مقال للدكتور عثمان خليل عثمان منشور في مجلة العربي الكويتية يتحدث فيه عن تطور مفهوم حقوق الإنسان، من خلال تتبع مسيرة هذا المفهوم عبر التاريخ، ثم بيان آل إليه هذا التطور بشأن “مضمون” تلك الحقوق.
مقال للدكتورة فاطمة حافظ منشور في موقع إسلام أون لاين
شكل نشوء الدولة الحديثة حدثا مفصليا في العالم الإسلامي تغيرت معه كثير من المفاهيم واختفت معه الأنظمة والأنساق التي حكمت وسادت لقرون وحلت أخرى محلها، وعلى سبيل المثال فالنظام القانوني الذي استند إلى الشريعة الإسلامية وحكم المسلمين وغيرهم لم يعد قائمًا مع التوجه صوب اقتباس القوانين الوضعية الأوروبية ووضعها موضع التطبيق في مصر والدولة العثمانية بحجة وجود صعوبات تكتنف صوغ الفقه الإسلامي في صورة قانونية عصرية، وقد نتج عن هذا الانقلاب القانوني إشكالات عديدة؛ بعضها يتعلق بعدم ملائمة هذه القوانين للبيئة الاجتماعية وعوائدها فالقانون المدني المصري جعل الزوجة تنفق على زوجها بل تنفق على زوجة أبي زوجها، وبعضها الآخر يتعلق بإشكاليات الصياغة القانونية والتبويب وعيوب التطبيق المتسرع[1]. وعلى هذا تصاعدت الدعوات الرامية إلى إحياء الفقه الإسلامي وتجديده وقد رفع لواءها نفر من الفقهاء والمشرعين وفي مقدمتهم عبد الرازق السنهوري (1895-1971) المشرع المصري المعروف.
مشروع السنهوري الفكري
ولد عبد الرازق السنهوري في الإسكندرية عام 1895 وتلقى تعليما مدنيا حديثا لكنه مبكر قرأ في وقت مبكر درر التراث العربي كالأغاني والعقد الفريد والأمالي، ثم التحق بمدرسة الحقوق وسافر إلى فرنسا في مطالع العشرينيات ليدرس القانون المقارن والغريب أنه تقدم برسالتين لنيل درجة الدكتوراه أحداها حول العقود ورسالة ثانية حول الخلافة الإسلامية لم يكن مطالبا بها ليدحض أطروحة على عبد الرازق حول عدم اشتمال الإسلام على نظام سياسي خاص به واقتصاره على الشئون الدينية، وعقب عودته تدرج في المناصب حتى تولى عمادة كلية الحقوق ورئاسة مجلس الدولة، كما كان أحد المساهمين البارزين في وضع القانون المدني في مصر وعدد من البلدان العربية. ومنذ العشرينيات أخذ مشروعه الفكري في التبلور والتمحور حول فكرتين مركزيتين: الأولى إمكانية التوفيق بين الإسلام ومنتجات الحداثة الغربية وأفكارها، فلم ير بأسا في تأييد فكرة الديمقراطية أو اقتباس بعض التنظيمات الغربية وإكسابها لبوسا إسلامية كدعوته إلى إنشاء عصبة أمم شرقية على غرار عصبة الأمم الدولية لتحل بديلا عن مؤسسة الخلافة الكلاسيكية، وكان يعتقد أن هذا هو الشرط الوحيد لاستمرارها في ظل عصر تبدلت فيه المفاهيم والكيانات وقواعد وأطر العلاقات الدولية. أما الفكرة الثانية فهي ضرورة إحياء الفقه الإسلامي وتجديده ليصبح مصدرا رئيسا للقانون في الدولة؛ وبحسب السنهوري فإن ثمة علاقة تربط الاستقلال السياسي بالاستقلال القانوني؛ فحين أفقدتنا الإمبريالية الغربية استقلانا السياسي تبع ذلك فقدان استقلالنا القانوني بالتوجه نحو اقتباس القوانين الغربية، وبالتالي فإن واجبنا في عهد الاستقلال أن نستقل بتشريعنا عن التشريع الغربي “فلا نبقى عيالا على الفقه الغربي”، وخير الوسائل للوصول إلى هذه الغاية هي العودة إلى تراث أجدادنا الفقهي الذي لا يقل عن القانون الروماني في الصناعة وجودة الصياغة، لكنه يحذر من أن هذا العمل ينبغي أن يكون في منطقه وصياغته “فقها إسلاميا خالصا لا مجرد محاكاة للقوانين الغربية” وذلك لما لاحظه من أن بعض المشتغلين بالقانون يعمدون إلى إيراد النصوص القانونية ثم يحاولون إخراجها على النصوص الإسلامية.
عوامل التطور الفقهي
ناقش السنهوري في كثير من مؤلفاته خصائص الفقه التي تسمح له بالتطور ليصبح مدونة قانونية عصرية، وأول هذه الخصائص هي أن الاحكام الفقهية تنقسم إلى قسمين رئيسيين: أحكام دينية وأحكام دنيوية أو عبادات ومعاملات حسب الاصطلاح الفقهي؛ فالأحكام الدنيوية تختص بتنظيم العلاقة بين العبد وخالقه وهذه لا تتغير ولا ينبغي لها أن تتطور لأن الخالق أزلي أبدي لا يجوز عليه التغيير ولا التبديل فالعلاقة بينه جل شأنه وبين العبد ثابتة. أما الأحكام الدنيوية فتختص بتنظيم العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض وتنظيم شئون الدولة وعلاقاتها بالأفراد، وهي فما يرى السنهوري لها خاصيتان الأولى أنها تنزل على حكم العقل وتبنى على المصلحة، فالعقل هو الذي يحدد ما هي المصلحة ونحن نبني عليه العلم لأن العلم اجتماعيا كان أو طبيعيا لا يُدرك إلا بالعقل، ولأجل هذا استشار النبي صلوات الله عليه أصحابه في تدبير الشئون الدنيوية لأنها قائمة على العقل. والثانية أنها تتطور مع الزمان والمكان فهي تابعة للتطور الاجتماعي وللعلم، وقد تطورت هذه الأحكام بالفعل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار وكان لهذه المؤاخاة من الأثر القانوني ما يجعل الأخوين يتوارثان، واستمر العمل بها فترة، فلما تغيرت الظروف الاقتصادية للمهاجرين -حسبما يقول- أبطل النبي صلى الله عليه وسلم سنة المؤاخاة واستقل كلٌ بماله “فانظر كيف يتطور التشريع من عمل إلى إبطال، ومن خلق نسب قانوني إلى الرجوع إلى النسب الطبيعي وذلك تمشيا مع التطور الاقتصادي، وتبعا لما تقتضيه الظروف، وتلمسا للمصلحة في النظم التي تُقرر”[2]. أما الخاصية الثانية التي تكفل تطور الفقه فهي الإجماع، وبحسب السنهوري فإن هناك “مصادر عليا للتشريع الإسلامي” هي الكتاب والسنة، ولما كانت الأحكام الدنيوية تتطور باستمرار وكان لابد من انقطاع الوحي بقبض الرسول بات محتما أن يكون لدى المسلمين مصدر ثالث يضمن تطور الأحكام وهذا ما كفله الإجماع الذي يتخذ معنى “القانون” إذا توافق المجتهدون على رأي معين في زمن معين.
الفقه وإعادة الهيكلة
تبرهن الخاصيتان السابقتان على قابلية الفقه للتجدد لكن هذا لا يعني حتما إمكانية تحوله إلى مصدر للقانون أو مدونة قانونية، ولذلك يفترض السنهوري أن هناك مسئولية تقع على عاتق المشتغلين بالقانون لتقريب الفقه من القانون، وهو ما يتطلب أولا إعادة تسمية الفقه تسمية جديدة أكثر دلالة في التعبير عن مضمونه ويقترح له اسم “القانون الإسلامي” ، ويتطلب ثانيا إعادة هيكلته وفق أسس جديدة بحيث تتسع دائرته فلا تقتصر على أبواب المعاملات أو ما يطلق عليه الدائرة القانونية للفقه وإنما يضاف إليها علم أصول الفقه وبعض مباحث من علم الكلام تتعلق بالإمامة. وليقسم “القانون الإسلامي” بعد ذلك تقسيما حديثا إلى قانون عام وقانون خاص؛ فالقانون الخاص يشمل القواعد التي تضبط علاقات الأفراد بعضهم البعض، ويتضمن أبواب المعاملات والأحوال الشخصية، أما القانون العام فيشمل قواعد وحدود السلطات العامة في الدولة، وبهذا التقسيم يكون الفقه قد رتب ترتيبا أقرب إلى المدنية الحديثة وأكثر انطباقا على النظم القانونية المعاصرة، ولا يغرب عن بال السنهوري التوكيد على أنه “لا يُراد بهذا التقسيم أن تندمج الشريعة الإسلامية في القانون الحديث وأن تفقد استقلالها، وإنما يراد بهذا تسهيل المقارنة بين الشيئين، وفتح باب لترقية الشريعة الإسلامية بحيث تتمشى مع القانون الحديث في تقدمه”[3]. وإذا كانت مقترحات السنهوري لم تعرف طريقها نحو التطبيق لدواعي عديدة إلا أنها وجدت أنصارا لها بين المفكرين الأزهريين الذين آمنوا بجدواها وجعلوها جزءا من أطروحاتهم التجديدية بعد أن أضافوا إليها ونذكر من بينهم محمد يوسف موسى وفتحي عثمان، ولازالت هذه المقترحات تجد صداها لدى المعاصرين.
