صدرت هذه الدراسة عن مركز بحوث الدراسات الإسلامية التابع لمعهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي التابع لجامعة أم القرى، مكة المكرمة، الممكة العربية السعودية، سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية (سلسلة رقم 13)، 1991م، ومما جاء في مقدمة هذه الدراسة:
أدت سيطرة المفاهيم الغربية على الواقع السياسي المعاصر في العالم إلى بروز أفكار ونظريات جديدة كان من أبرزها نظرية السيادة التي أصبحت الركيزة الأساسية لتحديد مصدرا السلطة السياسية في الدول الحديثة. ولما كان الفكر الغربي يرتكز على مبدأ فصل الدين عن الدولة، فقد نجم عن ذلك إقرار سيادة الأمة أو السيادة الشعبية وخضوع الممارسات السياسية والقوانين التشريعية، تبعًا لذلك، لأراء وأهواء ممثلي الأمة التي أصبحت مصدرًا للسلطات.
ومنذ أوائل القرن الحالي سعى الاستعمار الغربي إلى نشر مفاهيمه عن السيادة في بلاد المسلمين بهدف بسط الهيمنة والقوانين الغربيين فيها، وتأصيل النزعة اللادينية لإقصاء الإسلام عن واقع الحياة والتشريع، مما جعل أغلب الدول المستعمرة والتابعة تسارع إلى إقرار مبدأ السيادة الشعبية لإظهار وتأكيد توافق أنظمتها مع الأنظمة الغربية، بالإضافة إلى تعطيل الأحكام الشرعية الكلية والجزئية بحجة تغير الأحكام بتغير الزمان والظروف المحيطة بالدولة. وقد ارتبط تغيير الأحكام، نتيجة لذلك، بالدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فنشأت العديد من التحالفات والتكتلات السياسية المضادة لوحدة الأمة الإسلامية بحجة المصلحة، وأُقيمت المؤسسات الرأسمالية الاقتصادية بحجة الضرورة، وحُدد النسل ومُنع تعدد الزوجات بحجة معالجة الانفجار السكاني، ونودي بحرية المرأة بحجة منحها حقوقها .. وهكذا.
وانطلاقًا من الجزم بسمو ورقي الشريعة الإسلامية وتفوقها على ما تقوم عليه المجتمعات المعاصرة من مباديء وأنظمة وضعية، يعالج هذا البحث قضيتين أساسيتين: أولاهما، البحث في مصدر السيادة ونقض مفهوم انحصار السيادة في الأمة، حيث يؤكد البحث بالأدلة الشرعية أن السيادة والحاكمية للشرع الإسلامي، ويقرر ما يترتب على سيادة الشرع من بطلان كافة ما يخالفه، ووجوب إرجاع كل أمر مختلف فيه إلى الشرع.
أما القضية الثانية فمترتبة على سيادة الشرع وهي عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية لا من قبل الأمة ولا من قبل الدولة. فالدولة في الإسلام تهدف إلى إقامة الشرع المتمثل في “حراسة الدين” التي أشار إليها الفقهاء، ولذلك وجب عليها الالتزام بأحكام الإسلام في كافة الأمور.
ولتأكيد سيادة الشرع وما يترتب عليها من أحكام، سنمهد للبحث بنظرية السيادة في الفكر الغربي لبيان تناقضها مع النظرية الإسلامية في السيادة التي تؤكد سيادة الشرع وترتب على ذلك عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية، كما سنبين الرد على عدد من الشبهات التي يرى المنادون بها تغيير الأحكام الشرعية مسايرة للمصلحة والواقع الإجتماعي.
ومع تقرير سيادة الشرع وعدم تغيير الأحكام يستعرض البحث الحالات التي أذن الشرع للدولة بالتدخل فيها بالمنع والإلزام لتنظيم المباحات. ويبرهن البحث على أن هذه الحالات تقتصر على دفع الضرر ومنع ما يوصل إلى المحرم، وتنظيم أجهزة الدولة، والملكية العامة والمرافق العامة، وإقامة فروض الكفاية المنوطة بالدولة مع التأكيد على أن ذلك لا يعد تغييرًا لأحكام الشرع وإنما يُعد في حقيقة الأمر تطبيقًا لأحكام شرعية قائمة بذاتها لمعالجة هذه الحالات في المجتمع الإسلامي.
تقسيم الدراسة:
وتم تقسيم الدراسة على النحو التالي:
- مقدمة.
- تحديد مصدر السيادة في الفكر الإسلامي.
- سيادة الشرع ومباشرة السلطان.
- بطلان مخالفة الشرع ووجوب رد التنازع إليه.
- القواعد العملية لسيادة الشرع.
- الإطار الشرعي لتدخل الدولة بالمنع والإلزام لتنظيم المباحات.
- الخاتمة.


