المبحث الثاني
ولاية الفقيه بعد الخميني: التحولات والتحديات
التحولات في تطبيق مبدأ ولاية الفقيه
ارتبط مبدأ ولاية الفقيه، على المستوى التطبيقي، بشخصية آية الله الخميني التي أهلته لتبوء مكانة الولي الفقيه الأول في إيران. فقد اشترط الخميني في مقومات الولي عدد من الخصائص تتوافر فيه بالأساس، بحيث انطبقت شروط الولي الفقهية والسياسية عليه. وبناءً على ذلك، قام الخميني بإدراج مبدأ ولاية الفقيه في الدستور الإيراني عام 1979، مما أدى إلى دمج أكبر سلطة سياسية ودينية في يد فقيه شيعي أعلى، هو الخميني نفسه. وطبقًا لويلفريد بوختا، أنشأ الخميني بموجب المادة 107 في دستور عام 1979 مؤسسة تتجاوز سلطاتها بكثير، تلك التي كانت ممنوحة للشاه بموجب دستور 1906. وتؤسس المادة 110 من الدستور صلاحيات الولي الفقيه وحقوقه، وتفوضه في الاضطلاع بمسؤولية العمل كقائد عام للقوات المسلحة بأفرعها وإعلان الحرب أو السلم وتعبئة القوات المسلحة وتعيين وعزل الأفراد التاليين: ستة أعضاء من علماء الدين في مجلس صيانة الدستور، المكون من 12 عضوًا مسؤولين عن تحديد مدى توافق مواد الدستور والقوانين مع أحكام الشريعة الإسلامية؛ ورئيس السلطة القضائية؛ ورئيس الإذاعة والتليفزيون؛ والقائد الأعلى لقوات الحرس الثوري الإسلامي؛ والقيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن. ويمارس المرشد الجديد عمله من خلال مكتب الإرشاد الأعلى، بمساعدة أربعة من علماء الدين، فضلًا عن شبكة من الممثلين في كل الوزارات والمؤسسات الحكومية الهامة ومعظم الهيئات الثورية والدينية[1].
وقد واجهت إيران- الدولة- وولاية الفقيه النظرية اختبارًا صعبًا بعد وفاة الخميني، فلم يعد الدمج بين السلطات السياسية والدينية واقعيًا، حيث انفرط عقد المقومات الدينية والسياسية المطلوب توافرها في الولي الفقيه. فمن جانب، أخفق علي خامنئي- المرشد الأعلى الجديد- على الأقل في بداياته في توكيد ذاته كسلطة دينية، مما أبقى له فقط السلطة السياسية العليا. ومن جانب أخر، ابتعد معظم آيات الله العظمى الذين يتفوقون على خامنئي في مؤهلات العلوم الدينية عن السياسة والحكم، إما قسرًا- كما حال آية الله العظمي حسين منتظري-، أو رفضًا لفكرة حكم رجال الدين للدولة[2].
وتؤكد الشواهد على أن علي خامنئي لم يتمتع خامنئي بالمؤهلات الدينية والكاريزما التي تمتع بها سلفه. ويقضي المذهب الشيعي الإثنى عشري بأن يختار أتباعه أحد آيات الله العظمى مرجعًا للتقليد يتبعونه في السلوكيات الدينية والمعاملات الاجتماعية، كما يؤدون إليه خُمْسَ دخلهم لتمويله. وينتخب علماء الدين في الحوزات الشيعية، من خلال عمليات طويلة وغير رسمية تستغرق عادة ما بين عقدين وثلاثة، عالم الدين الذي يحصل على لقب آية الله العظمى. وقد كان آية الله العظمى الخميني مرجعًا لملايين الشيعة الإيرانيين، فضلًا عن وجود ستة مراجع شيعية عظمى أخرى في مناطق متفرقة داخل إيران وخارجها[3].