___________________________
[1] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د/ت، ج1 ، ص7.
[2] عبد الرازق السنهوري، الدين والدولة في الإسلام، القاهرة: مجلة المحاماة الشرعية، ع1، جمادى الأولى 1348هـ ، ص 8-9.
[3] نفس المرجع السابق، ص10.
تم نشر الطبعة الثالثة من هذا الكتاب من قبل المكتبة التوفيقية بالقاهرة، ولقد حرص مؤلفه على دعوة الأمة إلى الاجتماع على كلمة سواء، تعرف لله قدسيته، وللوطن حرمته، وللناس كرامتهم، وللحياة أمنها، وللأمة حضارتها، وللعالم كله السلام والتعاون.
وجاء في مقدمة هذه الطبعة:
فما زالت الحاجة ملحة إلى دستور إسلامي يحفظ للأمة حقوقها، ويعبر بها إلى آفاق الرقى والحضارة وبخاصة في هذا الوقت الذى يتنادى فيه الحاكم والمحكوم بتعديلات دستورية لمصرنا المحروسة.
وإذا كان المسلمون طوال عصورهم التاريخية قد احتكموا إلى القرآن العظيم والسنة المطهرة مباشرة نظرًا لوجود المجتهدين الأفذاذ الذين يستنبطون الأحكام والقوانين من هذين المصدرين المعصومين، إلا أن النظام الحديث يجعل الشعب والحاكم يخضع كل منهما لمواد دستورية تكون فيصلا فيما شجر بينهم، وبما يحقق التواصل ومسيرة الخير والنماء للأمة، كما يجعل نظام التقاضي قائمًا على مواد قانونية يحاول القاضي تكييف الوقائع التي ترد إليه وفق هذه المواد، ومن هنا فإن علماء المسلمين لم يدخروا وسعا في تقنين الشريعة وصياغة المواد الدستورية.
وقد ظلت الشريعة الإسلامية زهاء ثلاثة عشر قرنًا من الزمان هي المطبقة في مصر منذ الفتح الإسلامي إلى أن ظهرت المحاكم المختلطة سنة ۱۸۷٥م، وجاء القانون الفرنسي تحت وطأة الزحف الأوربي والتدخلات الاستعمارية، وصدر دستور سنة ۱۹۲۳م لينص على أن الإسلام دين الدولة، واللغة العربية لغتها الرسمية، ولكن انحصرت أحكام الشريعة في الأحوال الشخصية.
ولما عزمت الحكومة سنة ١٩٤٧ على تعديل القانون المدني رفع الاتحاد العام للهيئات الإسلامية في مصر خطابا إلى الملك السابق فاروق يناشدونه تطبيق الشريعة الإسلامية.
ثم جاء دستور سنة ۱۹۷۱م ونص على أن الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع.. وقام علماء الأزهر والمخلصون من رجال القانون بجهد ممتاز لتقنين الشريعة وصياغة مواد الدستور..
تقسيمات الكتاب:
استوعبت الدراسة مشروع الدستور الإسلامي في أبوابه التسعة، ومواده الثلاث والتسعين على النحو التالي:
مقال للدكتور عثمان خليل عثمان منشور في مجلة العربي الكويتية يتحدث فيه عن تطور مفهوم حقوق الإنسان، من خلال تتبع مسيرة هذا المفهوم عبر التاريخ، ثم بيان آل إليه هذا التطور بشأن “مضمون” تلك الحقوق.
كتب الدكتور عثمان خليل عثمان مقدمة مهمة بين فيها شيئًا من مراحل تطور الفكر السياسي وعلاقته بالبناء القانوني والدستوري للدولة، وهي مقدمة لكتاب “تطور الفكر السياسي” لمؤلفه جورج ساباين، وترجمة حسن جلال العروسي، وقد وضع العلامة الراحل عبد الرازق السنهوري تصديرًا للكتاب نفسه، ننشره لاحقًا، والكتاب صدر عام 1954 عن دار المعارف في مصر.
بحث منشور عام 1956 في مجلة مصر المعاصرة، الصادرة عن الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع للأستاذ أحمد صفوت رئيس محكمة استئناف الاسكندرية سابقًا.
وقد جاء في تقديم المؤلف للكتاب ما يلي:
“في 31 من ديسمبر عام 1955 انتهى نظام القضاء الشرعي في مصر بالقانون رقم 1955/462 بعد أن استمر فيها ثلاثة عشر قرنًا. وكان إلى صدور أول لائحة شرعية في سنة 1897 يجري على النظام الشرعي المدون في كتب الفقه والمعمول به من صدر الإسلام، وبعد صدور هذه اللائحة لم يبق له من صفة القضاء الشرعي إلا أنه يحكم طبقًا للشريعة الإسلامية ومن بعدها أصبح اختصاصه وإجراءاته ونظامه مقررًا بقوانين، مثله في ذلك مثل المحاكم المدنية تمامًا، فاستخفت في هذه الحقبة الطويلة مميزاته الأصلية وبإلغائه تنطوي صفحته فلا يرجع إليها إلا للبحث التاريخي، لذلك رأيت جمع شتات ما اطلعت عليه من تاريخه قيدًا له وبيانًا لما كان عليه.
ثم قُسم البحث إلى النقاط الآتية:
أعرض فى هذا المقال لسيرة اثنين من عظماء الفقه الدستورى فى مصر، وكيف أنهما أسهما بعلمهما فى ترسيخ قيم الوطنية الحقة، وهما المرحومان عثمان خليل عثمان وعبدالحميد متولى.
كلاهما ينتمى إلى النصف الأول من القرن العشرين. الأول ولد سنة ١٩١١ والثانى عام ١٩٠٠. وكلاهما ينتمى للطبقة الوسطى الريفية المصرية. وكلاهما تعلم فى مدارس الحكومة، ونبغ فى دراسته إلى أن أصبح أستاذا مرموقا للقانون الدستورى، وكلاهما لم تنزلق به دراسة القانون إلى خطيئة استخدام علمه للتزلف للحكام وتبرير خطاياهم.
ولد الدكتور عثمان خليل عثمان فى بلدة الحواتكة بمركز منفلوط محافظة أسيوط. وتعلم فى المدارس الحكومية ومدارس الجمعية الخيرية. ثم التحق بمدرسة الحقوق ونال منها شهادة الليسانس مع مرتبة الشرف سنة ١٩٢٤. وعين معيدا بكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول (القاهرة حاليا) ونال درجاته العلمية ثم درجة الدكتوراة من نفس الجامعة عام ١٩٣٧. سافر إلى فرنسا والتحق بالسوربون، لكنه عاد بعد اندلاع الحرب العالمية الثانية.
وظل يمارس تعليم القانون الدستورى والإدارى للأجيال المتعاقبة. وكنا نجلس أمامه طلابا فى مدرج جامعة القاهرة نستمع إلى كلماته حول مبدأ المشروعية وخضوع الدولة للقانون وكأننا أمام عازف متمكن يعزف لحن العدل والحرية.
وارتقى أستاذنا فى مراتب العمل الجامعى حتى عين عميدا لكلية حقوق عين شمس. قدم استقالته لوزير التعليم الضابط كمال الدين حسين اعتراضا على سياسته. ولكن الوزير التقى به وأثناه عن الاستقالة ثم أحاله للمعاش فى اليوم التالى عملا بمبدأ حكومتنا الخالد أن الموظف يقال ولا يستقيل.
وكانت للدكتور عثمان خليل جهود فى مجال إعداد مشروعات الدساتير فى مصر والعالم العربى. عند قيام ثورة 23 يوليو 1952 تم اختياره عضوا بلجنة الدستور التى شكلتها الثورة لإعداد إطار دستورى للبلاد عقب إلغاء العمل بدستور 1923 وتحول مصر من الملكية إلى الجمهورية. وتم وضع مشروع دستور ١٩٥٤ الذى صرفت الدولة النظر عنه لطابعه المفرط فى ليبراليته بما لا يناسب مرحلة بناء الأوطان التى مازلنا نحياها حتى الآن.
ولأن دولته هجرته فقد هجرها إلى دولة الكويت للإشراف على وضع الدستور بها. وكان العمل فى الدستور قد بدأ بصدور المرسوم رقم 1 لسنة 1961، الذى أنشأ المجلس التأسيسى، وحدد له مهمة وضع دستور يبين نظام الحكم على أساس المبادئ الديمقراطية. وعاش وفيا لمبادئه تاركا وراءه سيرة عطرة وعلما ينتفع به وطلابه الذين يدعون له بالخير.
الدكتور عبدالحميد متولى ينتمى إلى نفس الجيل. نشأ فى مركز السنطة بمحافظة الغربية، وتربى فى نفس البيئة النقية الزاخرة بتقديس قيمة الحرية. تعلم فى المدارس الحكومية، ثم التحق بمدرسة الحقوق الملكية بالقاهرة، فحصل على ليسانس الحقوق فى يونيو عام 1923، ودبلوم الدراسات الإدارية والمالية من كلية الحقوق بجامعة باريس فى يوليو سنة 1926، والدكتوراة فى الحقوق بجامعة باريس فى مايو سنة 1931.
كان الدكتور عبدالحميد متولى من فقهاء القانون الدستورى الذين انتبهوا منذ مرحلة مبكرة إلى دقائق العلاقة بين القانون والسياسة، كما تفرد بالتعمق العلمى فى مجالين مهمين هما النظام السياسى فى الإسلام ونظام الحكم فى الدول النامية.
وفى أكتوبر سنة 1936 عمل أستاذا بكلية الحقوق ببغداد، وفى يناير سنة 1937 تولى عمادة الكلية.
وفى يوليو 1961 اختير عضوا بالشعبة المصرية للمؤتمر الدولى للعلوم الإدارية (ومقره بروكسل) وكان يرأسها الدكتور عبدالحميد بدوى وكيل محكمة العدل الدولية.
وفى يوليو سنة 1962 قرر مجلس إدارة معهد الدراسات العربية بالقاهرة التابع لجامعة الدول العربية انتدابه لإلقاء محاضرات على طلبة المعهد من عام 1963 عن (النظام السياسى لإسرائيل).
وفى عام 1956 أنشا ببلدته سحيم- مركز السنطة بمحافظة الغربية (الجمعية الخيرية) وتولى رئاستها إلى وفاته.
وكان الدكتور متولى شديد الاهتمام بدراسة النظام السياسى فى الفقه الإسلامى. ولكن دراساته لم تكن من منطلق سياسى، ولم يخلط أبدا بين الدين والسياسة، لكنه درس الفقه السياسى الإسلامى بمنهج علمى خالص، وهو نفس المنهج الذى اتبعه السنهورى فى دراسته لمصادر الحق فى الفقه الإسلامى، وهو ذاته منهج سليمان مرقص وشفيق شحاتة فى دراساتهما عن العلاقة بين القانون والدين كمجالين منفصلين سياسيا ومتداخلين علميا.
هناك ملامح مشتركة بين سيرتى هذين الفقيهين الجليلين تلقى الضوء على النخبة القانونية فى مصر فى المرحلة الليبرالية فى النصف الأول من القرن الماضى.
أول هذه الملامح الانتماء إلى الشرائح الوسطى والدنيا من الطبقة الوسطى التى تلقت تعليما حكوميا جيدا مجانيا أو شبه مجانى. وثانيها أن القانون عندها ليس مجرد نصوص تشريعية يضعها حاكم مستبد لتوطيد أركان حكمه. ففارق بين القانون الحق والتشريع وإن صيغ فى قالب القانون.
القانون الحق يهدف إلى تنظيم السلوك وتحقيق التوازن بين المصالح بما يحقق التضامن الاجتماعى وليس إشعال فتن الصراعات بتقنين القهر والتمييز. القانون الحق يقيم دعائم دولة المساواة والعدالة ولا يستثنى من تطبيقه أحد.
هذه النخبة لم تكن ترهبها عصا أو يغريها ذهب ومبادئها لا تباع. إنها نخبة جمعت بين ثقافتها الغربية وانتمائها القومى. وكانت ترى فى الفقه الإسلامى رافدا يسهم فى تحقيق مبدأ قومية القانون دون مزايدات سياسية.
تلك كانت أخلاقيات مهنة القانون فى ذلك الوقت. ثم خلف من بعدهم قوم اتبعوا الشهوات وتمرسوا على إلباس الباطل قناع الحق فسوف يلقون غيا من الله والتاريخ.
نُشر هذا المقال في الموقع الإلكتروني لجريدة المصري اليوم بتاريخ 27 يوليو 2018
من بين الأبحاث العديدة المقدمة في إطار الحوار حول “أزمة الديمقراطية في الوطن العربي” يكاد بحث “أنظمة الحكم في الوطن العربي” ينفرد بتسليط الضوء على شريحة محددة من شرائح البنية المتراكبة في الجسد العربي، وهي شريحة “البناء الفوقي”، ذي الطبيعة الدستورية أو القانون.. وهذا ما يضفي عليه قدرًا من الوضوح قد لا يكون لغيره من الأبحاث التي تنقب في الطبقات التحتية لبنية المجتمعات العربية.
ومع ذلك أبادر فأقول أن “النظم القانونية والدستورية” وإن تكن تعبيرًا عن سائر مكونات البنية الاجتماعية، ونتيجة من نتائج وجود عناصرها المختلفة وتفاعل تلك العناصر، فإنها، فوق ذلك، أداة تأثير وتغيير.. يتحققان من خلال تفاعل جديد بين هذه “البيئة الفوقية” باعتبارها حينئذٍ أحد معطيات الواقع الاجتماعي وبين سائر عناصر البيئة الاجتماعية السابقة عليها منطقيًا وتاريخيًا..
ولهذا، فإن التركيز على ما قد يراه البعض عنصرًا شكليًا أو تابعًا، أمر جائز تمامًا، ومفيد -من الناحية العملية– تمامًا كذلك.. وذلك أن “أنظمة الحكم” بحالتها الراهنة وواقعها القائم، هي من وجهة نظر الفرد وسائر القوى الاجتماعية، “الحقيقة” التي يجرى التعامل معها يوميًا، بغض النظر عن جميع الشروح والتحليلات التي تصف تلك الحقيقة أو تبحث عن جذورها، أو تسعى لتغييرها.
بعد هذه المقدمة التي تتعلق بموضوع البحث أكثر من تعلقها بمضمونه ومحتواه كما حدده الباحث، أنتقل إلى المحتوى نفسه فألاحظ أن البحث حاول أن يبتعد عن تناول أنظمة الحكم القُطرية تناولاً متعاقبًا يتحول معه البحث إلى تجميع وصفي أو تحليل لواقع الأنظمة، وآثر بدلاً من ذلك أن يصنفها على أساس معايير مشتركة.. فبدأ بقوله أن “أقطار الوطن العربي تنتمي كلها إلى ذلك الجزء من العالم يعرف باسم العالم النامى.. أو ما يقال له اصطلاحًا دول العالم الثالث”.
1- والحق أنني لم أعد متاكدًا من دقة هذا التصنيف الذي يرجع -عند التحليل- إلى مكونات متعددة، بعضها سياسي وبعضها اقتصادي واجتماعي.. وليس من الضروري لذلك أن تتحقق هذه المكونات كلها بدرجة واحدة .. وأن تكون لها –بالتالي –النتائج والآثار نفسها على “نظام الحكم السائد”.. إن “التخلف الاقتصادي” أمر أكثر تحديدًا، وأوضح تأثيرًا على خصائص نظام الحكم. كما أن “التبعية السياسية والاقتصادية” أمر محدد، ويمكن أن ترصد له أثار محددة على نظام الحكم.. ولكن الانتماء إلى “العالم الثالث” بهذا العموم لا يكفي وحده لتوضيح طبيعة خصائص نظام الحكم السائد في كثير من الأقطار العربية.. وقد انتبه الباحث نفسه إلى هذه الحقيقة فلاحظ أن بلاد العالم الثالث تضم أكثر من ثلث دول العالم وأكثر كثيرًا من نصف سكانه، وأنها تستند إلى جذور حضارية متباينة.. وتنتمى إلى أمم شتى “على ذلك فإن الحديث عن الخصائص المشتركة بين هذه البلاد لا يجوز له أن يُخفي عنا حقيقة أخرى وهي أن تلك البلاد يوجد بينها وبين بعضها من الاختلافات أمور كثيرة ومتعددة” .. وأنها لذلك “ليست جميعًا حتى في خصائصها المشتركة- على درجة واحدة”.
