المبحث الثاني

المحاور الرئيسية لفكر الشيخ رشيد رضا التجديدي وجهوده الإصلاحية

بالإضافة إلى عمل الشيخ رشيد رضا في تحرير مجلة المنار، كان يكتب فيها كثيرًا من المقالات، وقد صرح في أكثر من موضع فيها أنه صاحب جميع المقالات غير المعزوة إلى أحد. وقد جمع الشيخ بعض مقالاته في كتب نشرها لاحقًا، مثل "محاورات المصلح والمقلد". كما أعادت بعض دور النشر طباعة هذه الكتب وغيرها من المقالات التي كتبها الشيخ في مجلة المنار. ومن خلال هذا التراث الفكري، تتميز عدة إسهامات تمثل محاور فكر الشيخ رشيد رضا التجديدي وجهوده الإصلاحية.

 

 

أولًا: الاجتهاد بالجمع بين الأصول الإسلامية والأساليب العصرية

يميز الشيخ رشيد رضا بين ثلاث فرق من المسلمين تتنازع أمر الأمة في العصر الحديث،[16] وهي حماة تقليد الكتب المدونة في المذاهب المتبعة، ودعاة الحضارة العصرية والنظم المدنية والقوانين الوضعية الذين يقولون إن الشريعة الإسلامية لا تصلح لهذا الزمان، ودعاة الإصلاح الإسلامي المعتدل الذين يثبتون إمكانية الجمع بين إحياء الإسلام وتجديد هدايته الصحيحة باتباع الكتاب والسنة الصحيحة وهدي السلف الصالح من جانب وأشرف أساليب الحضارة والنظام من جانب آخر. ويقرر الشيخ القواعد المقررة لدى حزب الإصلاح المعتدل الذي ينتمي إليه. ومن أهم هذه القواعد شمول نصوص القرآن والسنة للأحكام رغم تفاوت الأفهام فيها، وأن النصوص الكلية مغنية عن القياس، وأن القياس الصحيح لا يخالف الشرع، فليس في الشريعة شيء يخالف القياس. ويورد الشيخ ما حققه الشوكاني في مسألة القياس، حيث استدل عليه بالقرآن والحديث والإجماع.

فالشيخ يؤيد بقوة إثبات الرأي والقياس وينعى على منكريهما، حيث يبين أن الرأي ثلاثة أقسام: باطل وصحيح وموضع اشتباه. أما الرأي الباطل فهو خمسة أنواع: الرأي المخالف للنصوص، والكلام في الدين بالخرص والظن، والرأي المتضمن تعطيل أسماء الرب وصفاته وأفعاله، والرأي الذي أحدثت به البدع، والقول في شرائع الدين بمجرد الاستحسان والظنون. وهذا الرأي الباطل مذموم بالطبع. أما الرأي المحمود فهو أربعة أنواع: رأي علماء الصحابة، والرأي الذي يفسر النصوص، ورأي جماعة الشورى، والاجتهاد الذي أجازه الصحابة فيما لا نص فيه. وما بين الرأيين المذموم والمحمود يقع الرأي موضع الاشتباه. ثم يبين الشيخ الأخطاء التي وقع فيها نفاة القياس ومنكريه وهي أربعة: رد القياس الصحيح، وتقصيرهم في فهم النصوص، وتحميل الاستصحاب فوق ما يستحقه، والاعتقاد ببطلان عقود المسلمين وشروطهم ومعاملاتهم. كما وضح الشيخ أخطاء وقع فيها مثبتو القياس أيضًا.

ولا يتعارض إثبات القياس مع كمال الدين، فالشيخ يقرر أن الزيادة على نصوص الشارع والتنطع في الدين باستعمال الرأي في العبادات وأحكام الحلال والحرام مخلًا بيسر الإسلام ومنافيًا لمقصده. ويشرح الشيخ عشر مسائل أو مقدمات أساسية للبحث في هذا الأمر، وهي أن الله تعالى قد أكمل دينه، وأن هذا الدين يسر، وأن القرآن هو أصل الدين، وأن الرسول معصوم من الخطأ، وأن الله فوض إلى المسلمين أمور دنياهم، وأن الله جعل الإسلام صراطه المستقيم لهداية البشر في أمورهم الروحية والجسدية، وأن النبي كان يكره كثرة سؤال المؤمنين له، وأن السلف الصالح كانوا يذمون الإحداث والابتداع، وأن الإسلام دين توحد واجتماع، وأن هذه الأمة لا تجتمع على ضلالة. ويسهب الشيخ في تفسير آية النهي عن السؤال الواردة في سورة المائدة، ويورد خلاصة أحاديث النبي وأقوال العلماء في كراهة السؤال. ويختتم الشيخ الكتاب ببحث في التزام النصوص في العبادات واعتبار المصالح في المعاملات مع ذكر آراء الإمام مالك والطوفي والشاطبي في المسألة.

ويطرح الشيخ رشيد رضا قضية الاجتهاد في شكل محاورات بين شاب وشيخ،[17] وهي طريقة كانت مألوفة في زمنه لتقديم الأفكار الجديدة، ومن أمثلتها كتاب (علم الدين) الذي روى فيه علي مبارك حياته خلال بعثته في فرنسا في منتصف القرن التاسع عشر، في صورة محاورات بين شيخ يدعى علم الدين يمثل علي مبارك نفسه والمعترضين على أفكاره الإصلاحية.[18] أما في محاورات الشيخ رشيد رضا فقد كان هو الشاب الذي يدافع عن الاستدلال الصحيح، وبطلان التقليد، ووجوب البصيرة في الدين، واتباع سبيل السلف الصالحين وطريق الوحدة الإسلامية في المسائل الدينية والسياسية والقضائية. فالشاب من مريدي الإصلاح الذاهبين إلى وجوب خروج الأمة مما هي فيه من التقاليد الحادثة في الملة والرجوع بالدين إلى بساطته الأولى بالاقتصار على هدي الكتاب وصحيح السنة وسيرة السلف وحذف كل ما زاده الخلف من الغلو في الدين وتكثير التكاليف وإبرازها بصورة تعتاص على الأذهان. وفي المقابل فإن الشيخ من المحافظين على التقاليد التي عليها الأمة من قرون طويلة، المعتقدين أن الأخذ بالكتاب والسنة مخصوص بالمجتهدين الذين انقرضوا ويستحيل وجود غيرهم، وأن كتب المتأخرين من أموات العلماء خير من كتب المتقدمين وأجمع وأفيد في التحصيل وأنفع.

وقد نشر الشيخ رشيد رضا هذه المحاورات في مجلة المنار تحت عنوان "محاورات المصلح والمقلد"، ونقل فيها الكثير مما كتبه الإمام ابن قيم الجوزية، ثم جمعها في كتاب وألحق بها إجابات أسئلة وردت إليه من باريس في ذات موضوع المحاورات. ويضم الكتاب ثلاث عشرة محاورة تحث على الاعتماد على الدليل وتبين طرق الاستدلال الصحيحة والفاسدة، وتشرح حالة المسلمين العامة وشقائهم في دنياهم بسبب ترك الشريعة. ويناقش الشيخ أيضًا عمر الدنيا وتأثير الاعتقاد بقرب الساعة والأحاديث الواردة في ذلك. كما تذم المحاورات بدع الباطنية حول أسرار الحروف وادعاء معرفة الغيب بطرق متباينة وبطلان ذلك. ويحتد جدل المتحاورين حول قضايا الاجتهاد والتقليد وأثرهما في الوحدة الإسلامية، ثم يتطرقان ومعهما مقلد ثان إلى علاقة التقليد بالتلفيق والإجماع. ويتوصل المتحاوران أخيرًا إلى ضرورة الأخذ بالدليل، حيث نهى الأئمة وأصحابهم عن التقليد لما فيه من خطر على الوحدة الإسلامية. أما "الأسئلة الباريسية" فتدور إجاباتها حول ضرورة الاجتهاد ومضار تعصب المذاهب ومواقف الأئمة من ذلك. والكتاب حجة قوية في الدعوة إلى الاجتهاد كسبيل للوحدة الإسلامية، وفي دحض دعوى أنصار التقليد والتعصب المذهبي.

وتتجلى ممارسة الشيخ للاجتهاد في علمي التفسير والفقه. فقد وضع الشيخ رشيد رضا مع أستاذه محمد عبده تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار.[19] ويوضح الشيخ في مقدمة التفسير وجه الحاجة إليه بالنظر إلى أن أكثر ما كتب في التفسير يشغل القارئ عن مقاصد القرآن العليا وهدايته السامية بمباحث في الإعراب وقواعد النحو، ونكت المعاني ومصطلحات البيان، وجدل المتكلمين، وتخريجات الأصوليين، واستنباط الفقهاء المقلدين، وتأويلات المتصوفين، وتعصب الفرق والمذاهب بعضها على بعض، وكثرة الروايات وما مزجت به من خرافات الإسرائيليات، ومسائل العلوم الرياضية والطبيعية وغير ذلك، كما أن أكثر التفسير المأثور سرى إلى الرواة من زنادقة اليهود والفرس ومسلمة أهل الكتاب. أما تفسير المنار فتتوجه عنايته إلى هدي القرآن على الوجه الذي يتفق مع الآيات الكريمة المنزلة في وصفه، وما أنزل لأجله من الإنذار والتبشير والهداية والإصلاح. كما يراعي هذا التفسير مقتضيات هذا العصر في سهولة التعبير ومراعاة أفهام صنوف القارئين وكشف شبهات المشتغلين بالفلسفة والعلوم الطبيعية وغيرها. ويصف الشيخ تفسير المنار بأنه تفسير سلفي أثري مدني عصري إرشادي اجتماعي سياسي.

وقد اشترك الشيخان محمد عبده ورشيد رضا في وضع هذا التفسير، فبدأ الشيخ محمد عبده من أول سورة الفاتحة وحتى وفاته عند قوله تعالى (وكان الله بكل شيء محيطًا) من الآية 125 من سورة النساء، وأكمل الثاني التفسير من حيث انتهى الشيخ عبده وحتى وفاته عند قوله تعالى (توفني مسلمًا وألحقني بالصالحين) من الآية 101 من سورة يوسف.[20] ومع ذلك فإن تفسير الأجزاء الأولى من القرآن لم يكن خالصًا للشيخ محمد عبده، إذ أنه لم يكتب تفسيرًا بل ألقاه إلقاءً في الجامع الأزهر، وكان الشيخ رشيد رضا يكتب أثناء الدرس مذكرات بأهم ما قاله الشيخ عبده، ثم يطلعه على ما أعده منها للطبع في مجلة المنار، فكان ربما ينقح فيه بزيادة قليلة أو حذف كلمة أو كلمات. ويؤكد الشيخ رشيد رضا على أن هذا التفسير لم يكن كله نقلًا عن الشيخ عبده أو معزوًا إليه، بل كان من إنشاء الشيخ رشيد رضا نفسه، اقتبس فيه من دروس الشيخ عبده جل ما استفاده منها، فكان لا يرى حرجًا مما يعزوه إليه مما فهمه منه وإن لم يكتبه عنه في مذكرات الدرس، مستندًا إلى أن إقرار الشيخ عبده يؤكد صحة الفهم وصدق العزو.

ويتميز منهج الشيخ محمد عبده في التفسير بالتوسع فيما أغفله أو قصر فيه المفسرون واختصار ما أبرزوه من مباحث. ويزيد منهج الشيخ رضا بالتوسع فيما يتعلق بالآية من السنة الصحيحة سواءً كان تفسيرًا لها أو في حكمها، كما ينفرد بتحقيق بعض المفردات أو الجمل اللغوية والمسائل الخلافية بين العلماء، والإكثار من شواهد الآيات في السور المختلفة، والاستطراد في مناقشة المسائل التي تشتد حاجة المسلمين إلى تحقيقها بما يثبتهم بهداية دينهم في هذا العصر أو يقوي حجتهم على خصومه من الكفار والمبتدعة أو يحل المشكلات المستعصية على الحل. وقد جاء التفسير كما أراده له صاحبه متميزًا وشاملًا وعصريًا، ولا ينقصه إلا من يتمه على منهج واضعيه رحمهما الله.

أما في علم الفقه، فرفض الشيخ رشيد رضا الالتزام بأحد المذاهب، واجتهد ما وسعه الاجتهاد. ويتضح ذلك بالأخص في مجالي المعاملات المالية وحقوق النساء. إذ جاء كتابه عن الربا والمعاملات في الإسلام تطبيقًا عمليًا جريئًا لدعوى الاجتهاد ونبذ التقليد، حيث اجتهد الشيخ في إحدى أكثر مسائل الفقه تعقيدًا وإثارة للجدل في زمن ادعى فيه البعض أن باب الإجتهاد مغلق، ولم يتهيب من إعلان ما يرى حقًا، متحديًا الرأي السائد لدى الفقهاء المتأخرين المقلدين في المسألة والذي رآه الشيخ غير منسجم مع النصوص واجتهاد السلف وكبار العلماء. وكان هذا الاجتهاد سببًا في اتهام الشيخ بتحليل ما حرم الله من الربا، وهو بريء من ذلك.[21]

والكتاب هو إجابة الشيخ المنشورة في مجلة المنار عن طلب للفُتيا حول الربا والمعاملات المالية في الإسلام نشرته حكومة حيدر أباد الهندية الإسلامية ووزعته على العلماء المشهورين في الأقطار الإسلامية طالبة منهم بيان آرائهم فيه بالدليل الشرعي. وقد أورد الشيخ النص الكامل لرسالة الاستفتاء الهندية بحواشيها وما تضمنته من فتاوى لبعض علماء الهند في المسألة من منظور الفقه الحنفي، ثم أجاب إجمالًا عن المسائل الأربع التي وردت في نهاية الاستفتاء قبل أن يحقق البحث تحقيقًا مفصلًا غير مقيد بمذهب من المذاهب.

وقد ميز الشيخ بين ثلاثة أنواع من المعاملات المالية وهي: الربا القطعي المحرم لذاته، والربا الظني المنهي عنه لسد الذريعة، والبيع والتجارة. وانتقد تكثير الفقهاء لأحكام الربا بالظن والرأي، بينما كان مذهب السلف هو أن الحرام ما حرمه الله بنص كتابه. ويشرح الشيخ ربا الجاهلية المحرم بنص القرآن، ويورد أقوال أئمة الفقه والتفسير والحديث في الربا والبيع، من أمثال ابن عباس وابن جرير والشافعي والحافظ ابن حجر والجصاص والكياالهراسي والطبرسي وابن رشد والشاطبي وابن القيم وغيرهم. ويخلص الشيخ إلى تأييد رأي ابن عباس وغيره من المحققين في حصر الربا القطعي المحرم لذاته والمراد بالوعيد الشديد في ربا النسيئة المذكور في القرآن، أما ربا الفضل فتحريمه من باب سد الذرائع. ويبين الشيخ حكمة النهي عن ربا الفضل في النقدين (أي الذهب والفضة) والقوت الغالبة، معتمدًا على ما حققه ابن القيم في هذه المسألة. ويورد فصلًا في الحيل في الربا، مبينًا معنى الحيلة وأول من أدخلها في الشرع، والخلاف حول اختلاف حكم الحيل باختلاف النيات.

أما حقوق النساء فقد كانت موضوع كتاب رد فيه الشيخ على بعض الشبهات المتعلقة بموقف الإسلام من المرأة. وقد دوَّنه استجابة لدعوة جماعة من مسلمي الهند لوضع رسالة في أهم ما جاء في القرآن والسنة من حقوق النساء والإصلاح الذي يجب عليهن معرفته والمطالبة به.[22] فيبدأ الكتاب ببيان حال النساء في العالم كله قبل البعثة المحمدية وما جاء به الإسلام من الإصلاح لها. ثم يبني حجة الكتاب على قاعدة أن المرأة إنسان وهي شقيقة الرجل، وأن إيمان النساء كإيمان الرجال، وأن جزاء المؤمنات في الآخرة كجزاء المؤمنين. ويبين أن الإسلام يدعو النساء إلى مشاركة الرجال في الشعائر الدينية والأعمال الاجتماعية والسياسية، وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويُذَكِّر بأن النبي بايع النساء كما بايع الرجال.

ويُفَصِّل الشيخ في حقوق النساء في التعليم والتأديب، وحقوقهن المالية، وحقهن في الميراث وحكمته. لكنه يخصص معظم الكتاب لبيان حقوق النساء في الأسرة. فيتناول الشيخ حقوق المرأة كزوجة، مؤكدًا على حقها في مهر الزواج وحريتها في ولاية النكاح. ويشير إلى أركان الزواج في الإسلام والمساواة بين الزوجين، ويرى أن رياسة الرجل في الأسرة شورية لا استبدادية، ويفسر ما ذُكِرَ في القرآن من أن للرجال على النساء درجة. ويشرح وظائف كل من الزوج والزوجة، وصفات الزوجات الصالحات، وحكم الزوجات الناشزات، مع الإشارة إلى نشوز الرجل وإعراضه وعلاجه بالصلح.

ويناقش الشيخ قضية تعدد الزوجات وموقف الإسلام منه، مبينًا أصله في جميع الأمم، وهو يرى أن مصلحة الزوجية والإنسانية في التعدد، ويعرض لأقوال بعض فضليات الإنجليز وكبار علماء أوروبا في التعدد. كما يكشف عن الحكمة العامة لتعدد زوجات النبي، ويبين سيرته صلى الله عليه وسلم في معاشرتهن، وتنافسهن وتحزبهن عليه، وغيرة أزواجه وصبره عليهن، ثم مطالبتهن له بسعة النفقة والزينة مما أدى إلى تخييره لهن بين الدنيا والآخرة. كما يتناول تأديب الله لزوجات نبيه، وتوسعة الله عليه في معاملة نسائه، وتحريم النساء عليه بعد ما تقدم، وثمرة هداية القرآن والسنة في أزواج النبي. ويفسر آية حجاب نساء النبي وما يجب على المسلمين من الأدب مع الرسول وأزواجه، وما يقابل ذلك من تسري الفجور عند الإفرنج وتاريخه.

ويتناول الشيخ قضية الطلاق وما في معناه من فسخ وخلع وإيلاء وظهار، ويقارن بين إسراف الإفرنج في الطلاق من جهة وعوائق الطلاق في الإسلام من جهة أخرى، وكيف أنه منع إيقاع الضرر بالمرأة بالطلاق أو الإيلاء أو الظهار، وجعل للنساء الحق في فسخ عقد الزوجية وفي عدة الطلاق ومتعته ونفقته. ثم يشرح آداب المرأة المسلمة وفضائلها، وخاصة الحجاب، والنهي عن خلوة المرأة بالرجل وسفرها دون محرم، ويفسر آيات غض الأبصار وأمر النساء بإخفاء زينتهن، مؤكدًا عدم وجوب ستر وجه المرأة. وأخيرًا يُذَكِّر بتحريم عقوق الوالدين ووصية القرآن بهما مع تفضيل الأم.

والقارئ لاجتهاد الشيخ رشيد رضا في قضايا النساء خاصة يدرك بيسر أن أحد مقاصده هو تقريب الإسلام لمعاصريه من غير المسلمين، لاسيما في بلاد الغرب. إذ كان مقتنعًا تمامًا بأن ما يحول بين هؤلاء والتحول إلى الإسلام هو تقديمه صفيًا نقيًا لهم، لذلك جعل إرشاد العباد إلى الحق محورًا من محاور فكره التجديدي ودعوته الإصلاحية.

 

ثانيًا: إرشاد الأنام إلى هدي الإسلام

يؤكد الشيخ رشيد رضا اشتداد حاجة البشر إلى هداية الإسلام، ويتوقع أن يترك الإفرنج النصرانية قريبًا نظرًا لاستعداد أحرارهم للدخول في الإسلام، خاصة من يصفهم بالعلماء المستقلين من غير الساسة، لولا الشكوك والشبهات التي يثيرها المستشرقون حول الإسلام. وقد دوّن هذا التوقع في تصدير الطبعة الثالثة من كتابه الوحي المحمدي الذي وضعه لإقامة حجة الإسلام على المستشرقين بالتحدي الذي عجزوا عن معارضته، ولدعوة المسلمين إلى تجديد التحدي بتعاليم الوحي المحمدي وتوجيه دعوة الإسلام إلى العالم المدني.[23]

ويبدأ الشيخ ببيان ارتقاء البشر المادي وهبوطهم الأدبي وحاجتهم إلى الدين، ويفصل الأسباب التي تحجب بين الإفرنج والإسلام عمومًا وفهم القرآن خصوصًا، وهي الجهل ببلاغة القرآن، وقصور ترجماته، وأسلوبه المزجي، وأن الإسلام ليس له دولة. فيتناول الشيخ أسلوب القرآن وتركيبه المزجي وحكمته وإعجازه وما أسماه الثورة التي أحدثها في أمة العرب، مع مقارنة تأثير القرآن في العرب بتأثير التوراة في بني إسرائيل. ويناقش مقاصد القرآن في تربية البشر، وهي عنده عشرة مقاصد هي بيان أركان الدين الثلاثة أي الإيمان بالله وعقيدة البعث والجزاء والعمل الصالح، وبيان جهل البشر بأمور النبوة والرسالة ووظائف الرسل، وبيان أن الإسلام دين الفطرة السليمة والعقل والفكر، وبيان وحدة الأمة والإنسانية والدين والتشريع والأخوة الدينية والجنسية السياسية والقضاء واللغة، وبيان امتياز الإسلام في التكاليف الواجبة والمحظورات، والإصلاح السياسي، والإصلاح المالي، والإصلاح العسكري وإصلاح نظم العلاقات الدولية، وإعطاء النساء كل الحقوق الإنسانية والدينية والمدنية، وتحرير الرقيق.

ويشرح الشيخ ثلاثة عشرة آية في الوحي المحمدي وما فيها من خطاب عام وآخر خاص بأهل الكتاب، حيث يعرف الوحي لغة وشرعًا، ومعنى النبوة والرسالة وعصمة الأنبياء، ويبين حاجة البشر إلى الرسالة، وأن العقل والعلم لا يغنيان عن هداية الرسل. ويخاطب مثبتي الوحي المطلق من غير المسلمين شارحًا لهم ثبوت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم، وينتقد تعريف الوحي والنبوة عند النصارى، ويبين امتياز نبوة محمد على نبوة من قبله بمقارنتها بنبوة موسى وعيسى. ويرد الشيخ على منكري عالم الغيب ومن يصفون الوحي المحمدي بأنه وحي نفسي، وخاصة شبهات المستشرق درمنغام.

ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم لا يثبتها القرآن وحده، بل الإنجيل أيضًا. لذلك طلب الشيخ رشيد رضا من الدكتور خليل سعادة ترجمة إنجيل برنابا إلى العربية حين أهديت له نسخته الإنجليزية. وكتب الشيخ مقدمة الترجمة العربية، وسارع في نشرها في مطبعة المنار، فكانت هذه أول طبعة عربية لذلك الإنجيل الذي لم يكن معروفًا لدى المسلمين من قبل.[24] وقد رأى الشيخ في هذا الإنجيل فوائد جمة. فهو يحكم في المسائل الثلاث الخلافية بين الإسلام والنصرانية وهي التوحيد، وعدم صلب المسيح، ونبوة محمد صلى الله عليه وسلم. كما أنه يحتوي على تعاليم إلهية وأدبية ومواعظ وحكم.

وقد انتقد الشيخ بعض الباحثين الذين ادعوا أن إنجيل برنابا من وضع المسلمين في القرون الوسطى، كما انتقد رأي الدكتور سعادة بأن كاتب هذا الإنجيل يهودي أندلسي من أهل القرون الوسطى تنصر ثم دخل في الإسلام وأتقن اللغة العربية وعرف القرآن والسنة حق المعرفة بعد الإحاطة بكتب العهدين القديم والجديد. ومع إيمان الشيخ بأن إنجيل المسيح عيسى ابن مريم عليه السلام هو هديه وبشارته بمن سيأتي بعده ليتم دين الله، فإن الشيخ رجح أن إنجيل برنابا هو أحد تلك الكتب المُسَمَّاة أناجيلًا لاشتمالها على سيرة المسيح وهديه، وأن واضعه هو الحواري برنابا. كما رجح أن في مكتبة الفاتيكان من بقايا الأناجيل والكتب التى كانت ممنوعة في القرون الأولى ما لو ظهر لأزال كل شبهة عن إنجيل برنابا وغيره.

ولعل حسن الظن بعقلاء الغرب هو الذي قاد الشيخ رشيد رضا إلى الرحلة الأوروبية التي قام بها عام 1922 بصحبة ميشيل لطف الله للمشاركة في المؤتمر السوري الفلسطيني الذي انعقد في جنيف لمناقشة ترتيبات ما بعد الانتداب في الشام، وطاف خلالها في أرجاء البلاد الألمانية بصحبة صديقه شكيب أرسلان. ولكن الشيخ لم يكن غافلًا أيضًا عن خبثاء الغرب ومكرهم بالمسلمين. فقد كانت رؤيته للغرب مركبة، فهو لم يكن بالمقلد الأعمى لكل ما يأتي به الغرب، ولا بالرافض المطلق له، بل كان يدعو للانتقاء من بضاعة الغرب والتمسك بالقيم الإسلامية، كما ذهب عماد الدين شاهين في كتابه عن رشيد رضا والغرب.[25] فالشيخ هو ثالث ثلاثة، مع الشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده، في مدرسة الإحياء والإصلاح الإسلامي التي ظهرت أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين نتيجة المواجهة مع الغرب وكانت تسعى للتوفيق بين القيم الإسلامية والثقافة الغربية. وقد تأثر في ذلك بالظروف الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والفكرية التي عاشها وبتكوينه الفكري في سنواته الأولى.

ولبيان رؤية الشيخ المركبة للغرب حلل المؤلف تفسير الشيخ لأسباب تقدم الغرب من جهة ومعضلة التغريب في العالم الإسلامي من جهة أخرى. فقد رأى الشيخ أن الدعائم الرئيسية للحضارة الغربية كما تجلت في بداية القرن العشرين هي الحيوية الاقتصادية، والتقدم الصناعي والتكنولوجي، والديمقراطية السياسية المقيدة للحكام، والموقف من المرأة، والقيم الأخلاقية والاجتماعية، كالتفاني في العمل والتعاون والتنظيم وحب المعرفة وروح البحث والابتكار وفصل العقل عن العاطفة. لكنه رأى أيضًا الوجه الآخر للغرب، فالغرب هو المستعمر الذي تحركه قيم الفردية والقوة والعنصرية والمصلحة الوطنية والقومية والإفراط في إشباع الحاجات المادية، وبذلك يتناقض سلوكه الخارجي مع المبادئ التي ينادي بها في الداخل.

ومع ذلك فقد مال الشيخ رشيد رضا للتصالح مع الاستعمار الأوروبي، خاصة في مصر قبل الحرب العالمية الأولى، دون أن يعني ذلك استسلامه للأمر الواقع. إذ كان يرى كأستاذه المباشر محمد عبده أولوية التغيير الثقافي والتربوي على المقاومة السياسية والعسكرية.[26] كما أدرك أن ضعف المسلمين لم يكن نتاج استعمار الغرب فقط، بل كان أيضًا نتاج تفرقهم وما وقع بينهم من عداوة وبغضاء. لذلك وجه الشيخ رشيد رضا جل حركته الإصلاحية وجانبًا هامًا من تجديده الفكري لإصلاح ذات البين والتقريب بين الفرقاء المسلمين.

 

ثالثًا: اتحاد المسلمين لحماية الأرض والدين

كانت الرحلة الأوروبية سالفة الذكر هي الرحلة الوحيدة التي قام بها الشيخ رشيد رضا خارج بلاد المسلمين بعد هجرته إلى مصر عام 1897، أما رحلاته السبعة الأخرى فكانت وجهتها كلها حواضر العالم الإسلامي. فقد رأى الشيخ أن الوحدة الإسلامية لا تتحقق فقط بالاجتهاد كما سلف البيان، بل أيضًا بحل الخلافات التي طرأت بين الشعوب الإسلامية. ورغم تعدد أهداف رحلاته، إلا أن المشترك بينها جميعًا هو سعي الشيخ لرأب الصدوع في جسد الأمة الإسلامية، حفاظًا على ما تبقى من وحدتها، وحماية لما تبقى من أراضيها. وقد جمع الدكتور يوسف إيبش سجل رحلات الشيخ كما دونها هو نفسه في أجزاء متفرقة من مجلة المنار.[27]

وكانت "سياحة صاحب المنار" الأولى في سوريا عام 1908 عقب نجاح ثورة جماعة الاتحاد والترقي التركية والعودة إلى العمل بالدستور العثماني. وخلال الزيارة اتصل الشيخ بأهله بعد انقطاع دام إحدى عشرة سنة، وتفقد أحوال البلاد وحض الأهالي على الإخلاص لحكومة الاتحاديين والاستعداد لتطبيق الإصلاح الإداري الذي وعدوا به. ثم قام برحلته الثانية إلى الآستانة عام 1909 للتوفيق بين العرب والترك وإزالة أسباب خلافهم السياسي، تفاؤلًا منه بمستقبل الدولة بعد خلع السلطان عبد الحميد الثاني، وكذلك سعيًا للحصول على إعانات مادية من الحكومة العثمانية لتأسيس مدرسة تابعة لجمعية الدعوة والإرشاد التي أنشأها بمصر عام 1907.[28] لكن الاتحاديين خيبوا ظنه، فقام عام 1912 برحلته الهندية – أو هكذا سماها رغم أنها شملت عمان والعراق بالإضافة إلى الهند. وقد جاءت الرحلة تلبية لدعوة صديقه الشيخ شبلي النعماني رئيس جمعية ندوة العلماء المسلمين، ونجح خلالها في الحصول على إعانة مالية لفتح مدرسة الدعوة والإرشاد.

ويقص علينا الشيخ بإسهاب رحلته الحجازية عام 1916 التي قام خلالها بأداء مناسك الحج وتهنئة الشريف حسين بنجاح الثورة ضد الحكومة العثمانية المتعصبة للأتراك. وقد أكرم الشريف حسين وفادته، لكن الشيخ لم يبايع الشريف حسين، على الرغم من تحريض البعض له للقيام بهذه الخطوة ليتبعه المسلمون. فالثورة العربية كانت بالنسبة للشيخ رشيد رضا ردًا مشروعًا على قمع العرب على يد حكومة الاتحاديين، ولم تكن أبدًا تحديًا لشرعية الخلافة العثمانية.[29] ولما انتهت الحرب العالمية الأولى قام الشيخ برحلته السورية الثانية التي دامت عامين (1918-1920). وخلالها تولى الشيخ رئاسة المؤتمر السوري العام الذي كانت مهمته الأولى هي المطالبة بوحدة سوريا واستقلالها بعد أن احتلتها جيوش الحلفاء في نهاية الحرب. ولم يرجع الشيخ إلى مصر إلا بعد دخول القوات الفرنسية دمشق وفرار الملك فيصل من سوريا.

وفات محقق الكتاب أن يشير إلى رحلتين أخيرتين قام بهما الشيخ: الأولى للحجاز عام 1926 لتهنئة الملك عبد العزيز بن سعود باستيلائه على الحجاز ولحضور مؤتمر إسلامي لمناقشة مسألة الخلافة، والثانية للقدس عام 1931 لحضور مؤتمر إسلامي بدعوة من صديقه وتلميذه الحاج أمين الحسيني لبحث الغزوة الصهيونية على فلسطين وإمكانية إنشاء جامعة إسلامية هناك.

ولم ييأس الشيخ من توحيد المسلمين في خلافة واحدة حتى في أحلك الأوقات حين كانت الخلافة العثمانية تترنح تحت وطأة الهزائم أمام أعدائها في الخارج على يد الاستعمار، وفي الداخل على يد الحركة الوطنية التي تزعمها مصطفى كمال. فكتب الشيخ رسالته عن الخلافة عام 1922، والتي أكد فيها على أن الخلافة هي الأصل الخامس في الإسلام، مع بيان الفرق بينها وبين البابوية أو الرياسة الروحية. وأهدى الرسالة إلى الشعب التركي، داعيًا إياه للنهوض بتجديد حكومة الخلافة الإسلامية بقصد الجمع بين هداية الدين والحضارة لخدمة الإنسانية، لأنه أقدر الشعوب الإسلامية على إحياء مدنية الشرق وإنقاذ مدنية الغرب التى باتت تفتك بها أوبئة الأفكار المادية، والروح الحربية، والإسراف في الشهوات الحيوانية. وحذر الشيخ الأتراك من إحياء النعرة الطورانية، ومن وسائل المتفرنجين لإماتة الدين، ومن طغيان المؤسسة العسكرية.[30]

وبين الشيخ في الكتاب حقيقة الخلافة وأحكامها، وشيئًا من تاريخها وعلو مكانتها، وحاجة جميع البشر إليها، وجناية المسلمين على أنفسهم بسوء التصرف فيها والخروج بها عن موضوعها، وما يعترض سبيل إحيائها، والمخرج منه. ويبدأ الكتاب بالأحكام الشرعية المتعلقة بالخلافة الإسلامية، حيث يُعَرِّف الخلافة ويُبَيِّن وجوبها شرعًا، وسلطة الأمة ومعنى الجماعة، وشروط أهل اختيار الخليفة، والشروط المعتبرة في الخليفة، وصيغة مبايعة الأمة له، وما يجب عليها بالمبايعة، وما يجب عليه للملة والأمة. ويناقش الشيخ قضية وحدة الخليفة وتعدده، مؤكدًا أن وحدة الإمامة بوحدة الأمة، ويشدد على مكانة الشورى في الإسلام، ويناقش قضية التولية بالاستخلاف والعهد وما يخرج به الخليفة من الإمامة، كما يعالج مسألة إمامة الضرورة والتغلب بالقوة، فيؤكد أن طالب الولاية لا يولى، ويفرق بين دار العهد ودار الجور والتغلب، ويفسر كيف سن التغلب على الخلافة تاريخيًا. ويعود لمناقشة مسألة سنة التغلب في خاتمة الكتاب، حيث يبين كيف أفسد الأعاجم حكم الإسلام العربي بها، منتقدًا أساسها النظري وهو فكرة العصبية التي أوردها ابن خلدون حيث اعتبرها مخالفة للإسلام.

ثم يناقش الشيخ مسألة الخلافة في العصر الحديث، فيميز بين ثلاث فرق من المسلمين وهي حزب الإصلاح الإسلامي المعتدل، وحزب المتفرنجين، وحزب حشوية الفقهاء الجامدين، مُبَيِّنًا ما يجب على حزب الإصلاح وأهل الحل والعقد في هذا الزمان في أمر الأمة والإمامة. ويشرح علاقة الخلافة بالعرب والترك، حيث يناقش بتوازن مرجحات وموانع جعل مركز الخلافة في كل من الحجاز وبلاد الترك، ويدعو إلى إقامتها في منطقة وسطى كالموصل المتنازع عليها في ذلك الوقت بين العراق والأناضول وسوريا. ويشير باختصار إلى نموذج من النظم الواجب وضعها للخلافة، مؤكدًا على أن نهضة المسلمين تتوقف على الاجتهاد في الشرع.

وينتقد الشيخ فتاوى مصطفى كمال أتاتورك الدينية التي لم تصدر إلا عن هوى لأن الترك يحتاجون إلى اللغة العربية  للاجتهاد في الشرع. ويؤكد أن الإسلام وضع قواعد تشريعية للخلافة، مشيرًا إلى ما بين هذه القواعد وحال الأمة من تباين وتوافق. ونظرًا للدور المؤثر الذي يمكن أن تلعبه الخلافة في إصلاح العالم الإسلامي فإن غير المسلمين عامة ودول الاستعمار خاصة يكرهون إقامة حكومة الخلافة ويثيرون حولها الشبهات، ومنها علاقتها بفكرة الجامعة الإسلامية.

والحقيقة أن قضية الخلافة كانت تحتاج لاجتهاد جديد ومتوازن لم يجرؤ عليه في ذلك الوقت سوى قلة من المفكرين أمثال الشيخ رشيد رضا، وكذلك الدكتور عبد الرزاق السنهوري الذي تعلم في فرنسا وحصل فيها على درجة الدكتوراه في القانون، وعالج في رسالته قضية الخلافة الإسلامية في العصر الحديث، داعيًا المسلمين للانتفاع بخبرة الغرب في إنشاء منظمات دولية لإقامة عصبة أمم شرقية كبديل عن إقامة الخلافة في ظروف دولية غير مواتية، مع تسليمه بأن هذه العصبة نموذج ناقص لدولة الخلافة الإسلامية. فقد رأى السنهوري أن قوى الاستعمار الغربي ترفض أية محاولة لإحياء الخلافة في شكلها التقليدي، لذلك فلا مانع من إقامة عصبة الأمم الشرقية ريثما يتمكن المسلمون من إقامة دولة خلافة على منهاج النبوة.[31]

ولا شك أن هذه التصورات الجادة التي طرحها الشيخ رشيد رضا والدكتور السنهوري تختلف عن رؤى أخرى للخلافة ظهرت في تلك الفترة الزمنية الحرجة ولكنها لم تلتزم بأصول الفقه وقواعد الاجتهاد ومقاصد الشرع، ومنها وحدة المسلمين. ومن أبرز هذه الرؤى ما طرحه الشيخ علي عبد الرازق في كتابه (الإسلام وأصول الحكم)، حيث ادعى أن الخلافة ليست مؤسسة إسلامية أصيلة أو نظامًا إسلاميًا للحكم، إذ ليس في الإسلام نظام للحكم. وقد تولى كثير من العلماء والمفكرين الرد على هذا القول في حينه وبعد ذلك، وقررت لجنة كبار العلماء في الأزهر أن الكتاب ضعيف من الناحية العلمية وسحبت من مؤلفه لقب "عالم" وفصلته من جماعة العلماء ومن منصبه كقاضٍ شرعي. واتضحت لاحقًا أدوار المستشرقين والمستعمرين في هذا الكتاب، إذ رأوا أن الفرصة أصبحت مواتية للقضاء على فكرة المؤسسة التي تجسد الوحدة السياسية للأمة الإسلامية للأبد.[32]

 

خاتمة

هل من علاقة بين المحاور الثلاثة، أي الاجتهاد والإرشاد والاتحاد، في فكر الشيخ رشيد رضا وفي الواقع؟ نعم، هناك أكثر من علاقة بينها. فمن جهة، كان الاجتهاد هو الأساس الذي بنى عليه الشيخ جهوده للإرشاد والاتحاد. بعبارة أخرى، كانت تلك الجهود ثمرة الاجتهاد ومقصده، وكان الاجتهاد شرطها الضروري. فرغم أن التزام الشيخ بالاجتهاد كان التزامًا مبدأيًا نابعًا من وجوب الاجتهاد مع تغير الزمان، فإن الشيخ أحسن توظيفه لبيان جوهر الإسلام النقي الخالي من الشوائب التي لحقت به في أزمنة الركود الأخيرة، وكذلك تقديمه لغير المسلمين ملائمًا للعصر الحديث. كما سعى الشيخ بالاجتهاد لتقريب الطوائف والمذاهب والشعوب بإعلاء قيم الأمة والوحدة والتآخي والتعاون على البر والتقوى باعتبارها الأصل في العلاقة بين المسلمين، بينما الاختلاف طارئ عليهم ويمكن تجاوزه، فضلًا عن وجوب ذلك.

