دور المحكمة الدستورية العليا في النظامين السياسي والقانوني في مصر

أ- سيادة الدستور وضرورة حراسته:

1- منذ ظهرت الجماعات السياسية المنظمة، وانقسم الناس فيها إلى حكام ومحكومين، برزت مشكلة أساسية، صارت ولا تزال محور أبحاث القانون العام وعلمي السياسة والاجتماع، وهي مشكلة العلاقة بين الفرد والدولة، أو بين الحكام والمحكومين .. وقد أسفر التطور الطويل لهذه العلاقة عن ظهور مبدأ قانوني أساسي يهدف إلى حماية الأفراد في مواجهة السلطة العامة، ويكفل تحول السلطات التي تملكها الدولة، ويباشرها “الحكام” من مجرد قوى أو قدرات مادية، إلى اختصاصات تحددها وتضبط اتجاهها مقدما مجموعة من القواعد القانونية العامة.. وهذا المبدأ هو ما يعرف بمبدأ الشرعية Principe de legalie، أو مبدأ سلطان القانون وسيادته The Rule of Law، ومؤداه أن يخضع الحكام جميعًا للقانون، بحيث لا تكون أعمالهم ولا قراراتهم صحيحة قانونًا وملزمة للمخاطبين بها إلا بقدر التزامها لحدود الإطار القانوني الذي تعيش الجماعة في ظله.

 2- وقد دلت تجارب الشعوب على امتداد التاريخ على أن مبدأ الشرعية هذا يظل عديم القيمة من الناحية العملية، ما لم يقترن بجزاء فعال ومنظم يكفل امتثال السلطات العامة لمضمونه وتقيدها بحدوده.. وهو المعنى الجليل الذي استند إليه الصحابي العبقري (عمر بن الخطاب) حين كتب إلى قاضيه قائلًا: “واعلم أنه لا ينفع تكلم بحق لا نفاذ له”.. وقد استقرت أكثر النظم القانونية على أن الضمان الحقيقي الفعال لمبدأ الشرعية، من بين ضمانات أخرى ذات طابع سياسي، يتمثل في التسليم لسلطة خاصة مستقلة عن السلطة السياسية في الدولة بمهمة التحقق من احترام السلطات العاملة في الدولة لمبدأ الشرعية بعناصره المختلفة، وعلى رأسها احترام النصوص الدستورية التي تمثل قمة الهرم الذي تتكون منه القواعد القانونية في الدولة. وهكذا ظهر مبدأ الرقابة القضائية على تصرفات الحكام وقراراتهم، سواء كانت تلك القرارات صادرة من السلطة التشريعية أو من السلطة التنفيذية.

وفى بيان أهمية الرقابة القضائية على أعمال السلطات العامة قررت محكمة القضاء الإداري في مصر أن تلك الرقابة “هي دون غيرها الرقابة الفعالة التي تكفل للناس حقوقهم الطبيعية وحرياتهم العامة، وبها يبقى النظام في حدوده الدستورية المشروعة، وكل نظام أرسى الدستور أساسه ووضع القانون قواعده هو نظام يخضع –مهما يكن نظاما استثنائيا- لمبدأ سيادة القانون، ومن ثم لرقابة القضاء.

ب- الطبيعة الخاصة للقضاء الدستوري “من مجلس الدولة إلى المحكمة الدستورية العليا”:

3- وحين أخذت مصر عام 1946 بنظام القضاء الإداري بصدور القانون 146 لسنة 1946 بإنشاء مجلس الدولة.. كانت أمام الفقه والقضاء في مصر تجربة مكتملة النمو في ممارسة الرقابة القضائية على أعمال الإدارة.. وهي التجربة الفرنسية التي تحددت خلال مراحلها المختلفة طبيعة الرقابة القضائية على قرارات الإدارة وأعمالها المادية.. وظهر تميز قواعد القانون الإداري عن قواعد القانون المدني الذي يحكم علاقات الأفراد، وذلك في مجالات ثلاثة أساسية أولها: مجال العقود، والثاني: مجال المسئولية التقصيرية، والثالث: مجال القرارات الإدارية.. وكان واضحا منذ اليوم الأول لنشأة القضاء الإداري في مصر أنه ليس كالقضاء المدني، قضاء تطبيقيًا تحكمه قاعدة سلطان الإرادة في العقود، والمساواة بين أطراف العلاقة في ميدان المسئولية عن الفعل الضار “المسئولية التقصيرية”، وإنما تتسع وظيفته في هذين المجالين وفى غيرهما، بحيث لا تقف عند حرفية النصوص، تشريعية كانت، أو عقدية تنشئها إرادات الأفراد المتساوية.. وإنما هي وظيفة تنطوي على دور “إنشائي” يقوم به القاضي، وهو يحدد نقطة التوازن بين مصالح الدولة وهيئاتها من ناحية، ومصالح الأفراد من ناحية أخرى .. وهو توازن يحكمه اعتباران أساسيان:

أولهما، ملاحظة أن المصالح التي تتنازع وتتصارع أمام القضاء الإداري ليست متكافئة من حيث الأهمية، فبينما يعبر الفرد الذي يختصم الإدارة عن مصلحة خاصة فردية، فإن الإدارة التي يختصمها تسعى -بحسب الأصل- إلى رعاية مصلحة عامة جديرة بالاعتبار لتعلقها بمجموعة المواطنين، أو فريق كبير منهم.

ومن ناحية أخرى فإن ما تملكه الإدارة من حقوق السلطة العامة وامتيازاتها ومن سلطة التنفيذ المباشر على الأفراد عن طريق استخدام القوة في كثير من الحالات .. يتجاوز كثيرًا حدود ما يملكه الفرد الذي يخاصمها..

ومن ثم كانت مراعاة هذين الأمرين فرضًا على القاضي الإداري، وكان ما يتوصل إليه من حلول، وما يصدره في المنازعات الإدارية من أحكام: معبرًا بالضرورة عن السعي للتوفيق بين هذه الاعتبارات المتعارضة، وتحديد نقطة التوازن بينها.. ولا يحتاج القارئ -بعد مضى أكثر من نصف قرن على نشأة القضاء الإداري- أن نردد أمامه ما قررته عشرات الأحكام من هذه الطبيعة الخاصة التي تميز القضاء الإداري. وإلى أحكام أخرى غير قليلة أوشكت فيها المحكمة أن تعبر الخط الفاصل بين “رقابة المشروعية” التي تملكها بغير منازع والرقابة على سلطة التقدير التي تملكها –بحسب الأصل– جهات الإدارة، وذلك حين بسطت رقابتها على عنصر “التناسب” بين المقدمات التي استندت إليها الإدارة لإصدار قرارها، وبين حدود النتائج التي رتبتها على تلك المقدمات.. مقررة في بعض أحكامها أن القرار يكون جديرًا بالإلغاء إذا شابه خطأ صارخ في التقدير لـ manifeste Dappreciaion Erreur كما في حالة عدم التناسب الصارخ بين المخالفة الوظيفية المنسوبة لأحد العاملين بالدولة وبين الجزاء الذي وقعته جهة الإدارة بسبب تلك المخالفة.. وقد درجت محاكم مجلس الدولة على إطلاق وصف “الغلو” على حالات هذا الخطأ الصارخ في التقدير.

4- وحين اتجهت مصر إلى تنظيم الرقابة على دستورية القوانين بإنشاء المحكمة العليا عام 1969، ثم بالنص على إنشاء محكمة دستورية متخصصة في المادة 174 من دستور مصر الصادر عام 1971، وهو النص الذي وضع موضع التطبيق بإنشاء المحكمة الدستورية العليا بالقانون رقم 48 لسنة 1979، فقد كان التصور السائد أن مهمة هذه المحكمة لا تنطوي على أكثر من المقابلة بين نصوص التشريع المطعون بعدم دستوريته، وبين نصوص الدستور. بحثًا عن المخالفة الدستورية التي ينسبها إليه الطاعن فيها.. وتصور كثيرون أن هذه الرقابة سوف تظل تمارس في أضيق الحدود نزولًا عند عدد من الاعتبارات القانونية والسياسية.. على رأسها اعتباران:

 أولهما: أن الهيئة التشريعية هيئة منتخبة من جماهير الناس، وأنها –لذلك– معبرة عن إرادة الناخبين، وممثلة لتوجهاتهم السياسية والاجتماعية.. وأنها لذلك ينبغي أن تظل صاحبة القول الفصل في ملاءمة ما تصدره من تشريعات.. وأن المحكمة الدستورية -لذلك كله- سوف تحجم عن التدخل في تقدير تلك الملاءمة.. حتى لا تتجاوز حدود وظيفتها القضائية.

الآخر: أن مبدأ الفصل بين السلطات، والذي بمقتضاه عهد الدستور إلى المجالس النيابية المنتخبة وحدها بوظيفة التشريع، لابد أن يحول دون إقحام المحكمة الدستورية العليا نفسها في تلك الوظيفة التشريعية، وهذه المحكمة في مصر -على ما هو مقرر ومعروف- هيئة قضائية خالصة في تشكيلها وإجراءاتها والاختصاصات الممنوحة لها. ولعله في إطار هذين المبدئين، والتزاما بهما قرر الفقه والقضاء وجود ما يسمى “قرينة الدستورية” أي أن الصحة هي الأصل في التشريعات الصادرة من المجلس التشريعي، وأن مقتضى هذه القرينة أن يقع على الطاعن عبء إثبات المخالفة.. ومقتضاها كذلك ألا تقضى المحكمة بعدم دستورية نص تشريعي إذا إلا جرى التيقن من هذه المخالفة، فلا تكفي “شبهة” المخالفة للقضاء بعدم دستورية التشريع. وربما ساعد على انتشار هذا التصور غير الدقيق لمهمة المحكمة الدستورية العليا ما اشترطه قانونها في المادة 30 منه من ضرورة أن يحدد الطاعن في صحيفة طعنه النصوص التشريعية المطعون بعدم دستوريتها وأوجه تلك المخالفة والنصوص الدستورية التي يدعى مخالفة التشريع لها وأوجه تلك المخالفة.

ومع ذلك فقد استوقفنا كثيرا ما ورد في تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب عند مناقشتها مشروع القانون رقم 48 لسنة 1979 الخاص بإصدار قانون المحكمة الدستورية العليا، جوابا عن الاعتراض على نظام الرقابة القضائية اللاحقة لدستورية القوانين بأن الهيئة المختصة بالرقابة على دستورية القوانين قد تعتدى على المشرع وتتدخل في أعماله على خلاف ما يقضى به مبدأ الفصل بين السلطات، جوابا عن هذا الاعتراض يقول التقرير: “إن الرقابة على دستورية القوانين وما قد تصل إليه الهيئة المنوط بها الرقابة من إلغاء التشريعات غير الدستورية يمكن اعتباره نوعا من التوزيع الدستوري للوظيفة التشريعية بين البرلمان والهيئة المنوط بها الفصل في دستورية القوانين”.

وهذا القول يتجاوز كل ما قاله المنادون بتوسيع نطاق الرقابة القضائية على القوانين، داخل المحكمة الدستورية العليا في مصر، وخارجها، وهو –في تقديرنا- قائم على تفسير للوظيفة التشريعية، لا نوافق عليه، ذلك أن مجرد القضاء بعدم دستورية نص تشريعي لا ينطوي –بذاته- على اشتراك في الوظيفة التشريعية مع المجلس التشريعي الذي أناط به الدستور وظيفة التشريع، فالمحكمة حين تقضى بعدم دستورية نص تشريعي، فهي –في الحقيقة– تحدد للمجلس التشريعي ما لا يملكه وهو يمارس وظيفته، ولكنها تتوقف -بعد ذلك– عن تحديد كيفية ممارسة ذلك المجلس التشريعي لما يملكه من أمر التشريع. ودورها في ذلك لا يعدو أن يكون إعمالًا صحيحًا لمبدأ الفصل بين السلطات وما يتممه من مبدأ التوازن وتبادل المراقبة Checks and Balances بين السلطات الثلاث التشريعية والتنفيذية والقضائية. وحين يستقيم فهم وظيفة المحكمة الدستورية على هذا النحو فإن كثيرًا من النقد الذي يوجه إليها وإلى بعض أحكامها يغدو نابعًا من فهم غير صحيح لوظيفتها، وفهم آخر غير صحيح لمبدأ الفصل بين السلطات.

طبيعة القضاء الدستوري وحدود سلطة المحكمة:

في السابقة المشهورة التي قررت المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية فيها أن تتصدى للرقابة على دستورية القوانين في غيبة نص دستوري يمنحها هذا الاختصاص، صورت المحكمة دور القضاء في الرقابة تصويرًا شديد التبسيط، وإن بدا مقنعًا ومنطقيًا، فقررت على لسان رئيسها مارشال الذي ارتبط اسمه باسم الرقابة على دستورية القوانين “إن القضاء حتى يفصل في خصومة موضوعية قائمة أمامه لابد أولًا أن يحدد القانون الذي يطبق عليها. فإن حدث وتناول المشكلة القانونية المعروضة نصان متعارضان أحدهما دستوري والآخر عادى فإن على القضاء أن يختار بينهما، ولما كان الدستور هو القانون الأساسي الذي يشغل الدرجة العليا من البناء القانوني فلا شك أن على القضاء أن يطبقه في الخصومة ضاربًا صفحًا عن كل نص تشريعي مخالف..”.