لهذا كنت أوثر في الحقيقة ألا يعتبر الباحث الانتماء للعالم الثالث –بهذا العموم– سمة مشتركة بين الأنظمة العربية.
2 – كذلك لم أعد متأكدًا من دقة استخلاص النتائج العديدة المترتبة على وصف دولة ما بأنها متخلفة، بغض النظر عن الصورة التي يأخذها هذا التخلف.. ذلك أننا إذا سلمنا مع الباحث بأن التخلف الاقتصادي والاجتماعي يقاس بمعيارين أساسيين، يتعلق أولهما بمتوسط دخل الفرد ويتعلق الثاني بتقدم الفنون الإنتاجية، وإذا سلمنا نتيجة لذلك بأن “اقتصادًا قوميًا يتمتع بوفرة الموارد الطبيعية، ولكن تنقصه التكنولوجيا يكاد يكون في الفقر نفسه الذي يعانيه اقتصاد قومي لا تتوفر له هذه الموارد”.
تقول إذا سلمنا بهذا كله، فإن أثر التخلف على “نظام الحكم” يمكن أن يختلف اختلافًا كبيرًا بحسب ما إذا كنا إزاء مجتمع يتميز بضآلة مستوى الدخل على نحو حاد، كما يتميز -فوق ذلك– بغياب العدل التوزيعي غيابًا صارخًا.. وما إذا كنا إزاء مجتمع وفير الموارد.. ولكن تنقصه التكنولوجيا.. ذلك أن وفرة المواد، قد تتيح للأفراد فرصًا كبيرة للتعليم وللأمن الاقتصادي، كما قد توفر للمجتمع كله درجة من درجات الاستقرار السياسي يمكن في ظلها أن تتطور نظم الحكم في اتجاهات لا تسمح بمثلها ظروف مجتمع يتمثل تخلفه أساسًا في النقص الشديد في المواد والهبوط الحاد في متوسط الدخل الفردي.. ويكفي في هذا الصدد أن نقارن ظروف بلد عربي كالكويت بظروف بلد عربي آخر كاليمن، لنرى كيف أمكن في بلد كالكويت يتوفر له عنصر وفرة المواد دون عنصر حيازة الفنون الإنتاجية، أن يقوم نظام للحكم يعتمد على مؤسسات منتخبة، وتمارس فيه درجه معقولة من الحرية، ويشارك فيه الأفراد –مشاركة نسبية بطبيعة الحال– في كل من السلطة السياسية والثروة.. إن من الخطأ تفسير قيام التجربة الديمقراطية في الكويت بتوفر الرخاء الاقتصادي وحده، إذ لو صح ذلك لقامت تجارب مماثلة في سائر الأقطار النفطية المحيطة بها، ولكن من المؤكد –فيما نعتقد– أن غياب “المشكلة الاقتصادية والاجتماعية الحادة” كان –على أقل تقدير– عنصرًا مهمًا من العناصر التي مكنت من قيام تلك التجربة واستمرارها..
كذلك يربط الباحث ربطا لا نشاركه فيه بين ظاهرة التمزق القومي، وظاهرة عدم الوعي بمفهوم الدولة، وإن كنا لا نعرف على وجه التحديد ما يقصده بغياب الوعي بمفهوم الدولة.. فالتمزق القومي في خصوص “الأمة العربية” إن أُريد به تقسيم الشعب العربي إلى شعوب قطرية على رأسها حكومات قطرية، فنحن معه في أن الوجود الاستعماري قد كان عنصرًا مهما من عناصره ومحركًا نشطًا من محركاته.. ولكن المسألة –فيما نرى– أشد تعقيدًا من ذلك.. وهي ترتبط –في تقديرنا– بمسألتين أخريين:
الأولى: مدى قوة “الشعور القومي” والإحساس بالانتماء المتبادل بين أبناء الأمة العربية.. وما يخضع له هذا الشعور من مد وجزر وهبوط شديدين، وهي مقولة لا يتسع لبسط القول فيها.
الثانية: أن وجود “الشعور القومي”، أو تحقيق “الانتماء القومي” كواقعة تاريخية وحضارية، لا يعنى بالضرورة التوجيه إلى الحركة السياسية الوحدوية.. إننا هنا نميل إلى الفصل بين وجود القومية كحقيقة تاريخية، وبين “التوحد القومي” كاختيار سياسي متمي… كما نؤكد على وجود صور متعددة “للتوحد” القومي، أهمها وجود مشروع حضاري وتنموي ذو أبعاد قومية، ولو قامت على تنفيذه كيانات سياسية مستقلة بالمفهوم الدستوري والقانوني.
أما الذي يسميه الباحث “عدم الوعي بمفهوم الدولة ” فهو –في خصوص الوطن العربي– يتصل بظاهرة أخرى، هي حداثة قيام الدولة نسبيًا، واستمرار المفاهيم القبلية والأسرية في عدد من الأقطار العربية، كما يتصل بظاهرة انتشار الحكم الفردي، الذي تختلط فيه شخصية الحاكم بشخصية الدولة وهو ما سنعود إلى بيان رأينا فيه.
أما التصنيفات الأخرى التي عرضها الباحث وهي تقسيم أنظمة الحكم العربية إلى أنظمة ملكية وأخرى جمهورية، وأنظمة تقدمية وأخرى محافظة، وأنظمة تأخذ بتعدد الأحزاب وأخرى تأخذ بنظام الحزب الواحد.. فلنا عليها ملاحظتان:
الأولى: تتعلق بقيمتها الحقيقية، إذ في تقديرنا أن هذه التقسيمات ليست أكثر من تقسيمات لفظية لا تعبر بحال عن الحقيقة السياسية القائمة.. فأكثر الأنظمة الجمهورية في الوطن العربي هي في حقيقتها أنظمة فردية مطلقة.. والحاكم يضمن فيها استمرار حكمه حتى نهاية حياته، كما يملك –من الناحية السياسية والدستورية- أن يختار خليفته.. ما لم تعصف بهذا الاختيار حقائق سياسية تتعلق بموازين القوى عند موته.. وهي حقائق يمكن أن يقوم مثلها تمامًا في ظل الأنظمة الملكية والوراثية.. وما قيل في هذا يقال عن واحدية الحزب وتعدد الأحزاب تعددًا ظاهريًا، وتضع مقاليد الأمر كله بين يديه، وبذلك لا تكون التعددية إلا شكلاً مفرغًا من مضمونه.. ولعل مما يلفت النظر في هذا المقام، أن النظامين اللذين نصا صراحة على منع نظام الحزب الواحد، أو على مبدأ تعدد الأحزاب هما نظامان ملكيان، النظام المغربي، والنظام الأردني.
الثانية: تتعلق بالأساس الذي اعتمده الباحث لتقسيم أنظمة الحكم إلى تقدمية وأخرى محافظة.. وفي تقديرنا –بادئ ذي بدء- أن هذا التصنيف في المصطلح الجاري والمتعارف عليه سياسيًا هو تصنيف “لتوجهات الأنظمة في الميادين السياسية والاجتماعية” وليس تصنيفًا “لنظام الحكم” نفسه.. فالأنظمة التقدمية هي التي تتبنى سياسات اجتماعية واقتصادية من شأنها تحريك المجتمع نحو إقرار مزيد من العدل الاجتماعي والإفساح للقوى الاجتماعية العاملة على تحقيق هذا العدل والانحياز في السياسة الخارجية إلى القوى الدولية التي تعبر عن الاتجاه نفسه أو تساعد القوى الداخلية على تحقيقه..
أما الأنظمة المحافظة فهي التي ترفض التغيير إبقاءً على علاقات اجتماعية قائمة على الاستغلال، والتي تنحاز داخليًا وخارجيًا للقوى العاملة على بقاء الحال على ما هو عليه في هذه الميادين..
أما مسألة “قابلية النظام للتطوير من داخله” فهي-فيما نرى- أمر متصل بديمقراطية النظام…، أو هي –على التحقيق- معيار ديمقراطيته.. ولعل ما أراد الباحث أن يؤكده ونوافقه عليه –أن الأنظمة الاشتراكية لا يصح أن توصف بالتقدمية إلا إذا اشتملت على عنصر “ديمقراطي” مؤداه إمكان تغيير النظام من داخله.. وتلك إضافة نتحمس لها، ومؤداها أن النظام قد يكون اشتراكيًا ويكون مع ذلك “محافظًا” لأنه لا يسمح بحدوث التطور من داخله.. فكأن الباحث “يتبني” بذلك مدلولاً “للتقدمية” مكونًا من عنصرين: أحدهما متعلق بالمضمون، والآخر متعلق “بالأسلوب”.. وهو اختيار ذاتي نوافق –من جانبنا- عليه..
إن ما تقدم جميعه خاص بالجزء الأول من دراسة الباحث، أما الجزء الثاني منها والخاص “بالسمات المشتركة بين أنظمة الحكم في البلدان العربية”.. فهو –في تقديرنا- أكثر أهمية وأولى بالتعقيب: ويجمع الباحث هذه السمات المشتركة في أمور أربعة هي: المباعدة بين النصوص الدستورية والواقع العملي وعدم رسوخ مفهوم الدولة، وغياب التعددية السياسية، وتقييد الإرادة السياسية نتيجة التبعية السياسية..
ونحن من جانبنا لا نجادل في وجود هذه السمات في أكثر الأنظمة العربية.. ولكننا نذهب في تصويرها مذهبًا مختلفًا:
ولأن أكثر عناصر هذا النظام الدستوري كانت عناصر مستنبتة أو مستوردة من تجارب سياسية واجتماعية معبرة عن روح حضارة مختلفة.. فإن الضمير العربي لم يعن عناية كافية بفهم هذه العناصر، ولم يتفاعل معها تفاعلاً حقيقيًا، ولذلك لم نؤد في معظم الحالات وظائفها الحقيقية.. ولعل هذا أحد الأسباب الكامنة وراء المفارقة بين النصوص الدستورية والواقع العملي، التي يتحدث عنها الباحث.. إن من المُسَّلم به في الفقه الدستوري المقارن أن النصوص الدستورية لا تعبر عادة تعبيرًا كافيًا أو دقيقًا عن حقيقة النظام الدستوري القائم، وأن الظروف الموضوعية والتطورات المتعاقبة التي تمر بها الحياة السياسية والاجتماعية من شأنها أن تباعد قليلاً أو كثيرًا بين النصوص وبين واقع تطبيقها العملي.. ولهذا يتحدثون في الغرب عن المفارقة بين النصوص الدستورية، وما يسميه البعض الدستور الحي (The Living Constitution)([1])… ولكن الظاهرة في الوطن العربي تجاوز هذا كثيرًا.. وهذا التجاوز كما يرجع إلى الانفصال بين أنظمة الحكم وبين تطور مقومات الحضارات العربية، فإنه يرجع إلى ظاهرة عربية أخرى –يختص علماء الاجتماع وعلماء النفس بتفسيرها- وهي ظاهرة “اللفظية” في الحياة العربية وتصور إمكان حلول “الكلمة” محل “الفعل”.. وإقناع “الذات” والآخرين بإمكان هذا “الحلول”.. بمعنى أن الديمقراطية تتحقق في “التصور العربي” إذا تمّ صدور إعلان يقررها، وأن سيادة القانون تكتمل إذا نصت عليها “وثيقة” من الوثائق.. وهذا يفسر تراكم الوثائق والإعلانات في أعقاب “الكوارث” و”النكسات” و”الأزمات”.. كما يفسر حاله إدمان “الخطابة” من جانب بعض الزعامات والقيادات العربية على نحو لا مثيل له في العالم من حولنا ولا في التاريخ من قبلنا..
وبصورة لا يمكن إلا أن يكون تعبيرًا عن مرض مستفحل لدى تلك الزعامات يقابله مرض آخر لدى “المحكومين” يقبلون فيه “الكلمة” بديلاً عن الفعل.. وتسحرهم فيه “الخطبة” أو تُخدرهم إلى حين.. أن هذه الظاهرة العربية “الخاصة” مسؤولة عن تحول الوثائق الدستورية في كثير من الحالات إلى صكوك بغير رصيد.. وتَحَوّل كثيرٍ من المؤسسات القائمة إلى هياكل شبحية مجردة تمامًا من وظيفتها..
2- أما نقطة الانطلاق الثانية فهي أن “السلطة” في المجتمعات العربية لم “تتأسس” أبدًا على نحو كافٍ، بمعنى أن الحكام لا يزالون يتمتعون بقوة فعلية أكبر كثيرًا من “الأطر القانونية والنظامية” التي يعملون في ظلها.. بحيث أن القيود “القانونية” المفروضة على الحكام هي في الغالب قيود ذاتية يخلعونها عن أكتافهم كلما بدا لهم ذلك..
وتلك ظاهرة تحتاج إلى دراسة تفصيلية تحيط بأسبابها، كما تحيط بآثارها ومظاهرها.. وحسبنا أن نشير –مع ذلك إلى بعض الآثار المترتبة على هذه الحقيقة:
ويزيد من خطر هذه الآثار ما تتمتع به السلطة التنفيذية في أكثر الأقطار العربية من نفوذ هائل قوي، يرجع بعض أسبابه إلى ملابسات تاريخية بالغة القدم.. كما تتصل بعض أسبابه بالحاضر أو الماضي القريب.. فأكثر “الرؤساء” أو “الزعماء” العرب ينتحلون لأنفسهم أوصافًا تتصل بالقيادة والزعامة، وما يصاحبها من إلهام وقدرات خاصة تصل إلى حد “القداسة” و”العصمة” والارتفاع فوق احتمالات الخطأ..([2]).
والأمر الثاني، إقامة أجهزة أمن وقمع متعددة ومتداخلة الاختصاص في معظم الأحيان، وثقيلة اليد على حريات وحقوق الأفراد والأقليات وقوى المعارضة السياسية والاجتماعية.. وهي ظاهرة تقف –بالضرورة- حاجزًا منيعًا في وجه الممارسة الديمقراطية الحقيقية، كما تفرض على المعارضة أن تلجأ إلى الوسائل الانقلابية للتعبير عن رأيها أو كسب الأنصار لمواقفها، أو محاولة التغيير السياسي والاجتماعي..
3- أما نقطة الانطلاق الثالثة، فترجع إلى أن الإرادة السياسية للأنظمة العربية لم تعد إرادة حرة، لا بسبب التبعية الاقتصادية فحسب، وهو عنصر ذكره الباحث ولا اعتراض لنا عليه.. وإنما بسبب تعاظم مصالح القوى الكبرى في الوطن العربي، ووجود قواتها العسكرية قريبًا من أراضي الأقطار العربية ومياهها، أو داخل هذه الأراضي والمياه.. إن هذه الدول الكبرى قد صارت لها مصالح محددة في استمرار أوضاع سياسية معينة، وفي تجنّب حدوث تغيرات سياسية واجتماعية أخرى داخل كل بلد عربي، وهي لا تتورع ولا تتردد كثيرًا في استخدام كل أسلحتها الإعلامية والاقتصادية والسياسية والعسكرية إذا اقتضى الأمر لتوجيه الأوضاع السياسية في الأقطار العربية الوجهة التي تخدم مصالحها.. ولقد كان عدم الانحياز “صيغة” دفاعية لجأ إليها الوطن العربي، أو بعض قياداته على الأقل لتقليل أثر هذا العنصر الأجنبي.. ولكننا صرنا اليوم في شك عظيم من إمكان تكرار هذه الصيغة على نحو يحقق الفاعلية نفسها.
تبقى لنا في نهاية هذا التعقيب ملاحظتان مهمتان:
الأولى: أن انتشار الحكم العسكري، أي الحكومات العسكرية في الوطن العربي، يشكل أحد مظاهر أزمة الديمقراطية فيها.. ولقد استند هذا الحكم عند قيامه إلى مبررات ثلاثة: الأول، بطء حركة المجتمع في اللحاق بالعالم المتقدم نتيجة عجز الحكم المدني، والثاني، مواجهة التحدي الصهيوني ذي الطابع العسكري، الثالث، مقاومة فساد الأحزاب والفئات السياسية المتصارعة. ولذلك كله ارتبط الحكم العسكري في الوطن العربي بنظام “الحزب الواحد” كمتمم طبيعي لمهمة الإصلاح الثوري السريع والحاسم، التي تصدي لها..
