خلال الحرب الإسرائيلية المستعرة على قطاع غزة، تتقاطع قضايا التحرر، والقومية، والاستعمار الاستيطاني بشكل متزايد، ومقلق للغاية، مع مسائل الأخلاق والحق بالحياة والعدالة التاريخية. في هذا التوقيت بالتحديد، فإن نشر النقاشات النقدية يصبح أمرًا مهمًا، والنص التالي يأتي في هذا السياق. أدناه ترجمة لمقابلة أجراها فرانسيس واد (Francis Wade) مع المفكر والمنظر الأوغندي محمود ممداني في مطلع العام 2024، بالتزامن مع اشتداد الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة وانعقاد جلسة المحكمة العدل الدولية لبحث اتهامات بارتكاب إسرائيل لجريمة إبادة جماعية.
تتعلق المقابلة بالآثار العميقة لمفهوم الدولة القومية من خال شرح الادعاء الذي يسوقه ممداني في إحدى كتاباته والقائلة بأن نشأة الدول القومية كانت مصاحبة بشكل عضوي لأعمال الإبادة الجماعية والتطهر العرقي. وبالتالي، تسلط المقابلة الضوء على العنف المتأصل في مشاريع بناء الأمة، وتلقي الضوء على التداعيات المعاصرة لهذه العمليات في سياق الاستعمار الاستيطاني. هذا التحليل مهم حيث يقدم فهمًا دقيقًا للديناميكيات المؤثرة في العلاقات بين المستوطنين والسكان الأصلين والاعتبارات الأخلاقية المحيطة بمفاهيم الوطن والسيادة. يتماشى نشر هذا المقال مع التزام مجلة (قضايا إسرائيلية) بتعزيز المشاركة في المسائل الفكرية الملحة. فالنص التالي لا يثري فهمنا الجماعي فحسب، بل يعمل أيضًا كمحفز للمناقشات العلمية والمجتمعية حول سبل تحقيق السلام والعدالة في السياق الفلسطيني الذي لا يزال يتشكل، وبطريقة دامية، من خال هياكل الهيمنة، والاستعمار، والعنف المنظم، والإبادة.
نص المقابلة المنشورة في مجلة The Nation:
حوار مع المنظر السياسي محمود ممداني حول العنف المتأصل في قلب مشروع بناء الأمة، والحرب في غزة، والمعنى المتغر للوطن.
مقدمة فرانسيس واد
محمود ممداني، الذي يعمل الآن أستاذًا للأنثروبولوجيا في جامعة كولومبيا، قام بتأليف أكثر من اثني عشر كتابًا، تناول الكثير منها أسئلة متعلقة بالعنف السياسي والاستعمار (colonization) وتفكيك الاستعمار (decolonization) والعلاقات بين الأغلبية والأقليات في دول ما بعد الاستعمار. أحدث كتاب له كان بعنوان "لا مستوطن ولا أصلاني: صنع أقليات دائمة وتفكيكها"، الذي نُشر في العام 2020. في هذا الكتاب، يجادل ممداني بأن الدولة الاستعمارية والدولة القومية لم يتم تشكيلهما بشكل منفصل، لكنهما ظهرا إلى حيز الوجود في وقت واحد في نهاية القرن 15 من خلال حملتين واسعتي النطاق للتطهر العرقي والاستيطان: الإبادة الجماعية للأميركيين الأصلين من قبل الأوروبيين، وطرد المسلمين واليهود من أيبيريا من قبل المملكة القشتالية. وقال ممداني إن هذه الأعمال شكلت محطة أولى لسلسلة مستقبلية من الفتوحات الاستعمارية التي حصلت في أماكن أخرى من العالم، فضلًا عن تدشينها لأعمال العنف السياسي الشديد التي ارتُكبت لإنشاء دول متجانسة عرقيًا، من بينها الهولوكوست، والحرب العرقية في السودان، وتأسيس دولة إسرائيل.
فرانسيس واد: أنت يا ممداني لطالما اقترحت على القراء أن يتعرفوا على العنف المتأصل في الدولة القومية، ليس فقط في مرحلتها التأسيسية -أي الاستعمار والاستيطان- لكن أيضًا بعد ذلك حيث تسعى الدولة إلى الحفاظ على نسخة معينة عن نفسها. يمكن أن يكون هذا النوع الثاني من العنف أكثر شراسة عندما تعتقد جماعة معينة بأنها هي الدولة. دعنا نبدأ بالصراع الإسرائيلي الفلسطيني: ماذا يعني هذا الأمر، وكيف يمكن للعنف الموجود حاليًا (يقصد الحرب الإسرائيلية على غزة) أن يبين هذه الفكرة؟
محمود ممداني: تصل الأمور إلى نقطة الغليان عندما تعتقد جماعة ما أن لها الحق الحصري في دولة خاصة بها، حيث لا يمكن التعايش مع مجتمع آخر. أو إذا كان التعايش ممكنًا، فليس على أساس السيادة المشتركة، إنما على أساس التبعية السياسية التي نَظَّر لها جون لوك تحت عنوان "التسامح". هناك فرق كبير بين السيادة والتسامح. في الحالة الإسرائيلية، بمجرد أن حولت البلاد تعريفها لنفسها على أنها دولة يهودية بشكل حصري، فإنها وضعت جانبًا افتراض التسامح. بالتالي أصبح فيها التطهير العرقي أمرًا ممكنًا.
فرانسيس واد: هل فوجئت بشراسة الهجوم الإسرائيلي على غزة، والدعم الإسرائيلي الداخلي له؟
محمود ممداني: لست مندهشًا من العنف، لأن العنف بين إسرائيل وفلسطين[1] مستمر منذ 75 عامًا -كل ما في الأمر أنه كان في العادة عنفًا أحادي الجانب. بمعنى، منذ الانتخابات التي أتت بحماس إلى السلطة في العام 2006، كانت إسرائيل تقوم كل عامين بـ "جز العشب"[2] بشكل هادئ يشبه هدوء القوى الغربية. فإن الدعم الحالي لنتنياهو -أو الدعم الحالي للانتقام- ليس مفاجئًا، على الرغم من أنني أرى إشارات مختلطة هنا. هناك عدم تصديق تام بأن الدولة الإسرائيلية، التي كان مبررها الأساسي -أو الوحيد- هو حماية الشعب اليهودي، لم تستطع توقع أو صد هجوم حماس في 7 أكتوبر. يبدو أن هذه لحظة تحطيم للوهم. وفي الوقت نفسه، لا يكفي العنف أبدًا لضمان الأمن. هل يمكن للمرء أن يتعايش مع الآخر على أساس العنف؟ في غياب أي طريقة للتعايش، سيكون الاستنتاج المنطقي هو إبادة الآخر.
فرانسيس واد: أنت تتحدث معي من جامعة كولومبيا، حيث كانت هناك احتجاجات من قبل الجماعات المؤيدة لإسرائيل وكذلك الجماعات المؤيدة لفلسطين، غالبًا بسبب اللغة المستخدمة لوصف وفهم تصرفات حماس أو دولة إسرائيل. كيف يمكن فهم مكانة هذا التوتر ضمن الجدال الأميركي الأوسع المتعلق بكيفية التعامل مع القضية الإسرائيلية - الفلسطينية؟
محمود ممداني: في الثقافة السياسية الأميركية يمكنك انتقاد الولايات المتحدة كما تريد، لكن لا يمكنك حقًا انتقاد إسرائيل. الفرق لافت للنظر. ويجري الآن خرق هذه المعادلة. المزيد والمزيد من الشباب ينتقدون إسرائيل بمصطلحات علمانية- بمصطلحات تنطبق على أي دولة قومية. هؤلاء الشباب ليسوا مجرد منتقدين وصلوا في وقت متأخر، وإنما هم أفراد يساهمون في صياغة الرأي العام وقيادته، بما في ذلك بين اليهود أنفسهم. الرد على حركة الاحتجاج المناصرة للفلسطينيين كان من خلال اتهامها بأنها ليست مجرد حركة ناقدة لإسرائيل، وإنما هي معادية للسامية- أي إنها ليست فقط معادية للصهيونية، بل أيضًا معادية للسامية. إن الخلط بين نقد الدولة ونقد الشعب يشكل تحديًا للثقافة الديمقراطية، وكلما ألبست الدول أفعالها برداء كيان ديني أو ثقافي أو عرقي، كلما اقتربنا من نهاية الديمقراطية. لم يعد لدينا إمكانية أو مجال لتقديم نقد علماني للدولة.
فرانسيس واد: أريد الدخول في واحدة من الحجج المركزية لكتابك الأخير، "لا مستوطن ولا مواطن". في ذلك النص، أنت لا ترى بأن تأسيس الدولة-الأمة بالمفهوم الحديث كان مع توقيع معاهدة ويستفاليا في العام 1648... تذهب إلى ما هو أبعد من هذا التاريخ، إلى الوراء، إلى فترة التحول القسري نحو المسيحية، أو التطهير العرقي لليهود والمسلمين من شبه جزيرة أيبيريا. ما هو التأثير الذي كنت تنوي أن تحدثه من خلال هذه المحاججة؟
محمود ممداني: حسنًا، كان لدي دوافع عدة. الأول هو تحدي الأطروحة القائلة بأن القومية والاستعمار شيئان منفصلان. أما أنا فأقول بأنهما وجهان لعملة واحدة: القومية هي الوجه الجيد، والاستعمار هو الوجه السيء. وبالتالي، قد لا يكون هناك داع لمعرفة ما إذا كانت القومية جاءت أولًا، ثم الاستعمار في وقت لاحق، أو العكس. بمعنى أنني أردت أن أظهر أنهما توأمان ملتصقان منذ مرحلة الولادة بشكل لا يمكن فصله.
وأردت أيضًا أن أظهر أنه منذ البداية، لا يمكن تحقيق مشروع الدولة القومية دون تطهير عرقي وعنف شديد. يمكن ملاحظة ذلك في طرد اليهود والمسلمين من شبه الجزيرة الأيبيرية، وسرعان ما أدى ذلك إلى صراع بين الدول، لأن كل دولة كان لها أغلبية رسمية -الأمة التي تدعي أنها تمثلها- وأقلية أو أقليات.
كان هدفي الثاني هو إظهار أن حلها، الذي نظَّر له جون لوك في كتابه "رسالة بشأن التسامح"، هو اللا-حل بعينه. إنه اللا-حل لأنه يفترض أن كل أقلية لديها دولة خاصة بها في مكان آخر. لكن، "واعجباه"، لم يكن للجميع دول في أوروبا، كان المثال الأبرز هو الأقلية اليهودية- لم تكن لها دولة في أي مكان آخر. وما زلنا ندفع ثمن ذلك.
فرانسيس واد: لقد كتبت في بداية الكتاب أن "تحديد هوية الجناة وحسب، بهذا الشكل التبسيطي، لا يخلخل بتاتًا منطق المؤسسات [أي الدولة]، وهو المنطق الذي يجعل من العنف المرتبط ببناء الأمة أمرًا ممكنًا وشأنًا يمكن التفكر به". هل يمكنك توضيح هذه الفكرة؟
محمود ممداني: يركز نموذج حقوق الإنسان على مرتكبي العنف. في هذا النموذج، يجب تحديد مرتكبي العنف بشكل فردي حتى نتمكن من محاسبتهم بشكل فردي. لكن النموذج لا يبحث عن المستفيدين من ذلك العنف. والمستفيدون ليسوا بالضرورة جناة أو مرتكبين مباشرين للعنف. لكشف المستفيدين، نحتاج إلى تحديد القضايا التي يتم حشد العنف حولها. كلمة "مستفيد" ليست موجودة حتى في مفردات حركات حقوق الإنسان- لديهم فقط الجناة والضحايا. عليك أن تسأل نفسك: هل ستختفي المشكلة إذا حددت الجناة وحملتهم المسؤولية؟ لا- من وجهة نظري، لا على الإطلاق.
يمكنك ملء عدد غير محدود من السجون بالجناة، لكن ذلك لن يأتي بحل للمشكلة ما لم تعترف بأن المشكلة سياسية أكثر منها إجرامية، وأنه عندما يتعلق الأمر بالصراعات السياسية والعنف السياسي، فإن طرفي الخصام يتفاعلون حول قضايا سياسية معينة. المشكلة السياسية تحتاج إلى حل سياسي.
