أصدرت مجلة «أوقاف»، الصادرة عن الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، عددها التاسع والأربعين (السنة الخامسة والعشرون، رجب 1447هـ/ديسمبر 2025م). وقد ركّز هذا العدد في مجمله على قضايا «استشراف المستقبل» و«الحوكمة» و«المعايير المقاصدية» في إنشاء الأوقاف الحديثة.
الافتتاحية:
جاءت افتتاحية العدد حاملة شعار «بين الأوقاف والكراسي… قصة حضارة»، رابطة بين الإرث الحضاري للوقف وآليات تطبيقه المعاصرة؛ حيث سلطت الضوء على العلاقة التاريخية والوثيقة بين الوقف والنهضة العلمية من خلال "الكراسي العلمية". أوضحت الافتتاحية أن الكراسي الوقفية لم تكن مجرد مقاعد للدرس، بل كانت مؤسسات تضمن استقلال العلماء المالي والفكري، وتوفر البنية التحتية للبحث في مختلف العلوم الشرعية والكونية. ودعت الافتتاحية إلى إعادة استلهام هذا النموذج في الجامعات المعاصرة، ليس فقط بزيادة عدد الكراسي، بل بتفعيل دورها الحضاري والبحثي لتعزيز مكانة العالم الإسلامي في خريطة الإنتاج المعرفي العالمي.
الأبحاث والدراسات (القسم العربي): تضمن العدد ثلاثة أبحاث رئيسة باللغة العربية، تناولت جوانب استراتيجية وإدارية وفقهية حديثة:
- الاستشراف المستقبلي للأوقاف: قدم الدكتور سامي محمد الصلاحات بحثًا بعنوان "نمو الأوقاف الإسلامية في نطاق عابر: قراءة استشرافية في ضوء التقرير الإستراتيجي للأوقاف". ركز الباحث على أهمية "الدراسات المستقبلية" في تطوير القطاع الوقفي، مشيرًا إلى ضعف ثقافة الاستشراف حاليًا في المؤسسات الوقفية. وقد حلل الباحث السيناريوهات المحتملة لنمو الأوقاف عالميًا، وقسمها إلى ثلاثة سيناريوهات: سيناريو التقليد والبطء، وسيناريو التموضع والتطوير المتدرج، وسيناريو التوسع وزيادة التأثير. وخلصت الدراسة إلى ضرورة تبني المؤسسات الوقفية لأدوات التخطيط المستقبلي والتحليل الإحصائي لضمان استدامتها وتنافسيتها.
- حوكمة الوقف واستدامته: ناقش الدكتور محمد أحمد عزب في بحثه "الحوكمة وضرورتها لاستدامة الوقف والعمل الأهلي التطوعي وتحقيق أهدافهما"، دور الحوكمة كنظام إداري ضابط يضمن الشفافية والمساءلة والعدالة. أكدت الدراسة أن تطبيق مبادئ الحوكمة ليس ترفًا إداريًا بل ضرورة شرعية وإدارية لضمان استمرار العطاء الخيري وكسب ثقة الواقفين والمانحين. وأوصى البحث بضرورة نشر ثقافة الحوكمة وتوضيح عدم تعارضها مع قيم "إسرار الصدقة"، بل هي مكملة لها بحفظ الأمانة وتوثيقها.
- معيار المصلحة في الأوقاف الحديثة: تناول الأستاذ الدكتور عابد فايد عبد الفتاح فايد موضوع "معيار المصلحة في إنشاء الأوقاف في المجالات الحديثة". بحثت الدراسة في كيفية استخدام "المصلحة العامة" كضابط شرعي لتوجيه الأوقاف نحو مجالات جديدة تتجاوز الأشكال التقليدية. استعرض الباحث تطبيقات حديثة مثل "صناديق الوقف الاستثمارية"، و"الأوقاف المؤقتة"، ووقف "حقوق الملكية الفكرية". وخلص إلى أن الوقف تحول من عمل فردي بحت إلى مؤسسة ذات نفع جماعي، مما يستدعي مرونة في التشريعات تسمح بتطوير صيغ وقفية تلبي حاجات المجتمع المتغيرة، مثل التأمين التعاوني الوقفي ودعم البحث العلمي.
المقالات:
قدم الدكتور الزبير مهداد مقالًا بعنوان "فضل الوقف العلمي على النهضة التعليمية في مصر"، استعرض فيه الدور المحوري الذي لعبته الأوقاف في العصرين الأيوبي والمملوكي في توفير التعليم المجاني، والسكن، والتغذية، والرعاية الصحية للطلاب والعلماء. وأوضح الكاتب كيف أن "الوقف العلمي" كان الرافعة الأساسية التي مكنت مصر من أن تكون قبلة لطلاب العلم، وكيف وفرت المدارس الوقفية بيئة متكاملة (مكتبات، مساكن، رواتب) ضمنت تفرغ العلماء للإبداع.
القسم الأجنبي (الفرنسي)
تضمن العدد ترجمة لبحث باللغة الفرنسية للدكتورة وداد العيدوني بعنوان "حماية القاصرين في نظم الوقف ببلاد المغرب والأندلس". تتبع البحث الدور الاجتماعي للوقف في حماية الفئات المستضعفة، وتحديدًا القاصرين، مبرزًا كيف أسهمت الأوقاف تاريخيًا في الغرب الإسلامي في ترسيخ منظومة حماية اجتماعية لهذه الشريحة.
عروض الكتب وكلمة الرثاء:
- عرض كتاب: تضمن العدد عرضًا لكتاب "الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر الحديثة: إضافات جديدة في ضوء حجج وقف أحمد باشا المنشاوي"، تأليف أ.د. تفيدة محمد عبد الجواد، ويستعرض الكتاب الأثر الاجتماعي الضخم لأوقاف "المنشاوي باشا" في الدلتا ومصر، من مساجد ومدارس ومستشفيات، مسلطًا الضوء على وثائق وحجج وقفية نادرة.
- كلمة وفاء: خصصت المجلة كلمة رثاء للراحل عبد المحسن محمد العثمان، الأمين العام المؤسس للأمانة العامة للأوقاف بالكويت، مستذكرة دوره الريادي في تحويل العمل الوقفي من الإطار التقليدي إلى العمل المؤسسي المنظم، وجهوده في تأسيس البنية التشريعية والاستراتيجية للأمانة.
في الختام؛ يُقدم هذا العدد رؤية متكاملة تجمع بين التأصيل الشرعي (بحث المصلحة)، والتطوير الإداري (الحوكمة والاستشراف)، والعمق التاريخي (الوقف التعليمي وحماية القاصرين)، مما يجعله مرجعًا مهمًا للباحثين في سُبل تطوير القطاع الوقفي ليلائم تحديات العصر. والجدير بالذكر أن مجلة أوقاف هي مجلة علمية نصف سنوية مُحَكَّمة تُعنى بشؤون الوقف والعمل الخيري، تصدر منذ ربع قرن تقريبًا (العدد التجريبي صدر عام 1421ه/2000م)، وهي تصدر باللغات الثلاث (العربية والإنجليزية والفرنسية)، مستهدفةً إحياء ثقافة الوقف، وتكثيف النقاش حول إمكاناته العلمية والحضارية في مجتمعاتنا المعاصرة، والإسهام في تحقيق الربط المنشود بين الفكر النظري والتطبيق العملي لسُنَّةِ الوقف.
لتحميل جميع أعداد المجلة السابقة، انقر (هنا)