يعد كتاب "في تاريخ النظام القانوني الإسلامي"**، للأستاذ الدكتور محمد أحمد سراج (أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة)*** مرجعًا علميًا وافيًا وحديثًا للمهتمين بالنظر في مراحل تطور النظام القانوني الإسلاميّ، لاسيما وأن هذا الكتاب لا يقتصر على تناول دراسة تلك المراحل من زاوية تاريخية – وإن كان التاريخ أداة للفهم والتحليل – ولكنه ينظر إليها كذلك من ناحية علمية قانونية؛ حيث يتتبع التطور التاريخي للتشريعات والقوانين في الحضارة الإسلامية، مسلطاً الضوء على كيفية تشكل المنظومة القضائية عبر العصور والتأثير المتبادل بين المنظومات الفقهية والقضائية والتشريعية، مع تحليل دور المؤسسات الدينية والسياسية في بناء النظام القانوني؛ مما يساعد في فهم بنية النظام القانوني الإسلامي وتفاعله مع المتغيرات الاجتماعية.
والأطروحة الأساسية التي يتبناها أ.د.محمد أحمد سراج في هذا المؤلَّف هي أن النظام القانونيّ الإسلاميّ يتكوّن من ثلاثةِ أضلاعٍ أساسية تتضافر معًا لبناء هذا النظام: ضلع الفقه، وضلع القضاء، وضلع التشريع، ويطرح أستاذنا تطور النظام القضائي في الإسلام عبر الأربعة عشر قرنًا الماضية من خلال تتبع هذه الثلاثية في الأزمنة والقرون المختلفة.
كما يبحث الكتاب سؤال الجمود والتطور في النظام القانوني الإسلامي، ويسعى إلى تفنيد أطروحة "الجمود" التي ترى توقف الاجتهاد بعد القرون الأربعة الأولى رافضًا التسليم بها مقترحًا إجابة بديلة جمع من أجلها شواهد فقهية وقضائية وتشريعية عديدة.
ويقع الكتاب في مقدمة وثلاثة عشر فصلًا، ويمكن تقسيم الكتاب في مجمله إلى ثلاثة محاور رئيسية:
المحور اﻷول: نقد الأدبيات السابقة التي تناولت تاريخ التشريع الإسلامي وتفنيد نقاط ضعفها، وتقديم مقترح بديل من حيث المنهج، مع الإشارة إلى تطور علم تاريخ التشريع.
المحور الثاني: رصد لمراحل التطور الفقهي من القرن اﻷول إلى عصر ما قبل التحديث، مع تسليط الضوء على الإمبراطوريات الثلاث: المغولية والصفوية والعثمانية.
المحور الثالث: بيان تفاعلات النظام القانوني الإسلامي في عصر التحديث، ونظرة للمستقبل.
المحور اﻷول: نقد أدبيات تاريخ التشريع الإسلامي، وبيان اﻷسباب الدافعة لتأليف الكتاب
قد يثور التساؤل حول الدافع الذي جعل المؤلف (أ. د. محمد أحمد سراج) يقدم على تأليف كتاب جديد عن تاريخ النظام القانوني الإسلامي، على الرغم من وفرة المداخل والمؤلفات التي تناولت تاريخ التشريع الإسلامي، وقد أبان أستاذنا عن دوافعه لتأليف هذا الكتاب:
الدافع الأول: تدارك مآخذ مؤلفات تاريخ التشريع وسد ثغراتها:
يسرد المؤلف تلك المآخذ والثغرات في مواضع عدة من كتابه، يمكن إجمال أهمها على النحو الآتي:
أولًا: تركيز المنهجية التي اتبعتها هذه المؤلفات على تطورات الفقه فقط؛ أي الشق النظري من النظام القانوني الإسلامي، بينما أغفلت الشق العملي: القضائي والتشريعي، على حين أن المؤلف يرى أن تجربة النظام القانوني الإسلامي لا يمكن حصرها في الجزء الفقهي، وأننا حين نتكلم عن نظام قانوني إسلامي ينبغي أن نتكلم عن نظام مكون من أضلاع ثلاثة هي: الفقه والتشريع والقضاء.
ثانيًا: هذه المؤلفات شابتها بعض التحيزات الأيدولوجية والسياسية مما انعكس على وصفها المراحل الفقهية في عهدها المتأخر -وعلى وجه التحديد إبان العصرين المملوكي والعثماني- بأنها مراحل "جمود"، بحيث لم تأخذ في اعتبارها عوامل الصمود والقوة، والتي نتجت عنها اجتهادات مهمة ومتجددة في هذه المراحل.
ثالثًا: "غياب الهدف من سرديات تاريخ التشريع الإسلامي، مما يؤدي إلى تقطيع أوصال هذه السردية والتشتت في أجزائها، بالمبالغة في قيمة بعض أجزائها، والنزوع إلى تفريغ أجزائها الأخرى من أية قيمة لها، والصمت عن علاقة كل ذلك بما نحن فيه الآن. والنتيجة هي الوقوع في هذا الانفصام بين التقدير الكامل للتشريع الإسلامي من الوجهة التقريرية النظرية، والإيغال في استبعاده عند بناء هذه السردية من منطلق الوقوع في شباك هذه المجازية المتعلقة بإغلاق باب الاجتهاد أو فتوره أو انعدامه منذ القرن الخامس الهجري".
رابعًا: "إهمال الإنجاز التشريعي في العصر العثماني"؛ أي إغفال المنجزات العملية من قوانين وفتاوى في النوازل والواقعات، وكذلك إغفال مناهج التطور التشريعي والفقهي والعلاقات المتبادلة بين الفقه والقوانين الغربية الأصل المطبقة في العصر الحديث، وهذا معطل للهدف من التأريخ للنظام القانوني، فهدف التأريخ للنظام القانوني فهم وإدراك آليات مواجهته للواقع حسب المؤلف.
تأسيساً على ذلك، يطرح المؤلف سردية بديلة تتجنب الأطر النظرية المعتادة في المؤلفات السابقة، فيقدم أطروحة تسلط الضوء على الجانب العملي (التشريع والقضاء) في تاريخ النظام القانوني وليس على الجانب الفقهي النظري فحسب، بل ويذهب إلى أبعد من هذا، فيرى أن العمل القضائي هو أساس العمل الفقهي، باعتبار أن الفقه لم يكن ليستطيع وضع قواعد ونظريات دون السوابق القضائية في عصر الصحابة وما تلاها.
الدافع الثاني: إنهاء الازدواجية بين الفقه الإسلامي والقانون:
فقد استهدف المؤلف إنهاء الازدواجية بين الفقه والقانون من جهة، وإيجاد "مشترك" يمكن من خلاله رأب الصدع بين الصراعات القائمة والممتدة بين إسلاميين وعلمانيين من جهة أخرى، يتمثل في "حكم القانون والعدل الاجتماعي"، كما انطلق المؤلف من افتراض قيميٍّ قد لا يكون جديدًا ولكنه مؤثر في النظر إلى فكرة التشريع ذاتها، وهو أن "المجتمعات المسلمة أرادت من الشريعة العدل، وأن الشريعة الإسلامية لم ترد من هذه المجتمعات سوى العدل" وكأنه يرمي إلى مدخل مقاصدي في النظر إلى الاجتهاد الفقهي بوجه خاص ومنظومة القانون الإسلامي بكليته.
خطة المؤلف البديلة لتقسيم تاريخ التشريع:
انتقد المؤلف التقسيمة السداسية التي تعتمدها كتب تاريخ التشريع الإسلامي عادة؛ ويرى أن هذا التقسيم متأثر بالتقسيم الجاري في دراسة تاريخ الأدب العربي؛ ولذلك قدم المؤلف مقترحًا بتقسيم بديل لتلك المراحل لتكون على الوجه الآتي:
- المرحلة الأولى: مرحلة النشأة التي نزلت فيها مبادئ الشريعة الإسلامية على النبي ﷺ وأسند إليه العمل على تطبيقها في المجتمع الإسلامي بعد تأسيسه في المدينة.
- المرحلة الثانية: مرحلة التكوين، وهي فترة الصحابة وتابعيهم الذين وقع عليهم عبء وضع هذه الأحكام والمبادئ موضع التطبيق في مجتمع كانت له ظروفه المتميزة والمختلفة عن ظروف المجتمع الإسلامي في فترة النبوة. وسيلزم هنا إفراد مبحث للقضاء، وآخر لمدارس الأمصار الفقهية، وخاصة المدينة والكوفة.
- المرحلة الثالثة: مرحلة النضج والازدهار التي بدأت بنشأة المذاهب الفقهية وشهدت تدوين الاجتهادات في هذه المذاهب فقها وأصولاً.
- المرحلة الرابعة: مرحلة الاستقرار التي مر بها النظام القانوني، والتي شهدت تأليف الموسوعات الفقهية، ومجموعات الفتاوى الكبرى والصغرى، والمختصرات وجوامع النوازل، وأعمال القضاة.
- المرحلة الخامسة: مرحلة التطور في الدول الكبرى للمغول والصفويين والعثمانيين.
