Print this page

في التسيير والتخيير: بين الفلسفة العامة وفلسفة القانون*

By د. رءُوف عبيد** شباط/فبراير 15, 2026 615 0

يُعد كتاب "في التسيير والتخيير: بين الفلسفة العامة وفلسفة القانون" للفقيه الدكتور رءُوف عبيد، أطروحةً فلسفيةً قانونيةً تتصدى لواحدة من أعقد الإشكاليات الوجودية والمعرفية التي واجهت العقل البشري، وهي جدلية الحتمية والحرية الإنسانية؛ إذ ينتهج المؤلف مقاربةً بينيةً تدمج بين "المنهج الوضعي" المستند إلى الحقائق العلمية والروحية، وبين "التحليل القانوني" المعمق، بهدف تفكيك مذهب الجبرية المطلقة وتأصيل مفهوم "حرية الإرادة" كحقيقة واقعية ونظام كوني، مبرهنًا على أن العدالة الجنائية والتشريعات العقابية تفقد مشروعيتها الأخلاقية والمنطقية ما لم ترتكز على أساس راسخ من الاختيار الحر والمسؤولية الفردية، وذلك في سياق توفيقي يربط بين نواميس السماء وقوانين الأرض.

الإطار التمهيدي والمنهجي للكتاب:

أسس الدكتور رءوف عبيد أطروحته في مقدمة الكتاب بوضع القارئ أمام المعضلة الوجودية الكبرى التي يرى أنها من أخطر ما واجه العقل البشري، وهي التناقض الظاهري بين "عدالة السماء والأرض" وبين "القدرية المطلقة". وطرح تساؤلًا جوهريًا حول جدوى المسؤولية القانونية والأخلاقية إذا كان الإنسان مُسيرًا في كل خطوة يخطوها، رافضًا الركون إلى التفسيرات الجبرية المتشائمة التي سادت لدى بعض الفلاسفة مثل شوبنهور أو الشعراء كأبي العلاء المعري. ومن الناحية المنهجية، تبنى المؤلف "الأسلوب الوضعي" المستند إلى أفكار أوجست كونت، لكنه لا يقف عند حدود المادة الصرفة، بل يمد هذا المنهج ليشمل الحقائق التي يكشف عنها "العلم الروحي الحديث"، معتبرًا أن الوصول إلى اليقين يتطلب دمج الحقائق المادية بالحقائق الروحية المثبتة تجريبيًا، وذلك لتأصيل حرية الإرادة كحقيقة واقعية لا مجرد افتراض نظري، وهو الأساس الذي لا غنى عنه لقيام أي نظام قانوني عادل.

الباب الأول: الجوانب العامة وجدلية العلم والاعتقاد

ناقش المؤلف في هذا الباب العلاقة الجدلية بين العلم والاعتقاد، مؤسسًا لنظرية تكاملية تنفي الصراع الحتمي بينهما، وذهب الكتاب إلى أن التطور العلمي، ونظريات التطور البيولوجي، لا تتعارض مع الغريزة الدينية، بل تهذبها وتنتقل بها من مرحلة "الإذعان الأعمى" إلى مرحلة "الإيمان المستنير". واستعرض الباب موقف العلم الحديث من الغريزة الدينية، وكيف أن الصراع بين العلم والدين نشأ نتيجة جمود المفاهيم اللاهوتية القديمة، مقدمًا رؤية توفيقية تربط بين النظريتين المادية والروحية. وخلص إلى أن الفهم العميق لنواميس الكون يثبت أن الحرية الإنسانية جزء من النظام الكوني وليست خروجًا عليه، مما يمهد الطريق لمناقشة التسيير والتخيير من منظور يتجاوز التناقض التقليدي بين "الحتمية العلمية" و"الإرادة الحرة".

