إن دور الفقه في المنظومة الإسلامية يتمثل في مهمتين جليلتين: أولاهما: هداية واقع البشرية، وترشيد الحركة الإنسانية، وثانيتهما: إخراج البشر من دواعي أهوائهم وأغراضهم، وضبطها بالأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة استنباطًا صحيحًا موثقًا.
الفقه إذًا في المنظومة الإسلامية هو السابق الهادي، والواقع هو المسترشد المهتدي. لكن هذا التصور الشديد الوضوح والجلاء ينقلب لدى البعض إلى نقيضه، فيصبح “الواقع” في هذا التصور المقلوب هو الطرف المهيمن الذي يفرض نفسه على الفقه، بل يصبح الواقع بكل ما يضطرب فيه من أهواء وأغراض وانكسارات وتراجعات- هو الذي يحكم الفقه، ويهيمن عليه، ويُحدد له ما يجب وما لا يجب، وما يجوز وما لا يجوز، ولو تجاوز في سبيل ذلك قطعيات الشريعة وأصولها الثابتات، وتصبح مهمة الفقه في هذا التصور المعوج محصورةً في العثور على المخارج المصطنعة والحيل الزائفة التي تحلل ما يحتاج الواقع إلى تحليله، أو تحرم ما يحتاج إلى تحريمه، أو تبرر ما يحتاج من أحداثه إلى تبرير.
وبذلك يفقد الفقه فعاليته المنشودة في إصلاح مسيرة الواقع، وضبط اعوجاجه، وتقويم انحرافه على هدى من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، بل يصير حينئذ فقهًا بلا هوية أو ذاتية، هذا إن كان جديرًا باسم الفقه أصلًا وابتداءً!!
وإذا كنا في أمورنا الحياتية نضع الخطط قبل التنفيذ، ونجعل الفكر سابقًا على الواقع، فلماذا تنقلب هذه البدهية في قضيتنا هذه رأسًا على عقب؟
لماذا يصبح الواقع هو الأساس، ويصبح الفقه هو الظل والانعكاس؟ أليس في هذا ضياع للفقه وللواقع جميعًا؟! ثم أليست هذه أثارة ما زالت باقية من أثارات منهج الديالكتيك الجدلي الذي يقوم على “أسبقية الواقع على الفكر” سواء في الوجود أو في المعرفة، أو في التاريخ، أو في الأخلاق؟ وإذا كان المنهج الأفل قد انقض بنيانه من القواعد، فكيف بنا نحيي مواته في مسار حياة المسلمين التي يضبطها الفقه، وتشيد أركانها في أصوله ؟!
الفقه والمصلحة
(حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله) هكذا تقول العبارة التي تتردد على الألسنة، وهكذا تهتف حروفها بالناس -حين تُفهم حق الفهم- قائلة: إذا تحققت مصالح العباد على أتم الوجوه، وبلا نقص أو اختلال فأيقنوا أن شرع الله تعالى قد تحقق على الدرجة نفسها من التمام، فمصالح العباد مرتبطة بتنفيذ تكاليف الشرع، وجودًا وعدمًا، وكمالًا ونقصانًا.
ولست أدري كيف انقلب مفهوم هذه العبارة لدى البعض إلى الطرف المغلوط، فأصبح معناها لديهم أن الشرع ليس سوى تابع للمصلحة، يلهث خلفها، ويتبع خطاها؟ لست أدري .. ماذا يتبقى من الشرع إن كانت المصالح هي الهادي، وهي الفيصل بين ما هو مشروع وبين ما هو غير مشروع؟
أما يكفي -لو كان الأمر كذلك- أن يقول الوحي للناس بكلمة واحدة مجملة تتبعوا المصلحة في كل ما تأتون وتذرون؟ ثم أي دور يبقى للشرع نفسه بعدئذٍ؟ بل لماذا وردت التشريعات أصلا إذا كانت المصلحة هي رائد الشرع ومعياره وميزانه؟
لقد كان حريًا بأولئك الذين يريدون من الشرع أن يكون تابعًا للمصلحة أن يسألوا أنفسهم أليست المصالح بطبيعتها متغيرة متبدلة، بل متعارضة متناقضة؟ أليست المصالح متعددة بتعدد البيئات والأزمنة والأمكنة والأشخاص؟ فأي هذه المصالح يكون الشرع رهنا بها وتبعًا لها؟
أليس معنى تبعية الشرع للمصلحة أن الشرع قد قدم استقالته من دوره المنوط به في هداية المجتمع، وإمساك دفة التوجيه والإصلاح فيه، ثم ترك تلك الدفة تقودها المصالح، وتُسيّرها المنافع التي سرعان ما يتوهم المنتفعون بها أنها من قبيل الضرورات ثم يتذرعون بها إلى استباحة المحظورات؟!
إن ثمة فرقًا هائلا قد يغفل عنه الغافلون بين المصالح الحقيقية التي لا مفسدة فيها عاجلًا أو آجلًا للنفس أو للغير، وبين المصالح الموقوتة الزائفة التي تختلط بالمفسدة على أي نحو من الأنحاء، فما يقترن بالشرع ويرتبط به هو المصالح الحقيقية، أما ما يخرج عن إطاره فهو ما يُظن مصلحة، وليس هو كذلك، وإنما هو الهوى والغرض، وكم انخدع الناس بتجارب وممارسات هللوا لها، وتوهموا أنها المصلحة، وإذا بمفاسدها تتوالى، وإذا بهم يشقون بها أشد الشقاء، ولو أنهم ربطوا مصالحهم بالشرع، وجعلوها تابعة لأوامره ونواهيه لتحققت تلك المصالح على وجهها المستقيم، ولكان ذلك خيرًا وأحسن توفيقًا.
الفقه ومقاصد الشريعة
عندما بحث الفقهاء في (مقاصد الشريعة) كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى الكشف عن محاسنها وحكمها وغاياتها الرفيعة، لكنهم -بثاقب فطنتهم- لم يكونوا غافلين عن أن بعض الأفهام الخاطئة قد تنحرف في تصورها لهذه المقاصد بسوء فهم أو بسوء نية.
إن مقاصد الشرع أو غاياته وحِكَمه مشتقة من نسيج الأحكام الشرعية والتكاليف الإلهية، ومستنبطة من مجمل أدلتها المستقاة من الكتاب والسنة، فلا يتصور إذًا أن تتحقق مقاصد الشريعة بطريق غير طريق تلك التكاليف الشرعية، ولا يتصور أن تكون مقاصد الشريعة مقحمة على الأحكام الشرعية التي أدت إليها وأثمرتها، فضلا عن أن تكون غريبة عنها أو مناقضة لها.
فإذا قلنا: إن الحكمة من فريضة الصوم مثلا تتمثل في تأديب النفس، وتربية الضمير، وسلامة البدن، فلا يتصور عاقل أنه حين تتحقق تلك الأمور -بأية وسيلة أخرى غير الصوم- فقد أُنجِز “المقصد” من تلك الفريضة، وانتفت تبعًا لذلك الحاجة إليها، بل إن فريضة الصوم – كانت ولا تزال وستظل- فريضة مكتوبة على المسلم حتى وإن تحققت تلك الأمور على أيّ نحو من الأنحاء!
لكن بعض الأفهام الخاطئة قد تحيد عن هذا التصور المستقيم، فتجعل (المقاصد الشرعية) بديلًا عن الأحكام التكليفية ذاتها، ويصبح المطلوب – كل المطلوب عند أصحاب هذه الأفهام- هو تحقيق “المقصد” بأي سبيل وبأي طريق، سواء كان هذا الطريق متفقًا مع الأحكام التكليفية المستنبطة من النصوص الشرعية أم غير متفق، بل وحتى لو تحقق هذا المقصد بالتغاضي عن الأحكام التكليفية حينًا، أو بإهمال النصوص التي استقيت منها حينًا آخر.
لقد فات على أصحاب هذه الأفهام أن المقصد الشرعي كالثمرة، وأن الأوامر الشرعية كالشجرة التي أثمرتها، فهل يُعقل أن تنبت ثمرة بلا شجرة؟ أو ينهض بناء على غير أساس؟
إن ثمة محاذير تلوح في الأفق من جرَّاء شيوع استخدام قضية المقاصد الشرعية على غير وجهها، وذلك تحت لافتات براقة خداعة؛ كالدعوة إلى استلهام (روح الشريعة) حتى وإن تم ذلك على حساب النصوص الشرعية والأحكام التكليفية، وما هذه الدعوة وأشباهها إلا محاولة للالتفاف حول النصوص ثم التنصل منها، وهيهات أن تنفصل (روح الشريعة) عن نصوصها وتكاليفها إلا حين تزيغ الأبصار، وتنطمس البصائر !!
* نُشر هذا المقال في مجلة الأزهر (عدد شهر ذي القعدة لعام 1444).