أصل هذا البحث هو محاضرة للمستشار بمجلس الدول المصري والخبير الدستوري والأستاذ بكلية الحقوق بجامعة القاهرة د. عبد الفتاح حسن (رحمه الله) ألقاها بالموسم الثقافي للأزهر مساء الثلاثاء الموافق 29 ديسمبر 1959م.
ومما جاء في مقدمة البحث ما يلي:
لم تكن رغبتي في دراسة موضوع “القضاء الإداري في الإسلام” بنت اليوم، ولكنها رغبة كانت تعاودني خلال دراستي للفقه والقضاء الإداري في الدول الغربية بصفة عامة، وعندنا في مصر بصفة خاصة، إذ كثيرًا ما تساءلت: أليست مقومات القانون الإداري التي يعرفها الفقه المعاصر، واحدة، أيًا كان شكل الدولة، وأيًا كان العصر الذي تعيش فيه؟ فكان جوابي دون تردد بالإيجاب؛ فنظريات الموظف العام، والمرفق العام المادي أو العضوي، والقرار الإداري، والتنفيذ المباشر، والحكم القضائي، كلها تنشأ وتعيش في كل جماعة بلغت قدرًا من التنظيم، واعترفت صراحة أو ضمنًا بسلطة فرد، أو أفراد يقومون عليها وتوكل إليهم أمورها، وذلك حتى لو لم تبلغ هذه الجماعة في مدارج الرقي مرتبة الدولة.
فلا يخلو أن تحتاج تلك الجماعة إلى شخص أو أشخاص يقومون ببعض أعمالها العامة على وجه الدوام والاستقرار، بأجر أو بغير أجر، فهم موظفون عموميون.
ولا يخلو أن تحتاج إلى قوة دفاعية تواجه بها أعداءها في الخارج والداخل، وهذا هو مرفق الجيش أو مرفق البوليس.
كما أن القائمين بالأمر فيها يباشرون سلطانهم بأوامر شفوية، أو كتابية يلتزم بها الأفراد، وإلا نفذت عليهم جبرًا، وليست هذه الأوامر سوى القرارات الإدارية، وما تتمتع به من ميزة التنفيذ المباشر.
كما أن على أصحاب السلطة أن يتوقعوا أن تنشب المنازعات بين أعضاء الجماعة، وأن يستعدوا لمواجهتها بالفصل فيها وحسمها بحل واضح يلزم المتخاصمين، صونًا للهدوء العام، وليس هذا الحل سوى الحكم، حسب تعبيراتنا المعاصرة.
فهذه النظريات إذن، لم تصاحب نشأة القانون الإداري، وليست من صنعه وحده، ولكنها كلها -فيما نعتقد- سابقة عليه. فهي تضرب بجذورها في أعماق التاريخ البعيد، ولتصاحب نشأة الجماعة المنظمة ذاتها أيًا كان رداؤها، وإذا كانت قد نمت بعد ذلك ينموها وتطورت معها، فإن جوهرها ظل كما هو لم يتغير، ومضمونها الأساسي بقي هو هو على مر العصور والأجيال، لم يتناوله التعديل والتبديل.
ولذلك فقد وجدت جميع هذه النظريات في المجتمع العربي:
فالموظف العام كان ولا يزال كل شخص يساهم في خدمة مرفق عام، بصفة منتظمة، دون أن يغير من ذلك تلقيبه في غير عصرنا بالوالي، أو العامل، أو الأمير، أو الصاحب.
والمرفق العام، وكان ولا يزال كل نشاط يقدر القائمون بالأمر، أنه من الأهمية في حياة الجماعة، بحيث يكون من الخطر، أو مما لا يوفي بالغرض، تركه لنشاط الأفراد، وأن من المصلحة العامة التي يسهرون عليها، أن تتولاه الجماعة بنفسها، أو على الأقل أن تخضعه لرقابتها وإشرافها. فالتعريف بمضمونه ليس بمستحدث، ولكن الجديد فيه هو التسمية التي ابتدعها الفقه والقضاء خلال القرن التاسع عشر فلم يكن البريد، وجباية الخراج، والشرطة، والحسبة، والقضاء، سوى مرافق عامة بالمعنى الصحيح لهذا التعبير.
والقرار الإداري، كان دائمًا تعبيرًا عن إرادة السلطة، بقصد ترتيب أثر قانوني عام أو فردي، فأمر النبي، صلى الله عليه وسلم، للمسلمين بالهجرة إلى الحبشة في مبدأ الدعوة المحمدية بعدًا عن أذى قريش وكفًا لشرهم، ثم أمره صلى الله عليه وسلم أصحابه بالهجرة إلى المدينة، كلاهما قرار إداري، وفرضه لعتاب بن أسيد الذي ولاه مكة درهمًا في اليوم، قرار إداري كذلك، وكل ما تم في حياته صلى الله عليه وسلم، وفي حياة خلفائه من بعده، من تعيين ولاة، أو أمراء سرايا، إنما تم بقرارات إدارية شفوية أو كتابية، وإن لم يطلق عليها حينئذ هذا التعبير.
والتنفيذ المباشر، كما نعرفه اليوم، هو المكنة التي تتمتع بها الجهة الإدارية في تنفيذ أوامرها وقراراتها مباشرة، وبنفسها، في مواجهة الأفراد، دون أن تلجأ إلى القضاء لاستصدار حكم منه بذلك. وهو بهذا التعريف أكثر وضوحًا في المجتمع الإسلامي الأول، منه في عصرنا الحاضر، وذلك لما كان يقوم عليه من اندماج السلطتين التنفيذية والقضائية في شخص الخليفة أو في شخص واليه، متى كانت ولايته عامة، بل يمكن القول بأن النظام الإسلامي في مختلف العصور، كان قائمًا على نظرية التنفيذ المباشر للأمر الإداري، فلا تعرف أن خليفة أو واليًا، كان يحيل رغباته في شئون الدولة إلى قاضيه، ليصدر فيها حكمًا واجب النفاذ، وذلك برغم ما بلغه بعض القضاة من الهيبة وعلو الكلمة.
أما الحكم، وهو -حسب ما ذهب إليه القضاء الإداري- عمل قانوني يحسم على أساس قاعدة قانونية، خصومة عينية أو شخصية، ويكون حجة في مواجهة الطرفين المتنازعين، وأحيانًا أيضًا في مواجهة الأغيار، فموضعه في التنظيم الإسلامي أوضح من أن يحتاج إلى بيان، فقد باشر الرسول وخلفاؤه من بعده القضاء بأنفسهم، أو بمن ينيبونه عنهم، وكان قولهم في ذلك فاصلًا وقاطعًا، دون حاجة إلى التنفيذ القسري، لقرب العهد بمطلع النبوة، وعمق الشعور الديني وتأصله في ضمائر المسلمين.
ومتى ثبت أن عناصر الجهاز الإداري للدولة الإسلامية في مراحلها المتتابعة، لا تختلف في حقيقتها عن تلك التي يتميز بها في الدولة المعاصرة، أيًّا كانت الفلسفة التي تصدر عنها. كذلك تتقارب الدولة الإسلامية والدولة المعاصرة أيضًا في ناحية أخرى أساسية، إذ يواجه كلاهما، نوعًا خاصًا من المنازعات، يثور بين الأفراد والسلطات القائمة، وهو ما يسمى بالمنازعات الإدارية Contentious administrative.
وهي منازعات لا سبيل إلى تلافيها، باعتبارها نتيجة حتمية وطبيعية لتعارض المصالح وتضاربها، ففريق -وهو الأفراد- يسعى وراء غايات شخصية يريد تحقيقها، بما فطر عليه كل من الأثرة، وآخر -يتمثل في السلطات الحاكمة- يعمل جاهدًا على الحد من غلواء المطامع الذاتية، تغليبًا لصالح الكل، الذي لا يعدو بدوره أن يكون جماع المصالح الخاصة، وهي كذلك منازعات لا سبيل إلى تجاهلها، أو التهوين من قدرها وخطرها، إذ ما قيمة العدل المطلق الذي يقوم على أنقاض من مصالح الأفراد وعلى أشلائها؟ أو ليس المشرع إذ يسعى إلى تحقيق مصلحة المجموع، إنما يعني بذلك تحقيق الموازنة بين مصالح الأفراد الذين يتألف منهم هذا المجموع؟ وإذا كان المجموع هو جماع الأفراد، بحيث يكون في تحقيق صالحه تحقيق لمصالحهم، أليس الأفراد هم كذلك عناصر هذا المجموع، فيكون في تحقيق مصالحهم تحقيق لمصالحه؟
فالفرد المغبون، إذ يسعى وراء مصلحة خاصة، يحقق مصلحة عامة، بتطبيق التشريع على حالته تطبيقًا سليمًا، فيعيد التناسق إلى النظام القانوني الداخلي، ويرد إليه هدوءه بعد اضطراب وقتي والسلطة القائمة بالأمر، والتي يفترض فيها تمثيل الصالح الجماعي، هل هي معصومة من الزلل؟ فمن يدرينا إذن أنها قد لا تتنكر لسبب وجودها، فتحيد وتنحرف وتجري وراء الأهواء والنزوات؟ لو تركت المنازعة الإدارية وشأنها، وأخلى بين الفرد والحاكم، كل يتدافع ويتصارع، لنفذت شريعة الغاب، وكان البقاء للأقوى، ولتغلب الحاكم دائمًا، أيا كانت بواطنه؛ إذ تتركز بين يديه القوة المادية، يديرها ويصرفها كما يشاء.
وقد أدركت الدول بعد تجارب طويلة، أن ذلك ليس من صالح الجماعة في شيء، وأن القانون يجب أن يعلو فوق الجميع، حاكمين ومحكومين، فنشأت فكرة وجود قاض عادل تعود إليه المنازعة الإدارية، يقارن بين المصالح المتنافرة، محاولًا التوفيق بينها، قاض يلجأ إليه الفرد الذي تعوزه القوة في مواجهة السلطة الحاكمة، فيردها القاضي إلى جادة الصواب: يهدر ما صدر منها مخالفًا للقانون، ويجبر ما نجم عن خطئها من ضرر، على أن يكون في كل ذلك حذرًا متبصرًا واسع الأفق، عميق النظر ذكي التفكير، لا يغيب عن بصره أن الأمة يجب أن تعيش، وأن على الفرد أن يتحمل القدر المعقول في سبيل الجماعة التي هو جزء من بنيتها، وخلية من خلاياها.
هذا القاضي الذي ينظر هذه المنازعة الإدارية، وهو ما اصطلح على تسميته بالقاضي الإداري juge administrative، وقضاؤه هو القضاء الإداري Jurisprudence administrative، فكيف ظهر هذا القاضي؟ وكيف نشأ هذا القضاء في الإسلام؟ وكيف تطور كلاهما؟
هذا هو الموضوع الذي نريد أن نعرض له الآن، والذي نرى قبل أن نتطرق إليه، أن نشير إشارة ما، إلى نشأة السلطة القضائية ذاتها وتطورها في النظام الإسلامي.
رابط مباشر لتحميل البحث