وقد كان علي خامنئي "حجة الإسلام"، وهي درجة علمية أقل من آية الله، فقط حتى وفاة الخميني عام 1989، إلا أنه كان الشخص المفضل لدى مجلس الخبراء- المسؤول عن تعيين خليفة للخوميني-. ولم تفلح خطوة المجلس في ترقية خامنئي درجة في هرم العلم الديني، ورفع رتبته إلى "آية الله"، ومن ثم منحه سلطة الإفتاء، في منحه القبول لدى جماهير الشيعة. وتتشكك الكثيرون منهم في قدرته على الإفتاء. وبالتالي، تقوضت شرعية خامنئي في بداياته إلى حد كبير، ومن ورائها أركان مبدأ ولاية الفقيه- الأكثر قدرة سياسيًا وغزارة علميًا[4].
وكان من المفترض أن يكون آية الله العظمى حسين علي منتظري خليفة الخميني، إلا أن الخلافات السياسية بينهما في أعقاب انتقاد الأول لعمليات الإعدام الجماعية عام 1988، والتي طالت المساجين السياسيي6+ن من مناهضي الثورة ، أدت إلى استبعاد الخميني لمنتظري من خلافته وإرغامه على الاستقالة في مارس 1989. وخلق هذا الاستبعاد أزمة خلافة، حيث تنص المادة 109 من الدستور على ضرورة أن يكون الولي الفقيه مرجع تقليد قادر على الإفتاء، وباستبعاد منتظري لم يعد هناك خلفاء مناسبون من بين رجال الدين المنخرطين في السياسة. ولذلك أمر الخميني بإلغاء هذه المادة بصورة قانونية. ولم يعد الدستور المعدل عام 1989 ينص على ضرورة كون الولي الفقيه مرجع تقليد[5].
ويبرر محمد قوجاني- رئيس تحرير مجلة شرق الإيرانية- هذا التعديل بأنه: "بالتزامن مع إعادة بناء مؤسسة الحكومة واستبدال السلطة بالجمهورية سعى الإمام الخميني في العقد الأخير من حياته لإصلاح الحوزات العلمية. يكتب في إحدى أهم رسائله الموجهة الى محمد علي الأنصاري: 'في الحكومة الإسلامية يجب أن تكون أبواب الاجتهاد مفتوحة دائما.. الاجتهاد المصطلح في الحوزات لا يكفي. فإذا كان شخص أعلم الناس في العلوم المعهودة في الحوزات، ولكنه لا يستطيع تمييز المصلحة أو الأشخاص الصالحين والنافعين من الأشخاص غير الصالحين، وبشكل عام يفتقد البصيرة الصحيحة وقوة اتخاذ القرار، فهذا الشخص لن يكون في المسائل الاجتماعية والحكومية مجتهدا'. (صحيفة الإمام، المجلد 21، ص 177 – 178). وبهذا المنطق، حذف الإمام في مرحلة إعادة صياغة الدستور (في سنة 1989) اشتراط المرجعية من شروط القائد في الجمهورية الإسلامية واكتفى بالاجتهاد كشرط لتصدي مقام ولاية الفقيه"[6]. واستنادًا إلى هذا التعديل الدستوري، انفصلت المرجعية عن القيادة بدل إلزام دمج الاثنين، كما أعطيت القيادة السياسية مزيدًا من السلطات التنفيذية والحكومية. وفي المقابل، تركت شؤون الحوزات العلمية لمراجع التقليد، مع احتفاظ المرشد الأعلى الجديد بموقعه ومرتبته الدينية [7].
ويتناقض هذا الفصل بين القيادة الدينية في الجمهورية الإسلامية عن قيادة الجمهورية مع الأفكار المؤسسة لنظرية "ولاية الفقيه". ويعتبر المراقبون أن هذا الفصل يبدو وكأنه انتقص من المكانة الروحية والدستورية لمرشد الجمهورية، بينما غلب السياسي على المذهبي في إيران عن طريق الاستقواء بالدولة في مواجهة المنافسين الدينيين. ولذلك، فبرغم السلطات الدستورية التي يتمتع بها مكتب المرشد الأعلى، إلا أن الضعف أصاب المؤسسة بعد وفاة الخميني بصورة ملحوظة. ويعني هذا الفصل عمليًا انتهاء مبدأ "ولاية الفقيه"، حيث لعب مبدأ ولاية الفقيه دورًا في تثبيت الدولة الدينية في إيران، مقترنًا بشخصية الخميني، بينما ساهم في المرحلة التالية في تسويغ هذه الدولة والاحتفاظ بسلطاتها، ولكن بشروط السياسة الدنيوية [8].