ومن ناحية أخرى، فإن جهود الشيخ رشيد رضا في هذه المجالات الثلاثة كشفت بوضوح عن توافق الاستبداد مع الاستعمار في عداوة الإصلاح والتجديد عند المسلمين. فغياب الشورى في الدولة العثمانية كرس العداوة والبغضاء بين جناحي الأمة، أي العرب والترك، تمامًا كما كرستهما مؤامرات المستعمرين الذين حققوا مكاسب جمة من ورائهما. ورغم الاختلاف الظاهري في موقفي الاستبداد والاستعمار من الاجتهاد، إلا أن جوهرهما ظل واحدًا. فبينما اعتبرت حكومة السلطان عبد الحميد أفكار المنار الإصلاحية خطرًا على استقرارها فمنعتها من دخول السلطنة، وشجعت علمائها المقلدين على مهاجمتها، كان الاستعمار –لاسيما المستعمر البريطاني في مصر– أشد دهاء في التعامل مع الدعوة للاجتهاد. فقد شجع هذه الدعوة في مجالات التعليم والقضايا الاجتماعية بما ساعد على "تحديث" المجتمعات المسلمة على الطريقة الأوروبية، لكنه تركها فريسة للاستبداد في المجال السياسي رغم قدرته على تشجيعها أيضًا. فقد وظف الاستعمار دعوة الاجتهاد لحلحلة الأوضاع الراكدة في مجتمعات البلاد المستعمرة تمهيدًا لإدخال "إصلاحات" تصب في اتجاه تغريب هذه المجتمعات. أما الإرشاد فقد بدا الاستبداد والاستعمار غير معنيين به إلى حد كبير.

وبدلًا من محاربة الاستبداد والاستعمار حربًا مباشرةً، جاهد الشيخ رشيد رضا لمكافحة آثارهما السيئة في بلاد المسلمين. فكانت هذه هي حكمة الشيخ التي اقتدت بها حركات إصلاحية لاحقة.

 

الاجتهاد والإرشاد والاتحاد في فكر الشيخ محمد رشيد رضا وحركته الإصلاحية (1-2)

 

*  دراسة نشرت في مجلة ركائز معرفية، ديسمبر 2014، ص 1-32.

**  أستاذ زائر وباحث أول، قسم الدراسات السياسية والدولية، جامعة رودس، جنوب أفريقيا.

 

[16] محمد رشيد رضا، يسر الإسلام وأصول التشريع العام في نهي الله ورسوله عن كثرة السؤال (مكتبة السلام العالمية، د.ت.)

[17] محمد رشيد رضا، الوحدة الإسلامية والأخوة الدينية وتوحيد المذاهب، إشراف: زهير الشاويش (دمشق وبيروت: المكتب الإسلامي، د.ت.).

[18] لمزيد من التفاصيل، انظر: علي مبارك، الأعمال الكاملة لعلي مبارك، دراسة وتحقيق: محمد عمارة (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1979) المجلد الأول، ص 101-120.

[19] محمد رشيد رضا، تفسير القرآن الحكيم الشهير بتفسير المنار (بيروت: دار المعرفة، 1993).

[20] الطبعة المذكورة في الهامش السابق تنتهي عند الآية 52 من سورة يوسف، وهي نهاية الجزء الثاني عشر من القرآن.

[21] محمد رشيد رضا، الربا والمعاملات في الإسلام (القاهرة: مكتبة القاهرة، د.ت.).

[22] محمد رشيد رضا، نداء للجنس اللطيف: حقوق النساء في الإسلام وحظوظهن من الإصلاح المحمدي العام، تعليق: محمد ناصر الدين الألباني (دمشق وبيروت: المكتب الإسلامي، د.ت.).

[23] محمد رشيد رضا، الوحي المحمدي: ثبوت النبوة بالقرآن ودعوة شعوب المدنية إلى الإسلام دين الأخوة الإنسانية والسلام (القاهرة: مكتبة القاهرة، الطبعة السادسة، 1960).

[24] خليل سعادة (مترجم)، إنجيل برنابا (القاهرة: مطبعة المنار، د.ت.).

[25] Emad Eldin Shahin, Through Muslim Eyes: M. Rashid Rida and the West (Herndon, VA, USA: the International Institute of Islamic Thought, 1993).

[26] لمزيد من التفاصيل حول هذا الموقف، انظر: فادي إسماعيل، "الإسلام والغرب والسياسة: قراءة في نصوص المنار في سنواتها الأولى"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007)، ص 317-343.

[27] يوسف إيبش (محقق)، رحلات الإمام محمد رشيد رضا (بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، الطبعة الثانية، 1979).

[28] لمزيد من التفاصيل حول جهود الشيخ رضا للإصلاح بين العرب والترك، انظر: أنيس الأبيض، "رؤية محمد رشيد رضا للإصلاح السياسي في الدولة العثمانية من خلال العلاقة بين العرب والترك"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007)، ص 243-253.

[29] حول موقف الشيخ رشيد رضا من الثورة العربية، انظر: أحمد علي سالم، مرجع سابق، 233-235. وانظر رؤية مخالفة في: محمد الأرناؤوط، "موقف رشيد رضا من تيارات التحديث المعاصرة"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007)، ص 153-164.

[30] محمد رشيد رضا، الخلافة (القاهرة: الزهراء للإعلام العربي، 1994).

[31] أحمد علي سالم، "رؤى المسلمين من مواقف الغرب من وحدتهم وأثرها في علاقاتهم به: من الدولة العثمانية إلى منظمة المؤتمر الإسلامي"، الإسلام والغرب: حوار حضاري (أبو ظبي: مركز الإمارات للدراسات والبحوث والاستراتيجية، 2012) 61.

[32] حول الكتاب والجدل الذي أثاره، انظر: أحمد علي سالم وريهام خفاجي، "الفكر السياسي الإسلامي بين الإصلاح والاستغلال: قراءة فيما أثاره كتاب الإسلام وأصول الحكم من جدال"، رؤى، العدد المزدوج 23-24، 2004، ص 96-101.

الإصلاح والتجديد هما معًا الطريق الثالث الذي سلكه فريق من المسلمين لعلاج الخلل في الميزان الحضاري بين المسلمين والغرب منذ بداية العصر الحديث. وقد سبقه تاريخيًا طريقان هما الانكفاء على الذات من جهة والتماهي في الغرب من جهة أخرى. والمتأمل في هذين الطريقين يجدهما في الحقيقة طريقًا واحدًا عماده التقليد، أي الاتباع بغير تدبر: فأحدهما تقليد للسابقين منا، والآخر تقليد للاحقين من غيرنا.

وما كان للتقليد أن يتقدم وقد ذمه الله تعالى في كتابه، وما كان للإصلاح والتجديد أن يتأخرا وقد ذكرهما الله ورسوله ذكر المادحين، فقال تعالى على لسان خطيب الأنبياء شعيب عليه السلام: إن أريد إلا الإصلاح ما استطعت (هود: 89)، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما رواه أبو داوود في الملاحم والحاكم في الفتن عن أبي هريرة: إن الله تعالى يبعث لهذه الأمة على رأس كل مائة سنة من يجدد لها دينها. وقد انشغل بعض الدارسين بتحديد مجدد كل قرن هجري، أخذًا بظاهر هذا الحديث،[1] رغم أن الحديث لا يمنع تعدد المجددين على رأس كل مائة سنة، ولا تكرار بعثة المجددين خلال القرن الواحد، لاسيما وقد تقارب الزمان وأصبحت الأفكار والأشياء تتقادم في العصر الحديث بسرعة فاقت نظائرها في العصور السابقة، وبات من المألوف أن ينظر الناس لما كان جديدًا في بداية القرن على أنه قديم بعد مضي زمن وجيز عليه. ولكن الفهم الضيق لهذا الحديث أدى إلى تراجع اسم الشيخ رشيد رضا في سجل مرشحي مقعد مجدد القرن الرابع عشر الهجري، لحساب مجددين آخرين فاقوه صيتًا وشهرة، لاسيما أستاذيه محمد عبده وجمال الدين الأفغاني.[2]

ولا يهدف هذا البحث لمقارنة أفكار الشيخ رشيد رضا التجديدية وجهوده الإصلاحية بأفكار وجهود مجددين آخرين، وإنما يسعى لإبراز بعض أفكاره التجديدية وجهوده الإصلاحية التي حبذا أن يتعلمها مجددو القرن الخامس عشر الهجري ومصلحوه. وهذه الأفكار وتلك الجهود مبسوطة فيما كتبه هو رحمه الله، وخاصة في مجلة المنار، وكذلك فيما كتبه الباحثون عنه، وهو قليل نسبيًا إذا ما قورن بما كتب عن أستاذيه الأفغاني وعبده،[3] وبعضه غير متوفر الآن إلا في المكتبات الكبرى مثل مكتبة الكونجرس الأمريكي. فهذا البحث هو دراسة للكتب التي خلفها الشيخ محمد رشيد رضا والكتب التي سجلت أفكاره وجهوده في التجديد والإصلاح. فيخرج من نطاقها إذًا المقالات والبحوث المنشورة في مجلات علمية وكتب محررة لا تركز على الشيخ رشيد رضا تحديدًا. ويبدأ البحث بتحليل للاتجاهات الرئيسية في الكتب المنشورة عن أفكار رشيد رضا وجهوده، ثم يناقش ثلاثة إسهامات كبرى للشيخ رشيد رضا، وهي التي يحملها عنوان هذا البحث.