 وهذا الذي يقوله مارشال، والذي ذهب إلى مثله، أقرب إلى الواقع وأكثر اتفاقًا من المنطق القانوني من القول بأن المشرع الدستوري قد اتجه إلى توزيع الوظيفة التشريعية بين المجلس النيابي والقضاء الدستوري، وهو التفسير الذي أورده تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب وبغض النظر عن أن المحكمة الاتحادية العليا الأمريكية كانت بصدد تقرير حقها في الرقابة على دستورية القوانين عن طرق الامتناع عن تطبيق النص التشريعي المخالف للقانون.. فإن جوهر ما نهدف إليه من الإشارة إلى تلك السابقة القضائية هو عرضه هذا التصوير “الشكلي” لمهمة القضاء، وهو يراقب دستورية النص التشريعي. ولما كان من المقرر في الفقه، وفى ضوء الدراسة المستفيضة للعمل القضائي، أن “العبرة في الحكم على مسلك المحكمة، أي محكمة، إنما هي بما يفعله القاضي فعلًا. وليس بما يقول إنه يفعله”..

ويدل استقراء مئات الأحكام القضائية المتصلة بدستورية القوانين، في مصر، وفى فرنسا وفى الولايات المتحدة.. دلالة واضحة على أن القاضي يمارس سلطة تقديرية واسعة حين يستخدم حقه المقرر في الرقابة على دستورية القوانين، ويرجع اتساع هذه السلطة التقديرية إلى أن نصوص الدساتير نصوص لها طبيعة خاصة تميزها عن سائر النصوص القانونية، إذ يقع بعضها على الحدود الفاصلة بين عالم السياسة وعالم القانون.. فالنصوص الدستورية التي تعالج أمر سلطات الحكم ورسم الحدود الفاصلة بينها تحمل بسبب عمومها تفسيرات متعددة، ومثلها في ذلك النصوص التي ترسم الحدود بين سلطات الدولة المختلفة وحقوق الأفراد والجماعات. فإذا أضفنا إلى ذلك أن النصوص الدستورية العديدة التي تحدد للمشرع ولسائر سلطات الحكم في الدولة، تشتمل على توجهات موضوعية عامة في العديد من الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية، وأن ذلك التحديد يتم عادة من خلال نصوص عامة… ينفتح معها الباب لدور إنشائي وإبداعي كبير في تفسيرها وإنزال حكمها الملزم لسلطة التشريع.

إذا ذكرنا هذا كله لاتضح لنا على الفور ما تؤدى إليه هذه الطبيعة الخاصة للنصوص الدستورية من منح القاضي الذي يحاكم النصوص التشريعية إلى نصوص الدستور سلطة تقديرية واسعة يكون له في ظلها تأثير على السياسات العامة للمجتمع في الميادين الاجتماعية والسياسية. وهو التأثير الذي أشار إليه تقرير اللجنة التشريعية بمجلس الشعب عند مناقشة مشروع قانون إنشاء المحكمة الدستورية، والذي تحفظنا عليه في مطلع هذا البحث، انتباها إلى أن مشاركة القضاء تظل مشاركة سلبية، تتمثل في تحديد ما لا يملكه المشرع وفقًا لتفسير المحكمة الدستورية لنصوص الدستور.

خلاصة القول أنه قد صار معلومًا لكل مشتغل بالقضاء، ممارسة أو دراسة وتحليلًا.. أن المحكمة الدستورية تمارس دورًا إنشائيًا يتجاوز حدود التطبيق الحرفي لنصوص الدستور، ليصل إلى التأثير العملي على كثير من أمور الحياة الاجتماعية والسياسية والاقتصادية للمجتمع.. وأن هذا الدور الإنشائي يتحقق عن طريق قيام المحكمة بتفسير نصوص الدستور ونصوص القوانين واللوائح التي يطرح عليها أمر دستوريتها.. وأن هذا التفسير لا يمكن أن ينفصل تمامًا عن الرؤية الخاصة للمحكمة في كثير من القضايا السياسية والاجتماعية التي تتناولها في أحكامها.. وقديمًا عبر عن هذه المشاركة أحد رؤساء المحكمة العليا الأمريكية قائلًا: “نعم.. نحن –أي المحكمة– نعمل في إطار الدستور، ولكن الدستور هو ما نقرر نحن أنه الدستور”.

