فريق تحرير الموقع

فريق تحرير الموقع

يُعد الإمام الشيخ محمد الطاهر بن عاشور (1879- 1973م)، واحدًا من أبرز أقطاب الفكر والاجتهاد الإسلاميين في العالم الإسلامي في العصر الحديث، وشخصية علمية فذة جمعت بين التضلع في العلوم الشرعية والانفتاح الواعي على الثقافة المعاصرة. لم يكن الشيخ مجرد عالم دين تقليدي، بل كان رائدًا من رواد الإصلاح والتجديد الذين حملوا على عاتقهم مهمة إخراج العقل المسلم من دوائر الجمود والتقليد إلى رحابة الاجتهاد ومواكبة مقتضيات العصر، وقد تجلى ذلك في مسيرته الحافلة التي تنوعت فيها أدواره بين تفسير القرآن الكريم والتدريس والقضاء والإفتاء ومشيخة الجامع الأعظم، تاركًا بصمات واضحة في مسار التعليم الزيتوني وفي المكتبة الإسلامية.

 

الأسرة والجذور:

وُلد محمد الطاهر بن عاشور في قصر جده لأمه بضاحية المرسى، إحدى ضواحي تونس العاصمة، في سنة 1296هـ الموافق لعام 1879م، ونشأ في كنف أسرة علمية عريقة تمتد جذورها إلى الأندلس، وعُرفت بإنجاب العلماء والقضاة الذين تخرجوا في جامع الزيتونة وتقلدوا أرفع المناصب. كان من بين هؤلاء جده الذي حمل الاسم نفسه، الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور، والذي توفي عام 1868م بعد أن شغل مناصب خطيرة كالقضاء والإفتاء ونظارة بيت المال، بالإضافة إلى علماء آخرين من الأسرة مثل أحمد ابن عاشور ومحمد ابن عاشور، مما هيأ للحفيد بيئة علمية خصبة ساهمت في تكوين شخصيته الفذة. وقد تزامنت نشأته مع فترة تاريخية تموج بالدعوات الإصلاحية في العالم الإسلامي، حيث كان لأفكار المصلحين الكبار مثل جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده صدى واسع في تونس، وتزامن ذلك مع تأسيس مؤسسات تعليمية رائدة كالمدرسة الصادقية والجمعية الخلدونية، مما شكل المناخ الثقافي الذي تفتح عليه وعي الشيخ.

 

مسيرته العلمية:

بدأ ابن عاشور رحلته العلمية بحفظ القرآن الكريم على يد المقرئ الشيخ محمد الخياري، ثم أقبل بنهم على حفظ المتون العلمية الأساسية كمتن ابن عاشور والأجرومية والرسالة، قبل أن يلتحق بجامع الزيتونة عام 1310هـ (1892م) وهو لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره. وفي رحاب الزيتونة، انكبَّ على دراسة طيف واسع من العلوم شملت النحو والصرف والبلاغة والمنطق والتفسير والحديث وأصول الفقه، مُظهرًا نبوغًا مبكرًا وهمة عالية في التحصيل، كما تميز عن أقرانه في ذلك العصر بإقباله على تعلم اللغة الفرنسية بمساعدة أستاذه محمد النجار، مما مكّنه من الاطلاع على الثقافات الغربية وتوسيع مداركه. وقد توجت هذه المرحلة بحصوله على شهادة التطويع (العالمية) عام 1317هـ (1899م)، ليلتحق بعدها مباشرة بسلك التدريس.

تتلمذ الشيخ ابن عاشور على يد نخبة من كبار علماء عصره الذين غرسوا فيه روح الإصلاح والتجديد، ومن أبرزهم الشيخ محمد النخلي، والإمام سالم بوحاجب الذي لازمه وتأثر به كثيرًا وحصل منه على الإجازة العلمية عام 1323هـ، وكذلك جده لأمه الوزير الشيخ محمد العزيز بوعتور الذي أجازه بكل مروياته. وشملت قائمة شيوخه أعلامًا مثل شيخ الإسلام محمود بن الخوجة، والشيخ عمر بن الشيخ، والشيخ صالح الشريف، والشيخ محمد طاهر جعفر، الذين شهدوا له جميعًا بالتفوق والقدرة الفائقة على استيعاب العلوم.

 

اللقاء بالإمام محمد عبده:

شكلت زيارة الإمام محمد عبده الثانية لتونس عام 1903م محطة مفصلية في حياته، حيث التقى به وتوطدت العلاقة بينهما نظرًا لتقارب رؤاهما الإصلاحية، حتى إن محمد عبده لقبه بـ "سفير الدعوة في جامع الزيتونة"، كما ربطته علاقة وثيقة بالشيخ محمد رشيد رضا تلميذ الإمام محمد عبده، ونشر الشيخ رضا في مجلته "المنار" مقالات عدة للإمام ابن عاشور.

 

التدرج الوظيفي والمناصب القيادية:

تدرج الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في المناصب العلمية والإدارية والقضائية، فبدأ مدرسًا بجامع الزيتونة، ثم اختير للتدريس في المدرسة الصادقية عام 1904م، وهي تجربة عمقت وعيه بضرورة ردم الهوة بين التعليم التقليدي والتعليم العصري. وفي عام 1907م عُين مدرسًا من الطبقة الأولى ونائبًا عن الدولة لدى النظارة العلمية بجامع الزيتونة، حيث بدأ في طرح رؤاه لإصلاح التعليم. وشارك بفاعلية في العديد من اللجان والمجالس، منها لجنة تنقيح برامج التعليم الأولي، ومجلس المدارس، ومجلس الأوقاف الأعلى، والمحكمة العقارية. وفي عام 1913م عُين قاضيًا مالكيًا، ثم باش مفتي المالكية عام 1927م، وصولًا إلى تعيينه "شيخ الإسلام المالكي" عام 1932م، ليكون أول من تولى هذا المنصب من المالكية. وفي العام نفسه، جمع بين مشيخة الإسلام ومشيخة الجامع الأعظم وفروعه، إلا أنه استقال بعد فترة قصيرة بسبب العراقيل التي واجهت مشروعه الإصلاحي، قبل أن يعود لمشيخة الجامع مرة ثانية عام 1944م ليقود نهضة تعليمية شاملة، ثم عُين عميدًا للجامعة الزيتونية عام 1956م.

 

المشروع الإصلاحي والرؤية التربوية:

ارتكز المشروع الإصلاحي لابن عاشور على رؤية عميقة لأسباب تدهور التعليم الإسلامي، والتي حصرها في فساد المعلم، وفساد التأليف، وفساد النظام العام. وسعى من خلال مناصبه إلى معالجة هذه الاختلالات عبر إدخال العلوم الحديثة كالرياضيات والطبيعة في مناهج الزيتونة، واستبدال الكتب القديمة بمناهج تنمي الملكات العقلية، والدعوة إلى التقليل من التلقين والإكثار من التطبيق لتنمية الفهم لدى الطلاب. كما اهتم بإحياء علوم اللغة العربية وآدابها، فدرس بنفسه شرح ديوان الحماسة، وسعى لتوحيد الرؤية بين تياري الأصالة والمعاصرة، مدونًا أفكاره الإصلاحية في كتابه الشهير "أليس الصبح بقريب". وقد أثمرت جهوده في فترته الثانية بمشيخة الزيتونة عن زيادة عدد المعاهد والطلاب وتطوير البيئة التعليمية بشكل ملحوظ.

 

الآثار العلمية والمؤلفات:

أثرى الشيخ المكتبة العربية والإسلامية بإنتاج علمي غزير ومتنوع، غطى مجالات التفسير والفقه والمقاصد واللغة والأدب. ويأتي في مقدمة أعماله تفسيره العظيم "التحرير والتنوير"، وكتابه الفذ "مقاصد الشريعة الإسلامية" الذي أحيا به علم المقاصد، وكتاب "أصول النظام الاجتماعي في الإسلام". كما ترك تحقيقات ودراسات أدبية ولغوية هامة، منها "أصول الإنشاء والخطابة"، و"موجز البلاغة"، وشروحات لدواوين الشعراء العرب مثل النابغة الذبياني وبشار بن برد، بالإضافة إلى تحقيقاته في الحديث الشريف مثل "كشف المغطى من المعاني والألفاظ الواقعة في الموطأ". ولم يقتصر نشاطه على التأليف، بل ساهم في تأسيس المجلات العلمية مثل "السعادة العظمى"، وكتب في مجلات "المنار" المصرية، و"الزيتونية"، وصحف مثل "النهضة" و"الزهرة"، وكان عضوًا فاعلًا في مجمع اللغة العربية بالقاهرة والمجمع العلمي العربي بدمشق.

وفاته:

اختتم الشيخ ابن عاشور حياته بموقف مبدئي صلب، حيث أُحيل إلى التقاعد من منصبه مفتيًا لتونس عام 1960م؛ بسبب رفضه الانخراط في الحملة الداعية للإفطار في رمضان والتي تزعمها الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة، مستمسكًا علانية بثوابت الدين متخليًا بموقفه القوي هذا عن بريق المناصب.

