. للمذهب المالكي في مصر تاريخٌ طويلٌ حافلٌ، وكان شيخ المالكية ومفتيهم بمصر لفتراتٍ طويلةٍ هو شيخ شيوخ مصر وشيخ أزهرها، يَهَابَهُ حُكَّامُها ويعملون له ألف حساب، فبرز منهم في العصر العثماني الشيخ علي الصعيدي الذي كان يرتعب منه علي بك الكبير، والشيخ الدردير والشيخ الأمير الكبير. بيد أن دولة محمد علي باشا عملت على الحَطِّ من مكانة مفتي السادة المالكية، والرفع من قدر مفتي السادة الحنفية، مفتي الدولة الرسمي، وتدريجيًّا صار مفتي الحنفية متصدرًا بين علماءِ مصر، وتراجعت مكانة المفتي المالكي إلى المرتبة الثانية، بدايةً من الشيخ الأمير الصغير، ومرورًا بالشيخ إبراهيم الملوي، والشيخ عبد الله العدوي، والشيخ محمد حبيش، وانتهاء بالشيخ محمد عليش. ثم اختفى منصب الإفتاء المالكي من مصر بموت الشيخ محمد عليش مسجونًا بعد موقفه المساند للثورة العرابية. وإصرار الدولة على أن تكون الفتوى على مذهب الإمام أبي حنيفة فقط، ومنعها علماء المذاهب الأخرى من التصدي للفتوى.
كان الشيخ محمد عليش آخر المفتين المالكية الرسميين بالديار المصرية، وكان مفتي المالكية هو شيخهم وناظر أوقافهم، فنتج عن موت الشيخ عليش سنة 1299هـ/ 1882م، مع عدم اهتمام الدولة بتعيين مفتٍ آخر مكانه تعطل مصالح المالكية، فلم يجدوا بُدًّا من العودة إلى النظام القديم بانتخاب شيخٍ لهم بدون تدخل الدولة، يحمل لقب “شيخ السادة المالكية”. مقلدين في ذلك السادة الشافعية الذين كان شيخ الأزهر مصطفى العروسي هو شيخهم ومفتيهم وناظر أوقافهم، فلما عزله الخديو إسماعيل وقلد مشيخة الأزهر للعباسي المهدي الحنفي؛ انتخب الشافعيةُ لهم شيخًا غير رسمي حمل لقب “شيخ السادة الشافعية” بصورة غير رسمية، هو الشيخ إبراهيم السقاء.
ثانيًا-تطور منصب مفتي السادة المالكية بالديار المصرية:
. عندما توفي الشيخ عليش كان الشيخ حسن العدوي الحمزاوي هو كبير المالكية سنًّا ومقامًا، والمتصدر بينهم، فأقر له المالكية بالمشيخة عليهم، وأصبح أول من شغل منصب “شيخ السادة المالكية” بطريق غير رسمي، ولكنه لم يستمر طويلًا، فتوفي سنة 1303هـ/ 1885م، وانتخب المالكيةُ الشيخَ سليم بن أبي فرَّاج البشري شيخًا لهم؛ فأصبح هو “شيخ السادة المالكية” ومفتيهم والمتصدر بينهم وناظر أوقافهم. وبالرغم من أن الحنابلة كانوا قلةً قليلةً بالأزهر؛ إلا أنهم قلدوا الشافعية والمالكية وانتخبوا لهم شيخًا هو الشيخ يوسف البُرقاوي النابلسي الحنبلي؛ فأصبح يلقب هو الآخر “شيخ السادة الحنابلة بالديار المصرية”. ولكنها كلها كانت مناصب عُرفية لا تعترف بها الدولة.
. ويذكر المستشار طارق البشري في تقديمه لفتاوى جَدهِ (الفتاوى البشرية) التي هي موضوعنا اليوم أنه في سنة 1305هـ/ 1887م صدر مرسوم خديوي بتعيين الشيخ سليم البشري شيخًا للسادة المالكية. ولكن الحقيقة أن هذا المرسوم لا وجود له، وأن الشيخ البشري كان شيخًا للمالكية بطريق عُرفي منذ سنة 1303هـ، وأن الحكومة لم تعترف بشيوخ المذاهب إلا في سنة 1312هـ عندما أقعد المرضُ الشيخَ الأنبابي عن مباشرة منصبه كشيخٍ للأزهر، فأصدر الخديو عباس حلمي الثاني مرسومًا في سابع رجب من تلك السنة يقضي بتشكيل مجلس إدارةٍ للأزهر يتكون من أربعة أعضاء هم شيوخ المذاهب الأربعة (غير الرسميون) برئاسة شيخ الحنفية الشيخ حسونة النواوي الذي كان يشغل وقتئذ منصب وكيل مشيخة الأزهر. وبذلك أصبح الشيخ البشري عضوًا في مجلس إدارة الأزهر بصفته شيخ المالكية. وكان هذا مجرد اعترافٍ شكلي من الدولة، فلم يتدخل الخديو في انتخاب شيوخ المذاهب أو تعيينهم بمراسيم رسمية.
. ظل الشيخ البشري شيخًا للسادة المالكية إلى سنة 1317هـ/ 1899م حينما عينه الخديو عباس حلمي الثاني شيخًا للأزهر، فصار إلى جانب مشيخته للمالكية عرفيًّا شيخًا للعموم رسميًّا. واستمر الأمر على هذه الحال حتى صدر قانون الجامع الأزهر في ثاني صفر سنة 1326هـ/5 مارس 1908م، ونص على تشكيل مجلس إدارةٍ للأزهر يضم شيخ الأزهر ومفتي الديار المصرية (شيخ الحنفية) وشيخ السادة الشافعية، وشيخ السادة المالكية، وشيخ السادة الحنابلة. وبذلك أصبح من الضروري أن يتم تعيين شيوخ المذاهب بشكلٍ رسمي لكي يصبحوا أعضاء في مجلس الإدارة. وصدرت المراسيم الخديوية بتعيينهم في تلك المناصب في صفر من تلك السنة. فأصبح إمامنا البشري شيخًا للمالكية بشكل رسمي حتى وفاته سنة 1335هـ/ 1917م، فخلفه الشيخ محمد أبو الفضل الجيزاوي شيخًا للأزهر، وكان من الطبيعي أن يصبح كذلك شيخًا للسادة المالكية، وظل يشغله حتى وفاته سنة 1346، ثم تلاه الشيخ نصر العدوي حتى وفاته سنة 1359هـ، ثم خلفه الشيخ محمد العناني حتى وفاته سنة 1372، وكان هو آخر من شغل هذا المنصب بشكل رسمي، ثم أبطل جمال عبد الناصر مناصب شيوخ المذاهب، وتجاهل تعيينهم، ولكن ظل الناس ينتخبونهم عرفيا، فتصدر بين المالكية الشيخ القرنشاوي ثم الشيخ أحمد طه ريان، ولا أعرف من يتصدر بين المالكية الآن.
صورة للدكتور عماد هلال مع الدكتور حسن بن عبد الرحمن الحسين
ثالثًا-فتاوى المالكية بالديار المصرية:
. من خلال تتبعي لفتاوى المالكية وجدت أن المالكية المصريين بوجه خاص والمشارقة بوجه عام مقلين في تجميع فتاواهم عكس المغاربة الذين أصدروا عشرات من كتب الفتاوى والنوازل. ولذلك فإنه من النادر أن تجد فتاوى لأحد فقهاء المالكية بالمشرق الإسلامي، وفي مصر لم أجد منها إلا القليل النادر بالرغم من وجود أئمة الفقه المالكية في مصر في العصر العثماني، مثل خليل مفتي المالكية والأجهوري والقرافي والسنهوري واللقاني والزرقاني والخراشي والصعيدي والدردير والأمير، وقبلهم في العصور الإسلامية الأولى مثل ابن القاسم وابن وهب وأشهب وابن الحكم وأصبغ وابن شعبان والطرطوشي وابن عوف وابن شاس وابن رشيق وابن شاهد الجمالي والإخنائي والدفري والدميري وخليل الجندي والأقفهسي. وبالرغم من تصدر كل هؤلاء للفتوى وغزارة ما أصدروه من فتاوى بعضها مبعثر في بطون الكتب ومتون سجلات المحاكم الشرعية المصرية؛ إلا أنني لم أجد مَن جُمعت فتاواه منهم إلا الشيخ علي الأجهوري (ت 1066ه) والتي عرفت باسم (الفتاوى الوردية)، والشيخ محمد بن عبد الباقي الزرقاني (ت 1122ه) باسم (الاجوبة السديدة على الاسئلة العديدة)، ثم فتاوى الشيخ عليش المعروفة باسم (فتح العلي المالك في الفتوى على مذهب الإمام مالك) وأخيرًا هذه الفتاوى البشرية.