 

المبحث الأول

 الاتجاهات الرئيسية في الكتب المنشورة عن أفكار رشيد رضا وجهوده

لعل من دلائل تنوع عطاء الشيخ رشيد رضا أن يهتم بدراسته والانتفاع به باحثون ذوو مشارب شتى. فمنهم الأدباء والمؤرخون وطلبة العلم الشرعي وطلبة العلوم الاجتماعية، وكل يدرس جانبًا من جوانب هذا العطاء. وقد أبرز الدكتور إبراهيم العدوي هذا التنوع في كتاب كان من أول وأشمل ما كتب عن الشيخ رشيد رضا.[4] فأطلق المؤلف على الشيخ لقب الإمام المجاهد، لأنه جمع بين ميداني العلم والسياسة دون أن يطغى نشاطه في أحدهما على الآخر. وينطلق المؤلف من أن دراسة منهج رشيد رضا في معالجة المشاكل التي أحاطت بالمسلمين والعرب، وكفاحه المتواصل في حل تلك المشاكل والنهوض بالعالمين الإسلامي والعربي، تتطلب عرضًا دقيقًا للعصر الذي شب فيه وترعرع، ثم جاهد فيه وناضل، وهي السنوات الأخيرة من القرن التاسع عشر والسنوات الأولى من القرن العشرين والتي يعتبرها المؤلف من أشد السنوات قسوة على النفس والضمير، إذ التقى فيها الاستبداد العثماني بالاستعمار الأوروبي المتحالف مع الصهيونية، حتى صار عبء الإصلاح ثقيلًا ينوء به أولو العزم من القادة. ويرى المؤلف أن رشيد رضا استطاع أن يحمل رسالته في تلك الأيام في قوة وإيمان لأنه درس في روية وإمعان مشاكل الأمة العربية والعالم الإسلامي، فضلًا عن أنه تربى في مهاد تلك المشاكل والأحداث، وتابع تياراتها وتدفقها، وهاجر إلى مصر التي أصبحت في مطلع العصر الحديث قاعدة النضال العربي.

ولم يقتصر عطاء الشيخ رشيد رضا على العلم والسياسة، بل امتد ليشمل الأدب الإسلامي أيضًا. فكتب أحمد الشرباصي عن عطائه الأدبي وتأثره في أدبه بالقران والسنة وإسهامه في إعزاز أدب الإسلام.[5] فرأى المؤلف أن رشيد رضا لم يكن رجل دين وداعية عقيدة فقط بل كان أديبًا أيضًا. فكل ما خلفه من آثار قلمية يستحق أن يُدرس دراسة أدبية. فقد كتب رشيد رضا المقالة، وألف الكتاب، وصاغ الرسالة، وصنع القصة والمقامة، ومارس الجدل والمناظرة، وكتب في الوصف والنقد وتراجم الأشخاص، وعلق على بحوث غيره، وكتب في الأمالي الأدبية واللغويات. وكل هذا التراث يعد أدبًا، لأن الأدب هو كل مأثور من النثر أو الشعر له قيمته وأثره.

ويطلق المؤلف على أدب رشيد رضا أدبًا إسلاميًا لأن موضوعه ومضمونه إسلاميان، ولأنه تأثر ببيان القرآن والسنة تأثرًا عميقًا. وقد قوَّم المؤلف أدب الشيخ من ناحية اللفظ والمعنى ومن ناحية العاطفة والانفعال، وأبان كيف غلبت عليه الخطابة في صدر حياته الأدبية، ثم غلبت عليه الكتابة بعد ذلك. وتحدث عن تأثره العميق بالجملة القرآنية. ودرس المؤلف أدب الرسالة عند رشيد رضا مستعينًا بنماذج من رسائله فيها معلومات أدبية ولغوية وتاريخية ذات قيمة كبيرة، ثم قارن بينه وبين غيره في كتابة الرسائل. وتحدث عن مقومات الخطابة عند الشيخ، كاشفًا عن نص أول خطبة ألقاها في حياته، وهي خطبة لم تنشر من قبل. وحدد المؤلف موقف الشيخ من القصة، ورأيه غير الإيجابي فيها، وكشف محاولة الشيخ صنع المقامة، وقد وفق الكاتب في العثور على نص المقامة الوحيدة التي خلفها الشيخ، وحللها وقومها من الناحية الأدبية.

ومجلة المنار هي الوعاء الذي حوى معظم كتابات الشيخ رشيد رضا.[6] وتقع المجلة في خمسة وثلاثين مجلدًا يناهز حجم بعضها ألف صفحة، وقد صدر عددها الأول في العشر الأواخر من شوال سنة 1315 هجرية (مارس 1898م) بعد أسابيع قليلة من وصول منشئها الشيخ رشيد رضا إلى مصر طالبًا العلم على يد الشيخ محمد عبده وحرية الدعوة إلى الإصلاح. ويصف الشيخ "المنار" بأنها مجلة تبحث في فلسفة الدين وشئون الاجتماع والعمران، وبيَّن غرضه من إنشائها في عددها الأول، وهو الإصلاح الديني والاجتماعي للمسلمين ومن يعيش معهم وتتصل مصالحه بمصالحهم، وكذلك بيان اتفاق الإسلام مع العلم والعقل، وموافقته لمصالح البشر في كل قطر وعصر، وإبطال ما يرد من شبهات عليه، وتفنيد ما يعزى من خرافات إليه.

وكانت "المنار" في سنواتها الأولى جريدة أسبوعية، ثم أصبحت مجلة تصدر مرتين كل شهر عربي، وانتهى بها الحال إلى مجلة تصدر مرة كل شهر عربي. وبينما كانت المنار في سنواتها الأولى تنشر برقيات وبعض الأخبار بالإضافة إلى المقالات، وكان الشيخ يكثر فيها من الخطابيات ويكتفي في أكثر المسائل بالإجمال ولا يخوض في المسائل السياسية، باتت المنار تخوض في تفاصيل المسائل وتهتم بقضايا الإصلاح الديني والتربوي والاجتماعي، كما أصبحت منبرًا علميًا وأدبيًا رصينًا لكبار أصحاب الأقلام في عصرها، من أمثال عبد الرحمن الكواكبي ورفيق العظم ومحمد توفيق صدقي وبهجة البيطار، وكذلك أمير البيان شكيب أرسلان الذي نشر كتابه (لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم) في مجلة المنار استجابة لاقتراح ورد إلى الشيخ رشيد رضا من تلميذه الشيخ محمد بسيوني عمران إمام مهراجا جزيرة جاوه. وتشير مقدمة الكتاب التي كتبها الشيخ رشيد رضا إلى أن المؤلف رحب بالاقتراح منفعلًا بما شاهد في أسبانيا من مشاهد الحضارة العربية الإسلامية ومتأثرًا بمحاولات فرنسا تنصير شعب البربر في المغرب تمهيدًا لتنصير عرب إفريقيا. وقد علق الشيخ بعض الحواشي المتفرقة على إجابة الأمير شكيب أرسلان.[7]

وقد تعرضت المنار إلى هزة قوية بوفاة صاحبها الشيخ رشيد رضا عام 1935، فلم يصدر منها بعد ذلك إلا تسعة أعداد على فترات متفرقة، كان آخرها في سبتمبر عام 1940. فقد اعتبرها المشرفون على هذه الأعداد الأخيرة معلمًا بارزًا من معالم الدعوة إلى الإصلاح في العصر الحديث يصعب أن تجد له نظيرًا، إذ أسهمت بما لم يقدر عليه غيرها في تنبيه الأذهان وإعادة فتح باب الإجتهاد والدعوة إلى الوحدة والنهضة على أساس إسلامي مع الانتفاع بالمدنية الغربية.

وللانتفاع من هذا العمل الكبير أصدر مشروع دراسات الحضارة الإسلامية في طوكيو فهرسًا للمقالات الواردة في المجلة، سواء ما كتبه صاحب المنار أو ما كتبه 374 كاتبًا من أعلام حَمَلَة الأقلام في زمانها، وما أدرج في المجلة من مقالات نقلًا عن مجلة العروة الوثقى وعن كتب الغزالي وابن تيمية وابن قيم الجوزية وجمال الدين القاسمي وغيرهم. ويشير الفهرس على سبيل المثال إلى 116 ترجمة لأعلام معاصرين و246 دورية و845 كتابًا مقرظًا و99 وثيقة و1061 فتوى وغيرها من المواضيع البالغ عددها 479 موضوعًا.[8] وببعض الجهد الإضافي كان يمكن أن يصبح هذا الفهرس أكثر نفعًا. فهو لا يميز في التصنيف بين مؤلف وعنوان وموضوع، بل يرتب جميع المدخلات ترتيبًا هجائيًا، كما يصعب التمييز فيه من جهة الخط بين الموضوعات والرئيسية والفرعية. ويبدو الكتاب مجرد تجميع للفهارس التي وضعها الشيخ رشيد رضا في مقدمة مجلدات مجلة المنار.