- المرحلة السادسة: التطور والتغيير في العصر الحديث، بما يشمل الاستمداد من النظم القانونية الغربية في غير مجالات الأحوال الشخصية، وإنشاء مؤسسات تعليمية وقضائية وتنظيمية طبعت التفكير الفقهي والعمل القضائي بطابعها، مع محاولات الخروج من هذه الأزمة بالعمل على استعادة الأرض التي خسرها النظام القانوني الإسلامي بالإفادة مما قدمه التنظيم الحديث. ولهذا، ذهب المؤلف إلى أنه يجدر بنا أن نولي العصر الحديث عناية خاصةً؛ نظرًا لتجاهله من قبل مؤرخي التشريع الإسلامي إلا من هذه البكائيات على الماضي، ولضرورة إلقاء الضوء على هذه المحاولات الجادة الرامية إلى استعادة الاستقلال التشريعي في هذه الفترة، مع النظر في تلك التجارب التشريعية العديدة التي حاولتها البلاد الإسلامية والعربية لفرض قوانين مستمدة من مبادئ الشريعة الإسلامية واجتهادات فقهائها وقضاتها.
المحور الثاني: إضاءات على مراحل التطور الفقهي
أولًا: الفقه في القرن اﻷول الهجري:
تعد هذه الفترة بناء تراكمي والتي ستكون نواة فيما بعد للتفكير الفقهي، ويركز المؤلف في هذه الفترة على عدة نقاط من أهمها:
- العمل القضائي في هذه الفترة:
أفرد المؤلف مساحة كبيرة للعمل القضائي والفتوى ودورهما في الفكر الفقهي، ورأى أن أثر القضاء والفتاوى التي صدرت من خلفاء الصحابة وقضاتهم قد شكلت مراجع استمد منها الفقهاء فيما بعد مناهجهم. مقررًا أن هذا الفصل الحاد بين عمل القاضي والخليفة والمفتي والفقيه في هذا العصر -عصر الصحابة- فيه شيء من النظر؛ فالقاضي والخليفة والمفتي في عصر الصحابة عملهم هو عمل فقهي بالأساس، والفقيه من الصحابة كان فقيهًا ومفتيًا، فلا معنى للفصل بين الفقيه وبين المفتي على الأقل.
وأكد المؤلف أن القضاة في هذه الفترة أرسوا العديد من السوابق القضائية، ووضعوا أسسًا قضائية سيكون لها صدى فيما بعد سواء في العمل الفقهي أو القضائي.
- نشأة مدارس الأمصار الفقهية:
ذهب المؤلف إلى أن جهد فقهاء الصحابة وانهماكهم في الاتجاه التعليمي النظري منصرفين عن تولي المناصب الإدارية والقضائية، أسفر عن نشوء مدرستين فقهيتين لكل منهما تقاليدها الخاصة التي انتقلت من جيل إلى آخر؛ وهما مدرستا "المدينة" و"الكوفة"، مما يعني أن الجهد "الفقهي النظري" لهؤلاء الصحابة سبق الجهد القضائي لمن جاء بعدهم.
كما تناول المؤلف التصنيف الثنائي الشائع لدى مؤرخي التشريع للمدارس الفقهية في هذا العصر، والمتمثل في «مدرسة أهل الرأي» و«مدرسة أهل الحديث»، موضحًا أن جوهر الخلاف بين المدرستين يعود إلى اختلافهما في فهم النصوص التشريعية أولًا، ثم في تنزيل ما يُستنبط منها على الواقع ثانيًا.
وانتهى المؤلف إلى أن التفكير الفقهي في هذه الفترة بوجه عام لم يهدف إلى وضع أطر نظرية بقدر ما سعى إلى مواجهة المشكلات العملية.
ثانيًا: الفقه في القرن الثاني الهجري:
نوّه المؤلف إلى أن المذاهب الفقهية التي سمّاها «المذاهب المركزية» إنما انطلقت من إرثٍ علميٍ وفقهيٍ تشكّل على أيدي الصحابة والتابعين، وكان ثمرةً لجهود الأجيال السابقة؛ واستعرض ملامح هذه المرحلة على النحو الآتي:
- من مدارس الأمصار إلى مذاهب الأئمة:
لاحظ المؤلف أن من أبرز ملامح التطور الفقهي في القرن الثاني الهجري، انتقال الفقه من مدارس اﻷمصار إلى مذاهب اﻷئمة، ونقل المؤلف عن "جورج مقدسي" رأيه بأن "المذهب مؤسسة أو هيئة أو نقاب، له شخصيته المستقلة عن مؤسسه ومنتسبيه." وعليه فيمكن القول بأن المذهب هو طريقة تفكير يتوصل من خلالها إلى الحكم، بدليل أن المجتهدين المنتسبين لها فيما بعد قد يختلفون مع مؤسس المذهب وأئمته المذهب في آرائهم كما أنهم يستعملون الطرق والقواعد التي وضعها أصحاب المذاهب لاستكمال الإنتاج الفقهي والوصول للأحكام فيما استجد من الوقائع.
