صدر عن المعهد الدولي للوقف الإسلامي «الملخص التنفيذي للتقرير الاستراتيجي للأوقاف 2024–2025م»، وهو الإصدار الثالث من سلسلة التقارير الاستراتيجية التي يصدرها المعهد، ويهدف إلى رصد وقياس الأداء المؤسسي للمؤسسات الوقفية العامة في العالم الإسلامي والمجتمعات المسلمة.
ومن أبرز ما ورد بهذا الملخص التنفيذي:
أولًا: منهجية الرصد ونطاق التقرير
يستند التقرير الاستراتيجي في نسخته الثالثة إلى تغطية جغرافية واسعة شملت 76 دولة ومجتمعًا مسلمًا موزعة عبر عشرة أقاليم جغرافية في ست قارات حول العالم. وقد اعتمدت الدراسة بشكل جوهري على "معيار الأداء الوقفي المؤسسي" (BWIP) كأداة قياس رئيسية، حيث يتم تقييم المؤسسات الوقفية من خلال نحو 40 متغيرًا مؤثرًا في الأداء. ومن خلال استطلاعات الرأي التي أجراها المعهد مع الخبراء، تبين أن هناك تفاوتًا في أهمية هذه المتغيرات، حيث تصدرت كفاءة الموارد البشرية القائمة بنسبة 76.9%، تلاها الاستقرار في الدولة بنسبة 73.1%، ثم حجم الأصول الوقفية والحوكمة، مما يعكس شمولية المنهجية المتبعة في رصد الواقع الوقفي العالمي.
ثانيًا: مؤشرات الأداء المؤسسي والتميز الدولي
أظهرت نتائج التقرير تباينًا واضحًا في أداء الدول بناءً على معايير الحوكمة والبيئة التشريعية والموارد، ففي جانب الحوكمة والشفافية، برزت دول مثل: (تركيا، إندونيسيا، الأردن، ماليزيا، والسعودية) بصفتها نموذجًا يحتذى، من خلال التزامها بإصدار تقارير سنوية تفصيلية. وفيما يخص كفاءة الموارد البشرية، التي تُعد ركيزة أساسية، تصدرت: (الكويت وسنغافورة والإمارات) قائمة الدول المهتمة بتطوير الكادر البشري الوقفي. كما أوضح الرصد أن ملاءمة القوانين والتشريعات لعبت دورًا حاسمًا في تميز دول مثل: (السعودية والمغرب وتركيا). ومن الجدير بالذكر أن معالجة مشكلة حصر وتسجيل الأوقاف كانت عاملًا فارقًا في تحسين الأداء المؤسسي لدول مثل: (تركيا والإمارات وقطر)، في حين لا تزال دول أخرى تعاني من ضعف التوثيق.
ثالثًا: خارطة التصنيف العالمي للأوقاف
بناءً على مخرجات معيار (BWIP)، تم تصنيف الدول إلى ثلاث فئات رئيسة تعكس مستوى نضجها المؤسسي؛ ضمت الفئة الأولى 17 دولة تمكنت من تجاوز 7 نقاط في التقييم؛ وشملت دولًا رائدة مثل: السعودية، الكويت، قطر، ماليزيا، تركيا، وإندونيسيا، مما يشير إلى قوة منظومتها الوقفية. أما الفئة الثانية، فقد كانت الأكثر اتساعًا بضمها 34 دولة تراوح أداؤها بين 4 إلى 7 نقاط، وضمت دولًا متنوعة مثل فلسطين، العراق، روسيا، وكندا. في حين وقعت 25 دولة في الفئة الثالثة بحصولها على أقل من 4 نقاط. وعلى الصعيد الإقليمي، تصدرت دول شبه الجزيرة العربية المشهد بنسبة أداء بلغت 79.42%، تلاها إقليم جنوب شرق آسيا بنسبة 63.33%.
