خسارة كبيرة للأوساط الأكاديمية في حقل الدراسات الإسلامية وحوار الأديان: رحيل البروفيسور جون إسبوزيتو

فقدت الأوساط الأكاديمية العالمية أحد أبرز الأصوات العلمية المتخصصة في الدراسات الإسلامية والعلاقات الإسلامية-المسيحية، بوفاة الدكتور جون إسبوزيتو (John L. Esposito)، الذي ترك إرثًا فكريًا ضخمًا امتد لعقود، وأسهم بفعالية في بناء جسور الفهم وتصحيح المفاهيم المغلوطة عن الإسلام في الأوساط الغربية.

 

مسيرة أكاديمية حافلة

ولد إسبوزيتو في 19 مايو 1940 بمدينة نيويورك، وكرّس حياته الأكاديمية لدراسة الأديان والعلاقات الدولية. شغل منصب أستاذ الأديان والشؤون الدولية والدراسات الإسلامية في جامعة جورجتاون الأمريكية، حيث أسس وأدار "مركز الوليد بن طلال للتفاهم الإسلامي المسيحي".

تجاوزت أدوار إسبوزيتو قاعات المحاضرات؛ فقد ترأس سابقًا "جمعية دراسات الشرق الأوسط في أمريكا الشمالية" (MESA)، والمجلس الأمريكي لدراسة المجتمعات الإسلامية، وشغل منصب نائب رئيس مركز دراسة الإسلام والديمقراطية. كما اختير سفيرًا لـ "تحالف الحضارات" التابع للأمم المتحدة، وعضوًا في شبكات دولية معنية بمكافحة التطرف وبناء الحوار.

 

تفكيك الصور النمطية ومكافحة "الإسلاموفوبيا"

برزت الأهمية القصوى لأطروحات إسبوزيتو بشكل خاص في مرحلة ما بعد أحداث 11 سبتمبر، حين طغت السرديات الأمنية والتعميمات السلبية على النقاش الغربي حول الإسلام. وقد قاد إسبوزيتو تيارًا أكاديميًا رصينًا يقارب الإسلام كظاهرة فكرية وسياسية واجتماعية واسعة، مميزًا بوضوح بين الدين الإسلامي وبين الحركات السياسية التي تتحدث باسمه. وفي هذا السياق، ارتبط اسمه بمبادرة "الجسر" (Bridge Initiative) في جامعة جورجتاون لدراسة ومكافحة ظاهرة "الإسلاموفوبيا" وحماية التعددية الدينية والثقافية.

 

المكتبة الإسلامية: إرث من المؤلفات والموسوعات

أثرى إسبوزيتو المكتبة الأكاديمية بما يزيد عن 45 كتابًا تُرجمت إلى أكثر من 35 لغة، من أبرزها:

  • من يتحدث باسم الإسلام؟ (بالاشتراك مع داليا مجاهد، وهو عمل استند إلى استطلاعات وبيانات إحصائية ضخمة).
  • الإسلاموفوبيا وتحدي التعددية في القرن الحادي والعشرين.
  • مستقبل الإسلام.
  • التهديد الإسلامي: وهمٌ أم حقيقة.
  • الحرب غير المقدسة: الإرهاب باسم الإسلام.

إلى جانب مؤلفاته، قاد جهودًا موسوعية مرجعية كبرى بصفته رئيسًا لتحرير "موسوعة أوكسفورد عن العالم الإسلامي" و"موسوعة أوكسفورد عن العالم الإسلامي الحديث"، بالإضافة إلى "قاموس أوكسفورد عن الإسلام"، لتصبح أعماله حجر زاوية للباحثين والطلاب في الجامعات الغربية.

 

أوسمة وإشادات دولية

نال إسبوزيتو تقديرًا عالميًا واسعًا، من ضمنه جائزة "مارتن مارتي" من الأكاديمية الأمريكية للأديان، وجائزة "القائد الأعظم" في باكستان لمساهماته البارزة في الدراسات الإسلامية، وجائزة جامعة جورجتاون للتعليم المتميز.

وقد انعكس ثقله الأكاديمي والدولي في نعيه من قبل شخصيات بارزة، في مقدمتهم رئيس الوزراء الماليزي أنور إبراهيم، الذي وصفه بـ "الصديق العزيز وأحد أبرز علماء الإسلام في العالم". وأشار إبراهيم إلى علاقة وثيقة جمعتهما لأكثر من خمسة عقود، مؤكدًا أن إسبوزيتو اختار بناء "جسور التفاهم" في وقت فضّل فيه آخرون بناء "الحواجز الحضارية"، ليرحل تاركًا خلفه إرثًا حيًا في مساحة الحوار الإنساني المفتوح.

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الجمعة, 17 يوليو 2026 11:19

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples