هذا الكتاب المهم، المعنون “مناهج التفسير في الفقه الإسلامي” مؤلفه هو الفقيه الدستوري الكبير الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي (رحمه الله)، وقد جاء في مقدمة هذا الكتاب:
إن لمشكلة التفسير فيما نرى أهمية كبرى، وحسبنا بيانًا لمبلغ تلك الأهمية أن نشير إلى البيانات والحقائق التالية:
- إن النظام القانوني الإسلامي هو -في غالبيته- من صنع رجال الفقه. لذلك كان من الأهمية بمكان أن نعرف ما كان من أمر المناهج المختلفة التي اتبعوها في التفسير. أما القول إن ذلك النظام القانوني الإسلامي هو في غالبيته من صنع رجال الفقه الإسلامي فإن هذا يرجع -فيما نعتقد- إلى ما هو معروف من قلة عدد النصوص المتعلقة بالأحكام الشرعية (أي المتعلقة بالقواعد القانونية).
- ومما يبين لنا كذلك مبلغ أهمية الطريقة التي تتبع في التفسير أن نذكر أن طريقة التفسير التي أخذ بها الامام الشيخ محمد عبده (والتي سنعرض لبيانها فيما بعد) كانت تُعد -فيما يرى بعض رجال العلم والفكر- “وسيلة فعالة لإصلاح المجتمع الإسلامي”.
- لقد تعددت المذاهب الإسلامية المختلفة، ولقد أدت خلافاتها إلى قيام حروب فيما بينها، فيما يبين لنا التاريخ الإسلامي، وكان من أسباب ذلك الخلاف اختلاف وجهات نظر كل منها حول منهج التفسير، فإذا نحن استطعنا أن نضع حدًا للخلاف حول مصادر الأحكام الشرعية في المسائل الدستورية فإننا قد نصل بذلك إلى تسوية الخلافات بين مختلف المذاهب والآراء، أو بالأقل التخفيف من حدتها وشدتها.
- إن مسألة التفسير ليست فحسب مسألة إصلاح كما قدمنا، إنما هي كذلك بل وقبل ذلك -كما سنقدم- تُعد بالنسبة للشريعة مسألة حياة أو موت. والواقع أن مسألة التفسير: مسألة سلوك سبيل التضييق أو الجمود، أو بالعكس سبيل التوسع والمرونة، مسألة العمل على تطوير تفسير النصوص لتتلاءم مع ظروف الحياة المتغيرة المتجددة، أو بالعكس العمل على إدخال وحشر هذه الظروف في قالب تلك النصوص، تلك المسألة قد تكون مسألة حياة أو موت لبعض المذاهب أو لبعض الشر
وحسبنا بيانًا لما تقدم أن نذكر أن المذاهب الأربعة المعروفة (الحنفي والمالكي، والشافعي والحنبلى) التي بدأ تكوينها منذ أواخر العصر الأموي وبداية العصر العباسي، كانت هنالك إلى جانبها مذاهب أخرى كثيرة، ولو أنه تقل عنها قوة وأهمية.
ولكن هذه المذاهب الأخرى لم يكتب لها مثل الذي كتب للمذاهب الأربعة من البقاء، ولم يعد لها من الأهمية اللهم إلا الناحية التاريخية، ولقد كانت روح التشدد أو الجمود وعدم المرونة هي التي قضت على تلك المذاهب كمذهب الظاهري فقد قضى عليه جموده وتشدده في عدم الأخذ بالرأي (أي الاجتهاد) ووقوفه الشديد على النص.
ولولا ما كان من موقف الجمود، الذي وقفه بعض من سلف من علماء الفقه الإسلامي في بعض ما سلف من العهود، لولا ذلك لما أصاب نطاق الشريعة الإسلامية في مجال التطبيق، مثل الذي أصابها من التقلص أو الضيق، وذلك ما سوف نزيده فيما بعد تفسيرًا وتفصيلاً.
تقسيم: قبل أن نتكلم عن مذاهب (أو مدارس) التفسير لدى رجال الفقه الإسلامي ونبين وجهة نظرنا بهذا الصدد، وبوجه خاص بصدد تفسير الأحكام الدستورية في الشريعة الاسلامية، يجدر بنا أن تذكر أولا نبذة موجزة عن مدارس (أو مذاهب) التفسير لدى رجال الفقه الوضعي.
رابط مباشر لتحميل الكتاب