وأفضل منه تعريفًا بالمنار هو الجزء الأول من كتاب تاريخ الصحافة الإسلامية للأستاذ أنور الجندي الذي خصصه لمجلة المنار باعتبارها عملًا صحفيًا.[9] فقد حلل أثر العروة الوثقى على منهج الصحافة الإسلامية بوجه عام ومجلة المنار بوجه خاص، ثم شرح ميادين العمل الصحفي الإسلامي في المنار من خلال دورها في التعريف بفضل الإسلام، والدفاع عن اللغة العربية، وإحياء التراث الإسلامي، وكذلك تفسير القرآن للشيخ رشيد رضا، والتزام المجلة بمذهب أهل السنة والجماعة، ومواقفها من التصوف والفلسفة والعلاقات بين السنة والشيعة، ودورها في مواجهة الأخطار والتحديات التي واجهها المسلمون آنذاك، والرد على شبهات التبشير والتشكيك في حقائق الإسلام.

وعرض المؤلف خطة المنار وأهدافها خلال أربع مراحل تاريخية متعاقبة من عمر المجلة، تبدأ أولاها بنشأة المنار عام 1898 وتنتهي بوفاة الشيخ محمد عبده عام 1905، وتستمر المرحلة الثانية حتى بداية الحرب العالمية الأولى عام 1914، أما المرحلة الثالثة فتدوم حتى سقوط الخلافة الإسلامية في تركيا عام 1924، وتستمر المرحلة الرابعة حتى وفاة صاحب المنار الشيخ رشيد رضا. وعرض المؤلف مواقف المنار من أحوال العالم الإسلامي في الثلث الأول من القرن العشرين، وأهمها مواقفها من الدولة العثمانية في عهدي السلطان عبد الحميد (1898-1908) وحكومة الاتحاد والترقي (1908-1918)، ومواقفها من الجامعة الطورانية ومصطفى كمال أتاتورك ودوره في إسقاط الخلافة. كما ناقش مواقف المنار من الماسونية والصهيونية، ومن حركات الإصلاح الإسلامية كالوهابية والسنوسية، ومن الشخصيات والصحف والمجلات والجماعات البارزة في العالم الإسلامي، ومن قضايا التربية والتعليم والمرأة والمجتمع. وقوِّم المؤلف ما حققته مدرسة المنار من إصلاح. ورغم أن الكتاب يمثل إسهامًا جيدًا في التعريف بالمجلة، إلا أن طابعه الصحفي من حيث العرض والسرد أفقده البعد التحليلي من حيث المناقشة والنقد.

ولا يختلف عن هذا الكتاب من حيث الأسلوب القصصي وغلبة السرد على التحليل، كتاب سمير أبو حمدان عن الخطاب الإسلامي المعتدل للشيخ رشيد رضا.[10] فالكتاب سيرة للشيخ رشيد رضا بالاعتماد إلى حد كبير على ما دونه الشيخ نفسه. فتناول المؤلف طفولة الشيخ في قرية القلمون القريبة من مدينة طرابلس الشام، والبيت الذي نشأ فيه، وحبه للعزلة، وإقباله على تعلم القرآن والخط والحساب واللغة العربية، ومصادر ثقافته وهي القرآن الكريم والحديث الشريف وكتب التراث (وعلى رأسها "إحياء علوم الدين" لأبي حامد الغزالي و"نهج البلاغة" للإمام علي بن أبي طالب) ومجلتا العروة الوثقى والمقتطف. ورأى المؤلف أن مجلة المنار كانت خطوة في طريق الإصلاح تبعتها خطوات، أهمها سعي الشيخ إلى إنشاء جمعية إصلاحية بمضمون إسلامي يمتد تأثيرها إلى خارج مصر على غرار جمعية الشورى العثمانية التي أسندت رئاستها إليه.

ويرى المؤلف أن أساس الفكر السياسي للشيخ رشيد رضا هو الإسلام، وأنه واصل السير على منهج العروة الوثقى مع التركيز على الجوانب التربوية والتعليمية. وكان للشيخ موقف متميز من العلاقة الثقافية مع الغرب حيث كان يرى ضرورة الجمع بين الأصول الدينية والتراثية للمسلمين من جهة والعلوم والمعارف الغربية من جهة أخرى. وقد دعا الشيخ إلى الإصلاح الاقتصادي وحذر من سيطرة الأجانب على الموارد الإقتصادية في بلاد المسلمين. وعرض المؤلف موقف الشيخ من فكرة الجامعة الإسلامية التي راجت في ذلك الوقت وحرصه على تمتين العلاقة بين العرب والترك. وأورد المؤلف النص الكامل لخطبة في هذا الشأن ألقاها الشيخ في "منى" في موسم الحج عام 1916.

ولعل التقسيم الموضوعي في دراسة فكر الشيخ رشيد رضا ومجلة المنار أكثر بيانًا وتحليلًا من التعريف العام بفكر الشيخ رشيد رضا وجهوده الإصلاحية. ومثال ذلك كتاب محمد المراكشي عن تفكير الشيخ رشيد رضا من خلال مجلة المنار.[11] فقد حاول المؤلف الإجابة عن سؤالين هما جوهر إشكالية هذا الكتاب، وهما: هل صنع رشيد رضا من خلال أفكاره الإصلاحية في ميادين عديدة أيديولوجية موحدة القواعد وصالحة لتغيير أوضاع المجتمع المسلم عمومًا في العصر الحديث؟ وما هو موقف هذه الأيديولوجية من الحداثة؟ ولإجابة هذين السؤالين حلل المؤلف التراث الفكري للشيخ رشيد رضا كما تبلور في مقالاته في مجلة المنار، مقسِّمًا هذا التراث تقسيمًا موضوعيًا. فبدأ بمناقشة تفكير رشيد رضا السياسي ومواقفه من حكم السلطان عبد الحميد الثاني وحكومة الاتحاديين وسقوط الخلافة وإعلان الجمهورية التركية، وكذلك مواقفه من ثورة الشريف حسين والدولة السعودية الناشئة وقضايا السياسة في مصر وسوريا وفلسطين. ثم ناقش تفكير رشيد رضا الديني متمثلًا في تفسيره القرآن ونشاطه في مجال الفتوى ودفاعه عن الإسلام ومفهومه عن التدين والإصلاح الديني ومواقفه من الفرق والطرق الإسلامية والتيار الفكري المتحرر في مصر. ثم تناول المؤلف تفكير رشيد رضا الاجتماعي والاقتصادي في مجالات الأسرة والمرأة وتربية الأطفال وقضايا المجتمع الإسلامي والمعاملات المالية الحديثة والمذاهب الاجتماعية كالاشتراكية وغيرها. ثم شرح تفكير رشيد رضا الثقافي وآراءه الإصلاحية في مجالات اللغة والأدب والصحافة والتعليم والمدارس الدينية والحكومية العثمانية. ورغم أن تفكير صاحب المنار كلٌّ فكريٌّ شاملٌّ لا يتجزأ، إلا أن المؤلف يدافع عن هذا التقسيم باعتباره منهجًا نقديًا يسهل استكشاف معالم الفكر الأيديولوجي ويبيِّن درجات الحداثة في كل جانب منه، مع ملاحظة التطور الفكري عند الشيخ.

ومن أشمل ما كتب من هذا النوع من الدراسات عن فكر الشيخ رشيد رضا وجهوده الإصلاحية كتاب أحمد الشوابكة عن دور الشيخ في الحياتين الفكرية والسياسية.[12] فمن الناحية الفكرية، عالج المؤلف عدة محاولات قام بها الشيخ للتقريب بين أتباع الديانات السماوية الثلاث، والتوفيق بين السنة والشيعة، وتقريب الفوارق بين أتباع المذاهب الفقهية السنية. ورغم هذه النزعة التوفيقية، فإن الشيخ عارض التيارين الفكريين السائدين في مصر آنذاك وهما التيار المحافظ الذي يتكون من غالبية منتسبي الجامع الأزهر، وتيار دعاة التجديد على أساس من الثقافة الغربية. كما انتقد الشيخ المدارس والمعاهد الدينية من جانب ونظيراتها المدنية بنوعيها الحكومي والأهلي من جانب آخر. وكان له أيضًا رؤية إصلاحية للأوضاع الاقتصادية والاجتماعية، حيث أبرز خطورة اختفاء دور المواطن المصري في الحياة الاقتصادية واحتكارها من قبل الأجانب (مستعمرين ووافدين). ثم تتبع المؤلف تأثير فكر الشيخ الإصلاحي عربيًا وإسلاميًا ولاسيما في مصر وإستانبول والهند.

وأما الجوانب السياسية في حركة الشيخ رشيد رضا الإصلاحية، فتتبعها المؤلف من خلال تطور مواقفه تجاه الدولة العثمانية بدءً بعهد السلطان عبد الحميد الثاني ومرورًا بحكم الاتحاديين وانتهاءً بالعهد الكمالي. كما عرض تطور مواقفه تجاه القضايا العربية ولاسيما جهوده في محاولة إنهاض دولة عربية مستقلة استقلالًا كاملًا لتتولى بدورها مهمة العمل على استقلال بقية الدول العربية الأخرى وضمها في كيان سياسي موحد. وقد تنقل في هذه المحاولات بين سوريا والعراق والسعودية. وكان للشيخ مواقف أيضًا من القضايا المصرية حيث كان مدركًا لما تمثله مصر من ثقل بشري وسياسي واقتصادي يؤهلها لمركز قيادي عربيًا وإسلاميًا، رغم ما أخذه على عامة أحزابها من انصراف عن الاشتغال بالقضايا العربية وحصر اهتمامها بالقضية الوطنية المصرية. وكان الشيخ من أوائل من تنبه لمخاطر الحركة الصهيونية على فلسطين ودعا إلى اتخاذ الوسائل الكفيلة بإيقاف هذا الخطر. كما تكررت دعوة الشيخ إلى عقد لقاءات إسلامية على مستوى العلماء والحكام. لكن مؤتمرات القاهرة (1926) ومكة (1926) والقدس (1931) وما أسفرت عنه من نتائج جاءت مخيبة لآمال الشيخ.