كان هذا هو درس جنوب أفريقيا. لم تكن نهاية الفصل العنصري محاكمة قضائية تحدد الجناة الأفراد وتعاقبهم أو تعفو عنهم. كان الحل سياسيًا: لقد تم إصلاح الدولة، وتحويلها من نظام فصل عنصري إلى دولة ديمقراطية.
فرانسيس واد: تم طرد اليهود، وكذلك المسلمين، من أيبيريا في القرن 15 بهدف إنشاء دولة أيبيرية متجانسة [أي اسبانيا]. لقد كان سياسيًا، وبمعنى ما، كان من بين الأعمال الأولى التي صاغت العالم السياسي الحديث. بعد خمسة قرون وعدد لا يحصى من المذابح المعادية للسامية، أجبرت الهولوكوست على إنشاء وطن آمن لليهود. ومع ذلك، فإنك تنتقد الافتراض القائل بأن هذا الوطن كان يجب أن يكون دولة- عرقية لليهود.
محمود ممداني: قبل الصهيونية بوقت طويل، كان العديد من اليهود مقتنعين بأنهم في مرحلة ما يريدون الذهاب إلى الوطن- إسرائيل. لكن منذ بداية الحركة الصهيونية، كان هناك يهود يعارضون الفكرة الصهيونية. الذهاب إلى الوطن [أو أرض إسرائيل] لا يعني أنه يجب أن يكون هذا الوطن حصريًا لليهود، أو أن السيطرة الحصرية عليه لليهود، وهو ما يعنيه مشروع الدولة. يمكن أن يكون وطنًا لليهود، ويمكن أن يكون وطنًا للفلسطينيين. وتوصل الكثير من العلماء اليهود، من أينشتاين إلى فرويد، إلى هذا الاستنتاج. لم يكن لدى المهاجرين اليهود إلى إسرائيل [في أواخر القرن 19] مشروع سياسي. كان مشروع المهاجرين يقتصر على إيجاد مساحة في المجتمع القائم، للعيش تحت المظلة السياسية القائمة، مهما كانت. في مقابل هذا الأمر، يتم تعريف المستوطن من خلال المشروع السياسي الذي يأتي به، والذي في جوهره إقامة دولة مستوطنين. كان هذا المشروع السياسي هو الذي أشعل العنف السياسي، لأنه تُرجم على الأرض من خلال إخراج الفلسطينيين من تلك الأرض. إذا أنشأت نقابة عمالية، فلا يمكن أن يكون لديك فلسطيني فيها. إذا أنشأت جمعية تعاونية، فلن يكون لديك فلسطيني فيها. لقد كان، منذ البداية، مشروعًا إقصائيًا لا يسمح بإمكانية التفكر من حيث التعايش المتبادل والسلمي.
أعتقد أنه من الأهمية بمكان التمييز بين الوطن اليهودي والدولة اليهودية. كانت فكرة أن الأرض يجب أن تصبح ملكية يهودية حصرية فكرة صهيونية. لم يعبر أحد آخر عن ذلك. وكانت بحاجة إلى الدعم الخارجي من القوى الإمبريالية، التي كانت لها مصالحها الخاصة، ولا تزال بحاجة إلى هذا الدعم.
بعد [الحرب الحالية]، عندما يكون لدى الناس الوقت للتنفس والتفكر في الغد، سيتعين عليهم أن يسألوا أنفسهم: أين هي المجموعات اليهودية الكبرى الأكثر أمانًا في نيويورك أم في إسرائيل؟ هل نحن مع أو بدون دولة يهودية حصرية؟
اقتباس:
كان الشرقيون عربًا في ثقافتهم ويهودًا فقط في دينهم. وعندما وصلوا [من شمال أفريقيا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط]، أصيب الأشكناز في نخبة السلطة الإسرائيلية بالرعب. لقد رأوا هؤلاء الناس ثقافيًا كعرب، واعتقد الكثيرون -بمن فيهم حنة أرندت- أنهم متخلفون حضاريًا. كان المشروع الأشكنازي هو نزع عروبتهم.