توفي رحمه الله في 13 رجب 1393هـ الموافق 12 أغسطس 1973م، ودُفن بمقبرة الجلاز، بعد عمر مديد ناهز المائة عام كرسه لخدمة العلم والدين، تاركًا إرثًا فكريًا وحضاريًا عظيمًا وصفه العلماء بأنه ذخيره لا تقدر بثمن؛ حيث قال عنه الشيخ محمد البشير الإبراهيمي: "إنه إمام في العلميات لا ينازع في إمامته أحد"، ووصفه الشيخ محمد الغزالي بأنه "رجل القرآن وإمام الثقافة الإسلامية".

 

المصدر:

  • محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية. تقديم: حاتم بوسمة. سلسلة في الفكر النهضوي الإسلامي. القاهرة: دار الكتاب المصري؛ بيروت: دار الكتاب اللبناني، 2011.

صدر عن المعهد الدولي للوقف الإسلامي «الملخص التنفيذي للتقرير الاستراتيجي للأوقاف 2024–2025م»، وهو الإصدار الثالث من سلسلة التقارير الاستراتيجية التي يصدرها المعهد، ويهدف إلى رصد وقياس الأداء المؤسسي للمؤسسات الوقفية العامة في العالم الإسلامي والمجتمعات المسلمة.

ومن أبرز ما ورد بهذا الملخص التنفيذي:

أولًا: منهجية الرصد ونطاق التقرير

يستند التقرير الاستراتيجي في نسخته الثالثة إلى تغطية جغرافية واسعة شملت 76 دولة ومجتمعًا مسلمًا موزعة عبر عشرة أقاليم جغرافية في ست قارات حول العالم. وقد اعتمدت الدراسة بشكل جوهري على "معيار الأداء الوقفي المؤسسي" (BWIP) كأداة قياس رئيسية، حيث يتم تقييم المؤسسات الوقفية من خلال نحو 40 متغيرًا مؤثرًا في الأداء. ومن خلال استطلاعات الرأي التي أجراها المعهد مع الخبراء، تبين أن هناك تفاوتًا في أهمية هذه المتغيرات، حيث تصدرت كفاءة الموارد البشرية القائمة بنسبة 76.9%، تلاها الاستقرار في الدولة بنسبة 73.1%، ثم حجم الأصول الوقفية والحوكمة، مما يعكس شمولية المنهجية المتبعة في رصد الواقع الوقفي العالمي.

 

ثانيًا: مؤشرات الأداء المؤسسي والتميز الدولي

أظهرت نتائج التقرير تباينًا واضحًا في أداء الدول بناءً على معايير الحوكمة والبيئة التشريعية والموارد، ففي جانب الحوكمة والشفافية، برزت دول مثل: (تركيا، إندونيسيا، الأردن، ماليزيا، والسعودية) بصفتها نموذجًا يحتذى، من خلال التزامها بإصدار تقارير سنوية تفصيلية. وفيما يخص كفاءة الموارد البشرية، التي تُعد ركيزة أساسية، تصدرت: (الكويت وسنغافورة والإمارات) قائمة الدول المهتمة بتطوير الكادر البشري الوقفي. كما أوضح الرصد أن ملاءمة القوانين والتشريعات لعبت دورًا حاسمًا في تميز دول مثل: (السعودية والمغرب وتركيا). ومن الجدير بالذكر أن معالجة مشكلة حصر وتسجيل الأوقاف كانت عاملًا فارقًا في تحسين الأداء المؤسسي لدول مثل: (تركيا والإمارات وقطر)، في حين لا تزال دول أخرى تعاني من ضعف التوثيق.

 

ثالثًا: خارطة التصنيف العالمي للأوقاف

بناءً على مخرجات معيار (BWIP)، تم تصنيف الدول إلى ثلاث فئات رئيسة تعكس مستوى نضجها المؤسسي؛ ضمت الفئة الأولى 17 دولة تمكنت من تجاوز 7 نقاط في التقييم؛ وشملت دولًا رائدة مثل: السعودية، الكويت، قطر، ماليزيا، تركيا، وإندونيسيا، مما يشير إلى قوة منظومتها الوقفية. أما الفئة الثانية، فقد كانت الأكثر اتساعًا بضمها 34 دولة تراوح أداؤها بين 4 إلى 7 نقاط، وضمت دولًا متنوعة مثل فلسطين، العراق، روسيا، وكندا. في حين وقعت 25 دولة في الفئة الثالثة بحصولها على أقل من 4 نقاط. وعلى الصعيد الإقليمي، تصدرت دول شبه الجزيرة العربية المشهد بنسبة أداء بلغت 79.42%، تلاها إقليم جنوب شرق آسيا بنسبة 63.33%.

 

رابعًا: التحولات الاستراتيجية والابتكار في القطاع

يشهد القطاع الوقفي تحولات جذرية متأثرة بتطور الصناعة المالية الإسلامية التي تجاوزت أصولها 5.4 تريليون دولار؛ حيث تستفيد الدول المتقدمة وقفيًا من هذا النمو لدمج أدوات التمويل الإسلامي كالصكوك في استثماراتها. وفي سياق الابتكار الاجتماعي، رصد التقرير عودة قوية للأوقاف الجامعية، مستدلًا بتجربة ماليزيا التي تمتلك فيها 17 جامعة حكومية صناديق وقفية لدعم التعليم والبحث العلمي. كما برز التوجه نحو الأوقاف الزراعية لتعزيز الأمن الغذائي، كما هو الحال في مزارع الزيتون الوقفية بتركيا والأوقاف الزراعية في إندونيسيا وغرب إفريقيا. تقنيًا، بدأت تقنيات التمويل (FinTech) والذكاء الاصطناعي تأخذ حيزًا في إدارة الأوقاف، لا سيما في السعودية والإمارات، مما يعزز الكفاءة والإنتاجية.

 

خامسًا: واقع المعرفة الوقفية والنشر العلمي

أكد التقرير على تنامي الاهتمام المعرفي والأكاديمي بمجال الوقف، حيث لا تزال الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت تتصدر المشهد في النشر العلمي الورقي عبر "مجلة أوقاف" المتخصصة. كما ظهرت مبادرات نوعية من القطاع الخاص، مثل مؤسسة "ساعي" السعودية التي نشرت أكثر من 92 كتابًا متخصصًا. وعلى صعيد الفعاليات، تم رصد انعقاد مؤتمرات دولية تناقش قضايا معاصرة دقيقة، مثل مؤتمرات حول الذكاء الاصطناعي في العمل الإنساني واستراتيجيات الابتكار في الوقف، مما يعكس تطور الخطاب المعرفي الوقفي.

 

سادسًا: خارطة المخاطر والفرص المستقبلية

يواجه القطاع الوقفي جملة من المخاطر والتحديات، أبرزها الصراعات المسلحة التي كبدت أوقاف قطاع غزة خسائر تجاوزت 500 مليون دولار، بالإضافة إلى مخاطر الركود الاقتصادي والكوارث الطبيعية والاختراقات السيبرانية. وفي المقابل، تلوح في الأفق فرص واعدة للمؤسسات التي تتبنى التحول الرقمي وتوظف الذكاء الاصطناعي. كما يُعد الاستثمار في الأوقاف الزراعية فرصة استراتيجية، خاصة أن الدول الإسلامية تمتلك ثلث الأراضي الزراعية في العالم، إلى جانب فرص الاستثمار في الرعاية الصحية والطاقة البديلة وتعزيز الشراكات مع القطاعين العام والخاص.

 

خاتمة: تطلعات المستقبل وآفاق الريادة الوقفية

يُختتم التقرير الاستراتيجي الثالث للأوقاف برؤية استشرافية تؤكد أن القطاع الوقفي يمر بمرحلة تحول مفصلية، حيث لم يعد مجرد نشاط تقليدي، بل بات صناعة استراتيجية تتطلب أدوات قياس دقيقة. وقد سلط التقرير الضوء على 16 تجربة وقفية رائدة عبر عشرة أقاليم متنوعة، بهدف استخلاص النماذج الناجحة التي يمكن تعميمها في العالم الإسلامي، مع التركيز على مؤشرات التحول نحو الاستثمار المبتكر، وتقنيات التمويل الحديثة، والابتكار في المصارف الوقفية لتلبية الاحتياجات المجتمعية المتجددة.

وتشير التقديرات المستقبلية إلى أن التكنولوجيا ستكون العامل الحاسم في تشكيل المشهد الوقفي القادم؛ فالمؤسسات التي ستنجح في استكمال عمليات التحول الرقمي وتبني تقنيات الذكاء الاصطناعي، وتعزيز قدرات كوادرها البشرية، هي التي ستتمكن من تحقيق الاستدامة المالية والاستقلال عن التمويل الحكومي. ومن المرجح أن تتصدر المؤسسات التي تستثمر في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات المشهد الوقفي، خاصة في دول شبه الجزيرة العربية وجنوب شرق آسيا، شريطة أن تنجز أتمتة مهامها التنظيمية وتعزز أنظمة إدارة المخاطر والامتثال.