الباب الثاني: النواميس الخلقية الطبيعية

انتقل المؤلف في هذا الجزء إلى تأصيل الأخلاق، طارحًا فرضية أن الأخلاق ليست مجرد توافقات اجتماعية نسبية، بل هي "نواميس طبيعية" ثابتة تحكم السلوك الإنساني مثلما تحكم الجاذبية الأجسام المادية. استعرض المؤلف تاريخ الفكر الأخلاقي بدءًا من الحضارة الفرعونية والإغريقية وصولًا إلى العصر الحديث، متوقفًا بالنقد والتحليل عند مدارس الإنكار، وعلى رأسها فلسفة نيتشه التي حاولت هدم القيم التقليدية. أثبت المؤلف من خلال معطيات علم النفس وعلم الإجرام أن هناك قانونًا طبيعيًا للأخلاق قوامه التفاعل بين "الإيثار" (كمحرك للخير وبقاء الجماعة) وبين "الأثرة" (حب الذات)، وأن الخروج على هذه النواميس يولد اضطرابًا فرديًا واجتماعيًا، مما يؤكد أن الإنسان مزود ببوصلة أخلاقية فطرية تمكنه من الاختيار.

 الباب الثالث: السببية بين التشريع الطبيعي والوضعي

خصص المؤلف هذا الباب لتحليل مبدأ "السببية"، لا باعتباره قانونًا فيزيائيًا فحسب، بل كناموس أخلاقي وقانوني يحكم الوجود. يربط العرض بين المفهوم الفلسفي للسببية (كما عند الغزالي وديفيد هيوم) وبين تطبيقاتها في العلوم الوضعية التي تهتم بالمسببات والنتائج. يوضح المؤلف أن السببية هي الجسر الذي يربط بين الفعل والمسؤولية؛ فبدون الإيمان بأن لكل فعل نتيجة، تفقد القوانين الوضعية معناها. كما يشير إلى أن السببية الطبيعية تتضمن جوانب من "الرحمة" أو المرونة التي تتيح للإنسان تصحيح مساره، وهو ما يجب أن ينعكس في التشريع الوضعي. وخلص الباب إلى أن السببية ليست قيدًا يلغي الحرية، بل هي النظام الذي تمارس الإرادة الحرة عملها من خلاله، مما يجعل التنبؤ بالسلوك البشري ممكنًا دون نفي الاختيار.

 الباب الرابع: الإرادة والعقل عبر التاريخ الفلسفي

قدم هذا الباب مسحًا تاريخيًا وتحليليًا شاملًا لتطور مفهوم "الإرادة الحرة" والعقل. يبدأ من الفلسفة الإغريقية (أفلاطون وأرسطو والرواقيين)، مرورًا بالفلسفة الوسيطة والحديثة (القديس أوغسطين، ديكارت، كانط، هيجل)، وصولًا إلى الفلسفات المعاصرة (وليام جيمس، برجسون، وسارتر). يركز التحليل على العلاقة العضوية بين "الإرادة" و"العقل"، حيث اعتبر المؤلف العقل "سيد الإرادة" وموجهها. يناقش الباب بعمق فلسفة التشاؤم عند شوبنهور الذي نفى الإرادة الحرة، ويرد عليها بفلسفة تفاؤلية ترى في الوعي والعقل أدوات للتحرر. انتهي هذا الجزء بتعريف الإرادة الحرة تعريفًا علميًا ينفي عنها العشوائية، ويؤكد قدرة الإنسان على الاختيار الواعي رغم الضغوط الخارجية.

الباب الخامس: موقف العقل والإرادة من النواميس الطبيعية:

عالج هذا الباب إشكالية العلاقة بين حرية الإنسان وحتمية القوانين الطبيعية. وطرح المؤلف فكرة مركزية وهي "واجب الاتساق"، أي أن الحرية الحقيقية لا تعني التمرد على قوانين الطبيعة، بل تكمن في فهمها والاتساق معها. يحلل المؤلف ظاهرة "الألم" والشر، معتبرًا إياهما نتاجًا للاحتكاك الناشئ عن مخالفة الإرادة للنواميس الطبيعية، وبالتالي فإن للألم وظيفة تهذيبية تنبه الإرادة وتصحح مسارها. استند العرض هنا إلى فلسفة كانط ومفهوم الواجب، ليؤكد أن احترام النواميس الكونية هو قمة ممارسة الحرية، وأن الإنسان يملك القدرة على تطويع هذه النواميس لخدمته بدلًا من الصدام معها، مما يثبت مساحة واسعة للاختيار والتطوير.