تحديات تواجه مبدأ ولاية الفقيه:
بالإضافة إلى صعوبات اختيار الولي الفقيه المناسب، يواجه مبدأ ولاية الفقيه تحديات فكرية وعملية جمة في داخل إيران وخارجها. وتتركز هذه التحديات في جانبين؛ الرفض الفكري لمبدأ ولاية الفقيه، كليًا أو جزئيًا، وتزايد الفعالية السياسية للجماهير الشيعية، وتبرز هذه التحديات على الصعيدين الداخلي والخارجي.
على الصعيد الداخلي:
أولًا: ترفض عديد من الحركات السياسية والفكرية والدينية داخل إيران مبدأ ولاية الفقيه. ويمكن تقسيم هذه الحركات إلى نوعين:
- الحركات السياسية غير الدينية: وتبرر هذه الحركات رفضها لمبدأ ولاية الفقيه بالصلاحيات الواسعة المعطاة للولي الفقيه، بينما تتقازم أمامه أدوار الجماهير والفئات الأخرى في المجتمع. وبالتالي، تثير هذه الرؤية ذكريات ممارسات الشاه الديكتاتورية. فعلى سبيل المثال، اعتبر مهدي بزرجان- مؤسس حركة المعارضة الوحيدة المعترف بها في البلاد حركة حرية إيران- أنه من "منظور سياسي تشكل ولاية الفقيه استبدادًا وتعني النكوص إلى الدولة التي طالما أملنا أن نتغلب عليها بالثورة الإسلامية. ومن زاوية دينية هي شرك بالله وفرعونية".[9]
- الحركات الدينية: وتنقسم بدورها إلى ثلاث فئات؛ المعارضة المطلقة لحكم رجال الدين للدولة، ومعارضة الولاية المطلقة للفقيه، ومعارضة مؤسسة المرشد بحالتها الراهنة.
أ- المعارضة المطلقة: عارض معظم آيات الله العظمى مبدأ ولاية الفقيه، في الغالب سرًا، ومن أبرزهم حسن طبطبائي القمي في مشهد بإيران، والسيستاني في النجف، وميرزا حسن حائري إحقاقي في الكويت[10]. ودعا هؤلاء العلماء إلى انسحاب علماء الدين التام من العمل السياسي لأسباب مثل الرغبة في الحفاظ على سلامة الدين أو خشية ضياع سمعة العلماء بين الجماهير[11].
ب- معارضة الولاية المطلقة للفقيه: طرح آية الله العظمى السيد محمد شيرازي ولاية مجلس شورى الفقهاء، حيث طالب بإنشاء مجلس فقهاء يتكون من أصحاب أعلى درجات العلم الديني، بحيث يمارس كل آية عظمى في المجلس المقترح دوره كمرجع تقليد في منطقته في المسائل الشرعية والاجتماعية والأخلاقية. ويتم حل القضايا الوطنية باقتراع الأغلبية في المجلس [12].
ج- معارضة مؤسسة المرشد بحالتها الراهنة: يقبل عدد من آيات الله بمبدأ ولاية الفقيه، إلا أنهم ينتقدون المرشد الحالي. ويطالبون بإدخال بعض الإصلاحات، سواء بإصلاح المؤسسة نفسها أو بإحلال شخص تراه أكثر أهلية محل صاحب المنصب الحالي. وكان من أبرز شخصيات هذه المجموعة، "مصطفى المحقق الداماد- في طهران-، وأبو القاسم موسوي أردبيلي، وأحمد أذري القمي- في قم-". ومال معظم هؤلاء إلى تأييد آية الله العظمى حسين منتظري[13]. وفي هذا الإطار، تميز آية الله منتظري بكونه الأقرب إلى الثورة الإسلامية، والأغزر علمًا وحركية، مما أهله لتولي خلافة الخميني منذ عام 1985 وحتى أجبر على الاستقالة في مارس 1989. وأيد منتظري مبدأ ولاية الفقيه، حتى باعتباره الأنسب للمسلمين السنة، "بشرط أن تنتخبه الأغلبية على أساس أنه المرشح الأجدر والأغزر علمًا في الدين والأكثر حنكة في السياسة. وقطعًا يجب أن يُنْتخب بوساطة الناس أو بوساطة الخبراء الذين يختارهم الناس"[14]. وتضمنت دعوة منتظري لإنتخاب الولي إمكانية مساءلته من قبل الناس والدستور الإيراني.