وقد كان من نتائج انتشار الحكم العسكري حدوث شرخ يتعسر إصلاحه في المسار الطبيعي للتطور الديمقراطي كما أن هذا الحكم العسكري قوّى التوجه القائم نحو “الواحدية السياسية”.. وحال دون نمو “التعددية الحقيقية” في الحياة السياسية والاجتماعية.. ولا يزال علينا أن ننتظر اكتمال مسار نمو النخبات السياسية المدنية التي تحاول استرداد مراكز المبادرة والتأثير في الحياة السياسية العربية من بقايا الأنظمة العسكرية التي تدثر أكثرها بشعارات أو بتنظيمات حزبية، يعلم القريب والبعيد أنها هي الأخرى ليست سوى منظمات شبحية تعبر عن إرادة فرد أو جماعة محدودة العدد وصلت في دفاعها عن مواقعها على قمة السلطة إلى طريق مسدود..
الثانية: أن انتشار الفكري الديني الشمولي ذي الطابع المحافظ، من شأنه أن يثير قلقًا إضافيًا حول مستقبل الديمقراطية في الوطن العربي.. وذلك لأسباب ثلاثة: الأول، أن الفكر الديني –بصفة عامة- فكر شديد الالتزام، قليل الاستعداد لقبول التعددية، وشديد الميل إلى التصنيفات الحدية، وسريع الانتقال من التكفير العقائدي إلى التكفير السياسي.. الثاني، أن التيارات الدينية الغالبة في وطننا العربي تمثل موجة غضب وخوف على الذات، أكثر من تمثيلها موجة انبعاث واعٍ وتنوير حضاري.. وفي إطار الغضب يصعب تصور “التسامح” بصفة عامة، كما يخشى من انتشار الطائفية واضطهاد الأقلية… الثالث، أن التجربة السياسية لأكثر ممثلي التيارات الدينية تجربة محدودة.. وأعضاء تلك التيارات يشتركون مع سائر المواطنين العرب في نقص التربية السياسية ونقص “الوعي” بالحرية كقيمة إنسانية أساسية، بغيرها تهدد عشرات من القيم المتوقفة عليها…
إن الأثر النهائي لانتشار المد الإسلامي، على مستقبل الديمقراطية رهن –فيما نرى- بمصير الصراع داخل التيار الديني بين الروافد المحافظة الغاضبة وغير العقلانية.. وبين الرافد الذي تلوح لنا بعض بشائره والذي يتمتع بإدراك عميق لجذرية المنهج العقلي في التصور الإسلامي.. وإدراك عميق أخير لجذرية “الحرية” كشرط للفضيلة وللمسؤولية.. وتلك قضية تحتاج –بدورها- إلى بحث مستقل، ولكنها -وهذا هو الأهم- تحتاج إلى جهد ثقافي وسياسي لترشيد مسار الوعي الديني المتعاظم.
* نُشر هذا البحث وتعقيب د. كمال أبو المجد عليه في: أزمة الديمقراطية في الوطن العربي، بحوث ومناقشات الندوة الفكرية التي نظمها مركز دراسات الوحدة العربية، د. سعد الدين إبراهيم وآخرون، ط3، مايو 2002م، ص355- 370، 381- 388.
(1) في الولايات المتحدة على سبيل المثال غيَّر التطبيق العملي كثيرًا من الأوضاع والاختصاصات المبينة في نصوص الدستور الاتحادي، ولذلك وجدنا فقهيًا دستوريًا، مثل برنارد شوارتز، يضع كتابًا عن الدستور الأمريكي يقسمه إلى قسمين، يتحدث في أولهما عن النظام الدستوري كما يُستخلص من النصوص، ثم يتحدث في القسم الثاني في عدة فصول مقابلة لفصول القسم الأول عن التطورات الكثيرة التي طرأت في العمل على مدلول النصوص الدستورية.. وفي خصوص نظام رئاسة الجمهورية نرى باحثًا مثل هيغز (E.J.Hughes) ينشر عام 1972 مؤلفًا بعنوان: The Living Presidency، يستعرض فيه خصائص نظام الرئاسة كما تحددت في العمل.
(2) قارن هذا -على سبيل المثال المجرد- بما ذهبت إليه المحكمة العليا الأمريكية عام 1952 من رفض التسليم لرئيس الولايات المتحدة بحق تقرير استيلاء وزارة التجارة على مصانع الصلب وإدارتها في أعقاب إضراب عمالي واسع النطاق تقرر البدء فيه والدولة متورطة في الحرب الكورية.. إذ حاول الرئيس الاستناد إلى سلطته كقائد أعلى للقوات المسلحة، وإلى مجموع سلطاته الدستورية فرفضت المحكمة هذا المنطق مقررة في حكم شهير لها أن الدستور قد جعل الرئيس قائدًا أعلى للقوات المسلحة ولكنه لم يجعل منه قائدًا أعلى للأمة، وأنه إذا سمح للرئيس بممارسة مثل هذا الاختصاص بعيدًا عن رقابة المحاكم لأصبح الرئيس وليس الدستور هو القانون الأعلى للبلاد.
بحث الدكتور يحيى الجمل “أنظمة الحكم في الوطن العربي” رابط مباشر
تعقيب الدكتور أحمد كمال أبو المجد رابط مباشر
في الرابع من شهر نوفمبر عام 2014م عُقدت في الكويت ندوة عن الدكتور عبد الرزاق السنهوري “تراثه وفكره”، وقد تحدث خلال هذه الندوة الدكتور إبراهيم الدسوقي أبو الليل -أستاذ القانون المدني- عن مساهمات السنهوري فيما يتعلق بالقانون المدني، والدكتور يسري العصار -أستاذ القانون العام- والذي تحدث عن الشق الدستوري ومواد دستور ١٩٥٤م الذي شارك السنهوري في وضعه ولكنه لم ير النور، كما تناول أ. أسامة الشاهين فكرة عودة الخلافة الإسلامية التي طرحها السنهوري في بحثه للدكتوراه.
ومن أهم ما جاء في هذه الندوة:
وأخيرًا فقد تضمنت الندوة الإجابة على العديد من تساؤلات السادة الحضور.
رابط مباشر للندوة على قناتنا: حوارات الشريعة والقانون
من معالم مرحلة التطور الفكري والثقافي التي يمر بها العالم في جيلنا هذا، أن المفكرين والمحللين السياسيين والاجتماعيين صاروا يتحدثون عن المستقبل أكثر مما يتحدثون عن الحاضر، وأن الخيال الثقافي، إذا صح هذا التعبير، قد صار أداة معترفا بها للبحث والاستشراف إلى جانب البيانات والمعلومات والأرقام. ولا يحتاج تفسير هذه الظاهرة بشقيها في تقديرنا إلى بحث طويل.
الاهتمام المتزايد بدراسات المستقبل يرجع إلى السرعة النسبية المتزايدة التي تتم بها التطورات السياسية والاجتماعية، وهي سرعة تتزايد معدلاتها عاما بعد عام بسبب الآثار المتراكمة للثورة الصناعية في ميدان الانتقال وميدان الاتصال بصفة خاصة، وفي سائر ميادين الثورة العلمية بصفة عامة، ذلك أن محصلة هذا التراكم أن الانتقال من حالة اجتماعية وسياسية إلى حالة أخرى، صار يتم ويتكون في فترات زمنية بالغة القصر إذا قيست بما كان عليه الحال منذ قرن أو قرنين من الزمان.
ومعنى هذا كله أن المستقبل قد صار يقتحم على الحاضر أبوابه، وأننا نعيش حالة يمكن أن نطلق عليها الوصف الذي أطلقه الحديث النبوي الشريف، وهو وصف “تقارب الزمان” في إشارة واضحة إلى سرعة تعاقب مراحل التطور وما تحمله كل مرحلة منها من ظواهر وأحداث.
