طارق البشري فقيها: لمحات من منهجه في التفسير*

By د. محمد سليم العوا شباط/فبراير 22, 2026 543 0

ماهية الفقه:

1- الفقه لفظ شريف، جعلت له العرب، عند كل تصريف من تصريفاته، معنى يختص به، واختاره علماء الإسلام للتعبير عن أهم العلوم وأكثرها التصاقًا بحياة الناس وأشدها تأثيرًا فيها؛ وهو علم الحلال والحرام.

فأما العرب فقالوا: إن الفقه هو العلم بالشيء والفطنة له، وقالوا: إنه مثلث العين (حرفه الأوسط من الفعل الثلاثي يصح بالفتحة والضمة والكسرة). فإذا قلت فقه على وزن علم فقد أردت أن الموصوف بذلك قد فهم أمرًا أو أمورًا. وإذا قلت فقه على وزن منع فقد أردت أن الموصوف بذلك سبق غيره إلى الفهم وبالفهم. وإذا قلت فقه على وزن كرم فقد أخبرت أن الموصوف بذلك صار الفقه له سجية أصيلة؛ كأنما هو جزء من خلقته، وبعض جبلته. ولا يقال «فقيه» إلا لمن تحققت فيه هذه الصفة على هذا النحو.

والفقه في العرف-كما يقول المؤلفون في فلسفة العلوم العربية- هو الوقوف على المعنى الخفي الذي يتعلق الحكم به. ولذلك قالوا إنه التوصل إلى علم غائب بعلم شاهد. وقال أبو البقاء الكفوي (1028 - 1094 هـ = 1684م) «إنه تعقل وعثور يعقب الإحساس والشعور»[1].

2- والفقه عند الأصوليين والفقهاء هو العلم بالأحكام الشرعية العملية المكتسب من الأدلة التفصيلية. ولهذا التعريف شروح مفصلة، موجودة في مظانها من كتب الأصول وكتب الفقه[2].

 

من هو الفقيه:

3- والفقيه، في لغة العلوم الإسلامية، هو العالم بالأحكام الشرعية على النحو سالف الذكر. وهو، في لغة القانون، العالم بالقانون، المشتغل بشرحه وبيان معانيه، المعنيُّ أصلًا من ذلك، بالوصل بين الأصول النظرية وبين الواقع العملي[3]. والفقيه يتخذ سبيله إلى ذلك بتفسير النصوص القانونية، وبيان معانيها، متوسلا بالتحليل والتركيب من ناحية، وبالتأصيل من ناحية أخرى. فأما التحليل فالطريق إليه هو النظر في عبارات النص وفق الأساليب المعروفة لاستنباط الأحكام في علم أصول الفقه، لاستخلاص المادة القانونية التي تقدمها اللفظة المفردة. وأما التركيب فهو جمع الأحكام المستفادة من كل لفظة، أو من كل عبارة على حدة، ووضعها في نسق قانوني واحد لإدراك المعنى الأصيل المقصود من إعمالها معًا[4]. وأما التأصيل فهو رد الأحكام القانونية إلى أصول جامعة تفهم بالعلم بها أهداف التشريع وغاياته، وهدف الشارع وغرضه، والمقصد الذي يرمي إلى تحقيقه، بتشريع ما، في موضع معين. وهو -كذلك- رد الفروع القانونية إلى أصول واحدة؛ تظهر هيكل النظام القانوني وتحدد معالمه[5].

مهمة صعبة:

4- ومعرفة ما تقدم تبين كم يكون صعبًا على مثلى - على قلة البضاعة وضعف العدة - أن يكلف بالحديث عن طارق البشري فقيهًا. فأنَّى لباحث أن يحيط بفقه عَلَم من أعلام القانون، مارس القضاء أربعة وأربعين عامًا، قد يكون كتب في كل أسبوع منها ما يتضمن عملًا فقهيـًا ذا بال. فإذا استبعدنا أحكامه القضائية -لأن قاضيين جليليـن قد تحدثا عنها (*)- فإن المادة الباقية من تقاريره عضوًا بهيئة المفوضين ورئيسًا لها، ومن تقاريره وفتاواه عضوًا في الجمعية العمومية للفتوى والتشريع ثم رئيسًا لها، لا تحصى عددًا. ويستطيع الباحث الجاد أن يستخرج منها مجلدًا كبيرًا أو أكثر يخصصه للجهـد الفقهي لطارق البشري.

5- لذلك اقتصرت في هذه الورقة على إشارات سريعة إلى لمحات من منهجه في التفسير، أحاول بها أن ألقي ضوءًا، مهما يكن يسيرًا، على طارق البشري فقيهًا.

 

هدف التفسير:

6- في تقرير قدم إلى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع يقول طارق البشري:

إن هدف التفسير هو معرفة معاني الألفاظ المفردة، والجمع بين أحكامها في نسق قانوني واحد بما يقتضيه ذلك من مقارنة جزئيات المادة القانونية بعضها بعض، لرفع ما عسى أن يظهر من تعارض بينها، ولإدراك المعنى الأصيل المقصود من أعمالها معًا. وهو يرى أن لكل عبارة معنى مستفادًا من ألفاظها وحدها. ولكن معنى كل عبارة يكتسب تحديدًا خاصًا وجديدًا عند إعمالها مع سائر أحكام القانون، كعضو متكامل في تركيب قانوني واحد متماسك. هذا التركيب هو المعنى العام المستفاد من القانون بجملته. وهو الذي يبرز أدق المعاني للأحكام الجزئية والمفاهيم عباراتها المفردة. وهو الروح العام الذي يخضع له تفسير كل عبارة من النص القانوني باعتبارها جزءًا من كل. وهو قصد المشرع الذي يذكره المفسرون والقضاة. فهذا القصد ليس مفهومًا خارجًا عن النصوص يقحمه التفسير عليها؛ ولكنه المفهوم العام المستفاد من أحكام القانون كلها وعباراته المفردة جميعًا. وإذا كان لكل لفظ معناه المعجمي فإن هذا المعنى يكتسب من السياق الذي يرد فيه ظلالًا خاصة، وبالجمع بين الأمرين يظهر معنى نص القانون[6].

 

ما هو القانون؟

7- والمادة القانونية عند طارق البشري ليست جمعًا بسيطًا اعتباطيًا لأحكام متعددة، ولكنها إعمال عضوي متفاعل لهذه الأحكام. وهي في تركيبها كتركيب الأعضاء في جسم واحد، له بنيان متكامل يشد بعضه بعضًا. ويندر عند تفسير أي قانون ألا توجد فيه عبارات متعارضة ينفى بعضها بعضًا، نفيًا كليًا أو جزئيًا، ولكن جمع عبارات القانون في نسق واحد يعني تفاعل هذه الأحكام المتنافية تفاعلًا ينشئ مركبًا جديدًا يكتسب كل عضو فيه -من الكل- مفهومه الحق وسماته الصحيحة. ولتأكيد ذلك يقول طارق البشري: التحليل والتركيب -إذن- أصلان لا يقوم التفسير بأحدهما فقط، فبِسَاقٍ نامية وساق ضامرة يدور المرء على نفسه ولا يتقدم أبدًا[7].

8- ومهما يكن الرأي في عدالة التشريع أو عدم عدالته فإن المفسر ليس من شأنه أن يبحث هذه المسألة؛ لأن مهمة المفسر هي التعرف على حكم النص، وليست البحث عن بديل له أكثر عدالة أو أدنى إلى الرفق بالمكلفين، أو أكثر تحقيقًا لمقاصد الشارع. وعمل طارق البشري في التفسير -في عطائه القانوني كله- كان واعيًا أدق الوعي بهذه القاعدة.

 

تأثير الحقائق الاقتصادية والاجتماعية والواقعية:

9- وحين يكون النص المطلوب تفسيره متعلقًا بحقيقة اقتصادية أو اجتماعية، فإن التفسير الذي يغفل أخذ هذه الحقيقة في الاعتبار يقود -لزومًا- إلى نتائج خاطئة. لذلك حين كان على طارق البشري أن يبدي رأيًا في مدى خضوع أعضاء جمعيات التعاون الإنتاجي لقانون التأمينات الاجتماعية رقم (63) لسنة 1964، لم يقف في بحثه عند حروف نصوص القانون المذكور، إنما أضاف إلى البحث، منذ اللحظة الأولى، النظر في قانون التعاون الذي يصف نشاط جمعيات التعاون الإنتاجي ونشاط أعضائها. وانتهى إلى تحديد نقطة البحث في بيان حقيقة العلاقة بين الملكية والعمل في جمعيات التعاون الإنتاجي، واستهدى في ذلك بنصوص قانون العمل ونصوص القانون المدني. واستنطق التاريخ ليضع يده على العلاقة بين الملكية والعمل والتطور الذي أدى إلى الفصل بينهما. ثم قرأ الواقع الذي ينظر إلى العامل لا من خلال نشاط إنتاجي يقوم به؛ وإنما من خلال علاقة العمل التي تقوم بين من يقدم جهده ومن يقدم ماله. فهي علاقة اجتماعية يتحدد من خلالها مركز قانوني، ورأى أن جوهر التعاون هو استهداف الدفاع عن العناصر الضعيفة اقتصاديًا؛ مستهلكين ومنتجين، وأن التجمع التعاوني قصد به القيام بالدور الاقتصادي للرأسمالي بالنسبة للجماعة المتعاونة، وأن يكون تجمعًا للضعفاء يقدرون به على المنافسة. وقاده ذلك إلى اكتشاف أن المشروع التعاوني الإنتاجي هو الصيغة الحديثة الملائمة للإنتاج الحرفي القديم. وأن أصحاب الحرف أعضاء الجمعيات الإنتاجية ليسوا عمالًا لديها، ولو كان لها كيان مستقل بشخصيته المعنوية وطبيعته الخاصة. ومن ثم فقد انتهى إلى أن أعضاء جمعيات التعاون الإنتاجي لا يخضعون لقانون التأمينات الاجتماعية، إلا إذا أعَملت الدولة نص الرخصة المخولة لها في قانون التأمينات الاجتماعية، فأصدر رئيس الجمهورية قرارًا بذلك، تأسيسًا على جواز سريان أحكام القانون المذكور على أصحاب الحرف أو أصحاب الأعمال[8].

10- وحين كان بيان الرأي في كيفية إعمال أحكام القانون رقم (50) لسنة 1969 يقتضي تحديد الموقف من الأحكام الواردة في عقد بيع عرفي ولكنها أغفلت عند تسجيله، فلم ترد في العقد النهائي المسجل، كان انحياز طارق البشري إلى حرية الإرادة التعاقدية وإعمال أثرها انحيازًا واضحًا.

فخلافًا لما يقوله كثير من الشراح، رأى طارق البشري أن العقد المسجل لا يسقط ما استقل بذكره العقد العرفي من أحكام. وأن العقد المسجل ينطوي على إعادة بناء العلاقة التعاقدية بين طرفيه، وفي هذا الصدد فإن استخلاص الإرادة المشتركة للمتعاقدين هو أساس الرأي في بقاء ما أغفله العقد المسجل أو سقوطه؛ لأن إعادة البناء وحدها لا تفيد حتمًا سقوط ما أغفله العقد المسجل من أحكام. وإذا كان عبء الإثبات يقع على المدعى فإن العبرة هي باستصحاب الحال الثابت أصلًا أو عرضًا، حتى يقوم ما ينفيه[9].