ثانيًا: تزايد الفعالية السياسية للجماهير الشيعية: خلال السنوات التي أعقبت وفاة الخميني، حدث توسع ملموس في أدوار الجماهير الإيرانية، وازدادت فعاليتهم السياسية بصورة ملحوظة. ويُعْزَى هذا التزايد في الفعالية السياسية إلى ظهور جيل جديد من الشباب الإيراني خفتت لديه شرعية الثورة، وفي المقابل لم تتمكن الحكومة الإسلامية من حفر شرعية الإنجاز في أذهانه. كما أن التحديات الفكرية والعملية التي تواجه المرشد الحالي، بل ومبدأ الولاية المطلقة للفقيه برمته ألقت بظلالها على قوة المرشد السياسية، وطرحت تساؤلات حول جدوى استبعاد معظم فئات الشعب من المشاركة في صنع القرار.
وفي هذا الصدد، تعد إشارات الرئيس الإيراني السابق محمد خاتمي ذات دلالة، خاصة أنه يدين بالفضل للشباب والنساء بالأساس في الصعود إلى سدة الحكم، وترجيح كفته على مرشح المؤسسة الدينية علي أكبر ناطق نوري في انتخابات 1997. فيؤكد خاتمي أنه "يمكن أن يؤمن البعض بأن الشعب لا يمتلك دورًا في منح المشروعية للسلطة، وهذا رأي نحترمه في الإطار النظري، غير أننا نعتمد اليوم مبدءًا تعبر عنه فكرة إسلامية وردت في الدستور، وهي تقرر أن للشعب حقوقًا لدى السلطة، وأن ثمة مسؤوليات تقع على عاتق السلطة إلى جانب ما تمتلك من حقوق وصلاحيات"[15]. واعتبر خاتمي أنه برغم أهمية ومحورية دور الفقيه المرشد في النظام السياسي الإيراني، إلا أن أهمية حقوق العباد تجعل من الضروري اتخاذ تدابير تنفيذية إضافة إلى التقوى، بل ينبغي أن يكون هناك إشراف ورقابة لضمانة تواصل التقوى. ويقصد خاتمي بهذه الرقابة قيام مجلس خبراء القيادة، الذي يضم مائة وعشرين فقهيًا منتخبين من الشعب مرة كل خمسة أعوام، وتتركز مهامه في انتخاب الولي الفقيه والإشراف على أدائه؛ كي يضمن ديمومة المواصفات القيادية- كالتقوى والعلم والحكمة-[16].
على الصعيد الخارجي: نموذج مبدأ ولاية الفقيه في لبنان
يعد تطور الحركة الشيعية في لبنان مختلفًا عن النموذج الإيراني، حيث تقدم التعددية الدينية والمذهبية والسياسية في الواقع اللبناني إطارًا مختلفًا للحركة الشيعية فيها. وقد استمر شيعة لبنان في تلقي العلم في الحوزات العراقية والإيرانية، واستيراد التحولات الفكرية في الفقه الشيعي من علماء الحوزات. إلا أن شيعة لبنان استطاعوا أن يطوعوا الأفكار والرؤى الفقهية الشيعية حول القيادة والحركة السياسي، بما يتناسب مع واقعهم ومعطياته المختلفة. وبناءً على ذلك، ظهرت أبعاد وقراءات جديدة لمبدأ ولاية الفقيه، كمفهوم محوري في الفكر الشيعي، لديهم.