جغرافيًا، سيظل إقليم شبه الجزيرة العربية حاضنة وقفية رئيسية ومركزًا للثقل الاقتصادي الوقفي، بالتزامن مع صعود ملحوظ لدول في أقاليم جنوب شرق آسيا وشمال إفريقيا وبلاد الشام، التي بدأت تطور نظمها المحلية معتمدة على بناء القدرات الذاتية. كما يرصد التقرير توجهًا متناميًا نحو الأوقاف العائلية وانتقال الأصول الوقفية بين الأفراد ذوي الثروات، مما يستدعي وجود تشريعات قانونية مرنة وبيئات استثمارية جاذبة ومعفية من الضرائب لاستقطاب هذه الأصول وتنميتها.

 

بين الأداء المؤسسي والمقاصد الشرعية: نحو تقويم حضاري للوقف:

يمثل إصدار تقرير سنوي استراتيجي للأوقاف إضافة نوعية مهمة لرسم خريطة واضحة -إلى حد كبير- لأداء المؤسسات الوقفية ومسارات تطورها، لا سيما حين يصدر عن معهد متخصص ومستقل؛ فالمعهد الدولي للوقف الإسلامي، بوصفه مؤسسة دولية مستقلة غير ربحية تأسست في ماليزيا عام 2008م، يتمحور عمله حول تطوير المعرفة الوقفية وبناء القدرات والاستشارات، ويوفّر إطارًا مؤسسيًا يمنح تقاريره قدرًا معتبرًا من المصداقية.

ومع ذلك، وعلى الرغم من شمول هذا التقرير لجملة واسعة من المؤشرات، فإنه لا يزال قابلًا لمزيد من التطوير ليكون أكثر قدرة على تمثيل الواقع الوقفي المركّب. فمعيار (BWIP)، رغم أهميته في المقارنات الدولية، يبقى محدودًا في التقاط الأبعاد النوعية العميقة، مثل مستوى الشفافية الفعلية، واستقلال الرقابة، وجودة الإفصاح المالي، وهي عناصر لا تختزلها التقارير الشكلية ولا المؤشرات الرقمية المجردة.

كما أن تحسّن مؤشرات الحوكمة والكفاءة في عدد من الدول يثير سؤالًا جوهريًا لا تزال الأدوات الكمية عاجزة عن الإجابة عنه: إلى أي مدى تُدار هذه الأوقاف بروح الوقف الشرعية بوصفه مالًا محبوسًا لمصالح الأمة، لا بوصفه محفظة استثمارية سيادية؟ فالتوسع في الصكوك والأدوات المالية، وإن عزز العوائد، يطرح تحديات مقاصدية حول خطر تغليب المنطق الربحي على الوظيفة الاجتماعية والحضارية للوقف.

وتكشف خريطة التصنيف كذلك أن التفوق الوقفي يرتبط قبل كل شيء بوجود تشريعات واضحة، وسجلات مميكنة، وهيئات مستقلة، وهو ما يؤكد أن أزمة الوقف في العالم الإسلامي ليست في ندرة الأموال، بل في هشاشة البنية القانونية والمؤسسية التي تحكمها. فالوقف لا ينهض بالتقنية وحدها، بل باستقلال إداري، ونظم مساءلة، وقضاء وقفي يحمي الأصول من التسييس والاستيلاء.

ومن ثم فإن التقرير الاستراتيجي للأوقاف سيكون أكثر دقة وإحاطة إذا أضاف إلى مؤشراته البُعدين الحضاري والمقاصدي في تقويم الأداء؛ بحيث يُقاس الوقف بقدرته على معالجة اختلالات الأمة الكبرى: من الفقر والتفاوت الطبقي، إلى التخلف العلمي، والتفكك الاجتماعي، وتهميش الإنسان المسلم، وصولًا إلى تغوّل الاستبداد الذي صادر كثيرًا من أموال الوقف وحوّلها من رافعة للتحرر إلى مورد للسلطة.

 

ويمكن تحميل هذا الملخص من (هنا)

بسم الله الرحمن الرحيم

باسم الشعب

مجلس الدولة

المحكمة الإدارية العليا

الدائرة الرابعة – موضوع

بالجلسة المنعقدة برئاسة السيد الأستاذ المستشار/ فوزي عبد راضي سليمان أحمد

نائب رئيس مجلس الدولة ورئيس المحكمة

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / هلال صابر محمد العطار               (نائب رئيس مجلس الدولة)

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / حلمي محمد إبراهيم عامر           (نائب رئيس مجلس الدولة)

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / شعبان عبد العزيز عبد الوهاب       (نائب رئيس مجلس الدولة)

وعضوية السيد الأستاذ المستشار / بهاء سعيد عواد سليم                 (نائب رئيس مجلس الدولة)

وبحضور السيد الأستاذ المستشار / وائل شماطه                                             (مفوض الدولة)

وسكرتارية السيد / سيد أمين راضي                                                       (سكرتير المحكمة)

أصدرت الحكم بالآتي

في الطعن رقم ٧٤٠١٩ لسنة ٦٩ ق. عليا

المقام من:

...

...

ضـــــــــــــد:

رئيس جامعة جنوب الوادي بصفته

في القرار الصادر من مجلس تأديب العاملين من غير أعضاء هيئة التدريس

بجامعة جنوب الوادي بجلسة ١١/ ١٢/ ٢٠٢٢ في الدعوى رقم ١٢ لسنة ٢٠٢٢

 

الإجراءات

بتاريخ ٣١/ ١/ ٢٠٢٣ أودع وكيل الطاعن قلم كتاب هذه المحكمة تقرير الطعن الماثل فيما قضى به قرار مجلس التأديب للعاملين من غير أعضاء هيئة التدريس بجامعة جنوب الوادي بجلسة ١١/ ١٢/ ٢٠٢٢ في الدعوى رقم ١٢ لسنة ٢٠٢٢ بمجازاة/.. بخصم ثلاثة أيام من أجره.

 

وطلب الطاعن -للأسباب الواردة بتقرير الطعن- الحكم بقبول الطعن شكلًا وفي الموضوع بإلغاء الحكم المطعون فيه والقضاء مجددًا ببراءته مما هو منسوب إليه.

وأودعت هيئة مفوضي الدولة تقريرًا مسببًا بالرأي القانوني في الطعن.

وتداول نظر الطعن أمام دائرة فحص الطعون بهذه المحكمة بجلساتها على النحو الثابت بمحاضرها والتي قررت بجلسة ٢٤/٢/٢٠٢٤ إحالته إلى هذه المحكمة- دائرة الموضوع – لنظره بجلسة ٦/٤/٢٠٢٤ والتي نظرته بجلساتها على النحو الثابت بمحاضر وبجلسة ٢٨/٨ ٢٠٢٤ قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة ٢٦/١٠/٢٠٢٤ وفيها قررت المحكمة إعادة الطعن للمرافعة لجلسة ١٦/١١/٢٠٢٤ لتغيير التشكيل وبهذه الجلسة قررت المحكمة إصدار الحكم بجلسة اليوم وفيها صدر الحكم وأودعت مسودته المشتملة على أسبابه عند النطق به.

 

المحكمـــــــــــــــــة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع الإيضاحات والمداولة قانونًا.

من حيث إن الطعن أقيم خلال الميعاد القانوني المقرر ومستوفيًا أوضاعه الشكلية والإجرائية المتطلبة قانونًا فإنه يكون مقبولًا شكلًا.

ومن حيث إن وقائع الطعن تخلص- حسبما يبين من الأوراق- في أنه بتاريخ ١٠/ ٣/ ٢٠٢٢ صدر قرار رئيس جامعة جنوب الوادي رقم ٢٧٧ لسنة ٢٠٢٢ بإحالة كل من:

  • ... مسئول رقابة عهد بالمستشفى الجامعي بجنوب الوادي.
  • ... مدير عام الشئون المالية والإدارية بالمستشفى الجامعي بجنوب الوادي.
  • ... مدير مالي وإداري بمستشفى المعبر التابعة لمستشفى قنا الجامعي بجامعة جنوب الوادي.

إلى مجلس تأديب العاملين من غير أعضاء هيئة التدريس بجامعة جنوب الوادي حيث قيدت ضدهم الدعوى رقم ١٢ لسنة ٢٠٢٢ لمحاكمتهم تأديبيًا عما نسب إليهم من أنهم في غضون عام ٢٠٢٠ وبوصفهم الوظيفي السابق وبدائرة عملهم المشار إليها سلفًا خالفوا القواعد والأحكام المنصوص عليها في القوانين واللوائح المعمول بها ولم يؤدوا العمل المنوط بهم بدقة وخرجوا على مقتضى الواجب الوظيفي بأن:

الأولى: .. فني التمريض بمستشفى قنا الجامعي بالتوقيع على الإقرار السنوي المتضمن وجود عهدة لديها بقسم حضانة الأطفال بمستشفى قنا الجامعي ومكنتها من التوقيع على ذلك الإقرار بتاريخ ٣٠/٦/٢٠٢٠ رغم عدم استلامها العمل فعليًا في ذلك التوقيت بالقسم واستلامها العمل في ٢٤/٨/٢٠٢٠ وذلك على النحو الموضح تفصيلًا بالأوراق.