- تدوين الفقه وظهور المطولات الفقهية:
من الملامح النوعية الهامة في القرن الثاني التي رصدها المؤلف، ظهور مدونات "الفقه العام" أو السياسة الشرعية التي تتناول شؤون الدولة، مثل كتاب الخراج لأبي يوسف والذي يعني بماليات الدولة دخلًا وخراجًا، كذا كتاب محمد بن الحسن الشيباني الذي يعني بأحكام علاقات الدولة الإسلامية في كتابين مستقلين "نالا شهرة عالمية في تأسيس القانون الدولي"، وهما كتابيّ "السير الكبير" و"السير الصغير". كما ظهرت مدونات الفقه المطولة مثل كتاب اﻷصل للشيباني، والموطأ والمدونة عمدة المذهب المالكي للإمام مالك، والأم للشافعيّ، والذي له الفضل في هذا القرن في تدوين أصول الفقه.
ثالثًا: النظام القانوني الإسلامي في الإمبراطوريات الثلاث: المغولية والصفوية والعثمانية
يرى المؤلف أن اقتصار مؤلفات التشريع الإسلامي على التطور الفقهي في الدولة العباسية والمنطقة العربية على وجه الخصوص دون التفات للبلاد الإسلامية الأخرى من العالم "لا يؤدي إلا إلى نقصان في الصورة التي يقدمها هؤلاء المؤرخون." لذا يرى المؤلف أنه من الضروري تعقب تطور النظام القانوني الإسلامي في هذه الإمبراطوريات الثلاث: "المغولية في الشرق، والصفوية في الوسط، والعثمانية في الغرب."
تناول المؤلف بالرصد والتحليل ثلاثة محاور رئيسية عند حديثه عن كل دولة من هذه الدول الثلاث: محور النظر الفقهي، ومحور التشريعات التي أصدرتها الدولة، ومحور الأحكام القضائية، كما سلط الضوء على بعض الأحداث المفصلية التي أثرت في النظام القضائي في هذه الدول، مثل دور بريطانيا في الهند عند حديثه عن النظام القضائي في الدولة المغولية، أو بعض الشخصيات الهامة المؤثرة مثل أبي السعود في الدولة العثمانية.
ومن أبرز ما ذكره المؤلف بصدد دراسته لهذه الأنظمة القانونية:
- النظام القانوني الإسلامي في الدولة المغولية:
أشار المؤلف إلى بدايات قيام هذه الدولة على يد ظهير الدين محمد بابر، سليل تيمورلنك وجنكيز خان، ليضم إليها أفغانستان والهند، وذكر أن هذه الدولة دعمت الحضارة الإسلامية في شبه القارة الهندية، وأنها تبنت المذهب الحنفي، وقد قامت على خدمة علوم الفقه تصنيفًا وتعليمًا وتطبيقًا حتى ألف نحو ثلاثمئة مصنف في المذهب الحنفي فقط، ويسرد المؤلف نماذج من قضايا الفتاوى الهندية "العالمكَيرية"، ونماذج من قضايا الفتاوى "التتارخانية".
وربط المؤلف بين التحول القانوني في الهند والهيمنة البريطانية التي تزامنت مع توغل شركة الهند الشرقية في شبه القارة الهندية، حيث بدأ بعدها الزحف القانوني الغربي. وكانت البداية باحتكام الإنجليز فيما بينهم لأعرافهم الإنجليزية في المستوطنات الخاصة التي سكنوها أو التي كانوا طرفا فيها بالتراضي مع السلطات المحلية، وما لبثت الشركة أن أصدرت منشورات تنظم عمل المحاكم التي أقامتها في المستوطنات المركزية، ثم ازداد التغريب القانوني حين أصدرت بريطانيا التقنينات في ستينيات القرن التاسع عشر وما بعده، وظل القضاة البريطانيون يعملون في المحاكم بإرشاد المفتين إلى الأحكام ثم صدر قانون أزال عمل المفتي من المحاكم تمامًا.
أدى تطبيق القضاة البريطانيين للقوانين الإسلامية وتفسيرهم لهذه القوانين إلى ظهور نظام مختلط أطلق عليه القانون "الأنجلو-محمدي"! ثم انتهى بصدور القانون الجنائي الهندي ١٨٦٠م.