فقد ظهرت حركة موسى الصدر في أوائل الستينيات، باعتبارها من أولى محاولات تسييس الشيعة بشكل طائفي، في ظل أجواء من الحرمان المزمن لمناطق الاطراف وضواحي العاصمة، ذات الأغلبية الشيعية، ووجود عدم توازن بين القوى الاساسية داخل سلطة الدولة وأدواتها من حيث تركيبتها الطائفية. ولم يلق الصدر في العشر سنوات الأولى من وجوده في لبنان 1959-1969، حفاوة تذكر. ويعود ذلك بالأساس إلى غلبة التوجهات الحزبية والأيديولوجية على شباب لبنان. وتلخصت دعوة الصدر، التي اعتمدت على جاذبيته الشخصية والأجواء السياسية المشحونة قبيل الحرب الأهلية اللبنانية، "بالتخلي عن الحزبية التي أرهقت، في رأيه، الشيعة وفرقتهم، ووزعتهم شيعًا على أحزاب الايديولوجيا، من دون آية فائدة تذكر" [17]. ويشير حسين الأمين إلى أن "الامام الصدر كان يعرف ما يريده أبناء طائفته ألا وهو الحفاظ على الشرعية ضمن اطار الدولة وإعادة توازنها ضمن الوحدة الوطنية. ثم تأكيد الانتماء الوطني والعربي تعزيزا وإسهاما في الصراع العربي الاسرائيلي"[18]. ودعم الصدر دعوته بإنشاء مرجعية دينية لحركته (المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى)، ثم عندما انفجرت الحرب الأهلية (1975) أنشأ منظمة «أمل» كذراع سياسية له، وكميليشيا طائفية مسلحة.[19] وما لبث حزب الله بزعامة الشيخ صبحي الطفيلي أن انشق عن المنظمة في منتصف الثمانينيات.
واستنادًا إلى الطبيعة التعددية للمجتمع البناني، بما في ذلك تعددية الرؤى لدى التيارات السياسية الشيعية، انقسم الشيعة اللبنانيون ما بين مؤيد لمبدأ ولاية الفقيه، كما حال القيادة السياسية لحزب الله، وما بين داعم لتعدد مراجع التقليد، مثل المجلس الشيعي الأعلى. كما أن الممارسات السياسية لمؤيدي ومعارضي مبدأ الولاية، على حدٍ سواء، خلقت تحديات سياسية وفقهية لجوهر مبدأ ولاية الفقيه السياسية والروحية لدى الشيعة خارج إيران.
- التحديات السياسية: برغم إعلان السيد حسن نصر الله، زعيم الحزب البيعة للمرشد الإيراني خامنئي في عام 2005، إلا أن بعض الممارسات السياسية للحزب تكشف عن وجود قدر من التباين في الرؤى بين الحزب والمرشد الأعلى. وتستند ممارسات حزب الله السياسية إلى محاولاته التوفيق بين أطروحاته الدينية والواقع السياسي اللبناني المتشابك. فقد أحدث حزب الله نقلة في سياسته عندما قرر الدخول في الحكومة اللبنانية غير الإسلامية والانخراط فيها، باعتبارها حكومة وطنية، بينما ظلت الحكومة الإسلامية في إيران فقط لإعطاء الشرعية الإلهية في الجهاد بالنفس في وجه إسرائيل[20].
كما أن المرجع الشيعي البارز محمد حسين فضل الله، المرشد الروحي لحزب الله، دعا إلى ضرورة احترام الفقيه لمصالح اتباعه، بحيث لا يعطي رأيًا يضرهم، وإلا فقد الثقة به وفقد موقعه. كما شدد على ضرورة موازنة اتباع مبدأ ولاية الفقيه بين مصالح البلاد التي يعيشون فيها وبين أراء الفقيه، بما في ذلك مناقشته في فتاواه[21]. وتشير اجتهادات فضل الله إلى قبوله على مضض لمبدأ ولاية الفقيه، حيث سبق وأعلن تفضيله لمبدأ الولاية لكل مرجع توافرت فيه الشروط، أو الاستعاضة عن ولاية الفقيه بمجالس الشورى والخبراء الأتقياء الراشدين[22].