رابعًا: التحولات الاستراتيجية والابتكار في القطاع
يشهد القطاع الوقفي تحولات جذرية متأثرة بتطور الصناعة المالية الإسلامية التي تجاوزت أصولها 5.4 تريليون دولار؛ حيث تستفيد الدول المتقدمة وقفيًا من هذا النمو لدمج أدوات التمويل الإسلامي كالصكوك في استثماراتها. وفي سياق الابتكار الاجتماعي، رصد التقرير عودة قوية للأوقاف الجامعية، مستدلًا بتجربة ماليزيا التي تمتلك فيها 17 جامعة حكومية صناديق وقفية لدعم التعليم والبحث العلمي. كما برز التوجه نحو الأوقاف الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي، كما هو الحال في مزارع الزيتون الوقفية بتركيا والأوقاف الزراعية في إندونيسيا وغرب إفريقيا. تقنيًا، بدأت تقنيات التمويل (FinTech) والذكاء الاصطناعي تأخذ حيزًا في إدارة الأوقاف، لا سيما في السعودية والإمارات، مما يعزز الكفاءة والإنتاجية.
خامسًا: واقع المعرفة الوقفية والنشر العلمي
أكد التقرير على تنامي الاهتمام المعرفي والأكاديمي بمجال الوقف، حيث لا تزال الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت تتصدر المشهد في النشر العلمي الورقي عبر "مجلة أوقاف" المتخصصة. كما ظهرت مبادرات نوعية من القطاع الخاص، مثل مؤسسة "ساعي" السعودية التي نشرت أكثر من 92 كتابًا متخصصًا. وعلى صعيد الفعاليات، تم رصد انعقاد مؤتمرات دولية تناقش قضايا معاصرة دقيقة، مثل مؤتمرات حول الذكاء الاصطناعي في العمل الإنساني واستراتيجيات الابتكار في الوقف، مما يعكس تطور الخطاب المعرفي الوقفي.
سادسًا: خارطة المخاطر والفرص المستقبلية
يواجه القطاع الوقفي جملة من المخاطر والتحديات، أبرزها الصراعات المسلحة التي كبدت أوقاف قطاع غزة خسائر تجاوزت 500 مليون دولار، بالإضافة إلى مخاطر الركود الاقتصادي والكوارث الطبيعية والاختراقات السيبرانية. وفي المقابل، تلوح في الأفق فرص واعدة للمؤسسات التي تتبنى التحول الرقمي وتوظف الذكاء الاصطناعي. كما يُعد الاستثمار في الأوقاف الزراعية فرصة استراتيجية، خاصة أن الدول الإسلامية تمتلك ثلث الأراضي الزراعية في العالم، إلى جانب فرص الاستثمار في الرعاية الصحية والطاقة البديلة وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص.
خاتمة: تطلعات المستقبل وآفاق الريادة الوقفية
يُختتم التقرير الاستراتيجي الثالث للأوقاف برؤية استشرافية تؤكد أن القطاع الوقفي يمر بمرحلة تحول مفصلية، حيث لم يعد مجرد نشاط تقليدي، بل بات صناعة استراتيجية تتطلب أدوات قياس دقيقة. وقد سلط التقرير الضوء على 16 تجربة وقفية رائدة عبر عشرة أقاليم متنوعة، بهدف استخلاص النماذج الناجحة التي يمكن تعميمها في العالم الإسلامي، مع التركيز على مؤشرات التحول نحو الاستثمار المبتكر، وتقنيات التمويل الحديثة، والابتكار في المصارف الوقفية لتلبية الاحتياجات المجتمعية المتجددة.
وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن التكنولوجيا ستكون العامل الحاسم في تشكيل المشهد الوقفي القادم؛ فالمؤسسات التي ستنجح في استكمال عمليات التحول الرقمي وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرات كوادرها البشرية، هي التي ستتمكن من تحقيق الاستدامة المالية والاستقلال عن التمويل الحكومي. ومن المرجح أن تتصدر المؤسسات التي تستثمر في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات المشهد الوقفي، خاصة في دول شبه الجزيرة العربية وجنوب شرق آسيا، شريطة أن تنجز أتمتة مهامها التنظيمية وتعزز أنظمة إدارة المخاطر والامتثال.