الثاني: قام بنقل ...  الممرضة بمستشفى قنا الجامعي من مستشفى المعبر إلى مستشفى الطوارئ والإصابات وذلك بالبدل مع ... الممرضة بمستشفى الطوارئ وذلك بتاريخ ١٣/١٢/٢٠٢٠ وذلك بالمخالفة للتعليمات ودون عرض أمر النقل على لجنة الموارد البشرية بالمستشفى ودون إخلاء طرفها من الوحدة المنقولة منها وذلك على النحو الموضح تفصيلًا بالأوراق.

الثالث: وافق على نقل ... - بمستشفى قنا الجامعي من مستشفى المعبر إلى مستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بالبدل مع ... الممرضة بمستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بتاريخ ١٩/١٢/٢٠٢٠ وذلك دون إخلاء طرف ... من الوحدة المنقولة منها ورغم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر وذلك على النحو الموضح تفصيلًا بالأوراق بالمخالفة للتعليمات.

وطلب رئيس جامعة الوادي الجديد محاكمتهم تأديبيًا طبقًا للمواد القانونية الواردة بتقرير الإحالة.

ونظر مجلس التأديب الدعوى التأديبية بجلساته على النحو الثابت بمحاضرها وبجلسة ١١/١٢/٢٠٢٢ صدر قرار مجلس التأديب المطعون فيه وأقام قضاؤه بمجازاة المحال الثالث بخصم ثلاثة أيام من أجره -بعد استعراض نصوص المواد ٥٧ و٥٨ و٥٩ و٦١ من قانون الخدمة المدنية رقم ٨١ لسنة ٢٠١٦- تأسيسًا على ثبوت المخالفة المنسوبة إليه من واقع ما شهد به/ ... مدير التوجيه المالي والإداري بمستشفى قنا الجامعي والذي تولى فحص الموضوع تبين أن نقل الممرضة... من مستشفى المعبر إلى مستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بالبدل مع ... الممرضة بمستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بتاريخ ١٨/١٢/٢٠٢٠ وذلك دون إخلاء طرف .... من الوحدة المنقولة منها وبرغم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر إذ كان يتعين صدور قرار إخلاء طرف للمذكورة قبل تنفيذ قرار النقل والمسئول عن ذلك المخالف الثالث بصفته الوظيفية إذ كان يتعين عليه عدم إخلاء طرف المذكورة إلا بعد التأكد من عدم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر، لا سيما وأنه كان يعلم بوجود عهدة لدى المذكورة وفقًا لتوقيعه على كتابات وارد بها ذلك، وأنه لم يترتب على تلك المخالفات أي ضرر وتم إلغاء نقل المذكورة بناءً على قرار رئيس الجامعة. الأمر الذي تغدو معه المخالفة المنسوبة إليه ثابتة في حقه بما يشكل في حقه ذنبًا إداريًا يستوجب مجازاته تأديبيًا.

من حيث إن مبنى الطعن الماثل يقوم على أسباب حاصلها فساد التحقيقات في الاستدلال لاستنادها على شهادة شاهد واحد فقط هو/ ... مدير إدارة التوجيه المالي والإداري بالمستشفى الجامعي والتي لا تستند إلى أي دليل من الواقع أو المعقول لوجود خصومة بينه وبين الطاعن وأن نقل أي ممرضة أو موظف من مستشفى إلى أخرى ليس من اختصاصه وإنما هو من اختصاص المدير التنفيذي للمستشفيات الجامعية أو السلطة المختصة بالجامعة وهي لرئيس الجامعة وأن دوره ينحصر في رفع الطلب من الشاكية إلى المختصين بالإدارة العليا وأن المستشفيات الجامعية بقنا وحدة واحدة ومن ثم لا يتم عمل إخلاء طرف للمنقول من إحدى هذه المستشفيات إلى أخرى فضلًا عن بطلان التحقيقات الواردة من الشئون القانونية والنيابة الإدارية وبطلان القيد والوصف والمخالفة في تطبيق القانون وكذا مخالفة قرار الإحالة للقانون إذ لم يتم الاستناد إلى نص قانوني موضوعي يجرِّم المخالفة في قانون الخدمة المدنية ولائحته التنفيذية والقصور في التسبيب والفساد في الاستدلال والتناقض والخطأ في الإسناد ومخالفة الثابت بالأوراق والإخلال بحق الدفاع الجوهري على نحو ما ورد تفصيلًا بتقرير الطعن.

ومن حيث إنه عن موضوع الطعن فإنه من المقرر في قضاء هذه المحكمة أنه حتى يتبين ثبوت الاتهام في حق المخالف يجب أن تثبت المخالفات يقينًا في مواجهته بأن تكون الوقائع ظاهرة الدلالة على ارتكابه المخالفة المنسوبة إليه وأنه لا يجوز الأخذ بشهادة من يظهر من الأوراق أن له مصلحة في إدانة المخالف؛ سواء كانت مصلحة مادية أو أدبية أو بينه وبين المخالف خصومة، كما أنه من المقرر أنه لا يجوز التعويل على الأخطاء البسيطة التي يرتكبها العامل بسبب ضغط العمل أو زلات القلم أو الخطأ الحسابي مادام قد تم تداركه وتصحيحه من قبل السلطات الأعلى وكان العامل حسن النية في ارتكابه لهذا الخطأ البسيط فالأصل أن الاستغراق في العمل يمكن أن يولد أخطاءً بسيطة تستلزمها طبيعة العمل من ناحية والطبيعة البشرية من ناحية أخرى، وقد تكفل الشارع الكريم في الحديث النبوي الشريف برفع الخطأ والنسيان من نطاق المحاسبة ومن الأجدر أن يطبق هذا المبدأ في نطاق التأديب حتى تستقيم الحياة الوظيفية للعامل ولا تكون بمثابة عبء جسيم على أعصابه وعقله وخشية ارتكاب خطأ ولو يسير بما يتأبَّى مع طبائع الأمور في الواقع العملي مادامت هذه الأخطاء غير جسيمة من ناحية وتمليها اعتبارات حسن النية وأمكن تداركها من ناحية أخرى، فهذا لا يجوز مساءلته عنها بوصف أن هذا القدر من الخطأ لا يعد خروجًا على واجبات وظيفية تستلزم توقيع الجزاء التأديبي عليه.

ومن حيث إنه ترتيبًا على ما تقدم ولما كان الثابت من الأوراق أن المخالفة المنسوبة إلى الطاعن المتمثلة في موافقته على نقل .. الممرضة بمستشفى قنا الجامعي من مستشفى المعبر إلى مستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بالبدل مع .. الممرضة بمستشفى المرزوقي للطوارئ وذلك بتاريخ ١٩/١٢/٢٠٢٠ وذلك دون إخلاء طرف .... من الوحدة المنقولة منها ورغم وجود عهدة لديها بمستشفى المعبر؛ ولئن كان ثابتًا في حقه صدور تلك الموافقة منه إلا أنه أنكر بالتحقيقات علمه بوجود عهدة لديها حتى يتم إخلاء طرفها منها قبل نقلها ولم تؤكد التحقيقات وجود عهدة طرف الممرضة .... إذ لم تبين ماهية هذه العهدة وأنواعها وطبيعتها كما أن التحقيقات لم تجزم بعلم الطاعن بوجود عهدة طرف المذكورة فهو علم مفترض لم يقم عليه دليل يقيني من الأوراق والتحقيقات. وفضلًا عن ذلك؛ فإن التحقيقات خلصت إلى عدم تحقق ثَمّ ضرر لحق بجهة العمل جراء ذلك؛ ثم إنه تم إلغاء أمر نقل الممرضة المذكورة بموجب قرار من رئيس الجامعة، ومن ثم فإن هذه الموافقة لم تنتج أثرًا قانوني يذكر واعتبرت كأن لم تكن؛ وبالتالي فإن هذه المخالفة البسيطة في حق الطاعن تعد من قبيل الأخطاء البسيطة التي قد ترتكب بسبب ضغط العمل وكان حسن النية في ارتكابها، وقد تم تداركها وتصحيحها، ومن ثم فلا يجوز مساءلته عنها بوصف أن هذا القدر البسيط من الخطأ لا يعد خروجًا على واجبات وظيفته بما يستلزم توقيع الجزاء التأديبي عليه؛ وهو ما يكون معه قرار مجلس التأديب المطعون فيه غير قائم على سبب صحيح يبرره قانونًا مما يكون معه جديرًا بالإلغاء.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة: بقبول الطعن شكلًا وفى الموضوع بإلغاء قرار مجلس التأديب المطعون فيه فيما قضى به من مجازاة الطاعن بخصم ثلاثة أيام من أجره مع ما يترتب على ذلك من آثار.