- التحديات الفقهية: يعتبر المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى أن الفقيه "الجامع للشرائط" تكون ولايته واجبة على جميع المسلمين، وهو ليس مرجعًا في الفُتْيَا فقط، بل له الولاية العامة، فيُرجع إليه في الحكم والفصل والقضاء، وذلك من مختصَّاته. إلا أنه مع افتقاد هذا الفقيه الأعلم في الفقه ولكنه على رأس الدولة الإسلامية والأرشد في السياسة فبإمكان العامة تقليد مرجع آخر أعلم في الفقه، لكن يلتزمون في الأمور العامة بالولي الفقيه[23]. وفي هذا الصدد، تشكك البعض في تمتع علي خامنئي المرشد الحالي لمقومات الفقيه الجامع للشرائط، مما أدى إلى تراجع في سلطته الروحية على جماهير الشيعة في لبنان. ويعتبر آية الله السيستاني في النجف الأبرز في منافسة خامنئي على زعامة الشيعة العرب، برغم معارضته لمبدأ ولاية الفقيه السياسية. وبالإضافة إلى قدرات السيستاني الفقهية، يمتلك قدرات مالية ضخمة من خلال سيطرته على مؤسسة الخوئي الخيرية في لندن، والتي يؤدي إليها ملايين الشيعة في العالم خُمْس دخلهم لتمويلها. بل إن السيستاني استطاع استبعاد حلفاء طهران، المرشد الديني لحزب الله محمد حسين فضل الله والأمين العام حسن نصر الله، من عضوية المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى، بفضل علاقات مؤسسة الخوئي الوثيقة مع المجلس [24].
وبعبارة أخرى، فإن مبدأ ولاية الفقيه يواجه تحديات داخلية وخارجية. تمثلت بالأساس في وجود معارضة لمبدأ الولاية المطلقة للفقيه على الجوانب السياسية والروحية. واستندت هذه المعارضة إلى ضعف المرشد الحالي وافتقاره للمقومات الفقهية الواجبة للولاية الروحية من جانب، مما استلزم تعدد مراجع التقليد. وبالتالي، تراجعت السلطة الدينية للفقيه الولي بصورة ملموسة. ومن جانب أخر، ظهرت معطيات سياسية متزايدة الأهمية، مثل تنامي الفعالية السياسية للجماهير الإيرانية أو تعقد التوازنات السياسية في لبنان. وأدت هذه المعطيات إلى تبلور اجتهادات مختلفة تجاه المواقف السياسية لجماهير الشيعة في داخل إيران وخارجها، تتناسب بالأساس مع المطالب السياسية والمصالح الوطنية، ولا تتبع بالضرورة إرشادات الولي الفقيه.
الخاتمة
والخلاصة أن مبدأ ولاية الفقيه يضرب بجذور التاريخية قبل آية الله الخميني. فقد اجتهد عدد من فقهاء الشيعة لإيجاد أدوار سياسية، بدرجات متفاوتة، للفقهاء الشيعة، فضلًا عن قيادتهم الروحية للجماهير المتبعة. كما تواجدت في الستنيات والسبعينيات بيئة سياسية وفكرية مواتية لدى شيعة إيران في الستينيات والسبعينيات لظهور أطروحات تجسد محورية الزعيم الفرد في قيادة الأمة، سواء كان فقيهًا أو مفكرًا ملتزمًا. واستطاع الخميني بلورة هذه الاجتهادات الفقهية التاريخية، واستثمار البيئة المواتية، بفضل مكانته الفقهية وشخصيته الكاريزمية، ليخرج بمبدأ الولاية المطلقة للفقيه. وارتكزت أطروحة الخميني على الإطلاق في صلاحيات الولي الفقيه، مقابل تهميش الأدوار السياسية للجماهير والمثقفين، وغياب المحاسبة والشفافية في سلطات الولي وممارساته.
إلا أن التحولات السياسية في المراحل اللاحقة، قُبَيل وفاة الخميني وبعدها، ساهمت في تقويض أركان مبدأ ولاية الفقيه. فقد أدت الاعتبارات السياسية المحضة إلى استبعاد آية الله منتظري، المرشح الأكثر ملائمة، من خلافة الخميني، ليحل محله علي خامنئي. ونتيجة لافتقاد المرشد الحالي عقب توليه المنصب لعدد من للمقومات الفقهية الضرورية كمرجع تقليد أعلى، انفصلت القيادة السياسية عن القيادة الروحية. وتناقض هذا الفصل بين القيادة الدينية في الجمهورية الإسلامية عن قيادة الجمهورية مع الأفكار المؤسسة لنظرية "ولاية الفقيه". ويعني هذا الفصل عمليًا انتهاء مبدأ "ولاية الفقيه".