جغرافيًا، سيظل إقليم شبه الجزيرة العربية حاضنة وقفية رئيسية ومركزًا للثقل الاقتصادي الوقفي، بالتزامن مع صعود ملحوظ لدول في أقاليم جنوب شرق آسيا وشمال إفريقيا وبلاد الشام، التي بدأت تطور نظمها المحلية معتمدة على بناء القدرات الذاتية. كما يرصد التقرير توجهًا متناميًا نحو الأوقاف العائلية وانتقال الأصول الوقفية بين الأفراد ذوي الثروات، مما يستدعي وجود تشريعات قانونية مرنة وبيئات استثمارية جاذبة ومعفية من الضرائب لاستقطاب هذه الأصول وتنميتها.
بين الأداء المؤسسي والمقاصد الشرعية: نحو تقويم حضاري للوقف:
يمثل إصدار تقرير سنوي استراتيجي للأوقاف إضافة نوعية مهمة لرسم خريطة واضحة -إلى حد كبير- لأداء المؤسسات الوقفية ومسارات تطورها، لا سيما حين يصدر عن معهد متخصص ومستقل؛ فالمعهد الدولي للوقف الإسلامي، بوصفه مؤسسة دولية مستقلة غير ربحية تأسست في ماليزيا عام 2008م، يتمحور عمله حول تطوير المعرفة الوقفية وبناء القدرات والاستشارات، ويوفّر إطارًا مؤسسيًا يمنح تقاريره قدرًا معتبرًا من المصداقية.
ومع ذلك، وعلى الرغم من شمول هذا التقرير لجملة واسعة من المؤشرات، فإنه لا يزال قابلًا لمزيد من التطوير ليكون أكثر قدرة على تمثيل الواقع الوقفي المركّب. فمعيار (BWIP)، رغم أهميته في المقارنات الدولية، يبقى محدودًا في التقاط الأبعاد النوعية العميقة، مثل مستوى الشفافية الفعلية، واستقلال الرقابة، وجودة الإفصاح المالي، وهي عناصر لا تختزلها التقارير الشكلية ولا المؤشرات الرقمية المجردة.
كما أن تحسّن مؤشرات الحوكمة والكفاءة في عدد من الدول يثير سؤالًا جوهريًا لا تزال الأدوات الكمية عاجزة عن الإجابة عنه: إلى أي مدى تُدار هذه الأوقاف بروح الوقف الشرعية بوصفه مالًا محبوسًا لمصالح الأمة، لا بوصفه محفظة استثمارية سيادية؟ فالتوسع في الصكوك والأدوات المالية، وإن عزز العوائد، يطرح تحديات مقاصدية حول خطر تغليب المنطق الربحي على الوظيفة الاجتماعية والحضارية للوقف.
وتكشف خريطة التصنيف كذلك أن التفوق الوقفي يرتبط قبل كل شيء بوجود تشريعات واضحة، وسجلات مميكنة، وهيئات مستقلة، وهو ما يؤكد أن أزمة الوقف في العالم الإسلامي ليست في ندرة الأموال، بل في هشاشة البنية القانونية والمؤسسية التي تحكمها. فالوقف لا ينهض بالتقنية وحدها، بل باستقلال إداري، ونظم مساءلة، وقضاء وقفي يحمي الأصول من التسييس والاستيلاء.
ومن ثم فإن التقرير الاستراتيجي للأوقاف سيكون أكثر دقة وإحاطة إذا أضاف إلى مؤشراته البُعدين الحضاري والمقاصدي في تقويم الأداء؛ بحيث يُقاس الوقف بقدرته على معالجة اختلالات الأمة الكبرى: من الفقر والتفاوت الطبقي، إلى التخلف العلمي، والتفكك الاجتماعي، وتهميش الإنسان المسلم، وصولًا إلى تغوّل الاستبداد الذي صادر كثيرًا من أموال الوقف وحوّلها من رافعة للتحرر إلى مورد للسلطة.
ويمكن تحميل هذا الملخص من (هنا)