والاستصحاب الذي ذكره طارق البشري طريق لمعرفة الحكم في وقت ما، في وضع معين، بناء على ثبوت ذلك الحكم، في ذات الوضع، في زمن مضى، وعدم قيام الدليل على تغييره. وهو من الأدلة المختلف فيها عند الأصوليين. فيوسع الظاهرون من دائرته أكثر من سواهم، ويضيّق منها القياسيون فلا يلجؤون إليه إلا إذا أعوزهم القياس[10].

واعتماد طارق البشري على الاستصحاب في هذا الموضع الدقيق لبيان أثر العقد المسجل على العقد العرفي، أثر من آثار معرفته الدقيقة بأصول الفقه الإسلامي، وكيفية الاستفادة منها في تفسير النصوص القانونية، على نحو ما نقلنا عنه آنفًا.

11- والتفسير لا ينفصل عن الواقع. فحينما وجد الفكر القانوني وضعًا تبدو فيه الحقيقة القانونية مفارقة للحقيقة الواقعية الملموسة؛ لم يتردد في استنباط الدواعي للتواصل مع الواقع الحال، والاعتراف به كمركز قانوني. ولم يتردد في التخلي النسبي عن الحقيقة القانونية المتعالية، أو التخلي عن الجانب المتعالي منها، بما لا يهدر أسس النظام القانوني من جانب، وفي حدود ما يعيد التواصل بين الواقع القانوني والواقع الفعلي من جانب آخر. ومثال ذلك فكرة المالك الظاهر في القانون المدني، وفكرة الموظف الفعلي في القانون الإداري. فكلاهما ظهر نتوءًا في الفكر القانوني؛ ظهر لا ليجافي النظام القانوني، ولا ليتعرض عليه، ولكن ليبسط هيمنة هذا النظام على تنوعات الواقع وشوارده. فاعترف بالواقع المشار إليه مركزًا قانونيًا ليستعيد سيطرته على ما يولده هذا الواقع من آثار[11].

12- وفي براعة فكرية وفقهية بيّنة يقول طارق البشري عن مشكلة الوجود القانوني المـفارق للواقع العملي، إن المنطق القانوني يستقيم في تداعيه وفقًا لمناهج الاستدلال الصارمة المعترف بها، شريطة أن يصدر هذا المنطق عن المسلمات العامة التي تستبقي له صلته بالواقع الفعلي، بأن يكون للشخصية قوامها، وللمال تميزه، وللقرار وجوده الفعلي بوصفه تصرفًا قانونيًا. فإن اضطر أي من تلك المسلمات بطروء الصورية على الواقعة القانونية، أو أن صار الواقع غير واقع، والحاصل غير حادث، فقد لزم الوقوف لتدبر الحال قبل أن يضل الفكر القانوني في تهويمات الخواء[12]. وتجنبًا لهذا الضلال المحتمل صاغ طارق البشري رؤيته لصنيع الفكر القانوني في التوفيق بين الحقيقة القانونية والحقيقة الواقعية في النص الذي أشرنا إليه في الفقرة السابقة. وهي صياغة تدل على التحرر من سلطان التقليد، والتوجه الذي يكاد يكون منفردًا نحو الاجتهاد الذي يحقق المصلحة ويدرأ المفسدة، وتقديمه على ما قد يبدو، في القراءة الأولى، أنه ظاهر النص أو النص نفسه.

 

قواعد الفقه الإسلامي في تفسير القانون الوضعي:

13- وحين تشتد قبضة الدولة على حريات المواطنين وأموالهم لا يترددُّ الفقيه طارق البشري في أن يصل بالنص إلى التوسعة على المعرَّضين لوطأة هذا التشدُّد الحكومي مستهديًا في ذلك -دون أن يذكره صراحة- بالقاعدة الفقهية التي تقرر أن الأمر إذا ضاق اتسع، وبما قرره القرافي -رحمه الله- من أن الذرائع كما تُسدّ تُفتح.

ففي تقريره المعروض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بشأن ملكية حمزة محمد الشبراوي وأثر الحراسة والوفاة في تطبيق أحكام الإصلاح الزراعي في ظل قانون كان يحدد الملكية الزراعية بحد أقصى، ويصادر ما زاد عليه، ويجعله مملوكًا للدولة لا من تاريخ استيلائها الفعلي عليه بل من تاريخ العمل بالقانون المذكور، أيًا ما كان تاريخ الاستيلاء الفعلي. وفى ظل قانون ثان كان يخضع الأفراد بأوضاع ولأسباب أقل ما يقال فيها إنها شديدة التعسف؛ في ظل هذين القانونين، انتهى طارق البشرى إلى أن قواعد الترجيح والتوفيق بين النصوص، وقواعد الإعمال الزمنى لها، وتدرج القواعد بين عام يشمل للحراسة حكمه جميع أفراده، وخاص يقتصر على محل وروده فلا ينسخه العام اللاحق له. انتهى إلى أن العبرة بالمركز الفعلي في الحالة المعروضة لا بصحيح الاستنباط القانوني. وخالف لذلك فتوى الجمعية العمومية للفتوى والتشريع فيما قررته من ارتفاع الحراسة بالوفاة؛ إذ كان ثابتًا في حالة السيد/ حمزة محمد الشبراويشي أن رفع الحراسة لم يتم إلا بعد وفاته بزمن. فرأى طارق البشرى أن إعمال الفتوى ليس له محل؛ إذ خالف الاستنباط القانوني الصحيح المركز القانوني القائم فعلًا. فعدل المفسر هنا عن حكم النص الصريح إلى حكم آخر، مستخدمًا قاعدة الاستحسان الأصولية؛ ومستفيدًا في عدم جواز تكليف المواطن بما لا يستطيعه بالقاعدة الأصولية -المجمع عليها- من أنه لا تكليف بمستحيل، ولا تكليف إلا بمقدور. وبالقاعدة الأخرى التي رددها طارق البشرى كثيرًا في أعماله الفقهية، أعني القاعدة القائلة إن الشخص الواحد في الوقت الواحد بالشيء الواحد لا يُؤمر ويُنهى!!