هذه الجوانب السياسية في حركة الشيخ رشيد رضا الإصلاحية كانت موضوع أطروحات لطلبة في الدراسات العليا في جامعات أمريكية. فقد تقدم عماد الدين شاهين بأطروحة عن الشيخ رشيد رضا والغرب لنيل درجة الماجستير من الجامعة الأمريكية بالقاهرة، وهي موضع تحليل في المبحث الثاني. كما تقدم أسعد نمر بصول بأطروحة لنيل درجة الدكتوراه من جامعة كاليفورنيا في بيركلي، موضوعها نضال الشيخ رشيد رضا لإحياء دولة إسلامية. وتنطلق الدراسة من اعتبار الشيخ أحد أهم النشطاء السياسيين في العمل من أجل إقامة دولة إسلامية راشدة في الثلث الأول من القرن العشرين، وليس مجرد تلميذ للإمام محمد عبده، أو مجرد عالم دين له إسهامه الفكري المتميز.[13] وتعالج الرسالة الأنشطة السياسية التي مارسها الشيخ في تسلسل زمني. فبعد الإشارة إلى خلفيته الاجتماعية والعائلية والتعليمية وميله المبكر نحو التصوف، يتناول المؤلف علاقة الشيخ رضا بجمال الدين الأفغاني ومحمد عبده وأثر ذلك في أنشطته السياسية في بداية حياته في مصر. ثم يشرح موقف الشيخ رشيد رضا من الدستور العثماني بعد إعادة العمل به عام 1908 ورحلته إلى استانبول في العام التالي التي سعى خلالها لتوثيق عرى الوحدة والائتلاف بين عنصري الدولة العثمانية الرئيسيين، وهما العرب والترك. ويحلل المؤلف التحول الجوهري في موقف الشيخ من الدولة العثمانية، والذي تمثل في تأييده لحركة الإحياء العربي بصفة عامة ومناصرته للشريف حسين في ثورته ضد الأتراك بصفة خاصة. هذا الموقف لم يدم طويلًا، إذ تراجع الشيخ عنه بسبب ولاء الشريف حسين لبريطانيا التي كانت ترفض إقامة خلافة عربية. كذلك تغيرت مواقف الشيخ من الحكومة العربية التي أقامها الملك فيصل في سوريا بعد نهاية الحرب العالمية الأولى، حيث ساندها في بداية الأمر ثم عارضها حين رفض الملك فيصل الخضوع لمبدأ الشورى في الحكم. كما كان له مواقف إيجابية من الحركة الوهابية والدولة السعودية الناشئة في ذلك الحين، حيث اعتبر الملك عبد العزيز بن سعود أول حاكم متمسك بالإسلام حقيقةً منذ عهد الخلفاء الراشدين.

هذه المواقف الإيجابية من الحركة الوهابية كانت موضوع كتاب محمد السلمان عن رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب، إذ رأى المؤلف أن دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب الإصلاحية تعد أبرز دعوة في التاريخ الإسلامي الحديث من حيث الآثار، وأن السيد رشيد رضا هو أهم شخصية نشرت دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في مصر والعالم الإسلامي حينذاك نتيجة انتشار وتأثير مدرسة المنار في العالم الإسلامي، رغم محاولات أعدائها العديدين الوقوف أمام هذا التأثير والانتشار.[14] ويرى المؤلف أن الشيخ رشيد رضا اتجه نحو السلفية قبل هجرته لمصر نتيجة الحالة السياسية والثقافية والدينية في عصره، ونشأته الدينية والتربوية والعلمية. وقد أثرت مدرسة العروة الوثقى في نقله من مرحلة التصوف إلى الدعوة السلفية عامة ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب خاصة. ويبرز المؤلف تأثر الشيخ رشيد رضا بدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب في آثاره الفكرية، لاسيما مجلة المنار وتفسير المنار. كما بحث في جهود الشيخ رشيد رضا للإصلاح الإسلامي من خلال الدعوة إلى الوحدة الإسلامية وإنشاء مدرسة الدعوة والإرشاد ودوره في إصلاح نظام التربية والتعليم في الأزهر والقضاء على البدع والخرافات والتقليد الأعمى فيه، فضلًا عن دوره الإصلاحي السياسي ومواقفه من الدولة العثمانية والشريف حسين والدولة السعودية والاستعمار الأوروبي والصهيونية. ورغم فوائد الكتاب، إلا أن أن التزام المؤلف بالدعوة الوهابية دفعه أحيانًا للتحامل في أحكامه وتعميماته.

ولتحقيق الشمول في التعامل مع فكر الشيخ وحركته الإصلاحية، صدر عن المعهد العالمي للفكر الإسلامي كتاب عن الجهود الإصلاحية للشيخ رشيد رضا ومنهجه العلمي، شارك فيه اثنا عشر مؤلفًا تناولوا جوانب متعددة من فكر الشيخ وجهوده منها ما يتعلق بتفسيره للقرآن الكريم ومواقفه من النقل والعقل كمصادر للمعرفة ومواقفه من التيارات الفكرية في عصره والإصلاح والتجديد السياسيين وعلاقة المسلمين من الغرب.[15] ولعل اهتمام هذا العدد من الباحثين بفكر الشيخ وجهوده يؤكد ما لهذا الفكر الإصلاحي من فوائد كبيرة في القرن الخامس عشر الهجري، وهو ما يتضح في المبحث التالي.

 

الاجتهاد والإرشاد والاتحاد في فكر الشيخ محمد رشيد رضا وحركته الإصلاحية (2-2)

 

 

*  دراسة نشرت في مجلة ركائز معرفية، ديسمبر 2014، ص 1-32.

**  أستاذ زائر وباحث أول، قسم الدراسات السياسية والدولية، جامعة رودس، جنوب أفريقيا.

[1] انظر أمثلة على ذلك في: أحمد عمر هاشم، الإمام محمد عبده مجددًا

http://www.islamonline.net/arabic/In...icles/05.shtml

[2] لا يقل تأثر الشيخ رشيد رضا بالأفغاني عن تأثره بعبده، إن لم يزد عليه. انظر الحجج المؤيدة لهذا الرأي في: أحمد علي سالم، "الإصلاح السياسي عند محمد رشيد رضا بين بناء دولة إسلامية وإقامة جامعة إسلامية"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007) 209-214.

[3] انظر على سبيل المثال غياب اسم الشيخ رشيد رضا في: أحمد أمين، زعماء الإصلاح في العصر الحديث (بيروت: المكتبة العصرية، 2007)؛ عبد المجيد النجار، مشاريع الإشهاد الحضاري (بيروت: دار الغرب الإسلامي، الطبعة الثانية، 2006). وانظر تحليلًا لهذه الظاهرة في: زكي الميلاد، "الشيخ محمد رشيد رضا وتحولات الفكر الإسلامي المعاصر"، محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007) 138-142.

[4] إبراهيم أحمد العدوي، رشيد رضا الإمام المجاهد (القاهرة: المؤسسة المصرية العامة للتأليف والأنباء والنشر والدار المصرية للتأليف والترجمة، سلسلة أعلام العرب رقم 33، د.ت.)

[5] أحمد الشرباصي، رشيد رضا: الأديب الكاتب الإسلامي (القاهرة: مجمع البحوث الإسلامية، 1976).

[6] مجـــلة المنـــار (القاهرة: مطبعة المنار، 1898-1940).

[7] شكيب أرسلان، لماذا تأخر السلمون ولماذا تقدم غيرهم (القاهرة: دار البشير للطباعة والنشر والتوزيع، 1985).

[8] كوسوجي ياسوشي ويوسف حسين إيبش ويوسف قزما خوري، فهرس مجلة المنار (1898-1935) (بيروت: تراث؛ طوكيو: مشروع دراسات الحضارة الإسلامية، 1998).

[9] أنور الجندي، تاريخ الصحافة الإسلامية، الجزء الأول: المنار محمد رشيد رضا (القاهرة: دار الأنصار، 1983).

[10] سمير أبو حمدان، الشيخ رشيد رضا والخطاب الإسلامي المعتدل (بيروت: الشركة العالمية للكتاب، 1992).

[11] محمد صالح المراكشي، تفكير محمد رشيد رضا من خلال مجلة المنار (1898-1935) (تونس: الدار التونسية للنشر؛ الجزائر: المؤسسة الوطنية للكتاب، 1985).

[12] أحمد فهد بركات الشوابكة، محمد رشيد رضا ودوره في الحياة الفكرية والسياسية (عمان: دار عمار للنشر والتوزيع، 1989).

[13] Assad Nimer Busool, Sheikh Muhammad Rashid Rida's Political Activities: A Struggle for the Revival of an Orthodox (Salafi) Islamic State, Ph.D. Dissertation in Near Eastern Studies in the Graduate Division of the University of California, Berkeley, 1974.

[14] محمد بن عبد الله السلمان، رشيد رضا ودعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب (الكويت: مكتبة المعلا، 1988).

[15]  محمد رشيد رضا: جهوده الإصلاحية ومنهجه العلمي، تحرير: رائد جميل عكاشة (عمان: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 2007).

Post Gallery

نظام الأموال بين الزوجين: في صلته ببعض نواحي نظريتي الحق الشخصي والحق العيني*

مفهوم "الأحوال الشخصية"

وصية غير المسلم لا تجوز إلا في الثلث ولغير وارث: دفاع عن حكم محكمة النقض والإبرام الصادر في ٢١ يونيه سنة ١٩٣٤*

مبادئ القانون الدولي العام في الإسلام (2-2)*

حصري ونادر: الأمر العالي بإلغاء بيت المال وترتيب المجالس الحسبية (1916)

حدود السلطة وحرمة المال العام: فلسفة الحكم الرشيد عند التاج السبكي*

نظم الحكم كما يراها الإِسلام (2-2)*

نظم الحكم كما يراها الإِسلام (1-2)*

الاجتهاد*

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples