذلك في عرضها، ولم يكن اقترابه منها اقتراب المتعجل في الأخذ أو المتسرع في العطاء أو المؤثر للجهاد الأسهل على الجهاد العلمي الأفضل، وتكشف أوراقه الشخصية في مرحلة شبابه وطلبه للعلم عن اهتمامه بقضية أساسية هي قضية “التوفيق” بين العقل والنقل، وهو توفيق لم يجد فيه صعوبةً ولا عسرًا، فقد اعتقد -منذ نشأته- أن العقل مدخلا الى التشريع الاسلامي، وأن الشرع والعقل لا يتناقضان.

يكتب – رحمه الله – في ۱۱ مارس ۱۹۲۳ وهو لايزال طالبًا في ليون بفرنسا “أن النبي (صلى الله عليه وسلم) لم يأت بأحكام تتناقض مع العقل في زمنه أو توقع إمكان تناقضها في المستقبل بل أنه نظر إلى إمكان تطور العقل فأوجد في الأحكام التي أتي بها مرونة وجعلها صالحة لكل زمان تُطبق فيه. وبعد، فهل العقل البشري استقر على حالة واحدة؟”.

ثم يعود فيكتب في ٢ سبتمبر ١٩٢٤، داعيًا الذين يجتهدون في استنباط أحكام الشريعة الاسلامية إلى أن يظلوا منتبهين إلى نسبية الاجتهاد، وإلى أن الأحكام التي يستنبطونها تظل -بدورها- قابلة للتطور، فيقول: “مهما كانت الحاجة الشديدة إلى النهوض بالشريعة الإسلامية وجعلها مطابقة لروح العصر الحاضر فلا يغيب عمن يريد القيام بإصلاح من هذا القبيل أن يترك للشريعة مرونتها ويكتفى باستنباط أحكام منها تتفق مع العصر الذي هو فيه دون أن يرتكب فيقول لصلاح هذه الأحكام المستنبطة صلاحية مطلقة، فقد يجيء عصر آخر تتغير فيه المدنية والآراء السائدة في الوقت الحاضر، وقد يكون بعض الآراء في فقه الشريعة لا يصلح في الوقت الذي نحن فيه ويجب تعديله في نظر البعض، ثم يأتي عصر آخر يكون فيه نفس الرأي صالحًا”.

ومن المؤكد أن فكرة إحياء الفقه الاسلامي، كانت واحدة من الأفكار الأساسية التي ربط بها السنهوري حياته([1]) وقد تجلت في ميادين عديدة أولها حرصه على وصل “التقنينات العربية الحديثة” بالفقه الإسلامي، وحرصه على تصحيح منهج “الإحياء” ذاته ثم حرصه على إنشاء المعاهد والمؤسسات التي تقوم على ذلك الإحياء، كما تجلت -في النهاية- فيما نذر له نفسه عن الكتابة الجادة في أدق أمور الفقه الإسلامي.

ولعل ما دفعه على بعث هذا الموقف الإيجابي من قضية إحياء الفقه الإسلامي، ما لاحظه مبكرًا حيث كتب من باريس في 28 يناير 1924 قائلًا: “إن المسلمين استطاعوا أن يبنوا مدينة زاهرة مع محافظتهم على عقائد الإسلام أما المسيحيون فلم يستطيعوا أن يتمدنوا إلا عندما تركوا الدين المسيحي بالفعل”.

أما عن منهج أحياء الفقه الاسلامي، فقد حدده -بدوره- في مرحلة مبكرة من حياته العلمية، حيث كتب – من باريس كذلك -في ٢٤ فبراير ١٩٢٤ قائلاً إن الأساس الذي يبنى على إحياء الشريعة الإسلامية يجب أن يكون كما يأتي:

  1. تمييز الاعتقاد الديني المحض عن الشريعة باعتبارها قانونًا لتنظيم علاقات البشر بعضها بالبعض (الفقه أو علم الفروع).
  2. في نظام الفقه يؤخذ الجزء الخاص بالقانون، ويستخرج منه القواعد العامة للشريعة الإسلامية، وهي قواعد تصلح لعموميتها أن تُطبق في كل زمان ومكان، وتعتبر هذه القواعد أصولًا للشريعة الاسلامية.
  3. هذه الأصول لا تتغير باعتبارها أصولاً، ولكن تطبيقاتها تختلف (أولاً) باختلاف الدين (ثانيًا) باختلاف الأمم، ثم يضيف: “وأُزيد هنا أنه في إحياء الشريعة الاسلامية لا ينبغي الاقتصار على كونها شريعة صالحة لتطبيقها على المسلمين في العصر الحاضر بل على غير المسلمين أيضًا، وليس معنى هذا إرغام غير المسلمين على اتباع قواعد لا تعتبرها معتقداتهم وأديانهم المختلفة التي يجب احترامها احترامًا تامًا، وإن معناه أن تكون حركة إحياء الشريعة الاسلامية مبنية على أساس لا يتناقض مع هذه المعتقدات”.

والواقع أن السنهوري -رحمه الله- كان متنبهًا منذ بداية تفكيره في قضية إحياء الفقه وتجديد نهضة العالم الإسلامي إلى أن هذه الدعوة لا يمكن -أبدًا- أن تكون دعوة مفرقة بين المسلمين والمسيحيين فهو يكتب من ليون في ۱۸ أكتوبر ۱۹۲۳ قائلاً: “وأرى أن المدنية الإسلامية هي ميراثٌ حلالٌ للمسلمين والمسيحيين واليهود المقيمين في الشرق فتاريخ الجميع مشترك والكل تضافروا على إيجاد هذه المدنية”.

على أن تناول السنهوري لقضية العلاقة بين الحضارة الإسلامية والحضارات الأخرى ظل محكومًا -طوال الوقت- بمنهج العلم وموضوعيته لا بملاءمات السياسة وتكونها، فنجده يقول في مقدمة كتابه الجليل عن مصادر الحق في الفقه الإسلامي، في الدروس التي ألقاها عامي 1953، ١٩٥٤ على طلبة قسم الدراسات القانونية بمعهد الدراسات العربية “أن همه في البحث لن يكون إخفاء ما بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي من فروق في الصفة والأسلوب والتصوير بل على النقيض من ذلك سنُعنى بإبراز هذه الفروق حتى يحتفظ الفقه الإسلامي بطابعه الخاص، ولن تحاول أن تصطنع التقريب ما بين الفقه الإسلامي والفقه الغربي على أسس موهومة أو خاطئة، فإن الفقه الإسلامي نظام قانوني عظيم له صنعة يستقل بها .. وتقضى الدقة والأمانة العلمية علينا أن نحتفظ لهذا الفقه الجليل بمقومات طابعه ونحن في هذا أشد حرصًا من بعض الفقهاء المحدثين، فيما يؤنس فيهم من ميل إلى تقريب الفقه الإسلامي من الفقه الغربي”.

وهكذا التزم العلامة منهج الأمانة والموضوعية وهو يمارس رسالته الجليلة في إحياء الفقه الإسلامي … وليت منهجه هذا يكون أسوة حسنة لجيل معاصر من الشباب والذي تؤرقه الرغبة في إحياء الفقه الإسلامي، ولكن كثيرين منهم يفتقدون المنهج العلمي الصحيح في ممارسة هذه التبعة الكبيرة، أو تضيق صدورهم عن تحمل مشقات البحث الدؤوب وتبعات الجهاد الأفضل في ميدان لا يصلح له ولا يغنى فيه الجهاد الأسهل.

وبعد، هذه إطلالات سريعة على حياة غنية بالعطاء متعددة الظلال والألوان، عرف منها رجال القانون جانبًا وغابت عنهم جوانب، فأردنا بهذه الكلمات السريعة أن نعلن عن بعض تلك الجوانب في شخصية عالم عاش متبتلًا لعلمه منقطعًا لرسالته، عازفًا عن كل صور الإعلان عن المهام الجليلة التي حملها بحقها وأدى أمانتها كأحسن ما يكون الأداء.


* مقال نُشر في مجلة العربي الكويتية في العدد الرابع الصادر في الأول من أبريل عام 1988.

[1] كتب – رحمه الله – في الاسكندرية في ١٢ أغسطس ١٩٥١ يقول: “وقد ازددت يقينًا وأنا اليوم استقبل السابعة والخمسين في عمري بأن مشروع الفقه الإسلامي وما ينبغي لهذا الفقه المجيد من دراسة علمية في ضوء القانون المقارن قد انغرس في نفسي، وأصبح جزءًا في حياتي يكبر معها ولكنه لا يشيب ولا يهرم”.

مفهوم الشريعة في المجال التداولي العربي الإسلامي

الشريعة، في المجال التداولي العربي الإسلامي، مفهوم حمَّالُ أوجهٍ، بل ومن أكثر المفاهيم قابليةً للتأويل. فعلى الرغم من الإيهام بوضوح المفهوم، لغةً واصطلاحًا، فإن هذا الوضوح المفتعل سرعان ما ينجلي عن غموض يفتح المجال واسعًا أمامَ المرجعيات الأيديولوجية المختلفة، لشحن المفهوم بشحنات دلالية قد تصل أحيانًا إلى حدود التضارب.

وفي علاقة بالفكر الإسلامي الحديث، نجد هذه الممارسة التأويلية، لمفهوم الشريعة، تؤثِّر على مستوى الممارسة العملية، بحيث ساهمت في تشكيل جماعات أيديولوجية مختلفة، تدّعي جميعها تمثيلَ المرجعية الإسلامية التي تقوم على أساس تطبيق الشريعة، لكن عندما نعود إلى تصوُّر هذه الجماعات لمفهوم الشريعة نجد تضاربًا واضحًا، فمثلًا هناك اختلافٌ جذريٌّ بين التصوُّر السلفي النهضوي، ذي التوجه المقاصدي، الذي يقوم على أساس الكليات الخمس من منظورِ قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وبين التوجُّهِ السلفي النصي الذي يكتفي بظاهر النص ويسعَى إلى تنزيله على أرض الواقع على شكل توجيهات قانونية شكلانية ترتبط بتطبيق الحدود.

وإذا عُدنا إلى تجربة الفكر السياسي الإسلامي الحديث، باعتباره وليدَ توجه عام نحو تطبيق الشريعة، فإننا نجد هذا المتنَ الفكريَّ جزءًا من التصورات السائدة عن مفهومِ الشريعة ذاتِه، ولذلك فإن المتنَ الفكري الإسلامي الحديث لا يخرج عن سياقين مختلفين لمفهوم الشريعة:

– السياق السلفي المقاصدي، وقد ارتبط بالفكر النهضوي، خلال مرحلة القرن التاسع عشر، وهو سياق ذو طابعٍ تأسيسيٍّ؛ لأنه كان سبّاقًا إلى طرح مفهوم الشريعة في السياق التداولي العربي الإسلامي الحديث، من منظورٍ مغايرٍ لما كان سائدًا خلال مرحلة الانحطاط، التي امتدت من القرن الخامس عشر إلى حدود القرن التاسع عشر الميلادي؛ وذلك لأنه دشن عودة مبدعة إلى المتن الأصولي (علم أصول الفقه) الذي أسّسه الشاطبي. وقد شكل إحياء المنهج الأصولي المقاصدي، خلال هذه المرحلة التاريخية، بدايةَ تأسيس تصور فكري وسياسي جديد؛ كاستجابة للتحديات المفروضة من طرف الحركة الاستعمارية التي قلبت التوازنات السائدة، ومثلت تهديدًا وجوديًّا للامتداد الحضاري العربي الإسلامي، لذلك كان سلاح المواجهة يرتبط بالعودة إلى الأصول الأولى للإسلام باعتماد أدوات منهجية جديدة، وضمن هذا السياق حضر مفهوم الشريعة، بقوة، وشكل مكونًا أساسيًّا ضمن المتن الاجتهادي النهضوي.

– السياق السلفي النصي، ويشكل امتدادًا للنسق الفكري الإسلامي ما-قبل النهضوي، في علاقة بمرحلة الانحطاط. وقد حاول مفكرو النهضة تجاوزَه عبر العودة إلى الأصول الأولى للاجتهاد الإسلامي، في علاقة بعلم أصول الفقه. لكن إجهاض المشروع النهضوي فتَح الباب واسعًا أمام عودة المكبوت السلفي النصي ليكتسح الفضاءَ الفكريَّ والسياسيَّ، من جديد. وقد تمَّ تدشينُ هذه العودة من خارج المجال التداولي العربي؛ حيث يُعتبر أبو الأعلى المودودي (مؤسس الجماعة الإسلامية في الهند) من أوائل المفكرين الإسلاميين، الذين سعوا إلى القفز على المشروع النهضوي، ذي الأبعاد المقاصدية، والعودة إلى المقاربة النصية للمتن الديني الإسلامي، وبعد ذلك تم نقلُ التجربة إلى العالم العربي من خلال أدبيات جماعة الإخوان المسلمين، التي بدأ صياغتُها الشيخ حسن البنا، واكتمل المشروع، بعد ذلك، مع سيد قطب الذي تَمكّن من نقل تصوُّر المودودي ونشره، تنظيرًا وممارسةً.

التصور السلفي المقاصدي

لعل أبرز خاصية ميزت الفكر السلفي المقاصدي، خلال القرن التاسع عشر، هي طبيعته الإبستمولوجية التي ربطت الخللَ السياسي والاقتصادي والاجتماعي، في الواقع العربي الإسلامي، بالخلل الذي أصاب آليات التفكير؛ وذلك من منظور أن نوعية الممارسة في الواقع العملي تُشكل امتدادًا مباشرًا لآليات معينة في التفكير والتصور, ولذلك فقد ركز النهضويون، في ممارستهم الفكرية، على محاولة إحداث اختراق في البنية الفكرية السائدة، عبر محاربة كل خصائص مرحلة الانحطاط السابقة، القائمة على أساس التقليد والاجترار، مع الدعوة إلى الاجتهاد، في قراءة النص الديني، كمدخل أساسي لخلق بنيةٍ فكريةٍ جديدة، تكون بمثابة الأرضية اللازمة لبناء تصور سياسي واجتماعي جديد.

ولعل هذا التوجه الإبستمولوجي هو الذي وجَّه، من قبل، الإمامَ الشاطبي في تأسيسه لعلم أصول الفقه، ولذلك يمكن اعتبار أن الأساس النظري للفكر السلفي النهضوي يستمد قوتَه من التصور المقاصدي، فقد كان توجُّه الإمام الشاطبي، في عصره، نحوَ تحقيق تحول نظري من عقلية التلقين والتقليد والجمود، التي سيطرت على القرن الثامن الهجري وساهمت في زعزعة الأسس الحضارية العربية الإسلامية، إلى عقلية التفكير والاستنتاج والاستدلال والاستقراء والتحليل والنقد والموازنة والاستشراف المستقبلي، وهي آليات بإمكانها أن تُساهم في إحداث تحوُّلٍ فكريٍّ سرعان ما يترجم على شكل تحول سياسي واجتماعي.

لقد كان الإمام الشاطبي، وهو يؤسس علم أصول الفقه، يُعبِّر عن موقف فكري ذي طبيعة علمية تجاه عصره، ولذلك لم ينشغل بتفاصيل الأحداث الجارية بقدر ما انشغل بالآليات الفكرية المتحكمة في هذه الأحداث. إن الإمام الشاطبي، وهو يوظف هذه المقاربة الإبستمولوجية، لم يتعامل مع المتن الديني الإسلامي كنصوصٍ مفكَّكة يُوجِّه كلَّ نص منها جانبًا من جوانب الحياة الواقعية، كما هو الشأن مع المقاربة السلفية النصية، ولكنه ركَّز في المتن الديني على المقاصد الكبرى المرجو تحقيقها لخدمة الوجود الإنساني على الأرض، وذلك من منظور قاعدة توجيهية، في غاية الأهمية، هي قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، وتمثل هذه القاعدة جوهرَ المشروع المقاصدي عند الشاطبي، وهذا ما نجده يؤكد عليه بقوله: “إن استقراءنا لأحكام الله تعالى ولجزئيات تشريعه جعلنا نقتنع، لا محالة، بمراعاة الله لمصالح عباده لوجود هذه المصالح بارزةً في كثير من الآيات القرآنية”(1).

وهكذا نجد الإمامَ الشاطبي، وهو يستقرئ أحكامَ الله تعالى وجزئيات تشريعه، لا يسعى إلى مقاربة معطيات واقعية يتحكم فيها النصُّ ويوجهها، مما يجعل الحركية الإنسانية في الواقع العملي نسخةً عن واقع سابق قاربه النص القرآني من منظور أسباب النزول، ولكنه يركز على استخلاص مبدأ تشريعي عام يتحكم في جزئيات التشريع ويوجهها، وهو مبدأ “مراعاة الله لمصالح عباده” مما جعل الفكر المقاصدي يذهب إلى أنه حيثما كانت مصالح العباد فثمة شرع الله. ولعل ذلك هو ما يؤكده الشيخ الطاهر بن عاشور، حينما يعتبر أن المقاصد هي حصولُ المصالح أو درء المفاسد لمناسبة الأحكام لتلك المقاصد الشرعية(2).

إن هذه الروح المقاصدية هي التي وجَّهت الفكر السلفي الإصلاحي، خلال مرحلة القرن التاسع عشر، وتحكمت في رواده وهم يقاربون مجموعةً من القضايا السياسية والاجتماعية لعصرهم، فقد تعاملوا مع النص الديني من منظور التركيزِ على روح الشريعة وليس من منظور ظاهر النص، وذلك ما يعبِّر عنه مفهوم “الاجتهاد” الذي هو “نظر في الفكر والشريعة بغية تقديم الحلول والأجوبة الشرعية على المستجدات التي تحدث في المجتمع الإسلامي”.

لكن مفهوم الاجتهاد، الذي يركز على النظر في الفكر والشريعة، ليس إلا مدخلًا لتأسيس مفهوم آخر، يعتبر امتدادًا لسابقه، وهو مفهوم التحديث الذي “يتعلق بالوجود الاجتماعي وما يرتبط به من أنماط الوجود السياسي والاقتصادي والقانوني والفكري”(3). هكذا يبدو أن التوجهَ المقاصدي، الذي اخترق المشروعَ الإصلاحي من الداخل، قد نجح في توظيف رُوح الشريعة الإسلامية، في مقاربة قضايا الاجتماع والسياسة من منظور تحديثيٍّ يتعامل مع المتن الديني كنصٍّ مفتوح على المستجدات التي تغزو الواقعَ السياسي والاجتماعي. ولذلك يبقى الواقع المتحرك هو أساسَ المقاربة المقاصدية، بينما يحضر النصُّ الديني كمُوجِّه لهذا الواقع. وبذلك تمَّ تجاوز المقاربة السلفية النصية التي تنظر إلى النص الديني كنص مكتمل الدلالة يتم استنساخه ولصقه في الواقع.

إن الشريعة، بهذا المعنى المقاصدي، لا تُقدم حقائقَ تامَّةً ونهائية، بل إن المتلقي المؤوِّل (المجتهد) هو الذي يِؤسِّس سيرورة الدلالة، عبر توظيف مؤهلاته القرائية في الاجتهاد، وعبر البحث في المتن الديني عن مسوِّغات قضايا الواقع المتحرك، وكل ذلك من منظور ربط الواقع المتغير والمُتحوِّل بأحكام دينية جديدة تنسجم مع سيرورة التغيير السياسي والاجتماعي. وتبدو آثارُ هذه المقاربة المقاصدية واضحةً في المتن الفكري، الذي خلفه رواد الفكر السلفي النهضوي، فعلى المستوى السياسي، مثلًا، قاد الشيخ علي عبد الرازق ثورة على الاستبداد السياسي الذي كان يلتحف عباءةَ الدين، و ذلك حينما وظّف قراءته المقاصدية، لروح الشريعة الإسلامية، في كشف عورة ما كان يُسمى بنظام “الخلافة”.

فبعد استقرائه للنصوص الدينية، يصرح بكل موضوعية علمية، أن الدين الإسلامي بريء من تلك الخلافة التي يتعارفها المسلمون، وبريء من كل ما هيأوا حولها من رغبة ورهبة، ومن عزة وقوة، والخلافة ليست في شيء من الخطط الدينية، كلا ولا القضاء ولا غيرهما من وظائف الحكم ومراكز الدولة، وإنما تلك كلها خطط سياسية صرفة(4). ولعل نفس هذه المنهجية المقاصدية هي التي قادت مجموعةً أخرى من رواد الفكر السلفي النهضوي، في المشرق والمغرب، إلى التأسيس لعهد جديد قوامه الاجتهاد في قراءة النص الديني من أجل الاستجابة للتحديات التي فرضتها التوازنات الجديدة في العالم، وهذا ما مكَّنهم من تدشين البوادر الأولى للحركة التحديثية الجديدة في العالم العربي، وهي حركة استطاعت تحقيق التوازن بين الاستجابة لتحديات العصر الحديث من جهة، والالتزام بروح التشريع الإسلامي من جهة أخرى.

التصور السلفي النصي

ارتبط التصور السلفي النصي، في التاريخ العربي الإسلامي، بالتراجع الحضاري الذي عاشه العرب المسلمون، خلال فترات تاريخية متعددة، فكلما توقفت الحركية السياسية والاجتماعية، إلا وتزامن ذلك مع جمود في حركية الفكر. ومن الثابت، تاريخيًّا، أن الفكر الإسلامي قد تمحوَر حول النص الديني “فالقراءات والتفسير والنحو والبلاغة وعلم الكلام والفقه وأصوله…علوم نشأت لفهم النص القرآني، ولتأويله بما يخدم الأهداف المسطرة فيه، بوصفه دستورًا ودليلًا للعبادات والمعاملات والسلوك والعلاقات بين الأفراد والجماعات داخل الأمة”(5). وهذا ما جعل جمودَ الحركية الفكرية ينعكس، بشكلٍ مباشر، على تلقِّي النص الديني، حيث غلب التلقي النصي كتعويضٍ عن تراجع الكفاية المنهجية اللازمة للتلقي العلمي.

إن حديثنا، هنا، يتعلق بالمرحلة اللاحقة لإجهاض المشروع النهضوي، ذي التوجه المقاصدي، وهذه المرحلة لا تختلف عن مرحلة الانحطاط السابقة عليها، والتي تميزت بجمود في حركية الفكر؛ مما انعكس، بشكل مباشر، على منهجية تلقي النص الديني، حيث سيطرت المقاربة النصية التبسيطية التي تتعامل مع الشريعة الإسلامية كأحكام قانونية جاهزة للتطبيق بنفس المنهجية، بغض النظر عن تحولات الزمان والمكان.

وقد تم تدشين هذه المرحلة، ضمن التاريخ الإسلامي الحديث، خارج المجال التداولي العربي، وذلك مع تجربة الجماعة الإسلامية، في الهند، والتي قادها أبو الأعلى المودودي منطلقًا، في ذلك، من تصور سلفي نصيٍّ لا يمتُّ بصلة إلى التراث النهضوي، بل يُؤسِّس لنكوص فكري إلى تراث عصر الانحطاط.

ي تصوره للخلافة الإسلامية، ينطلق أبو الأعلى المودودي من تصوُّر سلفي نصي، يعتبر أن الحكومة الإسلامية موجودةً “بالقوة” بين ثنايا المتن الديني، أما المطلوب، راهنًا، فهو إخراجها إلى حَيِّز الفعل، ولذلك نجد المجهود النظري الذي قام به المودودي يقتصر على جميع كافة آيات المتن القرآني التي تلقي الضوء على مسائل السياسة الأساسية، ثم قام بترتيبها لتظهر صورة الحكومة الإسلامية التي يريد كتاب الله إقامتها(6). ولعل تمحيص النظر في تصور المودودي لمفهوم الحكومة الإسلامية، ليشي بأن الفكر السلفي النصي قد تجاوز، بجرة قلم، كل التراث المقاصدي، سواء في صيغته التأسيسية مع الشاطبي أو في صيغته الحديثة مع الفكر السلفي النهضوي، وهذا ما كان يؤسس لعودة جديدة إلى تصور عصر الانحطاط لمفهوم الشريعة الإسلامية، باعتبارها مجموعةً من النصوص الدينية المصفوفة إلى جنب بعضها، حيث يستدعى منها عند الحاجة النصوصَ التي تُجيب على الواقعة لفظًا وشكلًا أكثر ما تستوعب أبعادها ومقاصدها.

وضمن هذا السياق نجد المودودي يؤسس لمفهوم “الحاكمية الإلهية”، الذي يَنفُذ إليه باعتماد مقدمة منطقية ذات طبيعة استقرائية، وظَّف خلالها المودودي قراءةً انتقائية لمجموعة من الآيات القرآنية التي ساعدته على بناء تصوره النظري حول مفهوم “الحاكمية الإلهية”. ينطلق المودودي، في البداية، من مسلمة أنطولوجية؛ هي أن الله تعالى هو خالق الكون كله، وخالق الإنسان وسائر الأشياء، وهذه المسلمة قادته إلى بناء مسلمة جديدة، هي أن الله هو مالك هذا الخلق وحاكمه ومدبر أمره. وفي الأخير يعلن المودودي عن النتيجة، وهي أن الحاكمية في هذا الكون ليست لأحدٍ غير الله(7).

وكما يبدو، فإن المودودي يخلط بين مرجعيات مختلفة، في تأسيسه لمفهوم الحاكمية الإلهية، فهو ينطلق من مقدمة منطقية تقوم على أساس مسلمة أنطولوجية يجمع عليها كل المؤمنين من جميع الديانات، ليصل إلى تأسيسِ نتيجة ليست من جنس المقدمة، وهي نتيجة ذات طابع سياسي عملي يرتبط بالحكومة الإسلامية، رغم أن المودودي يستبدل “الحكومة” المقصودة في التحليل بـ”الكون” كمفهوم مجرَّد وهلامي يُخفي أكثر مما يعلن.

إن هذا الطابع السياسي لمفهوم “الحاكمية الإلهية” هو ما يكشف عنه المودودي، بعد ذلك، بشكلٍ صريحٍ. وهو يؤكد أن “الحاكم الحقيقي للإنسان هو نفسه حاكم الكون”(8). وهذا ما ينتج عنه أن “حق الحكم والقضاء ليس لأحد غير الله”(9)؛ فالله هو حاكم الكون وفي نفس الآن هو حاكم الدولة، وذلك ضمن ما يُسمِّيه المودودي بـ”حاكمية الله القانونية”.

إن المودودي، وهو ينتقل من الحاكمية الكونية إلى الحاكمية القانونية، يؤسس لمفهوم الدولة الدينية الكهنوتية، التي يقوم فيها الفقيه بدورِ المنظِّر الديني الذي يستنبط الأحكامَ الشرعية المتحكمة في الحركية الإنسانية على أرض الواقع، وبذلك يكون قد تجاوزَ وظيفة التنظير لينخرط، بشكلٍ فعليٍّ، في الإنابة عن سلطة السماء لتأسيس حكم مطلق على الأرض.

إن التنظير لمفهوم “الحاكمية الإلهية” لم يتوقف عندَ المتن الفكري الذي خلفه أبو الأعلى المودودي، بل إن الأمر قد تجاوز ذلك عندما تم استنساخ أفكار المودودي في المجال التداولي العربي، في علاقة بجماعة الإخوان المسلمين، وخصوصًا مع منظرها “سيد قطب” الذي تجاوزت أفكارُه حدودَ جماعة الإخوان في مصر، لتتحول إلى مُوَجِّه أيديولوجي لحركات الإسلام السياسي، ذات التوجه السلفي النصي، عبر العالم.

يتميز المتن الفكري، الذي خلَّفه سيد قطب، بقدرةٍ خارقة على الاستقطاب الأيديولوجي؛ وذلك لأنه ينطلق من تصور تراجيدي للمصير الإنساني على الأرض. فالعالم كله، في رأي سيد قطب، يعيش إفلاسًا شاملًا، فالبشرية تقف على حافة الهاوية بسبب إفلاسها في عالم القيم، سواء في العالم الغربي الذي لم يعد له ما يعطيه للبشرية من القيم، أو في المعسكر الشرقي حيث تراجعت فيه الماركسية كفكرة، مما أدى إلى تراجع في مختلف مجالات الحياة(10). وبعد وصفه لحالة الإفلاس الشامل، الذي توجد عليه البشرية، يخلص سيد قطب إلى أن العالم يعيش، اليوم، كله في “جاهلية”، وما أدى إلى هذه الجاهلية، حسب سيد قطب، هو الاعتداء على سلطان الله في الأرض، وعلى أخصِّ خصائص الألوهية وهي “الحاكمية”(11).

وهكذا نجد سيد قطب ينحو نفس منحى أبي الأعلى المودودي، بل ويستنسخ أفكارَه حرفيًّا، ولعل ما يجمعهما هو مبدأ “الحاكمية الإلهية”، التي انطلق كلٌّ منهما من ربطها بالبُعد الكوني، من منظورٍ أنطولوجي عامٍّ، لينتهيا معًا إلى ربطها ببعدٍ سياسي وقانوني، ذي صبغة سوسيولوجية عملية خاصة. لذلك نجد سيد قطب ينسج على منوال المودودي، وهو يقدم تصوره السلفي النصي للخروج من حالة الجاهلية، والأمر في اعتباره لا يعدو أن يكون عودةً إلى نموذج السلف، عبر نسخه ولصقه في الواقع الراهن. بل إن سيد قطب يتجاوز التبشير بالنموذج السلفي النصي، إلى العمل على صياغة نموذج خاص للتجربة السلفية، وهو بالتأكيد نموذج خارج سياق المشروع الإسلامي التقدمي، الذي بدأ صياغته الخليفة الراشد عمر بن الخطاب، وأَتمَّه من بعده ثلة من العلماء المجتهـدين، ليستوي كنموذج متكامل، في الاجتهاد الإسلامي، مع علم أصول الفقه الذي أسسه الشاطبي.

لكن، سيد قطب لا يعترف بكل هذا التراث التقدمي، في الاجتهاد الإسلامي، ويحاول صياغة نموذج سلفي نصي يعبر عن طموحاته الأيديولوجية، أكثر ما يعبر عن حقيقة المشروع الحضاري الإسلامي. يعتبر سيد قطب أنَّ الحقيقة الدينية توجد في النبع الأول للإسلام، أما ما تلا ذلك فيعتبر دخيلًا على هذا النبع الأصلي، وهذا ما أدى، في رأيه، إلى اختلاط الينابيع، من فلسفة الإغريق ومنطقهم، وأساطير الفرس وتصوراتهم، وإسرائيليات اليهود، ولاهوت النصارى (…). واختلط هذا كله بتفسير القرآن الكريم، وعلم الكلام، كما اختلط بالفقه والأصول أيضًا(12).

وهكذا نجد سيد قطب يتعامل مع النص الديني خارج أي سياق تأويلي، باعتبار أن الحقيقة الدينية توجد في ظاهر النص وشكله، ولا تحتاج إلى القراءة التأويلية (الاجتهاد)، ولذلك فهو يُدخِل مجموعة من العلوم الإسلامية، المساعدة على قراءة وفهم النص الديني، ضمن الينابيع الدخيلة على النبع الأول. فكل من علوم التفسير، والكلام، والفقه، وأصول الفقه، قد تأثرت بالدخيل من الثقافات غير الإسلامية، وهذا ما يؤثر على قراءة النص الديني وفهمه.

إن ظاهر كلام المودودي، وهو يدافع عن أصالة النص القرآني، غير باطنه؛ وذلك لأن المقصود من هذا المجهود التنظيري، هو محاولة عزل النص الديني عن التلقي العلمي، من أجل الاستفراد به وتوظيفه في السياق الأيديولوجي المخطط له، باعتباره أوامر إلهية عليا يوجهها خليفة الله في الأرض إلى عامة الناس لتحقيق المشروع الإسلامي المنشود، وهذا المشروع لا يتجاوز، طبعًا، حدود الدولة الدينية في طابعها الكهنوتي الشمولي.

وذلك ما يعبر عنه سيد قطب، بشكل صريح، وهو يستعيد نموذجَ الجيل الإسلامي الأول كحالة قابلة لإعادة الإنتاج في الزمن العربي الإسلامي الراهن. “إن الجيل الأول كان يتلقى القرآن ليتلقَّى أمر الله في خاصة شأنه وشأن الجماعة التي يعيش فيها، وشأن الحياة التي يحياها هو وجماعته، يتلقى ذلك الأمر ليعمل به فور سماعه، كما يتلقى الجندي في الميدان “الأمر اليومي” ليعمل به فور تلقيه”(13).

في الحاجة إلى الموضوعية العلمية

إذا كنا قد انطلقنا، في البداية، من فكرة أن مفهوم الشريعة حمّال أوجُهٍ، فإن مقاربتنا لنموذجين فكريين، ضمن الفكر الإسلامي الحديث، يثبت أن استحضار الشريعة الإسلامية، كمدخل للإصلاح، ليست فقط دعوة سلفية نصية، ولكنها أيضًا دعوة سلفية مقاصدية. فإذا كان التصور النصي يتعامل مع الشريعة من خلال ظاهر النصوص التي يسعى إلى ربطها، بشكل ميكانيكي، بالواقع العملي، فإن التصور المقاصدي يسعى إلى التركيز على روح التشريع الإسلامي، من منظور قاعدة جلب المصالح ودرء المفاسد، هذه القاعدة التي ربطت الشريعة بحماية الكليات الخمس من منظور أن الشَّرع يوجد حيثما وجدت مصلحة الأفراد والجماعات.

لذلك، يجب على الباحث الموضوعي أن يمارس، في علاقته بموضوع الشريعة، نقدًا مُزدَوَجًا على تيارين فكريين/أيديولوجيين، في المجال التداولي العربي الإسلامي. من جهة أولى يجب نقد وتفكيك الأطروحة الإسلاموية التي تسعى إلى توظيف قراءتها الشكلية/الظاهرية لنصوص الشريعة الإسلامية، بهدف تكريس الاستبداد السياسي باسم الدين.

ومن جهة ثانية يجب نقد وتفكيك الأطروحة العلمانوية (laïcisme)؛ سواء في لباسها الليبرالوي أو في لباسها اليساروي، هذه الأطروحة التي تضرب عرض الحائط بكل منجزات التفكير الإبستمولوجي الحديث، حينما تدعو إلى اجتثاث واستئصال مكونات الخصوصية الحضارية العربية الإسلامية، في مجال القيم والتشريع.

وفي مقابل ذلك، يجب توظيف آليات المنهج العلمي كمصفاة لعزل مكونات التصور الأيديولوجي عن مكونات التصور العلمي؛ لأن الحضارة العربية الإسلامية لم تُخلِّف، فقط، تراثًا أيديولوجيا يجب نقده وتفكيكه؛ للكشف عما يعتريه من خلل على مستوى التفكير والممارسة، ولكنها خلفت كذلك تراثًا علميًّا، يجب التعامل معه بأخلاقيات البحث العلمي، القائمة على أساس الاعتراف، وتأسيس اللاحق بناء على السابق.

_______________________________

* مقال منشور على موقع نهوض للدراسات والبحوث، بتاريخ 18 أبريل 2020.

