الأقوال الشاذة في ميزان الشريعة الإسلامية

By أ. د. ممدوح واعر عبد الرحمن مهني يونيو 30, 2026 7 0

يتسم التراث الفقهي الإسلامي بالثراء والسعة، نتيجة لاختلاف مناهج الاستنباط وتعدد المدارس الفقهية عبر العصور. وإذا كان هذا التنوع يُعد في أصله امتدادًا طبيعيًا لحركة الاجتهاد المحمودة التي تعكس مرونة الشريعة وقابليتها لاستيعاب المستجدات، إلا أن المنهجية الأصولية لم تترك هذا الباب مفتوحًا على مصراعيه دون ضوابط؛ فثمة فاصل دقيق بين "الاجتهاد المعتبر" المستند إلى أدلة معتبرة، وبين ما يُعرف بـ "الشذوذ الفقهي" المتمثل في آراء مجردة تفتقر إلى السند الشرعي الصحيح وتصادم النصوص والإجماع.

وفي السياق المعاصر، برزت إشكالية منهجية ومجتمعية بالغة الخطورة، تمثلت في إقدام البعض على استدعاء تلك الأقوال الشاذة من سياقها التاريخي المحض –الذي دُوّنت فيه بقصد التحذير منها– وإبرازها للعامة عبر المنصات الإعلامية ووسائل التواصل الحديثة. ولم يقتصر الأمر على مجرد النقل، بل تجاوزه إلى محاولات ترويجها والانتصار لها وتسويغ العمل بها تحت مظلة التيسير أو تتبع الرخص، مما أدى إلى إحداث حالة من التشويش الفكري والاضطراب في الوعي الجمعي، واختلاط الثوابت بالآراء المهجورة لدى المتلقي غير المتخصص.

استجابةً لهذه الضرورة الملحة، تأتي دراسة "الأقوال الشاذة في ميزان الشريعة الإسلامية"، لتقدم مقاربة تحليلية وتأصيلية تهدف إلى تشريح هذه الظاهرة ومحاكمة هذه الأقوال وِفق أدوات المنهج الفقهي المنضبط، وبيان مآلات تبنيها على مختلف مستويات الممارسة الشرعية (الاجتهاد، التقليد، الإفتاء، والقضاء).

نُشرت هذا الدراسة في مجلة القانون والاقتصاد، (كلية الحقوق بجامعة القاهرة، 2016، العدد الواحد والتسعون، ص 853-940)، والكاتب هو الأستاذ الدكتور ممدوح واعر عبد الرحمن مهني هو أكاديمي وقانوني مصري، ويشغل درجة أستاذ بقسم الشريعة الإسلامية بكلية الحقوق في جامعة عين شمس، كما تولى سابقًا منصب رئيس مجلس القسم بموجب قرار رئيس الجامعة في نوفمبر 2021. يتميز الدكتور ممدوح بإسهاماته العلمية والدراسات الفقهية المقارنة المنشورة في المجلات العلمية المحكّمة، ومن أبرز أبحاثه دراسة "البعد الإنساني في التنظيم القضائي الإسلامي"، وبحث "نحو نظرية لقبول المخاطر في الفقه الإسلامي"، بالإضافة إلى دراسته المقارنة حول "مسرح الجريمة وأثره في الإثبات".

 

وفيما يلي، أهم مضامين هذه الدراسة ومحاورها:

تتناول هذه الدراسة إشكالية بالغة الأهمية تتمثل في تزايد انتشار الأقوال الفقهية الشاذة في العصر الحديث، وتحديدًا من خلال وسائل الإعلام المرئية والمسموعة، مما أدى إلى انتقال هذه الأقوال من حيز الإهمال إلى حيز النشر والعمل بها، الأمر الذي أسفر عن إلباس الدين على كثير من العوام وتشويه الثوابت الفقهية لديهم. وتتبلور تلك الإشكالية حول تحديد المفهوم الدقيق للقول الشاذ، وبيان أسبابه وأنواعه، مع تسليط الضوء على حكم العمل به؛ سواء للمجتهد أو المقلد أو المفتي أو القاضي، وما يترتب على قضاء القاضي إذا أسس حكمه على قول شاذ. وفي سبيل تحقيق أهداف الدراسة، اعتمد الباحث على المنهج التحليلي من خلال استقراء وتحليل النصوص الفقهية المتنوعة التي ورد فيها مصطلح الشذوذ للوقوف على دلالته واستنتاج أحكامه في المذاهب المعتبرة.

ويؤكد الباحث في تمهيد دراسته أن مصطلح الشذوذ لم يكن غريبًا على الأئمة والفقهاء القدامى، إذ أوردوه في مصنفاتهم وتفاسيرهم، غير أن قصدهم من ذكر هذه الأقوال الشاذة لم يكن مطلقًا لنشرها أو إشاعتها بين الناس، بل كان بهدف بيان ضعفها ووهنها والتحذير من اتباعها والعمل بها. أما في العصر الحالي، فقد شهدنا تحولًا خطيرًا في هذا القصد، حيث برز توجه لدى البعض نحو تتبع هذه الأقوال وتنقيبها من طيات الكتب التراثية بغرض نشرها والدفاع عنها والانتصار لها وكأنها آراء معتبرة يمكن البناء عليها، متناسين بذلك المنهجية العلمية التي أرساها سلف الأمة في تجنب زلات العلماء.

وفيما يتعلق بماهية الشذوذ الفقهي وأنواعه وأسبابه، فقد استعرضت الدراسة معانيه اللغوية التي تدور حول التفرد والندرة والقلة، وصولًا إلى معناه الاصطلاحي عند النحاة والمحدثين والأصوليين ومختلف المذاهب الفقهية، لتخلص إلى تعريف القول الشاذ فقهيًا بأنه الإتيان بقول لم يقل به أحد من الفقهاء مع مخالفته للحكم الصحيح الذي يدل عليه النص أو الإجماع، أو مصادمته لمقاصد الشريعة لغير ذي وجه معتبر. وقد حصرت الدراسة أسباب وقوع العالم في الشذوذ في عدة عوامل رئيسية، من أبرزها مخالفة المعنى الواضح للنصوص والاكتفاء بالفهم السطحي لها، ومخالفة ما توجبه السنة الثابتة الصحيحة، فضلًا عن مخالفة الإجماع القطعي، ومخالفة ما استقر عليه فقهاء السلف والخلف دون مبرر يسوغ هذا الخروج، وأخيرًا تبني معانٍ لغوية بعيدة وغير مقبولة، كمن فسر الآية الكريمة المتعلقة بتعدد الزوجات لتجويز الجمع بين تسع نساء بناء على دلالة حرف الواو، وهو ما اعتبرته الدراسة فهمًا بعيدًا ومستهجنًا في لغة العرب. وبناءً على هذه الأسباب، ينقسم الشذوذ الفقهي من حيث محله إلى شذوذ استنباطي يقع أثناء النظر في الأدلة لاستخراج الحكم، وشذوذ تطبيقي يقع أثناء تنزيل النص وتطبيقه على الوقائع بما يخرجه عن مراد الشارع، كما ينقسم من حيث نسبته إلى شذوذ مطلق يخالف فيه صاحبه جماهير العلماء قاطبة، وشذوذ مذهبي يخالف فيه المعتمد المستقر في مذهب الإمام الذي ينتسب إليه الفقيه.

أما بالنسبة للحكم الشرعي للعمل بالقول الشاذ، فقد فصلت الدراسة موقف الفقه الإسلامي باختلاف الأشخاص وحالاتهم. فبالنسبة للمجتهد، سواء أكان مجتهدًا مطلقًا أم مجتهد مذهب، لا يجوز له العمل بالقول الشاذ أو تقليد غيره فيه، بل يجب عليه استفراغ الوسع وبذل الجهد للوصول إلى الحكم بالدليل الراجح وتجنب الاستسهال أو اتباع الهوى. وفيما يخص المقلد، فقد ناقش الباحث مسألة جواز تقليد المفضول مع وجود الأفضل، مرجحًا عدم جواز ذلك، مما يحتم على العامي والمقلد التحري والبحث عن الأفضل والأورع لتقليده، لأن التفقه والورع يمنعان العالم من التساهل ويبعدانه عن الأقوال الشاذة المرجوحة. وعلى صعيد الإفتاء، يُحظر على المفتي إصدار فتاوى بناءً على أقوال شاذة عارية عن الدليل أو مصادمة للنصوص والإجماع، إذ يُعد ذلك من قبيل التساهل المذموم والبحث عن الرخص وتأويل الشبهات، ويُطلب منه التجرد وإظهار دين الله بالحق القائم على الأدلة المعتبرة. وأخيرًا، يحرم على القاضي أن يؤسس حكمه على قول شاذ، ولأن القضاء يتسم بصفة الإلزام، فإن حكم القاضي المبني على شذوذ فقهي يُعد خطًا جليًا يوجب نقضه مطلقًا، سواء صدر النقض من القاضي نفسه الذي أصدر الحكم تداركًا لخطئه، أو من قاضٍ آخر، تحقيقًا للرجوع إلى الصواب واستدراكًا للخطأ الواضح.

وخلصت الدراسة في نهايتها إلى أن الأقوال الشاذة التي حوتها بعض كتب التراث الفقهي إنما أُوردت بقصد نقدها والتحذير من مغبة الأخذ بها، لا لنشرها والعمل بموجبها. وبناءً على ذلك، قدمت الدراسة جملة من التوصيات الحيوية، دعت فيها العلماء والباحثين إلى الالتزام بمنهج السلف الصالح وعدم تتبع زلات الأقران ونشر آرائهم الشاذة. كما وجهت توصية مشددة للإعلاميين بعدم استضافة وتصدير منقبي الأقوال الشاذة ومروجيها في البرامج الإعلامية، لما في ذلك من إحداث للتشويش والفتنة في أوساط العوام وإضرار بثوابت الدين. واختتمت الدراسة بدعوة مؤسسات الدولة إلى وضع نظام دقيق وصارم لضبط الفتوى في وسائل الإعلام المختلفة، مقترحة تشكيل لجان متخصصة من علماء الأزهر الشريف تمثل كافة المذاهب المعتمدة لتتولى مهمة المراقبة وضبط مخرجات الفتوى وحماية المجتمع من الانحرافات الفقهية.

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الثلاثاء, 30 يونيو 2026 12:58

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.