صدر هذا الحكم وتُلي علنًا بالجلسة المُنعقدة يوم السبت ٢٧ من جمادى الآخرة سنة ١٤٤٦ هجرية، الموافق ٢٨ من ديسمبر ٢٠٢٤ ميلادية بالهيئة المُبينة بصدره.

سكرتير المحكمة                                                                                   رئيس المحكمة

 

من الربا إلى الجريمة والفقر: شاب أمريكي يشرح كيف تقدّم الشريعة الإسلامية حلولًا حاسمة لأزمات بلاده.
مقطع فيديو نشرناه على قناة موقعنا على اليوتيوب.
يقدّم هذا المقطع شهادة لافتة لشاب أمريكي يناقش كيف يمكن لمبادئ الشريعة الإسلامية وأحكامها أن تشكّل حلولًا واقعية لأزمات متجذّرة في المجتمع الأمريكي، مثل:
أزمة الربا وفوائد البنوك، فشل العقوبات الحديثة في ردع الجريمة، واتساع الفجوة الطبقية وانتشار الفقر.
من خلال نماذج مثل تحريم الربا، نظام الزكاة، وفلسفة الحدود في الردع، يبرز المقطع البعد الإنساني والعملي للشريعة الإسلامية، بعيدًا عن الصور النمطية، في سياق حوار قانوني حضاري يتجاوز الجغرافيا والثقافات.
يتناول هذا المقطع رؤية الشيخ محمد الغزالي رحمه الله لأزمة الفقه الإسلامي المعاصر، حيث ينتقد انشغال الدرس الفقهي بجزئيات الآداب والعبادات، مقابل التقصير في معالجة القضايا المعاصرة في المعاملات والواقع السياسي والاجتماعي والاقتصادي. ويكشف الشيخ الغزالي عن خللٍ منهجي في ترتيب الأولويات الاجتهادية، داعيًا إلى فقهٍ حيٍّ يستجيب لأسئلة العصر دون تفريط في الأصول ولا انسلاخ عن النصوص. يأتي هذا الطرح في سياق سعي موقع "حوارات الشريعة والقانون" للإسهام في إحياء النقاش العلمي حول فقه الواقع، وتجديد النظر في وظيفة الاجتهاد في استيعاب الواقع وتوجيهه نحو الالتزام بنصوص الشريعة الإسلامية وتحقيق مقاصدها الكلية والجزئية.

أصدرت مجلة «أوقاف»، الصادرة عن الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، عددها التاسع والأربعين (السنة الخامسة والعشرون، رجب 1447هـ/ديسمبر 2025م). وقد ركّز هذا العدد في مجمله على قضايا «استشراف المستقبل» و«الحوكمة» و«المعايير المقاصدية» في إنشاء الأوقاف الحديثة.

الافتتاحية:

جاءت افتتاحية العدد حاملة شعار «بين الأوقاف والكراسي… قصة حضارة»، رابطة بين الإرث الحضاري للوقف وآليات تطبيقه المعاصرة؛ حيث سلطت الضوء على العلاقة التاريخية والوثيقة بين الوقف والنهضة العلمية من خلال "الكراسي العلمية". أوضحت الافتتاحية أن الكراسي الوقفية لم تكن مجرد مقاعد للدرس، بل كانت مؤسسات تضمن استقلال العلماء المالي والفكري، وتوفر البنية التحتية للبحث في مختلف العلوم الشرعية والكونية. ودعت الافتتاحية إلى إعادة استلهام هذا النموذج في الجامعات المعاصرة، ليس فقط بزيادة عدد الكراسي، بل بتفعيل دورها الحضاري والبحثي لتعزيز مكانة العالم الإسلامي في خريطة الإنتاج المعرفي العالمي.

 

الأبحاث والدراسات (القسم العربي): تضمن العدد ثلاثة أبحاث رئيسة باللغة العربية، تناولت جوانب استراتيجية وإدارية وفقهية حديثة:

- الاستشراف المستقبلي للأوقاف: قدم الدكتور سامي محمد الصلاحات بحثًا بعنوان "نمو الأوقاف الإسلامية في نطاق عابر: قراءة استشرافية في ضوء التقرير الإستراتيجي للأوقاف". ركز الباحث على أهمية "الدراسات المستقبلية" في تطوير القطاع الوقفي، مشيرًا إلى ضعف ثقافة الاستشراف حاليًا في المؤسسات الوقفية. وقد حلل الباحث السيناريوهات المحتملة لنمو الأوقاف عالميًا، وقسمها إلى ثلاثة سيناريوهات: سيناريو التقليد والبطء، وسيناريو التموضع والتطوير المتدرج، وسيناريو التوسع وزيادة التأثير. وخلصت الدراسة إلى ضرورة تبني المؤسسات الوقفية لأدوات التخطيط المستقبلي والتحليل الإحصائي لضمان استدامتها وتنافسيتها.

- حوكمة الوقف واستدامته: ناقش الدكتور محمد أحمد عزب في بحثه "الحوكمة وضرورتها لاستدامة الوقف والعمل الأهلي التطوعي وتحقيق أهدافهما"، دور الحوكمة كنظام إداري ضابط يضمن الشفافية والمساءلة والعدالة. أكدت الدراسة أن تطبيق مبادئ الحوكمة ليس ترفًا إداريًا بل ضرورة شرعية وإدارية لضمان استمرار العطاء الخيري وكسب ثقة الواقفين والمانحين. وأوصى البحث بضرورة نشر ثقافة الحوكمة وتوضيح عدم تعارضها مع قيم "إسرار الصدقة"، بل هي مكملة لها بحفظ الأمانة وتوثيقها.

- معيار المصلحة في الأوقاف الحديثة: تناول الأستاذ الدكتور عابد فايد عبد الفتاح فايد موضوع "معيار المصلحة في إنشاء الأوقاف في المجالات الحديثة". بحثت الدراسة في كيفية استخدام "المصلحة العامة" كضابط شرعي لتوجيه الأوقاف نحو مجالات جديدة تتجاوز الأشكال التقليدية. استعرض الباحث تطبيقات حديثة مثل "صناديق الوقف الاستثمارية"، و"الأوقاف المؤقتة"، ووقف "حقوق الملكية الفكرية". وخلص إلى أن الوقف تحول من عمل فردي بحت إلى مؤسسة ذات نفع جماعي، مما يستدعي مرونة في التشريعات تسمح بتطوير صيغ وقفية تلبي حاجات المجتمع المتغيرة، مثل التأمين التعاوني الوقفي ودعم البحث العلمي.

 

المقالات:

قدم الدكتور الزبير مهداد مقالًا بعنوان "فضل الوقف العلمي على النهضة التعليمية في مصر"، استعرض فيه الدور المحوري الذي لعبته الأوقاف في العصرين الأيوبي والمملوكي في توفير التعليم المجاني، والسكن، والتغذية، والرعاية الصحية للطلاب والعلماء. وأوضح الكاتب كيف أن "الوقف العلمي" كان الرافعة الأساسية التي مكنت مصر من أن تكون قبلة لطلاب العلم، وكيف وفرت المدارس الوقفية بيئة متكاملة (مكتبات، مساكن، رواتب) ضمنت تفرغ العلماء للإبداع.

 

القسم الأجنبي (الفرنسي)

تضمن العدد ترجمة لبحث باللغة الفرنسية للدكتورة وداد العيدوني بعنوان "حماية القاصرين في نظم الوقف ببلاد المغرب والأندلس". تتبع البحث الدور الاجتماعي للوقف في حماية الفئات المستضعفة، وتحديدًا القاصرين، مبرزًا كيف أسهمت الأوقاف تاريخيًا في الغرب الإسلامي في ترسيخ منظومة حماية اجتماعية لهذه الشريحة.

 

عروض الكتب وكلمة الرثاء:

- عرض كتاب: تضمن العدد عرضًا لكتاب "الأوقاف والحياة الاجتماعية في مصر الحديثة: إضافات جديدة في ضوء حجج وقف أحمد باشا المنشاوي"، تأليف أ.د. تفيدة محمد عبد الجواد، ويستعرض الكتاب الأثر الاجتماعي الضخم لأوقاف "المنشاوي باشا" في الدلتا ومصر، من مساجد ومدارس ومستشفيات، مسلطًا الضوء على وثائق وحجج وقفية نادرة.

- كلمة وفاء: خصصت المجلة كلمة رثاء للراحل عبد المحسن محمد العثمان، الأمين العام المؤسس للأمانة العامة للأوقاف بالكويت، مستذكرة دوره الريادي في تحويل العمل الوقفي من الإطار التقليدي إلى العمل المؤسسي المنظم، وجهوده في تأسيس البنية التشريعية والاستراتيجية للأمانة.