رابعًا-قصة الفتاوى البشرية:
. ظل الشيخ البشري شيخًا للمالكية اثنتين وثلاثين سنة، تصدَّر خلالها للإفتاء المالكي، فأحيا ما انقطع بوفاة الشيخ عليش، وقصده الناس بالفتاوى من كل حدب وصوب. وسار البشري علي نهج عليش في تدوين ما يصدره من فتاوى وتجميعها، حتى تكونت لديه ثروة ضخمة وكنز ثمين من الفتاوى، هي آخر ما هو معلوم لدي من فتاوى المالكية المصريين. وهذه الفتاوى ليست بخط الشيخ البشري، وإنما هي بخط ولده الشيخ عبد الرحمن سليم البشري، الذي كان يسجل نصوص فتاوى والده في كراسات كبيرة الحجم، حتى بلغ عددها تسع كراسات، مكتوب عليها أرقام مسلسلة. وقد آلت تلك الفتاوى بعد وفاة الشيخ البشري إلى ولده الشيخ عبد الله البشري، ومنه انتقلت إلى ولديه المستشار محمد حمدي، والدكتور عبد الغني. ثم سلما تلك الكراسات إلى ابن عمهما المستشار والمفكر الإسلامي طارق بن عبد الفتاح بن سليم البشري ليحفظها من بعدهما. ولكن ما وصل إليه منها كان سبع كراسات فقط.
. ظلت (الفتاوى البشرية) حبيسة الأدراج في بيت المستشار طارق البشري، مخطوطة ومجهولة لا يعلم أحدٌ عنها شيئًا؛ حتى إنني لما ترجمت للشيخ البشري في (موسوعة الإفتاء المصري) كنت أعلم أنه كان متصدرًا للفتوى بشكل غير رسمي، ووجدت نصوص فتاوى له مبعثرة هنا وهناك، منها فتاواه في بعض المسائل التي استفتاه فيها الشيخ محمد عبده أثناء شغله منصب مفتي الديار المصرية استرشادًا برأيه، وهي مسجلة في سجل فتاوى الشيخ محمد عبده المحفوظ بدار الوثائق القومية. فترجمتُ للشيخ البشري باعتباره من المتصدرين للفتوى على المذهب المالكي، ونشرت نصوص بعض فتاواه من غير تلك المخطوطة التي لم أكن أعلم شيئًا عنها ولم أسمع بها.
استهلال بقلم الدكتور حسن الشافعي عضو هيئة كبار العلماء
خامسًا-اجتماع النبلاء الثلاثة (البشري والشافعي والعوَّا):
. لم يسع المستشار طارق البشري لنشر تلك الفتاوى، فكأنه لم يكن يرى جدوى من نشرها، فهو وإن كان فقيهًا قانونيًّا ومفكرًا إسلاميًّا؛ إلا أنه كان يعرف أن مصر تأخذ في التشريع بالمذهب الحنفي، ولذلك لن يقبل عليها رجال القانون والفقه. ولكن تغيرت الأمور حوالي سنة 2010م عندما حدَّث عنها صديقَهُ الشيخ الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية وقتئذ، فأقنعه بنشرها، وعرض أن يحققها، وحقق الدكتور حسن الشافعي جزءًا كبيرًا منها، ولكن أحوال مصر اختلت خلال الفترة من 2011 إلى 2014، ولم تكتمل عملية التحقيق، وتسربت النسخة الجاري تحقيقها من دار النشر، وطبعها مجهولون طبعةً مشوهة وغير مكتملة التحقيق.
. عَلِمَ الدكتور محمد سليم العوا بما حدث، وسعى إلى نشرها في طبعة مكتملة ومحققة، وحَدَّث صهره المستشار طارق البشري في ذلك، وعرض عليه أن يقوم هو بإكمال تحقيقها. تشجَّع المستشار البشري، وسلَّمه نسخة الفتاوى التي كان يعمل عليها الدكتور حسن الشافعي، فقام العوا بجهدٍ كبير في استكمال تحقيقها، ولم يبخس الدكتور الشافعي حقه، فنسب إليه ما حققه وما علق عليه بوضع حرف (ش) في نهاية كل تعليق للشافعي، ووضع حرف (ع) في نهاية كل تعليق له. وكتب المستشار البشري تقديمًا لهذه الفتاوى مع ترجمة لجده الشيخ سليم البشري، كان من دواعي سروري أنه استعان في ترجمته له بترجمتي له في كتابي (الإفتاء المصري). وهكذا اجتمعت لهذه الفتاوى المباركة نخبةٌ من النبلاء والعلماء المفكرين لم يسبق أن اجتمعوا في عملٍ واحدٍ؛ فجمعتهم بركة الشيخ البشري، وهم: المفكر الإسلامي المستشار طارق البشري، والدكتور محمد سليم العوا، والدكتور حسن الشافعي. فجزاهم الله خيرًا على ما أسهموا به من جهدٍ ووقتٍ في سبيل إخراج هذه الفتاوى للنور.
خامسًا نشر الفتاوى المحققة:
. استعان العوا بالشيخ حاتم يوسف تلميذ الشيخ الشافعي لمراجعة النص بعد اكتماله، فقام بجهدٍ مشكور في ضبط النص واستدراك بعض ما ند به قلم العوا، فلم يبخس العوا حقه، وأشار في تقديمه للفتاوى إلى أن كل تعليق ليس عليه حرف (ش) أو (ع) فهو منسوب لحاتم.
. بعد اكتمال التحقيق بقي النشر، وكان من المفروض أن يقوم مركز البحوث والدراسات الإسلامية (أدب) الذي هو وقف للدكتور حسن الشافعي بنشر الكتاب، ولكن الشيخ الشافعي فضَّل أن يشرك أحد مريديه وتلاميذه في فضل نشر هذا الكتاب، وهو صديقنا الدكتور حسن بن عبد الرحمن الحسين أستاذ أصول الفقه بجامعة الملك فيصل، وهو ناظر وقف مكتبة جده لأمه الشيخ الدكتور عبد الله بن علي آل الشيخ مبارك، فاضطلع مركز (أدب) بصَفِّ الكتاب، واضطلع وقف مكتبة آل مبارك بالطباعة وما استلزمته من تنسيق وإخراج فني، وطُبع مئتا نسخة تجريبية من الكتاب في إحدى المطابع بمصر، ولكنها للأسف الشديد جاءت رديئة الطباعة، مليئة بالأخطاء. فكانت هذه المطبعة أسوأ سفير لمصر، حيث قرر صديقنا الدكتور حسن أن يطبع الكتاب في بيروت، لتخرج لنا هذه التحفة المباركة شكلًا وموضوعًا، في حُلة ذهبية رائعة، وقد قرر صديقنا الدكتور حسن الحسين توزيع الجانب الأكبر من نسخ الكتاب في مصر، وأعطى النسبة الأكبر منها للمحققين: العوا والشافعي وورثة المستشار البشري رحمه الله. وتكفَّل الصديق الشيخ حاتم يوسف بتوزيع النسخ الباقية على المهتمين والباحثين في تاريخ التشريع والفقه والقانون، فجزاهم الله خيرًا وبارك في وقف الدكتور عبد الله المبارك، ووقف الدكتور حسن الشافعي.
. أرسلت المطبعة البيروتية حصة مصر من الكتاب إلى الشيخ حاتم ليوزعها على مستحقيها، وحصة السعودية إلى الصديق الدكتور حسن الحسين. وصلت النسخ السعودية قبل النسخ المصرية التي عطلها الروتين في الجمارك المصرية. وقد خصني الصديق العزيز الدكتور حسن بميزة أقدرها له، فما إن وصلته النسخ، حتى فتح أول كرتونة، وأخذ أول نسخة، وجاءني بها إلى مكتبي في جامعة الملك فيصل لنحتفل معًا بهذه المناسبة العظيمة. ونتذاكر معًا حكاية الفتاوى البشرية، وكانت فرصة لالتقاط تلك الصورة المرفقة تذكارًا لتلك المناسبة الطيبة.
. طلبت من الدكتور حسن أن أكتب عن تلك الفتاوى على صفحتي في الفيسبوك، ولكنه استأذنني في تأجيل الكتابة حتى تصل نسخ الدكتور حسن والدكتور العوا إليهما؛ إذ لا يصح أن تصل أخبار النسخ الجديدة إليهما من الفيسبوك. واحترمت رأيه وقدرته، وأجَّلْتُ الكتابةَ حتى وصلت النسخ لأصحابها. وها أنا أكتب عنها.
سادسًا-الفتاوى البشرية مصدرًا تاريخيًّا:
. أبدع الدكتور محمد سليم العوا في تحليل الفتاوى البشرية من حيث مضمونها وموضوعها وأسلوبها ومصادرها الفقهية بما لا مزيد عليه. ولكنني بصفتي مؤرخ أضيف عليه بُعدًا غاب عنه، هو البعد التاريخي لفتاوى البشري. فهذه الفتاوى إلى جانب كونها الإصدارة الأخيرة من فتاوى المالكية بالديار المصرية، تُعد مصدرًا تاريخيًّا مهما لمصر في أواخر القرن الثالث عشر الهجري/ التاسع عشر الميلادي، وأوائل القرن الرابع عشر الهجري/ العشرين الميلادي.
. بالرغم من شهرة العلماء الذين شغلوا منصب (مفتي الديار المصرية) في وقت مشيخة البشري للمالكية وهم: محمد العباسي المهدي، ومحمد بن محمد البنا، وحسونة النواوي، ومحمد عبده، وبكري الصدفي، ومحمد بخيت المطيعي؛ إلا أن هذه الفتاوى تظهر أن قطاعًا كبيرًا من المصريين المالكية-خصوصًا في صعيد مصر-كانوا حريصين على استفتاء المفتي المالكي في شئون عبادتهم ومعاملاتهم وما لا شأن لمفتي الديار المصرية به. فالمتصفح لفتاوى البشري سيجد أن الجانب الأكبر منها في العبادات والمعاملات، والقليل منها في الأحوال الشخصية، والنادر منها في الحدود والديات والقضاء والمواريث. والمتصفح لسجلات فتاوى الديار المصرية سيجد أن فتاوى الحدود والقصاص والديات والأحوال الشخصية الجاري العمل في المحاكم الشرعية فيها بالمذهب الحنفي تمثل الغالبية العظمى للفتاوى، ثم تقل نسبة فتاوى العبادات بدرجة كبيرة لأن الناس كانوا يؤدون عباداتهم طبقًا لمذهبهم، وكان المالكية أحرص الناس على الالتزام المذهبي.
. والملاحظ أن فتاوى البشري في الأحوال الشخصية والجنايات يكون الغرض منها الاسترشاد والاستدلال بشكل غير رسمي، لكن هناك بعض الفتاوى التي كان لها اعتبار في القضاء، ومن أهمها فتوى الشيخ البشري في قضية زواج صفية ابنة الشيخ عبد الخالق السادات نقيب الأشراف وشيخ الطرق الصوفية، من الشيخ علي يوسف الصحفي وصاحب جريدة المؤيد، بدون إذن وليها. ولأن المذهب الحنفي المعمول به في المحاكم المصرية كان يسمح للبنت أن تتزوج بكفء لها بغير إذن وليها، فقد استند الشيخ السادات إلى مسألة النسب الشريف للاستدلال على عدم كفاءة علي يوسف لصفية الحسيبة النسيبة. ثم ذهب الشيخ السادات المالكي المذهب لاستفتاء شيخ المالكية الشيخ سليم البشري في قضية زواج ابنته بغير كفء لها بغير إذنه، فأفتاه بفساد الزواج، وبفسق الشهود المالكية الذين شهدوا على العقد، وبعدم جواز تقليد المالكية للحنفية في هذا الأمر إلا بشروط حددها في الفتوى. وكان لفتواه تأثير كبير في حكم قاضي محكمة مصر الشرعية الشيخ أحمد أبو خطوة بفسخ العقد لعدم الكفاءة.
. تزخر فتاوى البشري بكثير من الموضوعات الطريفة والمفيدة التي تصور جوانب مختلفة من المجتمع المصري، بعضها أقرها الشيخ البشري وبعضها رفضها وحرمها، فعلى سبيل المثال كان من المعتاد أن الحلاقين في الريف المصري يحلقون للفلاحين وأسرهم مقابل أن يحصلوا على أجرهم في آخر السنة من المحصول، بما يعرف بالمسانية (من السنة)، ولكن الشيخ سليم وجد أن مقدار المحصول الذي يدفع للحلاق غير مقدر، فأفتى الشيخ البشري بأن تلك الإجارة فاسدة؛ لأنه من اللازم تعيين العمل المطلوب وتحديد الأجرة بشكل واضح.
. وعلى النمط نفسه استفتاه سائل في أجرة المسحراتي الذي يوقظ الناس للسحور بدق طبلة في الشارع، ويأخذ أجرة من كعك العيد ونحوه غير معلومة، فأفتى بعدم الجواز، ويعطى الرجل من الصدقات وينهى عن دق الطبلة.
. اعتاد بعض الناس في صعيد مصر في أواخر القرن التاسع عشر على تنبيه الناس لقرب وقت صلاة الجمعة بأن يركب أحدهم حصانًا، ويحمل رايةً، ويسير في أزقة القرية وحقولها ينبه الناس لقرب وقت الصلاة. وقد استفتاه أحدهم في شرعية ذلك العمل فأفتى بجوازه، وبأنه يثاب على ذلك، ويثاب من أعطاه شيئا من المال إحسانا. ويبدو أن هذه العادة بطلت بعد اختراع مكبرات الصوت. وتزخر الفتاوى بكثير من المعلومات والصور المجتمعية التي تحتاج دراسة موسعة؛ لعل أحد الباحثين يكتب عنها بحثًا عنوانه (صورة المجتمع المصري من خلال الفتاوى البشرية).