وبرغم البقاء النظري لمبدأ ولاية الفقيه، إلا أن الممارسات السياسية والدينية لقيادات وجماهير الشيعة داخل إيران وخارجها خلقت تحديات فكرية وعملية له. فقد تنامت المعارضة للمبدأ الولاية المطلقة للفقيه على الجوانب السياسية والروحية، كما تنامت الفعالية السياسية للجماهير الإيرانية وتعقدت التوازنات السياسية الداخلية لدى شيعة الخارج، في لبنان على سبيل المثال. وبالتالي، تبلورت اجتهادات مختلفة تجاه المواقف السياسية لجماهير الشيعة في داخل إيران وخارجها، تتناسب بالأساس مع المطالب السياسية والمصالح الوطنية، ولا تتبع بالضرورة إرشادات الولي الفقيه.
ويتضح مما سبق، أن مبدأ ولاية الفقيه ارتبط إلى حدٍ كبير بشخصية آية الله الخميني، والذي رسم ملامح ومقومات الولي كأقرب ما يكون إليه شخصيًا. وأدى هذا إلى نجاح تطبيق مبدأ الولاية في أثناء حياة الخميني. إلا أن تغليب الاعتبارات السياسية على المقومات الدينية في اختيار خليفة الخميني، برغم افتراض تأسيس مبدأ الولاية على عكس ذلك، قوض أركان ولاية الفقيه. فعندما افتقر الولي الفقيه لمقومات الإرشاد الديني والقيادة الروحية ضعفت سلطاته السياسية، بل واضطر لعقد تحالفات سياسية مع المستفيدين من هيراركية الجمهورية الإيرانية بوضعها الراهن. أي أن مبدأ ولاية الفقيه بات يحتاج إلى كثيرٍ من المراجعات النظرية، في ضوء التطبيقات العملية والتحديات الداخلية والخارجية التي تواجهه، وإلا اندثرت دولته.
مراجع الدراسة
المراجع الأجنبية:
- Akhavi, Shahrough, Shari’ati’s Social Thought, in Nikki R. Keddie (editor) Religion and Politics In Iran: Shi’ism from Quietism to Revolution (New Havens: Yale University Press, 1983)
- Algar, Hamid, The Roots of the Islamic Revolution (Ontario: The Open Press, 1983)
- Cole, Juan R., Imam Jurisprudence and The Role The Ulama: Mortaza Anzari on Emulating The Supreme Example, in Nikki R. Keddie (editor) Religion and Politics In Iran: Shi’ism from Quietism to Revolution (New Havens: Yale University Press, 1983)
- Khomeini, Hamid Algar (translator and annotator) Islam and Revolution: Writings and Declarations of Imam Khomeini (Berkeley: Mizan Press, 1981)
- Rose, Gregory, Velayat-e Faqih and The Recovery OF Islamic Identity in The Thought of Ayatollah Khomeini, in Nikki R. Keddie (editor) Religion and Politics In Iran: Shi’ism from Quietism to Revolution (New Havens: Yale University Press, 1983)
- Tabari, Azar, The Role of The Clergy in Modern Iranian Politics, in Nikki R. Keddie (editor) Religion and Politics In Iran: Shi’ism from Quietism to Revolution (New Havens: Yale University Press, 1983)
- Watt, Montogomery, The Significance of The Early Stages of Imami Shi’ism, in Nikki R. Keddie (editor) Religion and Politics In Iran: Shi’ism from Quietism to Revolution (New Havens: Yale University Press, 1983)
المراجع العربية
الكتب
- أحمد الكاتب، تطور الفكر السياسي الشيعي (لندن: دار الشورى، 1997)
- إبراهيم الدسوقي شتا، الثورة الإيرانية (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1988)
- عبد الرزاق الجبران، علي شريعتي وتجديد التفكير الديني: بين العودة إلى الذات وبناء الأيديولوجية ( بيروت: دار الأمير للثقافة والعلوم، 2002)