الخيال العلمي وتطور البشرية
أما الاعتراف بدور الخيال في رسم صورة المستقبل، فمرجعه أن تحرك عناصر الواقع نحو المستقبل لا تحكمه معايير محددة يمكن رصدها على نحو دقيق أشبه بما يجري في عالم الطبيعة وعلومها، إذ يبقى السلوك الإنساني دائما ثغرة واسعة في جدار المنطق الصارم الذي يحكم الظواهر الطبيعية والقوانين التي تضبط حركتها وعلاقاتها. ولذلك يحتاج الباحث إلى تصورات ورؤى يجري بها تقدير حركة الظواهر الاجتماعية في امتدادها عبر الزمن نحو المستقبل القريب والبعيد. وإذا كان الخيال العلمي قد لعب دورا مقربا ومعروفا في تطور العلوم واكتشاف القوانين الطبيعية، فإن الخيال الثقافي يستطيع بدوره أن يلعب دورا نافغا في استشراف صور الحياة الاجتماعية والعلاقات السائدة فيها في المستقبل القريب والبعيد. وجدير بنا- نحن العرب- أن نستقبل هذا الاهتمام المتزايد بدراسات المستقبل، استقبال المرحب لا استقبال المتوجس المرتاب، فنحن أمة طال انكفاؤها على الماضي وانحصارها في تجاربه، واستغرافها في أجوائه، حتى حال بنا ذلك كله- في أحيان كثيرة- دون التجاوب مع متطلبات الحاضر أو الاستعداد لمواجهة تحديات المستقبل القريب.
ونقطة البدء في كل دراسات المستقبل، سواء اعتمدت تلك الدراسة على المنهج العقلي الصارم، أو اعتمدت على شيء من الخيال، هي رصد عناصر الواقع وفهمها وتحديد اتجاه حركتها.
وفرق هائل في منهج هذا الرصد بين عين المؤرخ وعين التاريخ، فمان عين المؤرخ تحصر فيها أحيائا في رؤية بعض الظواهر دون بعضها الآخر. كما أنهم بحكم الطبيعة الإنسانية لأشخاص المؤرخين عين منحازة تمنح بعض الظواهر والحوادث أحجاما وأوزانا وتأثيرات أكبر أو أصغر مما تستحق مما ينتقص من موضوعية الرصد والدقة، ويؤدي بالضرورة إلى درجات متفاوتة من أخطاء التقدير تترتب عليها أخطاء مماثلة في تحديد النتائج المتوقعة.
ودون دخول في تفاصيل عديدة تتعلق برصد الظواهر الكبرى التي شهدها ويشهدها هذا العقد من الزمان، فإننا نسجل الظواهر التالية:
1- سقوط عدد من الأنظمة السياسية والاقتصادية في الاتحاد السوفييتي وشرق أوربا، وتحول دول عديدة في تلك المنطقة من الشمولية السياسية إلى التعددية والديمقراطية بصورها الغربية. وتحول الدول ذاتها من النظام الاقتصادي القائم على التخطيط المركزي الصارم وعلى هيمنة الدولة على الإنتاج والنشاط الاقتصادي إلى نظام الحرية الاقتصادية القائم على آليات السوق.
2- انتهاء الحرب الباردة بين الدولتين الكبريين، وانتهاء الاستقطاب الأيديولوجي والسياسي والعسكري الذي ساد العالم خلال نصف القرن الماضي بين معسكر اشتراكي يقوده الاتحاد السوفييتي ومعسكر رأسمالي تقوده الولايات المتحدة، مما بدا معه أن العالم يتجه إلى صورة من صور الواحدية في النظام الدولي، وبدا معه لآخرين أن العالم- فوق ذلك- يتجه إلى صورة من صور الواحدية في النظام السياسي والاقتصادي الداخلي للدول المختلفة، هي صورة الحرية السياسية والاقتصادية المطبقة في الغرب، وفي هذا الإطار جرى حديث البعض عما سموه “نهاية التاريخ”.
3- بداية تشكيل نظام عالمي جديد، تجمعت فيه أوربا كوحدة اقتصادية مترابطة في مقابل الكتلة الاقتصادية المكونة من الولايات المتحدة وكندا، والكتلة الآسيوية التي تمثلها اليابان، وعدد من الدول الآسيوية الأخرى مثل تايوان وكوريا وسنغافورة.
حول دور العرب في النظام العالمى الجديد
وكان طبيعيا أن نتساءل- نحن العرب والمسلمين- عن مكاننا في هذا العالم الجديد، خصوصا وقد صاحبت عملية الزلزال العالمي ظواهر عديدة تتصل بنا. وبدا واضحا أننا بفكرنا وثقافتنا وشعوبنا وكل ما نمثله قد صرنا جزءا أساسيا من أجزاء الصورة التي يعدها أقطاب النظام الدولي الجديد للمستقبل القريب للعالم. لهذا لم يعد جائزا ولا مقبولا أن نواصل مسيرة الإنكفاء على الماضي، وأن نترك مآلنا في المستقبل القريب والبعيد بين يدي الغير، يقررون أمره ويخططون له. ونبدأ عرض تصورنا لدور العرب والمسلمين في النظام العالمي في مستقبله القريب برصد الظواهر وتقرير الحقائق التالية:
1 – أن هناك موجة تدين عام تجتاح العالمين العربي والإسلامي، تتمثل في الحرص على مزيد من الاستقلال الثقافي والسياسي، وفي إقامة أنظمة اجتماعية واقتصادية مستمدة من عقيدة الإسلام وثقافة الإسلام ومن شريعته. وهذه الموجة تمر حاليا بمرحلة مخاض طويل وصعب، يجري خلالها فرز الظواهر وتحديدها تمييزا بين ظواهر التطرف والراديكالية الناتجة عن الإحباط والرغبة في الثأر من هزائم حضارية قديمة وحديثة، وظواهر التألق الروحي والثقافي التي تعبر عن رغبة واعية في تثبيت قيم الثقافة الذاتية الخاصة. وفي أداء دور عالمي نابع من تلك القيم متواصل على نحو صحي وإيجابي مع سائر الأمم والشعوب.
2 – أن هناك حملة حقيقية وإسعة النطاق ومدبرة بإحكام واضح جوهرها تشويه صورة الإسلام والمسلمين في نظر العالم، وتحريض الحكومات العربية والإسلامية على مطاردة كل الحركات الثقافية والسياسية التي تتطلع إلى بناء نهضة الشعوب العربية والإسلامية على أساس من الإسلام ومبادئه وشرائعه. وقد حققت هذه الحملة جانتا كبيرًا من أهدافها حتى أستقر في أذهان مئات المتخصصين في الدراسات السياسية والاجتماعية أن الإسلام دين يحارب التقدم والنهضة، ويحجر على حقوق الأفراد والشعوب، ولا يهتم بحرياتهم، ويرفض كل صور المشاركة الشعبية في الحكم. وأنه فوق ذلك يقف موقفا عدائيا صارما من أبناء الأديان والعقائد الأخرى. كل استقر في وجدان الملايين أن الشعوب المسلمة غريبة على مسار التطور الإنساني المعاصر، وعلى القيم المشتركة بين الشعوب المعاصرة، وفي مقدمتها قيمة الإيمان بحتمية التعددية الثقافية والسياسية، والتوجه نحو الاعتماد المتبادل بدلا من نفي الآخرين والسعي إلى القضاء عليهم. كما توصلت هذه الحملة إلى ربط كثير من الناس- بحسن نية- بين الإسلام كعقيدة ونظام حياة، وبين التعصب والإرهاب واستخدام العنف تجاه الآخرين. وتوصلت في النهاية إلى اقتناع عدد كبير من أنظمة الحكم القائمة في العالمين العربي والإسلامي بأن التيار الإسلامي بكل روافده يمثل خطرا حقيقيا عليها كأنظمة، كما يمثل خطرا داهما على الأمن والاستقرار وعلى فرص التقدم الحقيقي في الميادين العلمية والاجتماعية والاقتصادية.