- النظام القانوني الإسلامي في الدولة الصفوية:
أكد المؤلف أن دوافع قيام هذه الدولة كانت سياسية بالدرجة الأولى، وتجلت في فرضها للمذهب الشيعي في النطاق الجغرافي الذي شملته (إيران وأذربيجان والبحرين وأرمينيا والقوقاز والعراق)، وذكر أن الفقه الشيعي احتفظ باستقلاله في بعض المبادئ الأصولية التي تعود إلى مركز الإمام السياسي، وقدراته في التوصل إلى الحكم الشرعي عن طريق الإلهام، وفي بعض أحكام الفروع المتعلقة بميراث أولاد البنات والنكاح المؤقت أو نكاح المتعة، وأن الدولة احتاجت إلى إنشاء مؤسسات علمية وقضائية للقيام بمذهبهم بعد أن كان الشيعة الإمامية قبل ظهور الدولة يحتكمون إلى المذهب السني، وقد اضطرت هذه الدولة إلى العمل بأحكام المذهب السني بعض الوقت إلى أن وجدت ما تعتمد عليه من مدونات الفقه الشيعي.
- النظام القانوني الإسلامي في العصر العثماني:
يرى المؤلف أن وصف الدولة العثمانية بالانحطاط الفقهي والقانوني من قِبل مؤرخي التشريع هو حكم غير دقيق، واستدل على صحة رأيه بتبيان مدى حيوية التشريعات والأحكام القضائية والحركة الفقهية في تلك الحقبة. كما لفت إلى أن الدولة العثمانية قد اتخذت من المذهب الحنفي مذهباً لها، تماماً كما كان الحال في الدولة المغولية؛
- ففي جانب النظر الفقهي: كثفت الدولة جهودها في التعليم الفقهي تأسيسًا لشرعيتها.
- وفي الجانب التشريعي: تميزت القوانين العثمانية آنذاك بصدورها في مجموعة قوانين مستقلة تيسر العمل في المحاكم. وقد جمع السلطان محمد الفاتح القوانين التي سنَّها آباؤه وأجداده ورتبها لتحرير قانون "نامه"، وجاء في مقدمته للقانون: "هذا قانون نامه لأبي وجدي، وقانوني أنا، فليعمل به أولادي الكرام نسلًا بعد نسل".
رابعًا: حصاد الاجتهادات الفقهية والقانونية قبل عصر التحديث:
1) التقعيد: في معرض بيانه للجهود الفقهية، ساق المؤلف جملة من الشواهد الدالة على نمو وتتابع المسيرة الفقهية في عصر ما قبل التحديث؛ إذ استهل بعلم التقعيد -أو القواعد الفقهية- الذي بدأ، بحسب قوله، على يد الإمام الكرخي (340هـ)، ثم العز بن عبد السلام والقرافي (660هـ) إلى أن وصل إلى ابن نجيم في كتابه "الأشباه والنظائر" 970 هـ ، واستدل المؤلف بامتداد هذه الحركة الفقهية على أن المتأخرين "لم يكونوا عالة على من سبقوهم" وإنهم استكملوا ما كان بحاجة إلى استكمال.
2) الترجيح والإفادة من الخلافات الفقهية في المذهب الواحد:
ضرب المؤلف مثلا على ذلك بالمنهجية التي اتبعتها "مجلة الأحكام العدلية" -والتي كانت تستمد أحكامها من من المذهب الحنفي-؛ حيث كانت المجلة تتجاوز -أحيانًا- الرأي الراجح في المذهب وتعتمد المرجوح؛ لأنه هو الأوفق والأصلح بحكم الواقع، ومن ذلك مثلا ما يتعلق بمسألة ضمان المنافع في المذهب الحنفي؛ فقد ذهب أبو حنيفة وصاحبه أبو يوسف إلى عدم اعتبار المنافع من الأموال فلا ضمان فيها عندهما، وخالفهم في هذا محمد بن الحسن ورأى أنه لا مانع من اعتبار المنافع. وقد أخذ متقدمو الحنفية بترجيح الرأي الذي اجتمع عليه الشيخان أبو حنيفة وأبو يوسف، "غير أن الظروف الاجتماعية كشفت في العصور المتأخرة عن المظالم التي تنشأ من تطبيقات هذا الرأي؛ ولذا فقد عدل المتأخرون عن الأخذ باتجاه الشيخين أبي حنيفة وأبي يوسف، وجرى العمل بمذهب محمد، وهو الرأي الذي اختارته مجلة الأحكام العدلية."
3) الإفتاء والقضاء في النوازل الحادثة:
ساق المؤلف العديد من الشواهد واستدل بالكثير من القضايا التي تبرز اجتهاد القضاة والمفتين في نوازل تطرح أمامهم، منها مسألة الأب العاضل لابنته وقضاء القاضي فيها ثم الخلاف الذي وقع بين المفتين والفقهاء والذي دونه الونشريسي في "المعيار المعرب"، واستخرج المؤلف من الخلاف الفقهي والقضائي الذي حدث حول هذه المسألة العديد من الفوائد والشواهد والتحليلات الاجتماعية والفقهية، والتي خلص من دراستها إلى أنه من الظلم نعت هذا القدر من الاجتهاد المؤسسي المكثف "بالجمود"!