الباب السادس: التسيير المطلق ومذهب الجبرية:

تصدى المؤلف في هذا الباب للحجج القائلة بـ "التسيير المطلق" أو الجبرية. وعرض أسانيد هذا المذهب، سواء كانت أسانيد مادية بيولوجية (الوراثة والجينات) أو اجتماعية بيئية، والتي ترى الإنسان مجرد آلة تحركها ظروف خارجة عن سيطرته. ثم انتقل المؤلف إلى مرحلة النقاش والتفنيد، مبينًا تهافت النظرية المادية الصرفة، وموضحًا أن العوامل الوراثية والبيئية تمثل "ميولًا" أو "دوافع" ولكنها لا تصل لدرجة "الحتميات" القهرية التي تلغي الإرادة. حذر المؤلف من أن قبول الجبرية المطلقة يؤدي منطقيًا إلى هدم المسؤولية الأخلاقية، ونفي البطولة والشجاعة، وتحويل الحياة إلى مسرحية عبثية مكتوبة سلفًا، وهو ما يرفضه الواقع والوجدان الإنساني السليم.

 الباب السابع: التوفيق بين التسيير والتخيير (نظرية الكتاب):

يمثل هذا الباب ذروة البناء الفلسفي للكتاب، حيث قدم المؤلف رؤيته التوفيقية. واستعرض محاولات التوفيق السابقة عند فلاسفة الغرب (مثل توما الأكويني ومالبرانش) وفلاسفة الإسلام (المعتزلة، الأشاعرة، ابن رشد، ومحمد عبده). يخلص المؤلف إلى صياغة نظرية تعتمد على "الحقائق الوضعية"، محورها "الضمير" الإنساني. يرى أن الإنسان "مسيَّر" في الأطر العامة لوجوده وفيما لا يملك تغييره من سنن كونية، ولكنه "مخير" في دائرة سلوكه وردود أفعاله تجاه هذه الأقدار. وأكد أن تفاعل الروح مع المادة يخلق مساحة للمسؤولية، وأن القدر لا يعمل بشكل عشوائي، بل يترك مساحة لحرية الاختيار التي تتجلى في صوت الضمير والقدرة على التمييز بين الخير والشر.

الباب الثامن: التطبيق في المدارس العقابية:

ينقلنا المؤلف من الفلسفة النظرية إلى التطبيق العملي في علم العقاب. يستعرض الصراع التاريخي بين "المدرسة التقليدية" (بكاريا وبنتام) التي بنت نظام العقاب على حرية الإرادة المفترضة والردع، وبين "المدرسة الوضعية الإيطالية" (لومبروزو، فيري، جاروفالو) التي نظرت للمجرم كمريض مسير بعوامل بيولوجية واجتماعية وطالبت بالتدابير الوقائية بدلًا من العقوبة. ينتصر المؤلف للاتجاهات الحديثة مثل "حركة الدفاع الاجتماعي" والمدرسة "التقليدية الجديدة"، التي تحاول التوفيق بين حماية المجتمع وبين العدالة الفردية، معترفة بنسبية حرية الإرادة وضرورة تفريد العقاب ليلائم ظروف كل جانٍ، بدلًا من التمسك بقواعد جامدة لا تراعي الفروق الفردية.

الباب التاسع: التسيير والتخيير في التشريع العقابي المصري والمقارن:

دخل هذا الباب في صلب القانون الجنائي، محللًا نصوص التشريع المصري والمقارن لإثبات ارتكازها على مبدأ حرية الإرادة، حيث فصل المؤلف في أركان الجريمة، موضحًا كيف أن "القصد الجنائي" (العمد) يتطلب انصراف إرادة الجاني الحرة لارتكاب الفعل، وكيف أن القانون يعالج "الخطأ غير العمدي". ثم أسهب في شرح عوارض الأهلية وموانع المسؤولية، مثل الجنون، والعاهات العقلية، والسكر (بنوعيه الاختياري والاضطراري)، والإكراه، وحالة الضرورة. يثبت المؤلف من خلال هذا التحليل الدقيق أن المشرع المصري جعل "حرية الاختيار" شرطًا لازمًا للمسؤولية، فإذا انتفت الحرية (كما في الجنون أو الإكراه) انتفت العقوبة، مما يؤكد التطبيق العملي لفلسفة التخيير في قاعات المحاكم.

الباب العاشر: التسيير والتخيير في التشريع الإجرائي:

اختتم العرض التفصيلي بمناقشة قانون الإجراءات الجنائية، موضحًا أنه السياج الذي يحمي حرية الإرادة أثناء الخصومة الجنائية. كما استعرض ضمانات المتهم، مثل الحق في الصمت، وحق الدفاع، وحظر انتزاع الاعترافات بالإكراه المادي أو المعنوي، وقرينة البراءة. ورأى المؤلف أن هذه الإجراءات ليست مجرد شكليات، بل هي اعتراف قانوني بكرامة الإنسان وحريته، تهدف لضمان ألا تُسلب حرية الفرد إلا بناءً على دليل يقيني صادر عن إرادة حرة ومحاكمة عادلة. كما يناقش قضايا تسبيب الأحكام وتنفيذ العقوبات، معتبرًا أن غاية الإجراءات هي تحقيق التوازن بين سلطة المجتمع في العقاب وبين حق الفرد في ممارسة حريته في الدفاع عن نفسه.

 الباب الحادي عشر: الخاتمة والنتائج النهائية:

في ختام الكتاب، لخص الدكتور رءوف عبيد نظريته الشاملة، مؤكدًا أن الحياة هي محصلة لتفاعل خلاق بين "التسيير" (الماضي والحتميات) و"التخيير" (الحاضر والمستقبل). ونفي فكرة الصدفة العبثية، وأكد أن عدالة السماء وعدالة الأرض تلتقيان عند حقيقة المسؤولية القائمة على الحرية. وخلص إلى أن الإيمان بحرية الإرادة -ولو كانت نسبية- هو ضرورة حتمية لاستقامة الحياة، وأن الإنسان بصراعه مع القدر وممارسته لحريته يحقق غاية وجوده ويرتقي بضميره الإنساني.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* رءوف عبيد، في التسيير والتخيير: بين الفلسفة العامة وفلسفة القانون، دار الفكر العربي، القاهرة: الطبعة الثالثة، 1984.

** الدكتور رءُوف عبيد (1917–1989) هو أحد أعمدة الفقه الجنائي في العالم العربي، جمع في مسيرته بين صرامة القانون وتحليق الفلسفة الروحية. بدأت رحلته الأكاديمية بتفوق لافت، حيث تدرج في المناصب العلمية بكلية الحقوق جامعة عين شمس حتى شغل منصب رئيس قسم القانون الجنائي ثم وكيلًا للكلية، ليصبح واحدًا من أشهر أساتذة "الجيل الذهبي" للقانون في مصر. لم تقتصر مسيرة د. عبيد على التدريس، بل كان مرجعًا استشاريًا ومحاميًا قديرًا أمام محكمة النقض، وصاحب مدرسة قانونية تعتني بـ "أصول علمي الإجرام والعقاب" وربط النصوص القانونية بالواقع العملي. وتقديرًا لإرثه العلمي الذي تتلمذت عليه أجيال من القضاة والمحامين، خلدت جامعة عين شمس ذكراه بإطلاق اسمه على إحدى كبرى قاعات كلية الحقوق. تتنوع مؤلفات الدكتور رؤوف عبيد بين رصانة الفقه القانوني وعمق الدراسات الروحية، حيث قدم للمكتبة القانونية مراجع لا غنى عنها مثل كتاب "المشكلات العملية الهامة في الإجراءات الجنائية" بمجلديه، وكتاب "أصول علمي الإجرام والعقاب"، بالإضافة إلى مؤلفاته التخصصية ككتاب "جرائم التزييف والتزوير" و"مبادئ القسم العام من التشريع العقابي" ودراسته الهامة حول "السببية في القانون الجنائي". أما في الجانب الفلسفي والميتافيزيقي، فقد اشتهر بمؤلفات أثارت صدى واسعًا، أبرزها موسوعته "الإنسان روح لا جسد"، وكتابه الجدلي "في العودة للتجسد"، إلى جانب كتب أخرى مثل "في الإلهام والاختبار الصوفي" و"الاتصال بين عالمين" و"عروس فرعون"، وهي أعمال تعكس محاولاته المستمرة للربط بين العلم المادي وما وراء الطبيعة.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأحد, 15 شباط/فبراير 2026 10:46