والحضارة الغربية أيضا في مهب الريح
ولقد ساهم في تشويه صورة العرب والمسلمين لدى الشعوب المعاصرة أن سلوك عدد غير قليل من أنظمة الحكم في الدول العربية والإسلامية، قد أعطى الحريصين على تشويه تلك الصورة فرصة ثمينة للتدليل على مطاعنهم واتهاماتهم. فإلى جانب الفردية والمزاجية المطلقة في اتخاذ القرارات ورسم السياسات، هناك العديد من التصرفات الملتوية التي يتعذر معها التفاهم والتعامل مع تلك الأنظمة. وهناك الفجوة الهائلة بين الكلمة والفعل، وبين الشعارات المعلنة والسلوك اليومي في الأمور الداخلية والخارجية على السواء. وهناك التذبذب الهائل في المواقف والقفز من النقيض إلى النقيض. كل ذلك ساهم في تثبيت الصورة التي أريد رسمها للعربي والمسلم، وهي صورة سهلت لكثير من الدول الأوربية اتخاذ مواقف عملية ضد العرب والمسلمين، كما ساعدت على نمو موجة كراهة العرب والمسلمين، والرغبة في التخلص من أكبر عدد منهم وإجلائهم عن الاراضي الأوربية، وحرمانهم من كثير من الحقوق. غير أن المستقبل لا تصنعه الأمور العارضة، والتاريخ لا تتحكم فيه أهواء الأفراد والجماعات، فإلى جوار ما تقدم جميعه تظهر حقيقة كبرى لا يجوز الغفلة عنها، وهي أن الحضارة الغربية التي يتصور البعض أنها ورثت الدنيا وانفردت بقيادتها تواجه- من داخلها- أزمات كبيرة- وفي تقديرنا أن انهيار النظم السياسية والاقتصادية لدول أوربا الشرقية والاتحاد السوفييتي لا يعني بالضرورة انتصار الحضارة الغربية ونظمها السياسية والاقتصادية. ولا نريد هنا أن نطيل الحديث في تقييم مسيرة الحضارة الغربية، أو أن نكرر المقولات التي قدمها منذ أكثر من نصف قرن المؤرخ والفيلسوف الألماني “أزوالد شبنجلر” عن انحلال الغرب، وإنما نسجل ظاهرة مركزية معاصرة متعلقة بهذه الحضارة، وهي أنها نتيجة الأسس لفلسفة النظام الاقتصادي الذي تقوم عليه قد تحولت تدريجيا إلى حضارة شيئية استهلاكية يتحكم من خلالها المنتجون في حياة الناس من خلال تحويلهم شيئا فشيئا إلى مجرد مستهلكين للسلع والمنتجات، وقد كان من بين ذلك أمور ثلاثة:
1 – استمرار تعاظم الفجوة بين الأغنياء والفقراء على مستوى العالم كله.
2 – وجود أزمة حادة في العلاقات الإنسانية داخل الأسرة وعلى مستوى العلاقات الثنائية والجماعية سادت النرجسية وعبادة الذات وفترت جميع الروابط التي تنشى علاقات عاطفية بين الأفراد مما أدى إلى انتشار الجريمة والعنف والزيادة الهائلة في تنظيم العلاقات عن طريق الخصومات القضائية.
3- التهديد غير المسبوق للبيئة نتيجة اندفاع الناس إلى إقامة المصانع وتبديد الثروات الطبيعية، وقلة الاحتفال بالمحافظة على البيئة رعاية للأجيال المقبلة.
ووسط هذا الجو الخانق المشبع بالحيرة والقلق والخوف من المستقبل المجهول، تحتاج البشرية وهي على أعتاب عصر جديد ونظام جديد للعلاقات بين الشعوب، إلى بنية تحتية من القيم والمبادئ يقوم على أساسها هذا النظام. وهنا يبرز الإسلام أساسا صالحا ونبعا فياضا لهذه القيم والمبادئ التي تقيم للعلاقات الإنسانية منهجا قائما على تكريم الإنسان وتقديس حرمة دمه وعرضه وماله، وقائما كذلك على مبدأ المساواة المطلقة بين الناس والشعوب، وقائما في النهاية على إشاعة الود والرحمة والتكافل والسلام، تحيط بذلك كله نظرة إنسانية شاملة تضع العناصر المادية في حياة الإنسان موضعها الصحيح إلى جوار حاجاته المعنوية والروحية، كما تضع قضية العدل الاجتماعي موضعها الرفيع داخل إطارا تصور شامل لأساسيات العلاقات الإنسانية داخل الجماعة، وأساسيات العلاقات بين الدول والشعوب.
ضمانات النجاح للدور الحضاري
ويبقى أن أداء المسلمين والعرب لهذا الدور الحضاري الذي تشتد الحاجة إليه عند هذا المنعطف التاريخي من حياة البشرية مرهون بأمرين، يحتاجان إلى رعاية وإلى عمل دءوب: – تأملات و.. مستقبل العالم، ومكاننا فيه
الأمر الأول: العمل بكل سبيل على وقف موجة المعاداة للإسلام والمسلمين، وهو عمل ينبغي أن يبدأ بتوقف الأنظمة الحاكمة في الدول العربية والإسلامية عن مسايرة هذه الحملة الظالمة، ومراجعة المحرضين عليها والمطالبين بها. كما يبدأ بحملة مضادة واعية مبصرة يقودها أصحاب الرأي الرشيد والكلمة المسموعة من المثقفين ورجال السياسة، تدعو إلى نوع من الوفاق الثقافي، وإلى قبول التعددية الثقافية، ووقف حملات الإبادة والتصفية الموجهة للثقافة العربية والإسلامية، ولأصحاب تلك الثقافة.
الأمر الثاني: محاربة العزلة التي يعيش فيها كثيرون من أهل الفكر ومن الدعاة في عالمنا العربي والإسلامي، وهي عزلة تيسر سبيل تشويه صورة العرب والمسلمين، كما تحول دون أدائهم لدورهم الحضاري الذي يتطلعون إلى أدائه، وتخلق ألوانا من القطيعة وسوء الفهم وسوء الظن المتبادل، وتحرم المسلمين والعرب من أن يكون لهم مكان كريم في ساحة العمل لإقامة نظام عالمي جديد.
إن العرب والمسلمين مطالبون بيقظة عاجلة يتوقفون فيها عن اجترار المشاكل القديمة الموروثة، كما يتوقفون فيها عن الاكتفاء بقذف الآخرين بسهام النقد والاتهام والإدانة، ويبدأون مسيرة تواصل ومودة مع الدنيا كلها، يكسبون بها أنصاره وأعوانا داخل بلادهم أولأ، وعلى امتداد ساحة الفكر والثقافة العالمية ثانيا، ويفتحون بها أبواب العقول والقلوب لتستمع إليهم وتطمئن إلى مودتهم، ولتتعرف من جديد إلى ما يمكن أن يقدمه المسلمون من خير للدنيا المعاصرة، وهي تتطلع إلى مسيرة نهضوية جديدة، تحقق للإنسان قدر، أكبر من السلام مع نفسه، ومع بيئته ومع الدنيا كلها.
مقال منشور في مجلة العربي العدد رقم (405)
يقول الدكتور عبد الحميد متولي في مقدمة دراسته معرفًا بالمنهج العلمي الذي سيسلكه:
“نجد الكثيرين من المؤلفين حين يتصدون لدراسة النظام السياسي (أو نظام الحكم) في الإسلام، لا يمهدون لتلك الدراسة بأن يبحثوا أولًا المباديء الدستورية في الشريعة الإسلامية، كما نجد الذين يتصدون منهم لدراسة هذه المباديء لا يمهدون لدراستها بالبحث أولًا عن مصادر هذه المباديء في الشريعة، أي عن “أدلة الأحكام الشرعية” كما يُطلق عليها عادة لدى الكثير من علماء الشريعة.
إن دراسة هذه المصادر -فيما أعتقد- يجب أن تكون نقطة البداية لكل بحث علمي جدي بصدد النظام السياسي الإسلامي أو بصدد المباديء الدستورية في الشريعة الإسلامية:
أولًا: لأن كثيرًا من أوجه الخلاف بين الباحثين بصدد ذلك النظام أو هذه المباديء إنما يرجع كنهها في الواقع إلى أنهم يختلفون -من حيث هم أحيانًا لا يشعرون- حول مصادر أحكام تلك المباديء الدستورية، كما أن هذا الخلاف في جوهره وفي الواقع من أمره إنما يرجع إلى أنهم لم يعنوا بأمر الدراسة العلمية الجدية لتلك المصادر، ولو أنهم عنوا بأمرها لزال الكثير من وجوه الخلاف، ولربما نجا العالم الإسلامي كذلك من غير القليل من الفتن والحروب التي أثارتها تلك الخلافات الدستورية.
ثانيًا: لأن الشريعة الإسلامية وإن كانت تمتاز على غيرها من الشرائع بأن مصادرها قد عُني ببحثها علماؤها قبل غيرهم من علماء الشرائع الأخرى، فجعلوا لها علمًا مستقلًا هو علم أصول الفقه، إلا أننا نجد رغم ذلك أنهم إنما عنوا ببحث مصادر الشريعة أو “أدلة الأحكام” بوجه عام، دون أن يعنوا ببحث مصادر كل فرع من فروعها كما هو شأن القانون الوضعي في العصر الحديث”.
ينقسم الكتاب بعد المقدمة المنهجية إلى أربعة مباحث:
الأول: خصائص الشريعة الإسلامية.
الثاني: مصادر الشريعة كما بينها الأصوليون من علماؤها.
الثالث: القانون الروماني ومصادر الشريعة الإسلامية.
الرابع: مصادر الأحكام الدستورية في الشريعة الإسلامية.