4) "اللفيف" المالكي ونظام المحلفين في القانون الأنجلو - سكسوني:
أحدث المالكية بالمغرب نظامًا جديدًا ييسر عليهم ويقصر الوقت والجهد للوصول لمسألة الشهود، وهو نظام "اللفيف" الذي نشأ بالمغرب في القرن التاسع الهجري، يقول المؤلف:"وتعتمد شهادة اللفيف على كتابة الحق في وثيقة متضمنة شهادة عدد من الناس، هم الذين يملونها من قبل أنفسهم، وهي بهذا إخبار من جهتهم عما يرونه ويعتقدونه في الموضوع، ويبلغ عددهم اثني عشر شاهدًا، وقد يزيد العدد إلى ثمانية عشر شخصا في قضايا معينة، وكانت شهادتهم تؤدي في كثير من الأحيان إلى «العدول» فيأخذون بها ويبلغونها. وبهذا فإن شهادة اللفيف تقترب من عمل المحلفين في القانون الأنجلو - ساكسوني في التطبيق الإنجليزي والأمريكي والأسترالي والكندي."
كما يسرد المؤلف الاجتهاد في الشورى القضائية ومحاكم السياسة، وكذلك في القواعد الإجرائية الشكلية، والإفتاء، والمعاملات الجديدة، وغيرها مما يؤكد على أن الفقه "لم يكن قد وصل إلى أية حالة يمكن وصفها بالجمود."
المحور الثالث: تطورات النظام القانوني الإسلامي في عصر التغريب
قبل الحديث عن تفاعل الفقه الإسلامي مع التحديث الحاصل في القرن التاسع عشر، يلقي المؤلف الضوء على علاقة الفقه الإسلامي بالقوانين الغربية؛ حيث يفرد المؤلف فصلًا عن تأثير الفقه الإسلامي في العصور الوسطي على القوانين الغربية التي أخذت في التطور في القرن السادس عشر، ويقدم شواهد يستدل بها على علاقة الفقه الإسلامي بهذه النظم، مثل قاعدة الرضا الموجب لإنشاء العقود التي تعادل نظيرتها الإنجليزية، أو القاعدة التي لا تعاقب الإنسان على الهمّ بالفعل أو التفكير فيه وفق ما هو مُقرَّر في الفقه الإسلامي، فإن القاعدة في القانون العرفي قريبة من ذلك فيما تقضي به في المبدأ التالي : (No one is punished for his thoughts)، أو : No .one is punished for merely thinking of a crime) وغيرها.
أما عن تطور النظام القانوني الإسلامي في العصر الحديث، فقد استعرض المؤلف عبر الوقائع وسرد بعض القضايا كيف انضبط قضاة المحاكم الشرعية في تلك الحقبة، وقبل حدوث التغييرات الجوهرية، بآليات العمل القضائي وفق التطور القانوني وقتها. وفي سياق سرده لبعض القضايا التي تدل على دقة وحصافة القضاة واجتهادهم نستطيع أن نرى نماذج من قضاء المحاكم الشرعية، ما يدل على أن التغيير "الفوقي" الذي حدث لم يهدف إلى تيسير وصول الناس إلى العدل بقدر ما هدف إلى تحقيق السيطرة الأجنبية على النحو الذي يذكرنا بحالة السيطرة على المحاكم التي حدثت في الهند، وخلاصة الأمر -بحسب المؤلف- أن "الحكومات الغربية قد أفسدت النظام المعمول به في الدولة العثمانية"، كونها حكومات احتلال بالأساس. وكانت الامتيازات الأجنبية هي الغطاء الذي اتخذته محاكم القناصل. ورغم ما قدمه المؤلف من انتقادات لهذه القوانين الغربية وتأثيرها فإنه لا ينكر وجود بعض الفوائد منها، فيما يمكن رؤيته في مجهودات التقنين فقد نبهت هذه القوانين إلى إنعاش بعض النظريات والمفاهيم الفقهية والقانونية على السواء.
ورصد المؤلف المشكلة التي أتت بها هذه القوانين إلى البلاد؛ فعلى الرغم من أن المواد الأولى والثانية والثالثة من القانون المدني الذي صدر في مصر عام 1883م -على سبيل المثال- لم تكن بعيدة في مفاهيمها حول تقسيم الأموال إلى منقولة وثابتة، عن المفاهيم الفقهية، غير أن المشكلة التي أتت بها هذه القوانين المستوردة بصفة عامة "هي مشكلة مصدر السلطة والحجية"؛ لأن حجيتها راجعة إلى "المصدر الذي أخذت منه هذه القوانين، مما شجع الشراح وأساتذة القانون على الرجوع إلى القوانين الغربية عندما يوجد غموض أو إجمال في النصوص القانونية العربية."