ولذلك قلنا في مناسبة سابقة: “إن العدالة الدستورية ليست أبدًا عدالة معصوبة العينين. والرقابة على دستورية القوانين ليست عملية حسابية أو آلية توضع بها نص القانون في مواجهة نص الدستور فيظهر على الفور مدى التطابق بينهما، أو مدى مخالفة القانون لنصوص الدستور، إن النصوص الدستورية –على ما ذكرنا– تعالج أمورًا بالغة التعقيد تتصل بمبادئ سياسية واجتماعية يتفاوت النظر في تحديد مدلولها وتحديد نطاقها. والقضاة –في نهاية الأمر– مواطنون مشاركون في حياة مجتمعهم، ولكل منهم –وهم بشر- رأيه الخاص وتوجهاته الخاصة ومنطلقاته الفكرية تجاه القضايا السياسية والاجتماعية، ومن شأن هذه الآراء والتوجهات أن تجد سبيلها إلى الأحكام القضائية التي يصدرها أولئك القضاة، وهم يفصلون في أمر دستورية نص تشريعي يعالج الشئون السياسية والاجتماعية والاقتصادية.. ولهذا وجدنا الفقه الدستوري في بلد كالولايات المتحدة يعنى عناية خاصة بفهم الرؤى السياسية والقانونية لأعضاء المحكمة الاتحادية العليا، ووجدناهم يؤلفون الكتب وينشرون عشرات المقالات في تحليل تلك الرؤى ورصد انعكاساتها على ما أصدره وما يتوقع أن يصدره أولئك القضاة من أحكام تتعلق بدستورية القوانين”.

منهجان مختلفان في ممارسة الاختصاص بالرقابة على دستورية القوانين:

تعرضت المحاكم التي تمارس الرقابة على دستورية القوانين لحملات تعترض على بعض أحكامها، وترى فيها اقتحامًا -لا يجوز– لسلطة التشريع التي اختص بها الدستور والمجالس النيابية المختلفة.. وقع ذلك الاعتراض في الولايات المتحدة منذ أوائل القرن الماضي، ووقع مثله في مصر حين توالت خلال العشرين سنة الأخيرة أحكام قضت فيها المحكمة الدستورية بعدم دستورية عديد من التشريعات يتصل بعضها بالحقوق والحريات، ويتصل بعضها الآخر بنصوص تشريعية تعالج جوانب مختلفة من حياتنا السياسية والاجتماعية وكان جواب المحاكم الأمريكية ومعها جانب من الفقه.. هو عين جواب المحكمة الدستورية في مصر، ومعهما كذلك جانب كبير من فقهاء القانون الدستوري، ومضمون هذا الجواب أن المحكمة إنما تمارس اختصاصها بالرقابة وفق منهج صارم يتوسط به بين التفريط الذي يؤدى إلى استمرار العمل بنصوص تشريعية مخالفة للدستور.. والإفراط الذي تقتحم به المحكمة مجال التشريع، متجاوزة القاعدة المقررة من أن المحكمة الدستورية تقضى ولا تشرع تمامًا، كما أن القاضي الإداري يقضى ولا يدير… أي أن المحكمة في الحالين لا تتجاوز حدود العمل القاضي ولا تقتحم على أي من السلطتين التشريعية والتنفيذية مجال اختصاصها الذي حجزه لها الدستور.

ويتمثل هذا المنهج “الوسط” في التزام المحكمة عددًا من الضوابط التي يسميها الفقه، كما سمتها المحكمة الدستورية العليا في مصر “ضوابط التقيد الذاتى” Judicial self restraint. في مقدمة هذه الضوابط ما استقر عليه الفقه والقضاء من احترام قرينة “الدستورية” أي قرينة احترام النصوص الدستورية فيما تصدره سلطة التشريع من قوانين وقرارات، ومنها أن المحكمة في ممارستها للرقابة لا تتدخل في البواعث التي دفعت المشرع إلى إصدار التشريع محل الطعن.. كما لا تتداخل في أمر “ضرورته” وتقدير الحاجة إلى إصداره.

ويعرف أهل الاختصاص بالقانون الدستوري، أن اختيار المحاكم الدستورية “للسياسة القضائية” التي ترسم بها لنفسها حدود تدخلها في العمل التشريعي هي أكثر أجزاء عمل المحكمة الدستورية دقة وصعوبة، ولن يدرك عامة المتقاضين ثقل المحكمة [المهمة] الملقاة على المحكمة الدستورية، وهي تتلمس لنفسها –في قضائها- سبيلًا قوامًا بين الإسراف في الحذر والإفراط في الإقدام.

ولقد تعرضت محكمتنا الدستورية العليا لسهام نقد زاد عددها مع زيادة عدد الأحكام التي قضت فيها المحكمة بعدم دستورية عدد كبير من التشريعات، وتساءل كثيرون، من رجال القانون، ومن عامة المثقفين والمهتمين بالشأن العام عن دلالة كثرة الأحكام الصادرة بعدم دستورية العديد من نصوص القوانين.

ومن الضروري أن يلاحظ الجميع أن كثرة هذه الأحكام لا تعبر –بالضرورة- عن إسراف مذموم في تقدير عدم دستورية تلك القوانين بقدر ما تعبر عن ترخص المشرع في بعض ما يصدره من تشريعات، وتساهله في التثبت من التزام تلك التشريعات لحدود الدستور، وهو ترخص لا يكشف بالضرورة –كما يتوهم البعض- عن الاستخفاف بنصوص الدستور أو توهم أن المجلس التشريعي “سيد” فوق القانون وفق الدستور، وإنما قد يرجع ذلك –في بعض حالاته على الأقل– إلى تنوع المجالات التي يتناولها بالتنظيم التشريع الحديث وتعقيد بعضها… وأن انشغال المجلس التشريعي بمواجهة الحاجات الاجتماعية والسياسية بما يناسبها من تنظيمات تحقق الأهداف الكبرى للمجتمع، هذا الانشغال قد يصرف تلك المجالس عن توجيه العناية الكافية إلى بحث مدى اتفاق تلك التشريعات مع نصوص الدستور، ويظهر ذلك بصفة خاصة حين يكون المجال الذي ينظمه التشريع مجالًا مستحدثًا، لا سوابق له يقاس عليها، ولا أحكام قضائية في شأنه تكشف للمشرع –مقدمًا– عن مدى دستوريته.

وهذا الالتفات النسبي عن “المسألة الدستورية” لا ينبغي أن يقلق الرأي العام كثيرًا، مادام النظام الدستوري والقانوني قد تكفل، في مجموعه، بتدارك الأمر، ووكل هذا التدارك إلى صاحب الاختصاص فيه، وهو “المحكمة الدستورية” وذلك حين منحها، وحدها دون غيرها، مهمة الرقابة على دستورية القوانين.

إن التقدم الحقيقي لأي نظام دستوري، أو سياسي، إنما يقاس بمدى قدرة هذا النظام على إصلاح أخطائه وتدارك عثراته من خلال آليات وتركيبات تنظيمية “مؤسسية” تتولى، من داخله إصلاح تلك الأخطاء.. وليس من شك في أن وجود المحكمة الدستورية العليا عندنا يمثل حجر الزاوية، والضمان الأكبر لالتزام المشرع حدود الدستورية، ولتوفير أكثر الضمانات فاعلية في حماية الحقوق والحريات وتأمين العدل وسيادة القانون بأوسع معانيها وأكثرها شمولًا. لهذا نقرر –في غير تردد– أنه لا ينبغي لأحد –حاكمًا كان أو محكومًا- أن يضيق بأحكام المحكمة أو أن يذهل عن دورها الكبير في نظامنا الدستوري، وفى توفير الأمن القانوني للمجتمع كله.. إن هذا الأمن القانوني هو السبيل الوحيد لتوفير الأمن السياسي وحراسة السلام الاجتماعي.. كما لا يجوز –كذلك- لأحد أن يتصور –وهما وخطأ- أن كثرة الأحكام التي تقرر فيها المحكمة الدستورية عدم دستورية بعض النصوص التشريعية دليل على تجاوز المحكمة الدستورية أو اقتحامها مجال التقدير الذي تركه الدستور وعهد به إلى المجالس التشريعية.

ولا يعنى هذا بطبيعة الحال أنه لا رأي لنا -تحفظًا واستدراكًا- على بعض ما انتهت إليه المحكمة في أحكامها التي تمس أمورًا اجتماعية أو اقتصادية أو سياسية تختلف في شأنها الآراء باختلاف الرؤى السياسية والاجتماعية وما تنطوي عليه تلك الرؤى من ترجيح بين المصالح المتعارضة وتحديد لأولويات المبادئ الحاكمة؛ إذ إن هذا التحفظ، وذلك الاستدراك، ملازمان لدور الفقه في مناقشة أحكام القضاء مناقشة شرطها ألا تكون قائمة على مجرد المفاضلة والاستحسان وإنما تقوم على منهج علمي موضوعي صارم في موضوعيته صرامة التزام الأحكام القضائية بأصول العمل القضائي في إجراءاته ومبادئه التي تكفل له أعلى درجات التجرد عن الهوى والتزام بالحياد واتباع أصول الصناعة القضائية التي كان بها دور المحاكم في إقامة العدل “فريضة محكمة وسنة متبعة”.

وليت غير المتخصصين من كتابنا ومثقفينا وشبابنا يقلبون بعض صفحات الأحكام التي أصدرتها محكمتنا الدستورية خلال ما يقرب من خمسة وعشرين عامًا، هي أعوام حياتها بيننا، ولو فعلوا لرأوا رأى العين كيف تعلن هذه المحكمة باسمهم في كل مرة أن هامة الدستور الذي ارتضوه لمجتمعهم أعلى من كل هامة، وأن حرياتهم التي تحرسها المحكمة حرم آمن لا يجوز لسلطة مهما علت مكانتها أن تلتف حوله أو تجور عليه، وإن بين يدى وأنا أكتب هذه السطور المجلدات التسعة التي تضم ما أصدرته المحكمة الدستورية من أحكام منذ إنشائها عام 1979 وحتى شهر يونيه سنة 2001، وبين يدى كذلك مجلدات تضم أهم الأحكام التي أصدرتها المحكمة العليا الأمريكية في الشئون الدستورية، وأشهد –بغير مبالغة يميلها الانحياز أو يدفع إليها الشعور بالاعتزاز- أن محكمتنا الدستورية قد بلغت في بعض أحكامها، ولا أقول فيها جميعًا، مبلغًا من الحرص على سيادة الدستور، ومن التحليل القانوني الدقيق، ومن الصناعة الفقهية والقضائية المتمكنة ما لا يقل بحال عما بلغته المحكمة العليا الأمريكية التي بدأت مسيرتها قبل محكمتنا بنحو قرنين من الزمان. ولا يتسع المقام لتقديم تقييم علمي شامل لمجمل المبادئ التي أرستها محكمتنا الدستورية في المجالين السياسي والاجتماعي للحياة في مصر وإنما سأجتزئ بالإشارة إلى عدد قليل من هذه الأحكام قبل مناقشة أمرين يهمان كل مشتغل بالقانون.

أولهما: مناقشة اقتراح أوشك البعض أن يستحسنه ويميل إليه، تقيدًا لسلطة المحكمة في ممارسة الرقابة على القوانين، ووجدنا من الواجب أن نناقشه في هدوء وأن نكشف عن ضرره الكبير حتى لا تحدث أحدًا نفسه بالعودة إليه أو ما يشابهه.

والآخر: إلقاء نظرة على مستقبل القضاء الدستوري في مصر.. وما قد تقتضيه مراعاة “اختلاف الأزمنة والأمكنة والأحوال” كما كان يقول فقهاؤنا الأولون، من إعادة النظر في بعض ما قررته أحكام قديمة للمحكمة، وقعت بعدها تغيرات في بنية المجتمع وأوضاعه على نحو يستوجب العدول عن بعض ما انتهت إليه تلك الأحكام القديمة.

وقبل أن ننتقل إلى مناقشة هذين الأمرين، وهما داخلان كلاهما في نطاق البحث الفني الذي يخاطب المثقفين في النطاق الدستوري والقانوني.. فلا بد أن نشير إلى “بؤرة” اهتمامنا في مناقشتنا لبعض الأحكام التي أصدرتها المحكمة، هي مناقشة ما يمكن أن نسميه “السياسة القضائية” للمحكمة، من حيث اختيارها لموقف الالتزام الصارم بضوابط “التقييد الذاتى”.. الذي تتناءى معه عن الدخول في تقدير ملاءمة التشريع.. أو موقف الإقدام والإيجابية activism الذي تتوسع به المحكمة في بسط رقابتها على القوانين، بحيث تقترب في بعض أحكامها من التخوم الفاصلة بين الشرعية والملاءمة، وهما مدرستان كان لهما ولا يزال أتباعهما بين قضاة المحاكم الدستورية في مصر وفى غيرها.