١٤- واستهداءً بهذه القواعد واجه طارق البشرى النص على ارتداد ملكية الحكومة للأراضي الزائدة عن الحد الأقصى للملكية، إلى تاريخ سابق لتاريخ الاستيلاء الفعلي عليها؛ مواجهة حدّت من إطلاق النصوص بالجمع بينها جميعًا. أظهر أنه من المستحيل أن تنشأ ملكية للدولة في خلال المدة الزمنية التي أباح فيها القانون للملاك الأصليين توفيق أوضاعهم معه، بالتصرف في الملك الزائد عن الحد الأقصى الذي أباح القانون تملكه. واتخذ طارق البشرى من الإذن لهؤلاء بالتصرف دليلًا على استمرار الملك لهم. إذ التصرف لا يكون إلا لمالك. ومتى اعترف القانون لشخص بحقه في التصرف فقد لزم القول بأن القانون يعترف له بحقه في الملكية[13].

١٥- وإذ كان المالك قد توفى، في أثناء فرض الحراسة عليه، فقد بحث طارق البشري -في التقرير السابق- العلاقة بين أحكام الميراث وأحكام قانون الإصلاح الزراعي، وانتهى بحق إلى ترجيح أحكام الميراث على أحكام الإصلاح الزراعي؛ مقررًا أن القانون، وإن ملك تقييد حق المالك في التصرف، لا يملك تقييد أثر واقعة الوفاة في توزيع الميراث.

ورَجَّح طارق البشري مستهديًا، بناءً على ذلك، بالفقه الإسلامي كون الحق في التصرف في الملك الزائد ينتقل إلى الورثة إذا توفى المورث في أثناء المدة المسموح له فيها بذلك؛ فإذا كانت ملكية القدر الزائد عن الحد الأقصى لا تنتقل إلى الورثة، فإن الحق في توفيق أوضاع الملكية طبقًا للقانون ينتقل إليهم، فيكون لهم أن يتصرفوا في القدر الزائد بعد وفاة مورثهم.

١٦- ولذلك قلنا إن طارق البشري قد أعمل هنا قاعدة (إذا ضاق الأمر اتسع)، فقد ضيق القانون من حق الناس في التملك وفي التصرف، فوّسع الفقه بتفسير النصوص ما ضيقه القانون. وأعمل قاعدة فتح الذرائع؛ فاتخذ من واقعة الوفاة سبيلًا إلى إباحة ما قضى ظاهر النص بمنعه لتحقيق مصلحة المخاطبين بأحكامه.

 

وللحقيقة القومية دورها في تفسير النصوص:

١٧- وكما اعتنى طارق البشري بالحقيقة الاجتماعية والاقتصادية، وبالواقع العملي؛ ليشق طريقه في تفسير النصوص تفسيرًا يصل بها إلى تحقيق العدل وإن بدا أنه يخالف ظاهر اللفظ، فإنه صنع ذلك نفسه، مستهديًا بالحقيقة القومية، عندما تعرض لمدى جواز إعادة تعيين العامل الفلسطيني بوظيفته السابقة في ظل أحكام نظام العاملين بالدولة الصادر بالقانون رقم (47) لسنة 1978.

وكانت واقعة الموضوع تتلخص في أن مدرسًا فلسطينيًا طلب إعادة تعيينه في وظيفته بعد انقطاعه عنها، وكان ذلك بعد صدور القانون رقم (47) لسنة 1978، في شأن العاملين المدنيين في الدولة، الذي لم يعرض لمسألة تعيين الفلسطينيين، أو إعادة تعيينهم أصلًا. فرأى طارق البشري أن صنيع القانون رقم (47) لسنة 1978 سكوت، «والدلالة السكوتية دلالة ضعيفة»، وهي أدنى مراتب الدلالات؛ لأن الساكت لا يُنسب له قول؛ ولأن القاعدة أن النص اللاحق ينسخ النص السابق إذا تعارض معه. وهذه القاعدة تستوجب لإعمالها التفرقة بين النسخ الصريح وبين النسخ الضمني، الذي يتأتى من تعارض بعض دلالات الحكم اللاحق مع دلالات الحكم السابق. في هذه الحالة يتزاحم النسخ مع قاعدة إعمال النص خير من إهماله. ويجب تطبيق القانونين معًا أن يبذل الجهد لرفع التعارض بين النصين والتوفيق بينهما... ولا يقال بالنسخ إلا في حدود ما لم يمكن التوفيق فيه بين النصين. وقد كان القانون رقم (66) لسنة 1962 ينص على جواز تعيين الفلسطينيين العرب في وظائف الدولة والمؤسسات العامة، ومعاملتهم في شأن التوظف معاملة رعايا الجمهورية العربية المتحدة. وجاءت قوانين التوظف التالية لهذا القانون غير متضمنة نسخًا صريحًا لأحكامه، ولا إلغاء كاملًا له، وإنما نصت على إلغاء ما يخالف أحكامها. وحكم تعيين الفلسطينيين لا يخالف أحكامها! لا سيما وهو مقرر بقانون خاص لا تلغيه النصوص العامة. ولا دلالة في حذف الحكم الخاص بالفلسطينيين الذي كان واردًا في قوانين التوظيف السابقة على القانون رقم (47) لسنة 1978 من نصوص ذلك القانون، لأن النصوص في الصياغة التشريعية – كما يقول طارق البشري – تُحذف؛ لا لأن المشرع عدل عن حكمها؛ ولكن لأن حكمها مقرر في نصوص أخرى، أو مستفاد من تطبيق قاعدة عامة. وهنا يرد تأويل السكوت باعتباره إقرارًا للحكم مستفادًا من نصوص سابقة... ومن ثم يكون حكم القانون رقم (66) لسنة 1962 مكملًا لحكم القانون رقم (47) لسنة 1978 وليس متعارضًا معه تعارضًا يبرر أمر النسخ الضمني الذي لا يلجأ المفسر إليه إلا بعد بذل كل جهد في رفع التعارض بين النصوص[14].

 

مواجهة الخطأ:

18 – ولم يتردد طارق البشري في مواجهة خطأ الرأي الفقهي، حتى ولو كان الذي وقع فيه هو الجمعية العمومية للفتوى والتشريع نفسها. فهو يقول في شأن تفسيرها عن العقود التي تبرمها الهيئة العامة للتأمين الصحي مع الأطباء: "إن فتوى الجمعية سالفة الذكر، قد استهدفت غاية نبيلة تتعلق بما ارتأته حسنًا وملاءمة لتسيير مرفق التأمين الصحي، ومثل هذه الغايات لا تغيب عن رجل القانون الإداري فيما يتلمسه من سبل قانونية يحسن بها تسيير المرافق. ولكن يعيب نظر الفتوى المشار إليها، أنها توسلت بآليات القانون الإداري في تحديد علاقة مدنية. فاستخدمت الوسيلة في غير مجالها، وخرجت الفتوى بذلك عن المستقر في الفقه والقضاء، ونهجت نهجًا ذرائعيًا، يبحث عن المفيد قريب المنال، ولو على حساب الأسس والضوابط الحاكمة.

ووجه التحفظ على هذا المنهج، أن ما يقرره مساسًا بالأسس والضوابط من أجل صلاح عام قريب المنال في حالات مخصوصة، قد نجد ظروفًا أو حالات تكشف عن أضراره في غير ما تقرر من أجله. وليس من الصواب تغيير وصف العلاقات في ضوء ما يترتب على هذا الوصف من الآثار، مرجوة أو مرفوضة، في ظروف ملموسة. بهذا لا يستقيم للمذهب القانوني منطق، وبه يقع التخليط.

ووجه التحفظ أيضًا، أنه في صدد علاقات العمل، فإن الجهد التاريخي لحركة الفكر القانوني برمته؛ تشريعًا وقضاء وفقهًا، هو إلى التوسيع والإفساح في المعايير الضابطة لعلاقة العمل لتشمل كل الصفوف والألوان، في نمط علاقة تتميز بالتنوع البالغ، والتغير الدائب. كما تتميز بالتبعية الاقتصادية أو عدم التوازن في المراكز الاقتصادية. ومفاد تلك الحركة الدائبة للتوسعة والإفساح، أن تمتد الحماية القانونية إلى مستحقيها من أطراف هذه العلاقة، أيًّا كانت ضروب التعامل وفنونه.

وعلى عكس هذا التيار المتواصل في التشريع والقضاء والفقه، جرت فتوى الجمعية المشار إليها.

كان رائد تلك الفتوى اعتبارات لا يجب تجاهلها بالنسبة لتيسير ظروف نشاط مرفق التأمين الصحي وتحسينها. ولكنها أفضت إلى تقلص مفهوم علاقة العمل عن بعض مجاله، بما يعنيه ذلك من انحسار ما تكفله قوانين العمل من حماية، وفقا لمعيار التبعية التنظيمية ودون استلزام للتبعية الفنية. وإن العدول عن هذا المعيار تنحسر به مظلة قوانين العمل عن قسم كبير من ذوي المهن الفنية.

وقد ترتب على مراعاة الفتوى لذلك الصالح العام المخصوص، في تسيير المرفق، والذي غفل عن الصالح الأعم في ضبط علاقات العمل، ترتب عليه أنه أبعد أجورًا عن أحكام ضرائب الأجور، وأنه حرم الأطباء من الإجازات. كما حرمهم من أحكام التأمينات والمعاشات.

والآن يتقدم من الأطباء العاملين مع الهيئة، من يطلب قطعته مع غيره من الأطباء بنظام التأمينات الاجتماعية. ومبدأ انطباق أحكام التأمينات الاجتماعية على هذا الفريق من الأطباء العاملين، لا يقف دونه إلا مبدأ الفتوى السابقة، الذي أسقط وصف العمل عما يؤدونه من خدمات.

أما ما يرتبه العدول عن هذا المبدأ من سلبيات، وهي عدم جواز الاستعانة بموظفي الحكومة وقطع معاش المتقاعدين منهم، فإنه يبدو لكاتب هذا التقرير التكميلي، أن مواجهة هذه المشاكل بالأدوات التشريعية أو الاقتصادية المناسبة، أجدى من إغفال الحقائق، ومن تسمية الأشياء بغير ما هو متعارف عليه لها، وفقًا للمستقر والشائع فقهًا وقضاءً، وللمقبول عقلًا ومصلحةً، ويمكن بالأداة القانونية المناسبة فتح ما يسد من سبل الاستعانة بجهود أطباء الهيئة، ويمكن زيادة أجورهم بما يغطي ما عساه أن يقتطع منها وفقًا لهذا النظر.

وعلى أية حال فإن وظيفة الإفتاء أدخل في بيان الحكم القانوني السليم في إطار الهياكل القانونية القائمة، وعلى الأوضاع المتغيرة وعلى الحالات المتنوعة، بما يكفل فعالية الأداء القانوني كنسق فكري وتنظيمي. هي أدخل في ذلك من أن تكون وسيلة لعلاج مشاكل عملية خارجة بطبيعتها عن مجال الإشكال القانوني. وإن هذا الموضوع، لا يبدو أصلًا، أنه يتضمن إشكالًا قانونيًا، إن كل ما يتضمنه، كان إشكالًا إداريًا تنظيميًا أو ماليًا. ووجد من الأيسر أن يعالج معالجة قانونية وانساقت فتوى الجمعية في هذا المساق"[15].

 

دور طارق البشري في تفسير قانون الأحزاب:

19 – ومن أهم الأعمال الدالة على فقه طارق البشري، التقرير الثاني الذي قدمه وهو رئيس لهيئة المفوضين بمجلس الدولة – في الطعن الخاص بحزب «الصحوة»*. وهو تقرير مطول يقع في اثنتين وثلاثين صفحة، أكتفي هنا بأن أورد خلاصته العامة، على الرغم من أنها لا تغني عن المطالعة التفصيلية المتأنية لنصه الكامل تقول الخلاصة:

أولًا: إن الأحكام التوجيهية التي ترد بالدستور هي دعوة للدولة، بكل مؤسساتها الرسمية، والمجتمع بكل قواه ومؤسساته الشعبية، لأن ترسم في نشاطها تحقيق ما أفصحت عنه هذه الأحكام.

ثانيًا: لا حجة لقول يرى في إسلامية الدولة أو مصدرية الشريعة الإسلامية ما يمس الوحدة الوطنية، إلا أن يكون قولًا يحكم على الدستور بالتناقض أو يجهل مفاد أحكامه.

ثالثًا: ليس الممنوع في التكوين الحزبي تبني مطالب الفئات والشرائح والجماعات المختلفة التي يتألف منها المجتمع أو استكمال ما ينقص من ذلك، إنما المحظور يتعلق بأن يقوم الحزب على أساس من صدع وحدة الانتماء الوطني العام التي تقوم عليها الدولة وتشمل المجتمع برمته.

رابعًا: لا يقوم من أحكام قانون الأحزاب حظر لقيام حزب على أساس إسلامية المجتمع والدولة ونظمها.

خامسًا: إن افتقاد التنظيم الحزبي أيًا من الأوضاع اللائحية التي تضمنتها شروط المادة الخامسة من قانون الأحزاب لا يفيد بذاته انهيار واحد من أركان الوجود الحزبي، تأسيسًا أو استمرارًا، إنما هو خلل في النظام الداخلي قد يفضي إلى خلل في البنيان الحزبي لا على سبيل الحتم، وهو لا يؤدي إلى انهيار أحد شروط الوجود، وإن جاز أن يكون قرينة يمكن أن يستخلص منها ما يؤدي إلى هذا الانهيار.

سادسًا: إن أهداف الحزب المعروض وبرنامجه لا تقوم بها شروط انضمام لعضوية الحزب مما حظر القانون في الفقرة الرابعة من المادة الخامسة منه قيامه على ما يتصل بالعقيدة أو الجنس أو المركز الاجتماعي، وأنه لم يوجد شرط بهذا المعنى في النظام الداخلي للحزب موضوع الطعن المعروض، وأن ثمة فارقًا بين العزوف عن الانضمام للحزب وبين تعطيل رخصة الانضمام إليه لسبب يرجع إلى الدين أو العنصر أو الجنس أو المركز الاجتماعي.

سابعًا: إن القول بأن الدعوة لأسلمة أنشطة الحياة هو ما تقوم به التفرقة بسبب الدين وما يهدد الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي، هذا القول يتعارض مع مفاد أحكام الدستور من التوفيق بين هذه الأصول حسبما سلف البيان في هذا التقرير.

ثامنًا: لا منافاة ولا تعارض بين أي من أحكام النظام الداخلي للحزب المعروض وبين المبادئ التي أوجب قانون الأحزاب مراعاتها.

وإن قبول التبرعات مقيد في النظام الداخلي بما تسمح به القوانين المنظمة لذلك، فهو نص لا يصلح سببًا للاعتراض وإن حَسُنَ جلاء المعنى، وإن ثمة تجهيلًا في بعض أحكام النظام الداخلي ينبغي ضبطه وإكماله.

تاسعًا: إنه يلزم اعتبار الإسلام من شروط التخصص في غير مناصب الولاية العامة، بما يثبت هذا التخصص لأداء نوع عمل محدد، بحيث لا يعتبر الشرط تمييزًا موجهًا ضد طائفة من المواطنين، ولم يستطع الطاعن أن يثبت ذلك بالنسبة لشرطه هذا الشرط فيمن يتولى إدارة مدارس البنات.

عاشرًا: إن مناصب الولاية العامة تتصل بالدولة التي تقوم على جامع سياسي يجري وفق تصنيف محدد، وأنه يتعين ألا يقوم من شروط الولاية العامة ما يتنافى مع التصنيف الذي جرى به تكوين الجماعة السياسية التي تقوم عليها الدولة.

حادي عشر: إن ما ورد ببرنامج الحزب متعلقًا بشرط الإسلام لتولي بعض المناصب لا يقوم حتمًا بموجب الأخذ بالشريعة الإسلامية، ولا يعتبر أمرًا لازمًا للتشريع، إنما هو موقف فكري وخيار فقهي يتحقق به خيار الطاعنين فيما يزعم الدعوة إليه بحزبه المقترح، وبوجوب كونه خيارًا له -وليس حكمًا لازمًا من أحكام الشريعة الإسلامية– فهو يتحمل تبعة ما شرط وما رأى، دون وجه ادعاء بأنه صدر عما ليس منه بُد بموجب مصدرية الشريعة الإسلامية.

ومن ثم يكون برنامج الحزب المعروض قد جاء في هذه النقطة قائمًا على أساس من التفرقة بسبب الدين، الأمر الذي يفقده الشرط الوارد بالبند ثالثًا من المادة الرابعة من قانون الأحزاب رقم (٤٠) لسنة ١٩٧٧.

ثاني عشر: أن للطاعن إن شاء أن يعدل عما أدى إلى افتقاد حزبه أحد شروط تأسيسه، وذلك ما دامت دعواه منظورة أمام القضاء[16].

وقد رد الفقيه طارق البشري، بذلك التقرير -الذي أوردنا خلاصته- على قرار رفض تأسيس الحزب، وعلى وجهة النظر التي كانت مؤيدة له، ردًا لم يجد الحكم الصادر برفض الطعن سبيلًا إلى التعقيب عليه، فآثر الصمت عنه جملة وتفصيلًا!! واتخذ سبيلًا لذلك زعمه أنه ليس من حق رئيس هيئة المفوضين أن يقدم تقريرًا في دعوى (!!) وذلك على الرغم من قبول المحكمة نفسها، بهيئتها نفسها، تقرير رئيس هيئة المفوضين (طارق البشري نفسه!) في قضية الحزب الناصري، وعلى الرغم من أن العمل جرى منذ إنشاء هيئة المفوضين على أن رئيسها يقدم تقريرًا، عندما يرى ذلك لازمًا أو مناسبًا، في القضايا المهمة؛ إذ لا يعدو دوره -طبقًا لقانون مجلس الدولة- أن يكون كدور النائب العام أمام المحاكم العادية. فهل يستطيع أحد أن يقول إن النائب العام لا يجوز له الحضور أمام المحاكم أو المرافعة في الدعاوى التي تنظرها؟!

إن فقه طارق البشري في سداد منطقه، وقوة حجته، وصدق بيانه، هو الذي قاد محكمة الأحزاب –في ذلك الوقت– إلى القول العجيب غير مسبوقة فيه، ولا متابَعَةٍ عليه.

 

نص مهم في دور المفسر في الحياة القانونية:

20 – ولنجعل ختام هذه الورقة نصًا بالغ الأهمية، للمستشار طارق البشري، يقول فيه: "إن مهمة المفسر حين يحرك النص ويُعمِله أن يضع في الاعتبار جميع ما قد يترتب عليه من آثار، وأن يكشف عما بداخله من عناصر نمت وتطورت بحكم نمو المجتمع وتطوره. فلا ينسى أن التشريع كلمة المجتمع الملزمة التي لا يجوز أن تقف فتحكم في جمودها علاقاته المتطورة. والأمثلة على ذلك من الفقه والقضاء والشريعة الإسلامية لا يتعلق بها الحصر.

ومن هذه النقطة تظهر مسئولية المفسر باعتبار عمله فنًا مستقلًا خلّاقًا لا يتتبع فيه عمل المشرع ولا مسئوليته، بل لكل منهما دائرته التي يعمل فيها. وعلى كل تبعة ما يقرر. فإن كان فعل المشرع أن يستخرج مادة الأحكام من بين حاجات الناس وأحوالهم، ويصوغها قوالب تقبل أن تتطاوع على وفق المرجو منها. فإن المفسر يتلقى هذه المادة قالبًا جامدًا، كما استخرج، فيعمل فيها فنه وصناعته، ويكشف عما بداخلها من عناصر باقية، ويشيع فيها ما يجعلها حركةً حيّةً تعالج أحوال الناس في اضطرابهم وتتمشى بينهم في كل أمورهم، باسم العدل والضمير، وعلى مقتضى مصالحهم التي أخرجت لتحقيقها. فليس يجوز للمفسر أن يقف بنظره على صريح ألفاظ النص فلا يتعداها إلى إدراك روح العدل المستترة بداخلها، ولا إلى التوغل الذي يوصله إلى غاية المأمول منها. بل الواجب أن يقوم منها بدور الصائغ فيستخلص خاصتها، وأن يعي لأي سبب وجدت وأي مصلحة تحقّق، ويتولى أمر ذلك حتى تتحرك بين الناس بالعدل والحق. وعليه أن يدرك أنه ما من نص شرع إلا لمصلحة تتمثل في جلب النفع والفائدة، أو دفع الضرر عن أكثر الناس، ومصالح الناس في تطور مستمر كعيشتهم وسائر أمورهم، والنص باعتباره سبيل تحققها -مع جمود مظهره- لا يصل إلى مبتغاه إلا بجهد المجتهد الذي ينقب عما عساه يكون قصد المشرع من الحكم عند تطبيقه، لا حال نشأته فحسب. فيأخذ بقصد الشارع المنظور الذي لا يجمد من دون الناس ما دام حكمه ساريًا فيهم، ويدرك عناصر النمو التي تعتمل فيه باعتباره أمرًا موجهًا إلى مكلفين؛ أحوالهم وأمورهم في تغير دائب على سنة الحياة. فإن بعدت مسافة الخلاف بين حكم النص ومصالح الناس في هذه الساعة، حتى لم يمكن التوفيق بينهما، ولا أن يتعلق هذا بتلك، وجب تقديم صوالح الناس فيلغي النص بالطريق المعتبرة.

ويخطئ من يظن أن نصوص الأحكام ليست متصلة بالجماعة اتصال كيان، أو أنها غاية في ذاتها لا بما تؤدي إليه من مصلحة هي العدل المبتغى، أو أنها إذ تكسب قوتها الملزمة تنفصل عن الناس خارجة عن نطاقهم. فاتصالها بالجماعة يتعلق بأنّها تنبع عنها ثم تجري بينها بأحكامها. وكونها واقعًا حيًا نابضًا يستمد من نفاذها في الناس إذ يضطربون في حياتهم، حتى إذا لم يصادف حكمها واقعًا ملموسًا تفنى بطبيعتها دون حاجة إلى إلغاء؛ كالنصوص الخاصة برهن الغاروقة التي وردت في القانون المدني القديم؛ لقد انعدمت في حكم القانون يوم وقف هذا النوع من التعامل بين الناس. وأما أنها وسيلة لدرك المصالح وأنها لا تعيش خارجة عن نطاق الناس ولا تجمد ما دامت هناك حركة بين الناس تشيع، فوجه ذلك وأمثلته ظاهرة مما سبق القول فيه. وكما أن النصوص تستمد وجودها وواقعها من حياة الناس ووجود الجماعة وواقعها، فهي كذلك تستمد حركتها المتطورة من خلة التطور الدائبة فيهم ومن طبيعة نمو الجماعة وتفاعلها"[17].

٢١ - وبعد، فقد حرصت أن يكون جهدي في هذه الورقة محاولة تجميع بعض آثار طارق البشري، في المجال الفقهي، التي جمع فيها بين فقه الشريعة وفقه القانون الوضعي؛ واستفاد -على أفضل نحو ممكن- من قواعد أصول الفقه الإسلامي وطرق الاستنباط فيه، ومن قواعد الجمع بين النصوص جمعًا يؤدي إلى إعمالها بلا إهمال، وإلى نفي شبهة التعارض عنها، وإلى ترجيح الدلالة التي تدل عليها روحها وفحواها، على الشكل الذي يصونه احترام حروفها وألفاظها، وكفى بذلك كله -بل ببعضه- علامة دالة على أثر هذا الفقيه العظيم في تراثنا القانوني المعاصر.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* دراسة مستلة من كتاب: طارق البشري: القاضي المفكر "الكلمات والبحوث التي ألقيت في الندوة العلمية الأهلية للاحتفاء بالمستشار طارق البشرى، بمناسبة انتهاء ولايته القضائية بمجلس الدولة المصري، تحرير وتقديم: د. إبراهيم البيومي غانم، (القاهرة: دار الشروق، 1420هـ/ 1999م)، ص232- 248.

[1] أبو البقاء أيوب بن موسى الحسيني الكفوي: كتاب الكليات في المصطلحات والفروق اللغوية (دمشق: 1982) ج2/ ص443.

[2] شيخنا العلامة محمد مصطفى شبلي، أصول الفقه الإسلامي، بيروت 1974، ص17.

[3] طارق البشري، تقريره الثالث في الدعوى رقم 323 لسنة 36 ق. ع (قضية حزب الصحوة) مقدم إلى محكمة الأحزاب، ص3.

[4] طارق البشري، التقرير التكميلي الخاص بملكية السيد/ أحمد رشدي محمود للأرض المشتراة من السيد فيليب نقولا حجار، وفق أحكام القانون رقم (15) لسنة 1936، ص2. (سنشير إليه فيما بعد باسم تقرير رشدي وحجار).

[5] محمد سليم العوا، تفسير النصوص الجنائية، دار عكاظ، الرياض 1981، ص75.

* هما المستشار سالم جمعة، والمستشار مصطفى حنفي، وقد تحدثا عن تلك الأحكام في كلمتيهما بهذه الندوة.

[6] تقرير رشدي وحجار، ص2.

[7] تقرير رشدي وحجار، ص3.

[8] طارق البشري، التقرير المعروض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع بشأن الخلاف بين المؤسسة العامة للتعاون الإنتاجي والهيئة العامة للتأمينات الاجتماعية حول خضوع أعضاء جمعيات التعاون الإنتاجي لقانون التأمينات الاجتماعية.

[9] طارق البشري، تقرير للعرض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع، في شأن القدر الذي يستولى عليه لدى السيدتين عزيزة ونرجس عبد الله فايق بالتطبيق لأحكام القانون رقم (50) لسنة 1969، 1973، ص8-9.

[10] شيخنا محمد مصطفى شبلي، مصدر سابق، ص337.

[11] طارق البشري، التقرير التكميلي حول تكييف تسلم السيد إبراهيم عبد الهادي أطيانه الزراعية؛ تنفيذًا لقرار العفو الصادر سنة 1960 باعتبارها ملكية طارئة في مفهوم القانون رقم (50) لسنة 1969.

[12] المصدر نفسه.

[13] طارق البشرى، تقرير للعرض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع في شأن ملكية المرحوم حمزة محمد الشبراويشي، وأثر الحراسة والوفاة في تطبيق أحكام الإصلاح الزراعي، ١٩٧٣.

[14] طارق البشرى، تقرير تكميلي للعرض على الجمعية العمومية للفتوى والتشريع في شأن مدى جواز إعادة تعيين العامل الفلسطيني بوظيفته السابقة، في ظل أحكام نظام العاملين بالدولة الصادر بالقانون رقم (٤٧) لسنة ١٩٧٨.

[15] طارق البشرى، التقرير التكميلي حول العقود التي تبرمها الهيئة العامة للتأمين الصحي مع الأطباء، 1980.

* هو الحزب الذي رفضت محكمة الأحزاب قيامه، وكان وكيل مؤسسيه هو الشيخ يوسف البدري (المحرر).

[16] طارق البشري، تقرير ثان في الطعن رقم 223 لسنة 36 ق.ع، (قضية حزب الصحوة)، مقدم إلى محكمة الأحزاب. وينبغي أن يقرأ بعناية بالغة أيضًا تقريره في قضية الحزب الناصري. فهذان التقريرين يقدمان التفسير الصحيح لأهم نصوص قانون الأحزاب السياسية، ويوضح فيهما الاستشهاد بقول القائل: لقد أسمعت لو ناديت حيًا!!

[17] طارق البشري، تقرير عن الوقف على الفقراء ومدى اعتباره وقفًا خيريًا.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 23 شباط/فبراير 2026 02:28

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.