وأشار المؤلف إلى أنه إذا صح القول بأن القوانين الغربية ليست بعيدة عن تلك المفاهيم في الفقه الإسلامي، فلم يكن ثمة مسوغ لإحلالها ابتداءً، فضلًا عن أن الصياغة لهذه القوانين جاءت ضعيفة "إذا قورن ذلك بالبناء اللغوي الذي سار عليه أصحاب المختصرات الفقهية."
ورصد المؤلف في هذا السياق حالة السخط التي اتسعت عند الوطنيين المصريين بسبب هذا الإحلال العشوائي الذي حدث دون إعداد حقيقي. كما رصد وضع مؤسسات التعليم القانوني في مصر بداية من مدرسة القضاء الشرعي التي أنشأها محمد عبده ومدرسة الألسن التي أشرف عليها رفاعة الطهطاوي والتي أضيف إليها لاحقًا قسمًا لدراسة العلوم الفقهية لتعليم الفقه الحنفي وتخريج من يشتغلون في المهن القضائية ثم أُلغي فيما بعد، وصولًا إلى مدرسة الحقوق الخديوية، "وعلى الرغم من ذهاب عدد كبير من الطلاب المصريين والعرب والمسلمين المتخرجين في مدارس الحقوق في بلادهم في بدايات القرن العشرين إلى الجامعات الغربية لاستكمال دراساتهم القانونية ووقوع عدد كبير منهم أسرى التفكير القانوني الغربي، فقد ظل العديدون منهم متشبثون بهوياتهم واستقلال تفكيرهم، وأجروا المقارنات التي توضح قيمة تراثهم الحقوقي."
كما أكد "نبوغ كثير من أساتذة الفقه الإسلامي العاملين بمدرسة الحقوق الخديوية في تطوير الدرس الفقهي واعتماده على الأساليب المتبعة لدى القانونيين من تنظير وتقنين ومقارنة. ومن أبرز هؤلاء الأساتذة: أحمد إبراهيم، ومحمد زيد الإبياني، ومحمد سلامة، وأحمد أبو الفتح، ومحمد فرج السنهوري، وعبد الوهاب خلاف، ومحمد أبو زهرة."
التطور النظري في الدراسات الفقهية المعاصرة في القرن الأخير:
ميز المؤلف في مسألة تقنين الشريعة وتطبيقها بين الجهود والوسائل النظرية والعِلمية من حيث التعليم والتأليف والتحقيق، وبين مناهج التطبيق العملي الخاصة بكل من منهجية التقنين.
وفي سياق رصده لهذه المناهج النظرية منها والتطبيقية يرى أن أولئك الذين أدركوا ضرورة استدعاء التشريع الإسلامي في السياق القانوني الحديث يلتقون في عدد من الأسس المشتركة، إلا أنهم يختلفون في تحديد الوسائل كما أنهم يختلفون في الدوافع بين الرغبة في النفوذ السياسي، أو تحقيق الاستقلال القانوني، أو التحليل القانوني المجرد بأدوات قانونية صرفة، أو استجابة للشعور الديني في العالم الإسلامي. ويمكن تلمس الفارق بين هذه الدوافع في الفرق بين منهج لامبير -على سبيل المثال- ومنهج الشيخ أحمد إبراهيم، أو بين منهج عبد الرزاق السنهوري ومحمد أبو زهرة في تناولهما نظرية العقد.
فمن الجانب النظري يرى المؤلف من وجهة نظره أن الدراسات الفقهية المعاصرة شهدت نهضة علمية في هذه الفترة في الفقه واﻷصول؛ حيث حققت مئات المخطوطات، وتناول البحث الفقهي قضايا ملحة مثل حقوق الإنسان والمرأة والعناية بالموسوعات العلمية، كما شهد مجال الاقتصاد الإسلامي والمعاملات المالية في العقود الخمسة الأخيرة طفرة واسعة، وبرزت الدراسات المقارنة بين الفقه الإسلامي واللاتيني على وجه الخصوص، فيما تمثل في أعمال المقارنات التشريعية التي أجراها علماء مثل مخلوف المنياوي ومحمد قدري باشا، وأسماء أخرى.
كذلك الحوار القائم في الفقه السياسي الإسلامي عن الدولة وطبيعتها في الإسلام والحكم والشورى والوطنية والقومية وغيرها. وفي هذا السياق تبرز أسماء مثل محمد رشيد رضا وعلى عبد الرازق ومحمد الغزالي وحسن البنا وعبد الحميد إسماعيل الأنصاري ويوسف القرضاوي.
وفي الجانب التطبيقي: عرَّف المؤلف مفهوم "التطبيق الشرعي" وربطه بالتزام الدولة بإنفاذ المبادئ والقوانين والتشريعات التي تنظم العلاقات الاجتماعية بين الأفراد، كما ربط مفهوم التقنين كذلك بالتزام الدولة بمؤسساتها وقضائها بإنفاذ أحكام الشريعة الإسلامية الموضوعة "في نصوص مرتبة على هيئة مواد في أبواب وفصول متجانسة مقسمة تقسيمًا منطقيًا يسهل الرجوع إليها."
وثمّن المؤلف في هذا السياق جهودًا تطبيقية مهمة؛ مثل مجلة الأحكام العدلية، وكذلك كتاب مرشد الحيران، والفتاوى الهندية والهداية للمرغيناني وتطبيقات القانون المدني في البلاد العربية الذي عمل عليه السنهوري. كما سلَّط الضوء على مشاريع التقنين في السودان وإيران ونيجيريا وباكستان ليلفت النظر إلى دول خارج الإطار العربي المعتاد.
وبعد حديثه عن مسألة "المصدرية" أي مصدرية التشريع في فصل منفرد، أطل المؤلف -في خاتمة كتابه- بنظره إلى مستقبل النظام القانوني الإسلامي وانتهى -من خلال قراءته للتحولات القانونية والقضائية التي حدثت في العالم الإسلامي- إلى أننا أمام وضع قانوني شكل بالفعل نظمًا وأعرافًا وتفاعلات جديدة، وأن لدينا الآن "عددًا من المحددات التي قد تشكل المستقبل"؛ أولها أنه لا سبيل إلى الرجوع عن خطوط التطور التي تمت في اتجاه اقتراب القوانين من التراث (تجربة القانون المدني المصري ثم العراقي ثم الأردني نموذجًا)، وأنه لا بد من أننا سنستفيد -في المراحل اﻷولى على الأقل- من النظم الجديدة ببعض المفاهيم القانونية التي لا تعارض الشريعة.
وفي النهاية فإن هذا الكتاب هو محاولة جادة وواسعة ومترامية الأطراف لرصد المجهودات الفقهية والقضائية والقانونية المبذولة خلال العصر الإسلامي في قرونه اﻷولى وحتى أزمنة التحديث. يمتاز الكتاب بثراء المادة القضائية التي جمعها وتحليلها لاستخراج ملامح العمل القانوني في الحقب المختلفة، كما يمتاز الكتاب بتسليط الضوء على تجارب النظم القانونية الإسلامية خارج دائرة البلدان العربية المعتادة.
ويمكن أن يؤخذ على الكتاب عدة أمور تتلخص في التكرار المستمر طيلة الكتاب لأفكار أبين عنها بالفعل سواء في المقدمة أو خلال فصول لاحقة، كذلك محاولة المؤلف الإلمام بجميع النقاط الفرعية تحت الفكرة الرئيسية إلى درجة ضياع الفكرة الأساسية أحيانًا وصعوبة الوصول لنتيجة لبعض القضايا المحورية الجديدة التي طرحها، وكان من اﻷولى التركيز على اﻷفكار المحورية والأفكار الجديدة في الكتاب والتي يمتاز بها عن الكتب السابقة التي تناولت تاريخ التشريع.
__________________
* باحثة ماجستير في كلية الشريعة والقانون، جامعة الأزهر.
** محمد أحمد سراج، في تاريخ النظام القانوني الإسلامي، (بيروت: مركز نهوض للدراسات والبحوث، الطبعة الأولى، 2023).
*** أستاذ الدراسات الإسلامية بالجامعة الأمريكية بالقاهرة، تخرّج في كلية دار العلوم عام ١٩٦٩م، ثم عيّن معيدًا بها، ليحصل منها على درجتي الماجستير والدكتوراه، ثم تدرّج في قسم الشريعة الإسلامية حتى أصبح رئيسًا له عام ١٩٨٩م. وقد أرسل مبعوثًا دراسيًا لجامعة كامبريدج لمدة عام واحد. كما عمل أستاذًا للشريعة الإسلامية بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، وساهم في إنشاء الجامعة الإسلامية بإسلام آباد، حيث عمل أستاذًا مشاركًا للشريعة الإسلامية، وعميدًا لكلية الشريعة والقانون، ومديرًا عامًا لأكاديمية تدريب القضاة والمشتغلين بالمهام القانونية بباكستان. وقد ألّف وحقق وترجم أكثر من عشرين مؤلفًا في الفقه الإسلامي (نقلا عن موقع نهوض: https://n9.cl/0j1ri).