- علي شريعتي، إبراهيم الدسوقي شتا (مترجم) العودة إلى الذات (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1986)
- محمد خاتمي، سرمد الطائي (مترجم)، الديمقراطية وحاكمية الأمة (دمشق: دار الفكر، 2003)
- وجيه كوثراني، الفقيه والسلطان: جدلية الدين والسياسة في إيران الصفوية-القاجارية والدولة العثمانية (بيروت: دار الطليعة للطباعة والنشر، 2001)
- ويلفريد بوختا، من يحكم إيران؟ بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دراسات مترجمة (17) (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 2003)
المقالات
- حسين الأمين، الشيعة ودورهم في حماية مشروع الدولة اللبنانية، http://www.montadaalquran.com، 28 مارس 2005
- عادل عبد المهدي، ولاية الفقيه: الديمقراطية والثيوقراطية، مجلة التوحيد (طهران: مؤسسة الفكر الإسلامي، السنة 16، العدد 92، يناير 1998)
- عفاف الجمري، المرجعية وولاية الفقيه، جريدة الوقت البحرينية، 22 أغسطس 2006
- علي الشفيعي، مشروعية ولاية الفقيه، مجلة التوحيد (طهران: مؤسسة الفكر الإسلامي، السنة 16، العدد 92، يناير 1998)
- غسان الإمام، شيعة لبنان: الهجرة من الحزبية إلى الطائفية، الشرق الأوسط اللندنية، 8 أغسطس 2006
- محمد الأرناؤوط، جذور ولاية الفقيه ما بين لبنان وإيران، شبكة أقلام الثقافية، بدون تاريخ
- محمد السعيد عبد المؤمن، المرجعية الشيعية في إيران والعراق، net، 25 سبتمبر 2003
- محمد حسين فضل الله، مقابلة مع جريدة الشرق الأوسط اللندنية، 15 مارس 2007
- محمد قوجاني، موقع الإمام الخميني وولاية الفقيه في المذهب الشيعي، جريدة القبس الكويتية، 9 يونيو 2006
- مصطفى اللباد، حدائق الأحزان: إيران وولاية الفقيه (القاهرة، دار الشروق، 2006) نقلًا عن حامد محمود، ولاية الفقيه بين الفرسية والشيعية، net، 9 يناير 2007
* باحثة وأكاديمية مصرية.
[1] - ويلفريد بوختا، من يحكم إيران؟ بنية السلطة في الجمهورية الإسلامية الإيرانية، دراسات مترجمة (17) (أبوظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، 2003)، ص 69-75.
[2]- المرجع السابق، ص 22.
[3]- المرجع السابق، ص 75-76.
[4]- المرجع السابق، ص 77.
[5] - المرجع السابق، ص 76.
[6] - محمد قوجاني، موقع الإمام الخُميني وولاية الفقيه في المذهب الشيعي، جريدة القبس الكويتية، 9 يونيو 2006.
[7] - المرجع السابق.
[8] - لمزيد من التفاصيل، انظر: مصطفى اللباد، نقلًا عن حامد محمود، مرجع سبق ذكره.
[9] - ويلفريد بوختا، مرجع سبق ذكره، ص 111.
[10] - المرجع السابق، ص 119-120.
[11] - المرجع السابق، ص 121.
[12] - المرجع السابق، ص 123.
[13]- المرجع السابق، ص 124.
[14]- المرجع السابق، ص 125-126.
[15]- محمد خاتمي، سرمد الطائي (مترجم)، الديمقراطية وحاكمية الأمة (دمشق: دار الفكر، 2003) ص 18.
[16] - المرجع السابق، ص 21.
[17] - غسان الإمام، شيعة لبنان: الهجرة من الحزبية إلى الطائفية، الشرق الأوسط اللندنية، 8 أغسطس 2006.
[18] - حسين الأمين، الشيعة ودورهم في حماية مشروع الدولة اللبنانية، http://www.montadaalquran.com، 28 مارس 2005.
[19] - غسان الإمام، مرجع سبق ذكره.
[20] - عفاف الجمري، المرجعية وولاية الفقيه، جريدة الوقت البحرينية، 22 أغسطس 2006.
[21] - المرجع الشيعي محمد حسين فضل الله، مقابلة مع جريدة الشرق الأوسط اللندنية، 15 مارس 2007.
[22] - عفاف الجمري، المرجع سبق ذكره.
[23] - المرجع السابق.
[24] - ويلفريد بوختا، مرجع سبق ذكره، ص 121.