(1) أبو إسحاق الشاطبي، “الموافقات”، تحقيق عبد الله دراز ، ط:2- 1975م، ج: 2، ص: 2
(2) محمد الطاهر بن عاشور، “مقاصد الشريعة الإسلامية”، الشركة التونسية للنشر والتوزيع – تونس، ط: 3 ،1988م، ص.17.
(3) سعيد بنسعيد العلوي، “الاجتهاد والتحديث: دراسة في أصول الفكر السلفي في المغرب”، سلسلة الفكر العربي المعاصر ، منشورات، مركز دراسات العالم الإسلامي، ع: 3، ص: 16.
(4) علي عبد الرازق، “الإسلام وأصول الحكم”، الهيئة المصرية العامة للكتاب- ص: 103.
(5) سالم يفوت، “حفريات المعرفة العربية الإسلامية، التحليل الفقهي”، دار الطليعة – بيروت، 1990م، ص:5.
(6) أبو الأعلى المودودي، “الخلافة والملك”، تعريب: أحمد إدريس، دار القلم، ط: 1- 1978م، ص: 7.
(7) نفس المرجع، ص: 9-12.
(8) نفس المرجع، ص: 13.
(9) نفس المرجع، ص: 14.
(10) سيد قطب، “معالم في الطريق”، دار الشروق، ط:6- 1979م، ص: 3-4.
(11) نفس المرجع ، ص: 8.
(12) نفس المرجع ، ص: 14.
(13) نفس المرجع ، ص: 14-15.

بحث للدكتور أحمد حسين عثمان منشور في المجلد (16) العدد رقم (102) بمجلة الدراسات الإسلامية والبحوث الأكاديمية بكلية دار العلوم بجامعة القاهرة، الصادر في يونيو 2021.
يتناول البحث قضية فض النزاع حول المياه، وموقف الفقه الإسلامي والقانون الدولي منها، حيث إن الواقع يكشف لنا عن كثير من المنازعات التي تقوم حول هذا المصدرالمهم، ولا يكتفي البحث –فقط- برصد الإجراءات التي يتخذها الفقه والقانون حول هذه القضية، بل يسعى لإقامة مقارنة بين النظامين في كيفية التعامل؛ ليكشف عن جسور التواصل الفكري الذي يمكن أن يفيد كل طرف منهما الآخر؛ لنصل في النهاية إلى قواعد عادلة تضمن إرساء السلام الدولي الذي ينشده الإسلام، وتبحث عنه النظم القانونية النزيهة.
وعلى ذلك فالإشكالية التي يحاول البحث معالجتها تتمثل في استكشاف الدور البارز الذي قام به الفقه الإسلامي في التوفيق بين المصالح العامة والخاصة وترتيب الأولويات حين يتم التنازع حول المياه.
وسيكون التركيز بصورة كبيرة على إسهامات الفقهاء في حل المنازعات حول الماء على النحو الآتي:

• المطلب الأول: الحقوق المتعلقة بالمياه.

• المطلب الثاني: تقسيم المياه من حيث الامتلاك وعلاقة الحقوق بها.

• المطلب الثالث: حقوق الأنهار الخاصة والعامة وقواعد إنهاء التنازع عليها.

• المطلب الرابع: قواعد القانون الدولي في فك التنازع وموقف الفقه منها.

• المطلب الخامس: الموازنة بين الفكر الفقهي والقانوني.

رابط مباشر لتحميل البحث

جرت العادة في مصر عند الحديث عند أي تعديل للدستور أو عند وضع دستور جديد، أن يكون التركيز منصبًا على قضية تطبيق الشريعة الإسلامية، وهو أمر وإن كان يعتبر مؤشرًا إيجابيًا على تمسك المصريين بشريعة دينهم، وعدم استطاعة أحد نزع حب هذه الشريعة من قلوبهم، إلا أنه يكشف كذلك دائمًا عن العديد من الجوانب السلبية الخطيرة والمتجددة في منهج التعامل مع هذه القضية الأساسية، والتي تحتاج إلى ثورة فكرية تجديدية للخلاص من هذه السلبيات، وهي:

  1. عدم وضوح المقصود بمفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية عند الكثيرين؛ فمنهم من يضيق به حتى
    يحصره في “الحدود” و”فرض الحجاب على المرآة” و”إطلاق اللحية بالنسبة للرجال” (وهذا أمر يتساوى فيه بعض الذين يسمون بـ”السلفيين،” وكذلك بعض “العلمانيين)” ومنهم من يتوسع فيه إلى درجة المساواة بينه وبين مفهوم “الحل الإسلامي” الشامل والذي يتعدى الجانب القانوني إلى ما عداه من جوانب الشريعة الأخرى.
  2. تصور أن الشريعة الإسلامية هي كيان تشريعي جاهز تمامًا للتطبيق، ولا تحتاج لاجتهاد
    جديد، أو حتى تدرج لفرضها على الناس، باعتبار أنها اكتملت باكتمال رسالة النبي صلى الله عليه وسلم، مصداقًا لقوله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ) [المائدة:3]
  3. تصور أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا يمكن أن يتم إلا عبر نص دستوري واضح ومحدد ينص على مصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع، مما يجعل كل مساس بالدستور ينتج عنه معركة شرسة بين المؤيدين لتطبيق الشريعة والمعارضين له، تؤدي دائمًا إلى غفلة عن نصوص دستورية أخرى هي ذاتها قد تحول دون التطبيق الصحيح للشريعة بل ودون النهوض بالوطن نفسه، مثل تلك النصوص التي من شأنها ترسيخ الاستبداد والحكم الفردي، وتقنين الاعتداء على حقوق الأفراد وحرياتهم.
  4. عدم الإدراك الصحيح للبيئة السياسية والتشريعية والقضائية التي يراد تطبيق الشريعة الإسلامية
    فيها؛ فقد يتصور البعض -على سبيل المثال- أن المشكلة الأساسية والعائق الأكبر الذي حال دون تطبيق الشريعة هو أن نص المادة الثانية من الدستور يتحدث عن “مبادئ الشريعة” كمصدر رئيسي للتشريع، وليس عن “أحكام الشريعة” أو عن “الشريعة الإسلامية” بدون إضافة مبادئ أو أحكام، غافلين عن أن المشكلة الحقيقية لم تكن في النص الدستوري نفسه بل كانت تتمثل في انعدام الإرادة السياسية لتطبيق الشريعة، ووجود حاكم فرعوني استخف بالمحكومين فأطاعوه، وأن هذا الأمر- لا غيره- هو الذي دفع بالمحكمة الدستورية العليا إلى تحجيم النطاق الزمني والنطاق الموضوعي لنص المادة الثانية من الدستور، فجعلتها لا تسري على القوانين السابقة على نفاذ هذا النص بعد تعديله سنة 1981م، وضيقت من مفهوم مبادئ الشريعة الإسلامية فحصرته في الأحكام الشرعية قطعية الثبوت والدلالة وحدها، وجعلت الخطاب في النص موجهًا للمشرع وحده وليس للقاضي كذلك، وبما أن المشرع- أي مجلس الشعب-كان تحت الهيمنة الكاملة لرئيس الدولة الذي هو نفسه رئيس السلطة التنفيذية، فإن المشرع لم يتحرك قيد أنملة نحو تفعيل هذا النص، فبقي شبه منعدم الأثر، يُستدعي فقط عند أي تعديل دستوري لإلهاء المواطنين عن إصدار المزيد من النصوص السالبة لحرياتهم وكرامتهم!

وإذا كانت هذه هي السلبيات -باختصار- فما هو السبيل إلى المنهج الصحيح في النظر إلى
قضية تطبيق الشريعة الإسلامية؟

يحتاج الأمر إلى ثورة حقيقية للتخلص من تلك السلبيات والتوصل إلى التطبيق الصحيح المنشود
للشريعة الإسلامية، ويمكن تلخيص معالم هذه الثورة في النقاط الآتية:

  1. الوعي بأن الشريعة الإسلامية وإن كانت قد اكتملت قبيل وفاة النبي صلى الله عليه وسلم إلا
    أن تطبيقها على الواقع يحتاج إلى وعي واجتهاد وتدرج في التنزيل حتى لا يساء تطبيقها فيردها الناس جملة واحدة.
  2. أن ندرك أن العبرة في الإلزام بتطبيق الشريعة الإسلامية ليست بالضرورة في وجود نص دستوري حاسم وجازم يضمن هذا التطبيق، بل إن العبرة تتمثل في وجود رأي عام قوي وواعي يؤمن بالهوية الحضارية الإسلامية للوطن، ويضمن هذا التطبيق ويحميه حتى لو كان النص الدستوري يكتفي بأن “الإسلام دين الدولة” فهذا وحده كاف للاستناد إلى مصدرية الشريعة الإسلامية للتشريع باعتبار أن الدين الإسلامي لا يمكن فصل الشريعة فيه عن العقيدة، فضلًا عن أن الوضع في مصر قد تغير الآن وأصبحت هناك إرادة سياسية معلنة بتبني تطبيق الشريعة في ظل وجود رئيس للدولة ينتمي إلى جماعة إسلامية كبيرة، واحتمالية وجود أغلبية برلمانية إسلامية في مجلس الشعب المقبل من السهل عليها -حينئذ- سن قوانين تستمد من الشريعة الإسلامية أيًا كانت صيغة نص المادة الثانية من الدستور.
  3. أن ندرك أن الشريعة الإسلامية ليست حدودًا وحجابًا للمرأة فقط، فهي عقائد وأخلاق ومعاملات، ولن يفلح أي تطبيق يتغاضى عن أي من هذه المكونات الثلاثة، ولاسيمًا العقيدة التي تحرم الشرك بالله سبحانه، ومن ثم تستلزم القضاء على “الشرك” الذي حال دون التطبيق الصحيح للشريعة الإسلامية، وهو “الاستبداد” الذي يمثل منازعة لله في حكمه، ويجعل من حاكم البلاد وكأنه يقول للشيء كن فيكون، مما جلب التبعية والفساد للبلاد، فأذل وأفقر العباد.
  4. إدراك أن فشل جميع تجارب تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحديث كان ناتجًا -في
    الأساس- عن التركيز المبالغ فيه على الحدود الشرعية التي تمثل الجانب العقابي في التشريع الإسلامي وعلى الاهتمام ببعض الجوانب الفرعية والشكلية الأخرى، غافلة عن أن الأولى كان البدء بتحرير الإنسان أولًا من “شرك” الاستبداد، وإقامة الدولة العادلة الحرة المستقلة، والتي تحفظ للإنسان كرامته وحريته، وتضمن له عيشة هنية سوية، وبعد ذلك وليس قبله تطبق الحدود التي تبقى سياجًا منيعًا تحول دون تضييع مكتسبات تطبيق الشريعة الإسلامية وتحقيق مقاصدها.
  5. ويبقى بعد ذلك الإيمان بحقيقة أن تطبيق الشريعة الإسلامية في النهاية هو تطبيق “بشري” لنصوص إلهية، ومن ثم فهو سيكون دائمًا عاجزًا عن تحقيق الفردوس الأرضي لأن هذا سينافي سنة إلهية قضت بأن الإنسان خلق في “كبد” ومشقة، وأن كل بني آدم خطاء، وأن واجبنا فقط أن نسعى غاية وسعنا إلى التخفيف على الناس والتيسير عليهم في إطار الالتزام بمرجعية الشريعة الإسلامية وبما يحقق مقاصدها ومكارمها.

والله تعالى أعلى وأعلم

__________________________________

* المقال المنشور هو كلمة التحرير لمجلة المسلم المعاصر العدد رقم (144)، وهو متاح على الموقع الإلكتروني للمجلة.

يستلزم الحديث عن مفهوم تطبيق الشريعة الإسلامية تحديد المنوط بهم هذا التطبيق، لا سيما في العصر الحديث، حيث تنبغي التفرقة بين مستويين فيما يخص تحديد المكلفين بتطبيق الشريعة الإسلامية:

المستوى الأول: مستوى استنباط الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية، وهذ العمل يقوم به العلماء الذين تتوافر فيهم شروط الاجتهاد الشرعي، التي تحدثتْ عنها باستفاضة كتب أصول الفقه الإسلامي، مع استعانة علماء الشرع بأهل الخبرة والاختصاص فيما يخص فقه الواقع لأنهم الأكثر دراية به، كلّ وفق اختصاصه، وباعتبارهم ضمن «أهل الذكر» كما ذهب بعض العلماء مثل الشيخ محمود شلتوت، والشيخ زكريا البري.

والمستوى الثاني: مستوى التنفيذ؛ أي تنفيذ الحكم الشرعي في الواقع المعيش، وهذا المستوى يقوم به كل من الفرد، والمجتمع (الأمة)، والإدارة (الحكومة أو السلطة)، والقضاء، كل بحسب مسؤولياته. (د. جمال الدين عطية في كتابه: النظرية العامة للشريعة الإسلامية).

وهكذا كانت الإجابة عن سؤال: من يطبق الشريعة في العالم الإسلامي، قبل فرض الدولة القومية الحديثة عليه؛ حيث كانت سلطة التشريع –عمليًا- في يد العلماء «المجتهدين» لاعتبارات موضوعية بحتة تتعلق بتمكنهم العلمي، وصلاحهم الشخصي بمعزل عن سلطة الحكم والسياسة التي لم تكن تتدخل في عملية التشريع إلا في حالات نادرة بعد امتلاكها أدوات الاجتهاد الشرعي، وفي نطاق أحكام الشريعة الإسلامية ومبادئها، فضلاً عن امتلاكها سلطة تعيين القضاة أو عزلهم، غير أن الحكام (أو الخلفاء أو الأئمة أو الولاة..)، حتى في هذا الاختصاص، كانت عليهم قيود أدبية ومجتمعية يخشون معها في الإفراط أو التفريط في استعمال سلطتهم هذه حتى لا تضيع مصداقيتهم بين الناس ويفقدون شرعيتهم السياسية. (انظر: د. وائل حلاق، السلطة القضائية والدولة – الأزمة الفقهية للإسلام في العصر الحديث).

أما مع فرض الدولة الحديثة على العالم الإسلامي بمؤسساتها وهياكلها وفلسفتها المختلفة عن كل ما مر على المسلمين من أنظمة مختلفة للحكم والإدارة، فقد ثار التساؤل عمن يختص بتطبيق الشريعة الإسلامية، في ظل تقسيم السلطات العامة في البلاد إلى سلطات ثلاث: تشريعية وتنفيذية وقضائية، يعلوها حاكم للبلاد، يسمى رئيسًا أو ملكًا أو أميرًا أو سلطانًا، وفق دستور -مكتوب غالبًا- يحدد اختصاصات كل سلطة من هذه السلطات.

ومن اليسير القول مباشرة بأن هذه السلطات الثلاث (باعتبار أن الحاكم ينتمي لسلطة منهما، وهي السلطة التنفيذية، وإن كان هو المتحكم في هذه السلطات أو على الأقل الحَكَم بينها)، هي من ينطبق عليها مفهوم «أولي الأمر» في ظل الدولة القومية الحديثة، فهي التي تختص وحدها بتطبيق الشريعة الإسلامية في الدولة، وهذا ما ذهب للقول به غالبية الفقهاء الدستوريين والقانونيين، مثل أ.د. صوفي أبو طالب الذي ذهب إلى أن السلطات الثلاث هي التي ينطبق عليها مفهوم أولي الأمر في ظل النظم المعاصرة، أو على حد تعبيره: «ولي الأمر هو المؤسسة الدستورية في الدولة تبعًا لنظام هذه الدولة، هذا هو ولي الأمر في مفهوم العصر الحديث» (تقنين الشريعة الإسلامية في مجلس الشعب، 1983). 

وهذا القول يختلف بالطبع عما استقر عليه الفقه الموروث من أن أولي الأمر ليسوا الحكام فقط، بل هم العلماء والأمراء، وليس الأمراء وحدهم كما هو في الوضع الحالي، وهذا ما قرره صراحة، على سبيل المثال، شيخ الإسلام ابن تيمية (في كتابه «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»)، والإمام الغزالي (في كتابه «المستصفى»).

كما أن الرأي السابق لم يشر إلى أمر بالغ الأهمية، وهو أن من يستأمنهم الناس على تطبيق الشريعة الإسلامية ينبغي أن يكونوا قد جاؤوا باختيار حر (أو بيعة حرة) من هؤلاء الناس حتى يمثلونهم، وقد كانت هذه هي الحال بشأن اختيار العلماء على مدى التاريخ الإسلامي كله، وكذلك عند اختيار الخلفاء الراشدين.

وتجدر الملاحظة هنا، أن السلطة المنوط بها التشريع (البرلمان أو المجلس النيابي أيًا كان مسماه)، هي الأخرى ينبغي أن يتوافر في أعضائها أمران؛ أولهما: أن يكون اختيارهم كذلك قد تم عبر انتخاب حر ونزيه من الشعب حتى يكونوا نوابًا عنهم بالفعل، وثانيهما: أن تكون هناك جهة ما من العلماء الموثوق بهم للتأكد من عدم مخالفة التشريعات المزمع إصدارها من البرلمان قبل اعتمادها، ولا يصح الاعتراض على ذلك بحجة أن هذه ستكون سلطة دينية من «رجال الدين»، باعتبار أنه من المتعارف عليه أن تكون هناك لجان متخصصة تساعد أعضاء البرلمان في أعمالهم وتضم الخبراء في مجالات مختلفة، ومن ضمنها اللجنة التشريعية، واللجنة الاقتصادية، ولجنة التخطيط، فما المانع أن تكون لعلماء الشرع لجنة مستقلة، أو حتى تتواجد تحت مسمى «اللجنة التشريعية»!