فرانسيس واد: كيف لعبت تجربتك دورًا في تشكيل اهتمامك بالعنف، وبناء الدولة (state-building)، والهجرة والمواطنة؟
محمود ممداني: جاءت عائلتي من طرف والدتي إلى ساحل أفريقيا في أواخر القرن 19 ومن جانب والدي في أوائل القرن 20. انتقلنا من تنجانيقا [تنزانيا الآن] إلى أوغندا في خمسينيات القرن العشرين. إن المسألة الهندية في شرق أفريقيا هي جزء من نموذج المستوطنين – الأصليين (settler-native paradigm)، الذي من خلاله قام البريطانيون بالاستفادة من شعوب المنطقة.
لم يكن هناك مكان لمهاجرين جدد بداخل ثنائية المستوطن-الأصلي. كان "الأصلي" هو فقط من أعضاء السكان الأصلين بالنسبة للعديد ("native was indigenous"). ومن القوميين الذين لم ينظروا إلى القومية من خلال النموذج الاستعماري، فإن الاستقلال الحقيقي يعني أنه على كل المهاجرين المغادرة بحيث تتحول الأرض في النهاية إلى مكان حر للسكان الأصليين وحسب.
أنا ابن عائلة مهاجرة إلى أفريقيا. ويجب علينا التمييز بين المهاجر (immigrant) والمستوطن (settler). المهاجر الهندي مثلًا (Indian dukawallah) صاحب المتجر الهندي الصغير [الذي هاجر إلى أفريقيا في وقت الاستعمار الاستيطاني] لم يحمل سلاحًا أبدًا. مستحيل. لكن لا أستطيع أن أتخيل مستوطنًا أبيض لم يحمل بندقية.
الأمر مختلف تمامًا. لا يمكن للمهاجر أن يشعر بالأمان إلا من خلال تطوير علاقات أخذ وعطاء إيجابية مع جيرانه. لا يمكن للمستوطن أن يشعر بالأمان إلا من خلال امتلاك الأسلحة التي تهدد حياة جيرانه. الاثنان مشروعان متعاكسان تمامًا.
فرانسيس واد: لقد جادلت بأن دولة واحدة ثنائية القومية من الإسرائيليين والفلسطينيين واليهود والعرب -وهي فكرة روج لها مفكرون يهود في أوائل القرن 20 مثل يهوذا ماغنيس (Judah Magnes) وفي تسعينيات القرن العشرين من قبل أمثال إدوارد سعيد، لكن اليوم يتم النظر إلى هذه الفكرة على أنها غير واقعية- كانت يمكن أن تعني شيئًا فقط عندما تترافق مع [مشروع] "نزع الصهيونية" عن إسرائيل.
محمود ممداني: لم يكن يهوذا ماغنيس وحده. كان هناك الكثير من الناس، مثل حنة أرندت (Hannah Arendt) وآخرون، الذين عندما فكروا في المستقبل من خال منظور دولة يهودية، لم يتمكنوا من رؤية أي شيء سوى الكارثة. لقد استثمروا طاقاتهم وخيالهم في التفكر في البدائل. كان اجتثاث الصهيونية مشروعًا توصل إليه الطلاب اليهود في ماتسبين [منظمة اشتراكية ثورية تأسست عام 1962] في ستينيات القرن العشرين. أعني بـ"اجتثاث الصهيونية" أن يجري هناك تمييز واضح بين الدولة والمجتمع. إذا حددنا الدولة على أسس أحادية الثقافة وأحادية الدين، فستجعل التسامح مع التنوع في المجتمع أمرًا صعبًا للغاية. أعتقد أنه يمكنك رؤية ذلك من تجربة اليهود العرب [في إسرائيل]، أي الشرقيين. كان الشرقيون عربًا في ثقافتهم ويهودًا فقط في دينهم. وعندما وصلوا [من شمال أفريقيا وأماكن أخرى في الشرق الأوسط]، أصيب الأشكناز في نخبة السلطة الإسرائيلية بالرعب. لقد رأوا هؤلاء الناس ثقافيًا كعرب، واعتقد الكثيرون -بمن فيهم حنة أرندت- أنهم متخلفون حضاريًا.