وقد ظهرت إلى جوارهما مدرسة ثالثة تتبنى سياستين قضائيتين مختلفتين باختلاف ميدان الرقابة، فهي تتبع الساسة الإيجابية النشطة activism في المجال السياسي وما يتصل به من حقوق وحريات شخصية وسياسية… وفى مجال حرية التعبير التي هي –في نهاية المطاف– أقوى الضمانات لقيام ديمقراطية حقيقية مبناها المشاركة الحقيقية الفعالة والاختيار الحر الطليق، بينما تتبع سياسة التقييد الذاتي في المجالين الاجتماعي والاقتصادي إيمانًا بأن الاختيار بين البدائل المتاحة في هذا الميدان هو أخص خصائص الوظيفة التشريعية التي احتجزها الدستور للمجالس التشريعية المنتخبة.

ولعل أكثر الاحكام التي أثارت جدلًا وخلافًا في الرأي العام وبين رجال القانون أنفسهم هي تلك التي تتصل بالعلاقات الاجتماعية والاقتصادية، كالأحكام الصادرة في شأن التزام الزوج المطلق بتوفير مسكن للمطلقة الحاضنة.. وتلك الصادرة في ميدان العلاقة بين المؤجرين والمستأجرين.. وكلها ميادين بالغة الدقة شديدة التعقيد، لا يزال المشرع عاجزًا –إلى يومنا هذا– عن قطع الأمر فيها بكلمة سواء.. وهو ما يفسر التأخر الطويل في إصدار القوانين المنظمة لتلك العلاقات.

وإذا كنا من جانبنا نؤيد –في حماس موضوعي تبرره وتشهد له تجارب عشرات السنين– السياسة القضائية الإيجابية في ميادين الحقوق الشخصية والحريات المدنية والسياسية.. فإننا نفضل -في حماس موضوعي كذلك- أن تتجه المحكمة إلى مزيد من التقييد الذاتي، وإلى إعمال الضوابط التي قررتها هي في العديد من أحكامها لسلطتها في الرقابة على التشريع، وذلك حين يتصل الأمر بترتيب العلاقات الاجتماعية والاقتصادية… حتى تظل تبعة التوفيق بين المصالح المتعارضة في تلك الميادين واقعة على عاتق الهيئة المسئولة دستوريًا عن تحقيق ذلك التوفيق وهي الهيئة التشريعية المنتخبة الممثلة لاتجاهات الجماهير.

وفى تقديرنا أن زهد المحكمة الدستورية في اقتحام هذا المجال على صاحب الاختصاص الأصيل فيه، من شأنه أن يقوى ساعدها ويثبت مكانتها حين تمارس الإيجابية والإقدام في الميدان الذي لا يقوم غيرها مقامها فيه، وهو ميدان حماية حرية الاعتقاد والتعبير وممارسة الإبداع، وحماية الحقوق الشخصية والمدنية للأفراد والأقليات، وحماية ضمانات المتهمين في التحقيق والمحاكمات.

خاتمة:

وفى الجزء الثانى من هذا البحث سوف نتعرض لمناقشة أربعة أحكام، يقع اثنان منها في ميدان الحقوق الشخصية والحريات العامة، ويقع الاثنان الباقيان في ميدان العلاقات الاجتماعية والاقتصادية، لنتبين من خلال هذه المناقشة حقيقة الدور الذي تؤديه المحكمة الدستورية العليا في نظامنا السياسي ونظامنا الاجتماعي، ولنتعرف من خلال هذه المناقشة كذلك على المعايير القانونية التي تطبقها المحكمة وهي تمارس رقابتها على التشريع في هذين المجالين. وبعد ذلك ننتقل إلى مناقشة أمرين آخرين يتعلقان بالجانب الفني في ممارسة المحكمة لاختصاصها وبحدود هذا الاختصاص.

 أولهما: مناقشة الأفكار والاقتراحات التي طرحها البعض بقصد تقييد سلطة المحكمة، والانتقاص من قيمة ما تصدره من أحكام.

والآخر: الوسائل الفنية التي تتمكن المحكمة عن طريقها من مراجعة بعض ما انتهت إليه في عدد من أحكامها السابقة.


* نُشر هذا المقال في العدد الأول من مجلة “الدستورية” ، التي تصدرها المحكمة الدستورية العليا في مصر، والذي صدر في شهر يناير- 2003م.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 27 تشرين1/أكتوير 2023 17:11

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.