والأمر الأهم من ذلك هو أن يكون الحاكم نفسه قد تمت بيعته أو جرى انتخابه بطريق حر ونزيه، ولم يفرض نفسه أو يفرضه أحد على الشعب، وإلا فكيف يؤتمن على تطبيق الشريعة حاكم مغتصب للسلطة قاهر للناس، متحكم في مؤسسات الدولة، ومن أهمها فيما نحن بصدده المؤسسات الدينية!

وينبغي في هذا الإطار الالتفات إلى إشارة مهمة ذكرها أ.د. عبدالحميد متولي في كتابه «مبادئ الحكم في الإسلام»، حين لفت النظر إلى أن «بعض علماء الشريعة يستعملون أحيانًا في كتاباتهم لا سيما في عهد ما قبل الثورة في مصر (يقصد ثورة 23 يوليو 1952)- اصطلاح «ولي الأمر» أي بصيغة المفرد، وهم يعنون به رئيس الدولة، مع أن القرآن الكريم لم يستعمل بتاتًا هذا الاصطلاح بهذه الصيغة، بل كان دائمًا لا يذكر إلا «أولي الأمر» بصيغة الجمع، هذه الملحوظة ليست كما يُظن مجرد مسألة شكلية، بل هي تنطوي على مغزى جوهري هو أن الإسلام لا يقر لفرد أن يستأثر وحده بجميع الحكم، أو بالاجتهاد والفُتيا في الشؤون الدينية».

ولذا، فإن الاهتمام بدور الحاكم في عملية التطبيق، بل وبدور السلطات الثلاث في الدولة الحديثة، ينبغي ألا يلهي عن الاهتمام بدور كل من الفرد والمجتمع في تنزيل الأحكام الشرعية الإسلامية الشاملة على أرض الواقع، فضلاً عن دور العلماء الأساسي في هذا الشأن، سواء في فهم النصوص الشرعية والدستورية، أم في عملية تطبيق الشريعة وتقنين أحكامها، فتطبيق الشريعة الإسلامية هو عملية تشاركية في الأساس، لكل ممن ذكرنا دوره فيها.

وقد كان من المؤسف أن الاتجاه الغالب للمطالبة بتطبيق الشريعة الإسلامية كان يتوجه إلى الدولة والحاكم المتغلب فيها، ولم يتوجه -إلا قليلًا- إلى الفرد المسلم والمجتمع المسلم، على حين أن غالبية التكاليف الشرعية موجهة إليهما، وأن الأمة في الإسلام هي الأصل، والسلطة الحاكمة هي الفرع، وإذا صَلُحَ حال الأصل انصلح حال الفرع، وإذا قام كل من الفرد والمجتمع بواجباتهما نحو تطبيق الشريعة، كل فيما يخصه، ستطبقها الدولة طواعية أو جبرًا!

______________________

*نُشر هذا المقال على موقع مجلة المجتمع الكويتية بتاريخ 26 مارس عام 2023.

قبل نزعها الأخير نصت الدولة العثمانية في المادة الحادية عشرة من قانونها الأساسي الصادر سنة 1876م على أن “دين الدولة العثمانية هو دين الإسلام”، ثم احتذتها غالبية الدول الإسلامية فنصت دساتيرها على أن الإسلام دين الدولة، وزادت بعضها على ذلك بأن أضافت عبارات أخرى لتؤكد هذا المعنى، مثل النص على أن “مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع”، أو “المصدر الرئيسي” له.

استقبلت هذه النصوص غالبًا بالرضا والامتنان من قبل “الجماهير” وعورضت ممن يسمون بالعلمانيين باعتبار أن تلك النصوص وأمثالها اعتداء على مبدأ الفصل بين الدين والدولة، فرد عليهم الإسلاميون وكثير من علماء الدين ومفكروه بأن “الإسلام دين ودولة” ولا يمكن أن يقبل الفصل بينهما.

وقد تصاعد هذا الجدل الإسلامي/العلماني فيما بعد تحت عناوين مختلفة، مثل: الدولة الدينية والدولة المدنية، والشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، ولكن كان أبرزها على الإطلاق: “تطبيق الشريعة الإسلامية” فهو العنوان الذي ثار تحته سجال إسلامي علماني منذ أربعينات القرن العشرين، وتفاقم في سبعينيات وثمانينيات القرن نفسه، وصولا إلى “ثورات الربيع العربي” في بداية العقد الثاني من القرن الواحد والعشرين.

ولكن الملاحظ أن غالبية هذه السجالات كانت تركز على مدى العلاقة التي يمكن أن تقوم بين الدين والدولة وكأنهما متكافئين، وكأن الدولة صنو الدين، فالبعض يرى الإسلام “دين ودولة” أي شعائر ونظام حياة، والبعض يراه “دين وفقط”، أي يحصره في العلاقة الخاصة بين العبد وربه، ومن ثم كان مثار الخلاف دائمًا يتوجه إلى النص الدستوري على أن الإسلام دين الدولة، ومدى منطقيته وشرعيته ومدى مساسه بحقوق غير المسلمين…إلخ.

والحقيقة أنه قد آن الأوان للنظر بشكل آخر إلى القضية محل الخلاف، وطرح أسئلة جديدة قد تسحب البساط ممن يشعلون خلافات نظرية بحتة -وغير واقعية-تجعل أبناء الحضارة العربية والإسلامية شيعًا متصارعة، مثل: هل معنى أن الإسلام دين الدولة أن تلتزم الدولة به أم أن الإسلام يغدو ملكًا لها تفعل فيه ما تشاء؟ هل نظرية السيادة تسوغ هيمنة الدولة على الدين، أم أنها ينبغي أن تقصر سيادتها تجاه تدخلات الدول الأخرى ولا تسودها على مكون أساس لهوية المجتمع أسبق من الدولة وأخلد منها، وهو الدين؟ كيف يمكن أن ننقذ المجتمع من استغلال الدولة للدين في ترسيخ الاستبداد وهدر حقوق المواطنين وحرياتهم؟

ذلك أنه في زحام السجالات –وصخبها-حول “دين الدولة” لم تجد أغلبية المتناحرين يتوقفون عند بديهية مدهشة، وهي أنه لا يمكن أبدًا أن يكون الإسلام خاضعًا لأحد دون الله عز وجل، وأن فهم نسبته إلى الدولة شابه قدر كبير من التعسف والتلاعب بالألفاظ وسوء التأويل عن قصد أو عن غير قصد، أدت إلى إضفاء شرعية زائفة على قيام الدولة بتطويع الدين لصالحها تحت ستار تجديده أو تطوير الخطاب الديني أو أي مسوغ آخر.

كما أن هيمنة الدولة على الدين يحوله (أو يحوسله على حد تعبير د. عبد الوهاب المسيري) ليكون مجرد أداة من أدوات الدولة في فرض سيطرتها على المجتمع واستبدادها بالشأن العام فيه (بل وبالشأن الخاص!) كما هو مشاهد في كثير من البلاد العربية بصفة خاصة، ليصدق على هذا الدين “المطوَّع” و”المطوِّع” وصف ماركس له بأنه: “أفيون الشعوب”!

هذا الكلام النظري يجد مصداقه العملي في أن الدولة الحديثة فعلاً باتت تمثل مرجعية لنفسها، وسيطرت تمامًا على المؤسسات الدينية، وحاصرت الدين، حتى في مفاهيمه ومدلولاته، لدرجة أن مفهوم الشريعة الإسلامية –على سبيل المثال- انحصر تقريبًا في القواعد القانونية الملزمة التي تصدرها الدولة، وباتت السلطة المختصة بسنِّه هي البرلمان لا الفقهاء الذين كانوا يستنبطون الأحكام الشرعية من أدلتها التفصيلية المبثوثة في القرآن والسُنُّة، وكان سلطانهم في المجتمع هو سلطان الحجة والدليل، والصلاح الشخصي، الذين كسبوا من خلاله ثقة الناس، بل وثقة القضاة، الذين أخذوا –طواعية- فتاويهم ومصنفاتهم مرجعًا لهم في قضائهم، حتى إن تصنيف القضاة أنفسهم كان يجري بحسب المذاهب الفقهية التي ينتمي إليها كل منهم ويقضي وفقه!

ولم تهيمن الدولة الحديثة على التشريع (سواء كان مستمدًا من الشريعة أو من أي مصدر آخر) وحده، بل هيمنت على القضاء نفسه، ليس فقط عن طريق سلطتها في تعيين القضاة وعزلهم، بل -وهو الأهم- عبر مصادرة مرجعيتهم الشرعية التي كانت بمثابة تحرير لهم من أي سلطة بشرية، وميدان فسيح للإبداع المنهجي في كيفية تحقيق العدالة بين الناس دون أن تُحاصر بنصوص بشرية محدودة الأفق يضعها أفراد بعضهم يجيدون القراءة والكتابة بالكاد يسمون (نواب الشعب)، بعد أن كان القضاة يعتمدون على نصوص ذات مصدر إلهي، تتجاوز البشر والزمان والمكان، واجتهادات تستنبط من تلك النصوص أحكامًا تَتَغَيَّا مصالح الناس، وتراعي الزمان والمكان والأحوال والأشخاص التي تصدر في ظلها.

وقد يدفع البعض بأن الدولة الحديثة تتبنى مبدأ الفصل بين السلطات، وهو المبدأ الذي يحد من مخاطرة هيمنتها على التشريع والتنفيذ والقضاء في الوقت نفسه، ولكن هذا الدفع مردود بأنه حتى في أعتى الديمقراطيات الغربية قد تضيق المسافة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية عندما يفوز حزب رئيس الدولة بأغلبية أعضاء البرلمان في النظام الرئاسي، أو حين تشكل الأغلبية النيابية الحكومة في النظام البرلماني، وقد بات هذا هو الوضع الغالب في غالبية الدول “الديمقراطية” الحديثة، حيث تحدث عادة “وحدة عضوية” بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، تعاني منها السلطة القضائية.

وإذا كان هذا هو حال الدولة الحديثة الديمقراطية، فكيف بالدولة التي ترتدي ثوب الحداثة وهي في حقيقتها دولة متسلطة، تجمع دائمًا بين سلطتي التشريع والتنفيذ ومن ثم يسهل لها تمامًا التحكم في القضاء لتكون هي وحدها مصدر السلطات ومرجعها والحكم بينها في الوقت نفسه، كما هو حادث في غالبية الدول التي تسمى بدول العالم الثالث حاليًا، التي كاد حكامها أن يدَّعوا “الألوهية” نتيجة سلطاتهم المطلقة المنصوص عليها –صراحة أو ضمنًا- في دساتير لا توضع عادة للحد من هذه السلطات بل لضمان إطلاقها دون حسيب أو رقيب!

والواقع يشهد بأن هيمنة الدولة الحديثة لم تقتصر على سلطاتها العامة الثلاثة وحدها، بل امتدت لتشمل المؤسسات الدينية كذلك، حتى إنها تتحكم عبر تشريعاتها في الإطار العام الذي يحكم عمل هذه المؤسسات، وكذلك في نظامها التعليمي، وفي مراقبة أعمالها، بينما تزداد هذه الهيمنة في الدول التسلطية التي تتحكم –فضلا عما سبق- في التعليم الديني ومناهجه، وفي تعيين العاملين والدعاة بهذه المؤسسات وفي عزلهم، وفيما يقولون ولا يقولون، حتى إن بعض حكام هذه الدول باتوا يتحكمون علنًا في تحديد موضوعات خطب الجمعة التي سيلقيها الخطباء (المعينون من قبل الدولة بموافقة مسبقة ولاحقة من مؤسساتها الأمنية) على مدى سنوات مقبلة، وقد تمكنت من السيطرة تلك بعد أن ألغت –تدريجيًا- استقلالية هذه المؤسسات وصادرت الأوقاف التي كانت تمثل ضمانًا لتلك الاستقلالية عبر تكفلها بمعاش العلماء والدعاة والإداريين، الذي أصبح بيد الدولة منفردة.

وهذا هو نموذج الدولة الحديثة الذي فرضه الاحتلال الأوروبي على دول العالم الإسلامي بما يضمن تبعيتها له بعد جلائه عن أراضيه؛ دولة متضخمة (على حد تعبير د. نزيه نصيف الأيوبي في كتابه: تضخيم الدولة العربية) متغولة على المجتمع/الأمة، موظفة للدين في إحكام هيمنتها تلك، حتى كادت أن تصبح هي نفسها –من الناحية العملية- دينًا يُعبد من دون الله، وحاصرت كل المؤسسات التي من شأنها أن تحد من تغولها وتألهها، فتحكمت في المجالات التي كان يتولاها المجتمع الإسلامي من قبل عبر نظام الوقف، والزكاة والصدقات، كمجالات التعليم والصحة والاقتصاد وغيرها من المجالات.

فالدولة الحديثة بنوعيها (الديمقراطي والتسلطي) باتت تتحكم في الدين –بدرجات متفاوتة- مثلما تحكمت في الدنيا، وساعدها على ذلك تحكمها في وسائل الإعلام، واحتكارها شرعية امتلاك وسائل القوة واستعمالها حسبما تذهب بها مصالحها. وعلى الرغم من تلك الحقيقة الناصعة فإن الغالبية العظمى لا تزال تحذر من مخاطر “الدولة الدينية” الغائبة تقريبًا عن الواقع العربي الإسلامي، ونادرًا ما يتحدث أحد عن “الدين الدولتي” الغارق فيه هذا الواقع البائس!

وماذا بعد؟

قد يبدو من العرض السابق وكأن الحل في فصل الدين عن الدولة الحديثة كما نادى العلمانيون من قبل ومن بعد، بحيث تلغى النصوص الدستورية على أن “الإسلام دين الدولة”، وهذا الأمر يعقد المسألة ولا يحلها لاصطدامه مع عقيدة الأمة والنظام العام في الدولة دون تأثير حقيقي على العلاقة السائدة بين الدين والدولة، فالمستهدف الآن ليس الفصل العلماني المطلق (الأسطوري) بينهما، بل تحرير الدين من هيمنة الدولة ووصايتها، وتحرير المجتمع من استبداد الدولة به عبر الدين، وهذا المقصد لا يكون بتغيير النصوص الدستورية المقررة لإسلامية الدولة بل بتأكيد هذا المعنى؛ أي بالتأكيد على “أسلمة الدولة” لا “دولنة الإسلام”، وأن كون الإسلام دين الدولة لا يعني أنه ملكها تفعل به ما تشاء، بل هي التي تخضع له؛ قيما ومقاصد وأحكامًا كلية وجزئية.

فالأسلمة المرجوة للدولة ينبغي أن يتغير مفهومها بأن تقترب من المعنى اللغوي للإسلام، أي بإخضاع الدولة نفسها لله عز وجل عبر إلزامها بمقاصده في الخلق، وبالقيم الأساسية التي بعث من أجلها برسله عليهم السلام، وعلى رأسها أن تقوم بالعدل، وتُحكَم بالشورى، وأن تحرر الإنسان ليكون عبدًا لله وحده، وتكون رحمة بالناس، تزع عنهم المنكر، وتحثهم على المعروف، لا كما هو حاصل منذ عقود عدة، حين أُسيء فهم الأسلمة بحيث كادت تنحصر في حرية إعفاء اللحى وارتداء الحجاب وتطبيق الحدود (العقوبات المقدرة شرعًا)، وذلك عبر استخدام القوة غير المشروعة (الإرهاب) أو من خلال البرلمانات التي قد تكون منبثقة عن انتخابات زورت فيها إرادة الشعب، أو ضللت عبر إعلام طاغ يتلاعب بالعقول، كما يحدث فعلاً في كثير من الدول الحديثة شرقًا وغربًا.

وحتى تتحقق الأسلمة بمعناها السابق لابد من أن يُفتح الباب للتفكير العملي الراشد، الذي يبدو أن المسلمين يتهربون منه في منذ قرون (كما ذهب بحق مالك بن نبي في كتابه شروط النهضة) وكذلك كي يفهمه غيرهم ممن يجهلونه فيخافونه.

ويمكن تلخيص مقتضيات هذا التفكير الراشد في ضرورة تفعيل مقاصد الشرع الإسلامي في سياسة الدولة تجاه المجتمع، عبر التوافق على رؤية استراتيجية تمهد الطريق لغل يدها عن المواطن –المسلم وغير المسلم- من خلال إعادة النظر في فلسفة التشريع ومنطلقاته، والعمل على ضمان استقلاليته وتعبيره عن حاجات المواطنين ورغباتهم في العيش فيما بينهم في عدل وسلام وأمان وحرية مسئولة ومساواة، والعمل على تحقيق توازن فعلي بين السلطات العامة التي تتولى الوظائف الأساسية في المجتمع (وهو أمر يسهم فيه التوافق على مرجعية شرعية إنسانية)، وأن تترك للمجتمع حرية تحديد كيفية التعامل مع مؤسساته الدينية بما يحقق استقلالية أعضائها إداريًا وماليًا ومن ثم فكريًا، وهو الدور الذي كان يتولاه الوقف الإسلامي قبل أن تحاصره الدولة الحديثة وتصادره لحسابها، والذي يمكن إعادة تفعيله من جديد بالتزامن مع دعم ما يسمى بالقطاع الثالث، وهو القطاع الخيري، وتفعيل أدوار المجتمع الأهلي (المدني) بصفة عامة.

عندئذ يكون الدين لله وحده بعد أن يتحرر من سلطة الدولة، وهو أمر من شأنه أن يسهم في تحرير الأمة/المجتمع من تغول الدولة وفي استعادتها لدورها الحضاري المهدد بالانقراض!

رابط مباشر لقراءة المقال

—————————————–

مقال منشور على موقع المعهد المصري للدراسات بتاريخ 30 يناير 2017