كان المشروع الأشكنازي هو نزع عروبتهم. ومن أجل الحفاظ على الدولة الصهيونية، أرادوا نزع عروبة المجتمع وعروبة الشرقيين وإجبارهم على التخلي عن اللغة العربية، التي كانت لغتهم، الوسيلة الثقافية التي كتبوا بها. أرادوا التأكد من أن هؤلاء الناس ليسوا عربًا. حسنًا، لقد رد الشرقيون الضربة للأشكناز، لأنهم أصبحوا العمود الفقري للأحزاب الدينية اليمينية. اليوم، هم سلاح المشاة في هذا الجيش؛ هم الجزء الأكبر من المستوطنين. منذ وقت الثورة الفرنسية، كان طموح الدولة القومية هو السيطرة على جميع المؤسسات التي تعني بالتنشئة الاجتماعية، مثل المدارس، التي أصبحت المكان الذي يُخلق فيه المواطن والجيش. هذا ما كان الشرقيون يحتاجون له. وفي الوقت نفسه، يمكن تحويل السمات المزراحية التي تعتبر "متخلفة" لصالح المشروع الصهيوني. وبما أنهم يتحدثون العربية، فقد أصبحوا عملاء للمخابرات في الأراضي المحتلة. في كل نقطة اتصال مع الفلسطينيين، سواء أكانوا عسكريين أم غير عسكريين، كان الشرقيون في خط المواجهة.
فرانسيس واد: دعونا نتحدث مرة أخرى عن "الأوطان"- وهي فكرة تولد الكثير من المشاعر والكثير من العنف. أنت أوغندي من أصل هندي وكنت ذات يوم "قوميًا أفريقيًا مقتنعًا". لقد عشت أيضًا في الولايات المتحدة معظم العقود الأربعة الماضية. لديك تاريخ معقد. ماذا يعني "الوطن" بالنسبة لك؟
محمود ممداني: الشيء المهم هو أنه لا يجب أن يكون لديك وطن واحد وحسب.. يمكن أن يكون لديك أوطان عدة. ليس عليك أن تطمس وطنًا لكي تحصل على الوطن الثاني. يستثمر الناس عاطفة كبيرة في فكرة الوطن، لكن هذا لا يعني أننا يجب أن نقنع أنفسنا بأن الوطن يجب أن يكون لنا حصريًا، وبالتالي دولة-أمة نقوم باستبعاد الأخرين منها.
لا نريد أن نكون بلا مأوى، لكننا أيضًا لا نريد عالمًا نكون فيه محبوسين على أنفسنا. في الفترة التي سبقت الحداثة، كان المعيار هو العيش في خضم التنوع. كان إنشاء أوطان عرقية منفصلة مشروعًا حديثًا، بما في ذلك في العالم الاستعماري.
أعتقد أنه يتعن علينا أن نستعيد من الماضي ما قبل الحديث هذا الجزء من الحكمة -كيف نعيش في التنوع، ونتعايش- قبل أن نشرع ببناء المكان.
لتحميل ملف الحوار (هنا)
* ترجمة عن النص الأصلي:
Francis Wade, The Idea of the Nation-State Is Synonymous With Genocide, published on 9 January 2024. See: https://www.thenation.com/article/culture/mahmood-mamdani-nation-state-interview/
** نُشرت في مجلة قضايا إسرائيلية، العدد 93.
[1] يستخدم ممداني كلمة "فلسطين" بدل "الفلسطينيين" دون أن يقصد أن الفلسطينيين لديهم دولة متحاربة مع إسرائيل.
[2] وهو أيضا مصطلح مستخدم من قبل إسرائيل، وتحديدا جهاز مخابراتها. والمقصود بــ "جز العشب"، هو ذلك التكنيك المتبع من قبل قوات الجيش الإسرائيلي لضرب المقاومة بشكل دوري ومستمر. وكلما نمت مجموعات جديدة يتم ضربها أو تفكيكها. و"جز العشب"، لا يعني تماما منعه من النمو مجددا (مثلا، اقتلاع العشب- وهي أيضا لفظة مستخدمة من قبل إسرائيل).