 

في الختام؛ يُقدم هذا العدد رؤية متكاملة تجمع بين التأصيل الشرعي (بحث المصلحة)، والتطوير الإداري (الحوكمة والاستشراف)، والعمق التاريخي (الوقف التعليمي وحماية القاصرين)، مما يجعله مرجعًا مهمًا للباحثين في سُبل تطوير القطاع الوقفي ليلائم تحديات العصر. والجدير بالذكر أن مجلة أوقاف هي مجلة علمية نصف سنوية مُحَكَّمة تُعنى بشؤون الوقف والعمل الخيري، تصدر منذ ربع قرن تقريبًا (العدد التجريبي صدر عام 1421ه/2000م)، وهي تصدر باللغات الثلاث (العربية والإنجليزية والفرنسية)، مستهدفةً إحياء ثقافة الوقف، وتكثيف النقاش حول إمكاناته العلمية والحضارية في مجتمعاتنا المعاصرة، والإسهام في تحقيق الربط المنشود بين الفكر النظري والتطبيق العملي لسُنَّةِ الوقف.

 

لتحميل جميع أعداد المجلة السابقة، انقر (هنا)

صدر العدد الجديد من مجلة دعوة الحق، والتي تصدرها وزارة الأوقاف والشؤن الإسلامية بالمملكة المغربية (السنة الثامنة والستون، العدد: 452، محرم 1447ه/ يونيو 2025م). خصص هذا العدد ملفًا لموضوع محوري؛ وهو "أهمية الوقف في التشريع الإسلامي"، منطلقًا من الرؤية الإسلامية التي تحث على الإنفاق والبذل لنيل البر، ومعتبرًا الوقف (أو التحبيس) إحدى أهم صور الصدقة الجارية التي تضمن استمرار الثواب للواقف ونفع المجتمع عبر الأجيال.

يركز العدد بشكل خاص على التجربة الوقفية المغربية الأصيلة، مبرزًا كيف انخرط المغاربة عبر تاريخهم -سلاطين وعلماء وعامة الناس- في سُنَّة الوقف، حتى أصبح جزءًا من هويتهم وثوابت خصوصيتهم. ولم يقتصر هذا الاهتمام على الجانب التعبدي المحض كبناء المساجد، بل شملت الأوقاف مجالات حيوية متعددة تخدم الإنسان والعمران، مثل التعليم، والصحة، والبنية التحتية، وحتى الرفق بالحيوان والحفاظ على البيئة.

يهدف هذا العدد، من خلال مساهمات ثلة من العلماء والباحثين، إلى إبراز دور الوقف بوصفه منظومة متكاملة للتضامن الاجتماعي والتكافل الإنساني، ويناقش الملف قضايا متنوعة تتراوح بين التأصيل الشرعي للوقف في القرآن والسنة، وبين الاجتهادات الفقهية (خاصة في المذهب المالكي) التي تتيح تطوير هذه المؤسسة وتنميتها اقتصاديًا لتواكب تحديات العصر، بما في ذلك قضايا استبدال الوقف وبيعه للمصلحة، ودوره في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة.

1. الإطار العام والمفاهيم التأسيسية للاقتصاد الوقفي

يستهلّ العدد أبحاثه بدراسةٍ للدكتور عبد الحميد عشّاق، بعنوان: «مؤسسة الوقف في الإسلام: من أجل مقاربة اقتصادية مندمجة»، يتناول فيها تأصيلًا نظريًا لمفهوم «الاقتصاد الوقفي» بوصفه نموذجًا اقتصاديًا مندمجًا، لا يقدّم الوقف باعتباره عملًا خيريًا عابرًا، بل باعتباره مؤسسةً اقتصاديةً فاعلةً تسهم في إعادة توزيع الثروة، وحماية الطبقتين الوسطى والفقيرة. ويتميّز الوقف بكونه «إحسانًا مستدامًا» يقوم على حبس الأصل وتسبيل المنفعة، بما يخرجه من دائرة الاستهلاك المباشر إلى دائرة الإنتاج والاستثمار الدائم.

ويربط البحث بين الوقف ومفهوم «الاقتصاد الاجتماعي التضامني» الحديث، من حيث التلاقي في مبادئ الاستقلالية والمشاركة، وتغليب المنفعة الاجتماعية على الربح المادي. وتبرز الحاجة اليوم إلى هذا الاقتصاد الوقفي لكونه اقتصادًا مستقلًا، لا يتأثر بتقلبات ميزانية الدولة، وقادرًا على خلق مناصب الشغل، والحد من التفاوتات الطبقية والمجالية. كما يقترح البحث آلياتٍ عصريةً لتنزيل هذا النموذج الاقتصادي، من قبيل «صناديق القرض الحسن»، و«الأوقاف التأمينية» (التأمين التكافلي)، و«الصكوك الوقفية»، بما يتيح تمويل المشاريع الصغرى والمتوسطة.

 

2. الوقف العلمي ومقاصده الشرعية

ويتضمّن الملف بعد ذلك دراسةً للدكتور المصطفى مالكي، بعنوان »الوقف الطلبي ومقاصده الشرعية«، يُسلّط فيها الضوء على »الوقف العلمي «بوصفه إحدى أبرز صور الوقف العام وأكثرها اتصالًا ببناء الإنسان والعمران. ويُعرِّف الباحث الوقفَ العلمي بأنه تحبيسُ الأصول وتسبيلُ منافعها في خدمة العلم ونشره، سواء أكان ذلك عبر وقف الكتب، أو إنشاء المدارس، أو كفالة طلاب العلم، مستمدًّا مشروعيته من النصوص الشرعية التي تحث على «العلم الذي يُنتفع به» بوصفه صدقةً جارية.

ويركّز البحث على المقاصد الشرعية الكبرى التي يخدمها الوقف العلمي، ويُبرز أثره في تحقيقها، ولا سيما:

  • حفظ الدين: من خلال بناء المساجد، والكتاتيب القرآنية، وطباعة المصاحف وكتب الشريعة.
  • حفظ العقل: عبر إنشاء مراكز البحث العلمي، ورعاية الموهوبين، وتأسيس المكتبات المتخصصة.
  • حفظ النفس: بوقف المستشفيات وكليات الطب، وتوفير الأدوية.
  • حفظ النسل والمال: من خلال تأهيل المقبلين على الزواج، وتوفير سبل العيش الكريم للطلبة والعلماء.

 

3. التجربة المغربية: التشريع والبناء الاجتماعي

ويتضمّن الملف بعد ذلك دراسةً للدكتور عبد الكريم بنّاني، بعنوان: «نظام الوقف بالمغرب بين التشريح وتحقيقه للبناء الاجتماعي»، يفرد فيها حيّزًا واسعًا لاستعراض التجربة المغربية العريقة في مجال الأوقاف، مؤكّدًا دورها المحوري في «البناء الاجتماعي» و«تحصين المقدّسات». ويُبرز البحث كيف أسهم الوقف، تاريخيًا، في تشييد المساجد الكبرى، مثل جامع القرويين وجامع الأندلس، وفي دعم الزوايا التي أدّت أدوارًا مركزيّة في الإيواء والتعليم والتكافل الاجتماعي.

وعلى الصعيد التشريعي، يسلّط البحث الضوء على أهمية «مدوّنة الأوقاف» بوصفها إطارًا قانونيًا يهدف إلى حماية الأصول الوقفية وضمان حسن تدبيرها واستدامة منافعها. كما يستعرض عددًا من المؤسسات الحديثة التي نشأت بفضل الوقف أو تحظى بدعمه، من بينها:

  • مؤسسة محمد السادس لنشر المصحف الشريف: المعنيّة بطباعة المصحف الشريف ونشره برواية ورش.
  • معهد محمد السادس للقراءات والدراسات القرآنية: المتخصّص في تكوين العلماء والباحثين في علوم القرآن.
  • معهد محمد السادس لتكوين الأئمة والمرشدين: الهادف إلى ضمان التأطير الديني الوسطي الرشيد.

وعلى المستوى الاجتماعي، يورد البحث نماذج مشرقة من الأوقاف المغربية التي تجسّد البعد الإنساني والحضاري للمؤسسة الوقفية، من قبيل أوقاف «كسوة الشتاء للمؤذّن»، وأوقاف «مؤنس المرضى» التي خُصّصت للتخفيف عن المرضى ليلًا، فضلًا عن الأوقاف الصحية، ولا سيما البيمارستانات (المستشفيات النفسية)، مثل بيمارستان سيدي فرج بفاس، بما يعكس عمق التجربة الوقفية المغربية واتساع مجالاتها.

 

4. الوقف في الفقه المالكي: بين التأصيل والمرونة الاقتصادية

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور ياسين بن روان، بعنوان: «الوقف في الفقه المالكي ودوره في ترسيخ التكافل الاجتماعي»، يتناول فيها الجانب الفقهي من خلال المذهب المالكي، حيث يُعرف الوقف بـ«الحبس». ويتميّز المذهب المالكي بنقاش فقهي معمّق حول مسألة «تأبيد الوقف» أو توقيته، إذ يرى المشهور في المذهب التأبيد، بينما أجاز بعض المتأخرين توقيته. ويطرح البحث قضايا جوهرية، من بينها «بيع العقار الموقوف» (المعاوضة أو الاستبدال) وأثرها في التنمية الاقتصادية.

المواقف الفقهية:

  • الموقف المتشدد: يرى المالكية الأوائل، ومن بينهم الإمام مالك والمتقدمون، منع بيع الوقف أو استبداله حتى ولو خرب، حفاظًا على عين الوقف واحترامًا لإرادة الواقف.
  • الموقف المرن (الاجتهادي): ذهب بعض متأخري المالكية، مثل ابن عرفة والونشريسي، إلى جواز بيع العقار الموقوف إذا تعطلت منافعه كليًا أو صار خرابًا لا يُرجى إصلاحه، على أن يُستبدل بما هو أنفع منه.

ويخلص البحث إلى أن الأخذ برأي الجواز عند الضرورة والمصلحة الراجحة يخدم التنمية الاقتصادية المعاصرة، إذ يسمح بتحريك الأموال الجامدة، والمساهمة في التداول المالي، وإقامة مشاريع استثمارية حديثة (عقارية، صناعية، سياحية)، بما يضمن استدامة نفع الوقف وتحقيق أهدافه الاجتماعية.

 

5. الحماية القانونية للتراث الثقافي الوقفي

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور الإدريسي البوزيدي بدر، بعنوان: «الوقف بالمغرب وأثره في الحياة الثقافية ودور التشريع الوقفي في حمايته»، يركّز فيها على الحماية التشريعية للأوقاف ذات الطابع الثقافي والتاريخي في المغرب. ويبرز البحث الدور الكبير للمكتبات الوقفية العريقة، مثل خزانة القرويين ومكتبة الجامع الأعظم بتازة، والتي تضم نفائس المخطوطات القيمة، مؤكّدًا على أهمية الحفاظ على هذه المعالم الثقافية.

وتخضع هذه المعالم لحماية مزدوجة:

  • مدوّنة الأوقاف: تؤكّد على حماية الوقف وتنميته، وضمان استقلاليته واستدامة منفعته.
  • قانون المحافظة على المباني التاريخية: يمنع هدم أو تغيير معالم العقارات المصنَّفة كآثار تاريخية، بما يضمن الحفاظ على الهوية المعمارية والثقافية للأوقاف المغربية.

 

6. حكم بيع العقار الموقوف عند المالكية وأثره في تحقيق التنمية الاقتصادية:

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور محمد البخاري، بعنوان: «حكم بيع العقار الموقوف عند المالكية وأثره في تحقيق التنمية الاقتصادية»، يتناول فيها إشكالية التوفيق بين الطبيعة التعبدية للوقف القائمة على التأبيد ومتطلبات التنمية الاقتصادية. ويستعرض الباحث الموقف الفقهي المالكي الذي ينقسم إلى اتجاهين:

  • الاتجاه الأصلي: يمنع بيع العقار الموقوف أو معاوضته، حتى ولو خرب، حفاظًا على عين الوقف، وتراكم رأس المال، ودعم السياحة التراثية، والأمن الغذائي.
  • الاتجاه المرن: تبناه بعض المتأخرين، ويجيز البيع أو المعاوضة عند الضرورة وتعطل المنافع، شريطة تحقق «الغبطة» واعتبارات المصلحة الراجحة.

ويخلص البحث إلى أن الأخذ برأي الجواز عند الضرورة يمثل مدخلًا فعّالًا للتنمية الاقتصادية المعاصرة، من خلال تحريك الأموال المجمدة وإدخالها في الدورة الاقتصادية، واستثمار أثمان العقارات المستبدلة في مشاريع ذات مردودية عالية، باستخدام صيغ تمويلية حديثة، مثل الاستصناع والمشاركة المتناقصة وصكوك المقارضة.

 

7. وحدة الذمة المالية للوقف ودورها في استثمار الأموال الوقفية:

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور عبد الحق الصبوني، بعنوان: «وحدة الذمة المالية للوقف ودورها في استثمار الأموال الوقفية»، يناقش فيها تحولًا جوهريًا في إدارة الأوقاف من استقلال الذمة المالية لكل وقف على حدة إلى مفهوم «وحدة الذمة المالية».

السياق التقليدي: كان الفقهاء يرون أن كل وقف يتمتع بشخصية مستقلة، فلا يجوز خلط ريع وقف بآخر، ولا تغطية عجز وقف من فائض غيره، حفاظًا على شرط الواقف. إلا أن هذا التوجه أدى إلى تعطل العديد من الأوقاف الصغيرة أو التي اندثرت أعيانها لعدم قدرتها الذاتية على الترميم أو الاستثمار.

التوجه المعاصر: يقترح الباحث اعتماد مبدأ «وحدة الذمة المالية» كضرورة استثمارية، بحيث تُعتبر الأوقاف العامة شخصًا معنويًا واحدًا له ذمة مالية موحدة. يتيح هذا تجميع الفوائض المالية من الأوقاف الغنية لاستثمارها في مشاريع كبرى، أو لترميم الأوقاف المتعطلة. وقد كرّست مدوّنة الأوقاف المغربية هذا التوجه في المادة 63، التي أجازت لإدارة الأوقاف - بصفة استثنائية - استعمال الأموال المتأتية من وقف عام لإصلاح أو إنقاذ وقف عام آخر، بما يعزز مبدأ التكافل بين الأوقاف ويحقق المقصد الشرعي في استدامة النفع.

 

8. أعراف وعادات الوقف بمنطقة سجلماسة: دراسة لنازلة "حكم بيع أنقاض الحبس"

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور بلغيت البلغيتي، بعنوان: «أعراف وعادات الوقف بمنطقة سجلماسة: دراسة النازلة حكم بيع أنقاض الحبس وحصر المسجد» للفقيه إبراهيم بن هلال السجلماسي (ت 903هـ)، يسلّط فيها الضوء على دور العرف المحلي في توجيه الأحكام الفقهية المتعلقة بالوقف، متخذًا من منطقة سجلماسة (تافيلالت) نموذجًا، ومن فتوى الفقيه ابن هلال السجلماسي منطلقًا.

وما يثيره البحث هو النازلة المتعلقة بمسجد تهدمت أركانه، فهل يجوز بيع أخشابه وأنقاضه لإنفاق ثمنها على بناء مسجد جديد أو سداد ديونه؟ بينما يرى المشهور في المذهب المالكي منع بيع أنقاض المسجد أو الوقف خشية أن يشتريها من لا يحترم حرمتها، دافع الفقيه ابن هلال عن جواز ذلك استنادًا إلى «العرف السجلماسي».

جادل ابن هلال بأن العرف في منطقته جرى على بيع حصر المسجد القديمة وأخشابه المتهالكة لصرفها في مصالحه، معتبرًا أن «العرف كالشرط»، وأن القصد هو عمارة المسجد لا تجميد موارده. ويخلص البحث إلى أن العرف المحلي لعب دورًا حاسمًا في تليين جمود النصوص الفقهية وتكييفها مع الواقع الاجتماعي، بما يضمن استمرار المؤسسة الوقفية واستدامة نفعها.

 

9. استفادة غير المسلمين من الأوقاف الإسلامية

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور إبراهيم يرحولين، بعنوان: «استفادة غير المسلمين من الأوقاف الإسلامية»، يتناول فيها البُعد الإنساني العالمي للوقف الإسلامي، مبينًا أنه نظام لا يقتصر نفعه على المسلمين فحسب. ويؤكد الباحث أن الشريعة الإسلامية، انطلاقًا من تكريم الإنسان، أجازت الوقف على غير المسلمين (أهل الذمة) ما لم يكن الوقف على «معصية» أو على «حربي» يقاتل المسلمين، مستندًا إلى وقائع تاريخية، مثل صدقة صفية بنت حيي رضي الله عنها على إخوتها من اليهود.

ويناقش البحث أيضًا الصورة العكسية؛ وهي «وقف غير المسلم»، مؤكّدًا صحته إذا توفرت شروط الملكية والأهلية، وكان الغرض منه مباحًا؛ مثل وقف أرض لبناء مدرسة أو مستشفى. أما إذا وقف ذمي مالًا لبناء كنيسة أو لمعونة على محرم، فالوقف يُعتبر باطلًا.

ويخلص الباحث إلى أن الوقف يمثل أداة للتعايش السلمي والتواصل الحضاري؛ إذ يساهم في سد حاجات المجتمع بكافة أطيافه دون تمييز ديني، مادام الهدف هو البر والإحسان العام.

 

10. يُتم الأبناء: هل يمنع الأم من الاعتصار؟

ويتضمّن العدد أيضًا دراسةً للدكتور محمد عالي أحمد الفاروق، بعنوان: «يُتم الأبناء: هل يمنع الأم من الاعتصار؟»، يتناول فيها مسألة فقهية دقيقة تتعلق بـ«الاعتصار» (الرجوع في الهبة) في علاقة الأم بأبنائها اليتامى. ويبيّن البحث أن الأصل في المذهب المالكي يتيح للوالدين حق استرجاع ما وهبوه لأولادهم، سواء تأديبًا أو لحاجة، لكن هذا الحق مقيد بشروط معينة.

ويركّز البحث على الشرط المتعلق بالأم: هل يحق لها استرجاع هبتها لابنها إذا مات الأب، أي صار الطفل يتيمًا؟ ويقرر الباحث، استنادًا إلى المدونة ومختصر خليل، أن للأم حق الاعتصار ما دام الأب حيًا، أما بعد وفاة الأب، فإن حقها في الرجوع على الهبة يسقط.

وعلة هذا الحكم تتعلق بأمرين رئيسيين:

الأول: الهبة في حالة اليتم تُعدّ جبرًا لخاطر اليتيم ومواساة له عن فقد أبيه، والرجوع فيها يمثل كسرًا لقلبه.

الثاني: بعد وفاة الأب، تصبح الأم وصية على مال الطفل (حاضنة وناظرة)، ولا يجوز للولي أخذ أي جزء من المال لنفسه.

ويعكس هذا الحكم حرص التشريع الإسلامي والوقف، باعتبار الهبة نوعًا من التبرع، على المصلحة الفضلى للطفل اليتيم وحماية ذمته المالية واستدامة نفع الوقف.

 

إجمالًا، يقدم ملف العدد 452 من مجلة «دعوة الحق» رؤية متكاملة حول الوقف، باعتباره نظامًا يجمع بين البعد الديني، والتكافل الاجتماعي، والتنمية الاقتصادية، والحفاظ على التراث الثقافي، مؤكدًا على قدرة الفقه الإسلامي، وخصوصًا المالكي، على التفاعل مع المستجدات بما يسهم في استدامة نفع الوقف وخدمة الصالح العام.

 

لتحميل ملف المجلة (هنا)

باسم الشعب

محكمة النقض

الدائرة المدنية

دائرة الخميس (أ) المدنية

برئاسة السيد القاضي / محمود سعيد محمود (نائب رئيس المحكمة)

وعضوية السادة القضاة / عادل إبراهيم خلف، عبد الناصر محمد أبو الوفا، أحمد أبو ضيف، وأحمد على خليل

(نواب رئيس المحكمة).

وحضور رئيس النيابة السيد/ إبراهيم صدقي أبو العزم. وأمين السر السيد/ محمد عبد الرحمن. في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.

أصدرت الحكم الآتي: في الطعن المقيد في جدول المحكمة برقم ٥١٠٠ لسنة ٨٨ ق.

المرفوع من .....................

ضـــــد .....................

 

الوقائـــــع

في يوم ١٢/ ٣/ ٢٠١٨ طُعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف ........... الصادر بتاريخ ١٦/ ١/ ٢٠١٨ في الاستئناف رقم .... لسنة .. ق، وذلك بصحيفة طلب فيها الطاعنين الحكم بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه والإحالة.

وفي نفس اليوم أودع الطاعنين مذكرة شارحة وحافظة مستندات.

وفي ٢٢/ ٣/ ٢٠١٨ أعلن المطعون ضدهم بصحيفة الطعن.

وفي ٧/ ٤/ ٢٠١٨ أودع المطعون ضده الأول مذكرة بدفاعه طلب فيها رفض الطعن.

ثم أودعت النيابة مذكرتها وطلبت فيها:- قبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقضه. وبجلسة ٢٠/ ١٢/ ٢٠١٨ عُرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة فرأت أنه جدير بالنظر فحددت لنظره جلسة ٢١/ ٢/ ٢٠١٩ وبها شمع الطعن أمام هذه الدائرة على ما هو مبين بمحضر الجلسة حيث صمم كلًا من محامي الطاعنين والنيابة كل على ما جاء بمذكرته والمحكمة أرجأت إصدار الحكم لجلسة اليوم.

 

المحكمـــــة

بعد الاطلاع على الأوراق، وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقـــرر/ ........... والمرافعة، وبعد المداولة. حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية. وحيث إن الوقائع -على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق- تتحصل في أن الطاعنين أقاموا الدعوى رقم ٤١٨ لسنة ٢٠١٤ مدني المراغة الجزئية على المطعون ضده الأول انتهوا فيها إلى طلب الحكم بتسليمهم حصتهم مشاعًا في المنازل المبينة بالصحيفة استنادًا إلى أنهم يمتلكون حصة ميراثية عن والدهم والتي آلت إليه عن والده/ جندي بشاي عبد المسيح وأن المطعون ضده الأول يضع يده عليها بطريق الغصب، أدخل الطاعنون باقي المطعون ضدهم -باعتبارهم ذوي الشأن وأصحاب الحقوق في الدعوى- لسماعهم الحكم بالطلبات. ندبت المحكمة خبيرًا وبعد أن أودع تقريره أجابت الطاعنين لطلبهم التسليم بحكم استأنفه المطعون ضده الأول بالاستئناف رقم .... لسنة .. ط ق أسيوط -مأمورية سوهاج- وفيه قضت بإلغاء الحكم المستأنف ورفض الدعوى. طعن الطاعنون في هذا الحكم بطريق النقض وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي بنقضه، وعرض الطعن على هذه المحكمة في غرفة مشورة فحددت جلسة لنظره وفيها التزمت النيابة رأيها.

وحيث إن مما ينعاه الطاعنون على الحكم المطعون فيه القصور في التسبيب والفساد في الاستدلال ومخالفته الثابت بالأوراق، وفي بيان ذلك يقولون إنهم قدموا أمام الخبير كشوفًا رسمية صادرة من الضرائب العقارية باسم مورث مورثهم وصورة ضوئية من عقد شرائه لعقارات التداعي وأثبت الخبير في تقريره أنها تخص مورث مورثهم وحصتهم فيها تبلغ الخمس شيوعًا وأن المطعون ضده الأول يضع يده عليها دون سند، إلا أن الحكم المطعون فيه التفت عن هذه المستندات وخالف الثابت في تقرير الخبير ورفض تسليمهم حصتهم الميراثية استنادًا منه إلى أنهم لم يقدموا أية مستندات أو عقود مسجلة أو أحكامًا نهائية تثبت ملكيتهم أو ملكية مورث مورثهم لها، الأمر الذي يعيبه ويستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك بأنه ولئن كان الشريك على الشيوع لا يحق له إفراز حصته بإرادته المنفردة، ومن ثم ليس له أن يطلب استلامها لأن القضاء له بالتسليم في هذه الحالة يترتب عليه إفراز لجزء من المال الشائع بغير الطريق الذي رسمه القانون، إلا أن شيوع الحصة لا يحول دون إجابة الشريك إلى طلبه تسليمه إياها على أن يكون التسليم شائعًا أي حكميًا وذلك بوضعها تحت تصرفه بحيث يتمكن من حيازتها والانتفاع بها وهو ما لا يعتبر قسمة للمال الشائع. وكان المقرر -في قضاء هذه المحكمة- أنه متى قدم الخصم إلى محكمة الموضوع مستندات وتمسك بدلالتها فالتفت الحكم عن التحدث عنها كلها أو بعضها مع ما يكون لها من الدلالة فإنه يكون معيبًا بالقصور، وأن مخالفة الثابت بالأوراق التي تبطل الحكم هو تحريف محكمة الموضوع للثابت ماديًا ببعض المستندات أو ابتناء الحكم على فهم حصلته المحكمة مخالفًا لما هو ثابت بأوراق الدعوى. لما كان ذلك، وكان الثابت بالأوراق أن الطاعنين أقاموا دعواهم بطلب تسليمهم حصتهم الميراثية مشاعًا والمخلفة لهم عن مورث مورثهم وقدموا كشوفًا رسمية بالضريبة العقارية على عقارات التداعي باسم مورث مورثهم وصورة ضوئية من عقد شرائه لها وذلك للتدليل على أنها تخصه، وكان الخبير قد أثبت هذه المستندات في تقريره وخلص منها إلى أن عقارات التداعي تخص مورث الطاعنين الذى ظل يقيم فيها حتى وفاته ومن بعده ورثته حيث يقيم بعضهم فيها ويتردد البعض الآخر عليها وأن حصة مورث الطاعنين فيها هي الخُمس وأن المطعون ضده الأول يضع يده عليها عن طريق الغصب، وإذ التفت الحكم المطعون فيه عن هذه المستندات ولم يفحصها ويقل كلمته فيها رغم ما لها من دلالة مؤثرة قد يتغير بها وجه الرأي في الدعوى، كما التفت عما أورده الخبير بتقريره دون أن يورد أسبابًا لطرحه، ورفض طلب التسليم قولًا منه بأن الطاعنين لم يقدموا أية مستندات أو عقود مسجلة أو أحكامًا نهائية تثبت ملكيتهم أو ملكية مورث مورثهم لعقارات التداعي مخالفًا بذلك الثابت بتقرير الخبير، الأمر الذي يعيبه بالقصور في التسبيب فضلًا عن مخالفته الثابت بالأوراق بما يوجب نقضه لهذا الوجه دون حاجة لبحث باقي أوجه الطعن.

لذلـــــك

نقضت المحكمة الحكم المطعون فيه، وألزمت المطعون ضدهم بالمصاريف ومبلغ مائتي جنيه مقابل أتعاب المحاماة، وأحالت القضية إلى محكمة استئناف أسيوط – مأمورية سوهاج.

أمين الســــــر                                                              نائب رئيس المحكمة

 

لتحميل ملف حكم المحكمة  (هنا)