مقاصد القضاء في الإسلام*

By د. حاتم بن محمد بوسمة** كانون1/ديسمبر 22, 2025 526 0

كتاب "مقاصد القضاء في الإسلام للدكتور حاتم بن محمد بوسمة، صدر في جزأين ضمن سلسلة «كتاب الأمة» الصادرة عن وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية بدولة قطر، ويُعَدّ إضافة نوعية إلى المكتبة الفقهية والقانونية المعاصرة.

وتنبع أهمية هذا العمل من كونه في أصله أطروحة علمية لنيل درجة الدكتوراه، سعت إلى نقل البحث في مجال القضاء من دائرة الفقه الجزئي المنصبّ على صور المسائل وشكلياتها، إلى أفق الفقه المقاصدي المعني باستكشاف غايات الأحكام وعللها. وفي هذا السياق، يقدم الكتاب قراءة علمية متماسكة للمنظومة القضائية الإسلامية من منظور يركز على تحقيق العدل بوصفه غاية عليا، متتبعًا سبل تكييف الوسائل والإجراءات القضائية بما يخدم هذه الغاية، ومعالجًا في الوقت ذاته إشكالية الجمود على الظواهر النصية حين تتحول -في بعض السياقات التاريخية المتأخرة- إلى عائق دون إنفاذ العدالة المنشودة.

تنبع أهمية الكتاب من معالجته المنهجية لإشكالية الجمود الفقهي في باب القضاء، حيث يذهب المؤلف إلى أن التمسك ببعض الوسائل الإجرائية التي كانت ملائمة في عصور السلف قد يفضي، في سياقات تاريخية لاحقة، إلى الإخلال بمقصد تحقيق العدل الذي يُعدّ الغاية العليا للشريعة. وانطلاقًا من ذلك، تتمحور الأطروحة المركزية للكتاب حول التمييز بين الغايات الثابتة والوسائل المتغيرة؛ فالعدل مقصدٌ شرعيٌّ أصيل لا يتبدل، في حين أن وسائل القضاء – كطرق الإثبات وشروط الشهادة – تظل آلياتٍ مرنة قابلة للاجتهاد والتطوير بحسب تغير الزمان والمكان، بما يضمن تحقيق الغاية المقصودة، دون أن تُنزَّل منزلة الغايات التعبدية التي قد تحول دون الوصول إلى الحق.

الجزء الأول "التنظيم القضائي"

الفصل الأول: مقاصد التنظيم ووجوب نصب القضاة

يستهل المؤلف الجزء الأول بتأصيل "مشروعية القضاء"، حيث لا ينظر إليه كوظيفة إدارية مجردة، بل يقرر أنه فريضة شرعية وضرورة بشرية وحضارية. ويشرح الكتاب باستفاضة أن "الوازع الديني" (ضمير الفرد) قد يضعف أمام الأهواء، وحينها يصبح "وازع السلطان" (القضاء) ضرورة حتمية لحفظ نظام الأمة ومنع التهارج والفوضى. وفي سياق الحديث عن "سياسة التعيين"، يتوسع الكتاب في مناقشة الجدلية الفقهية والواقعية بين "الأصلح" و"الأمثل"؛ فهو يقرر وجوب البحث عن القاضي الجامع لصفات العلم والقوة والأمانة، لكنه يعالج بواقعية شديدة حالات "خلو الزمان من المجتهدين"، مرجحًا العمل بـ "فقه الموازنات" الذي يجيز تولية "الأمثل فالأمثل" (أي الأقل كفاءة عند عدم وجود الأكمل)؛ لأن تعطيل القضاء أشد ضررًا من قصور صفات القاضي، وذلك إعمالًا للقاعدة المقاصدية "ما لا يدرك كله لا يترك كله".

الفصل الثاني: استقلال السلطة القضائية

ينتقل العرض بعد ذلك إلى ركن ركين في البناء القضائي وهو "الاستقلال"، حيث يفرد المؤلف مساحة واسعة لمناقشة ضرورة فصل القضاء عن تأثيرات السلطة التنفيذية (الولاة والحكام). ويستعرض الكتاب كيف أن المقصد الشرعي يقتضي أن يكون القاضي آمنًا في سربه، لا يخشى في الله لومة لائم، ولا يخضع للتهديد أو العزل التعسفي. ويشير المؤلف إلى أن هذا الاستقلال هو الضمانة الحقيقية لأن يطبق القاضي حكم الشرع على القوي والضعيف بالسوية، فالقضاء في الإسلام ولاية لا سلطان عليها إلا سلطان الشرع، وأي تدخل خارجي يفسد جوهر العملية القضائية ويحيلها إلى أداة للظلم.

الفصل الثالث: نزاهة القضاء وضمانات الحكم

يختتم الجزء الأول بالحديث عن "النزاهة" بشقيها: نزاهة القاضي ونزاهة الحكم. يتناول المؤلف الجانب الأخلاقي والرقابي، مؤكدًا أن النزاهة ليست مجرد تعفف عن الرشوة فحسب، بل هي "حالة من التجرد التام" تمنع القاضي من الحكم وهو في حالات الغضب أو الجوع أو التأثر النفسي. كما يناقش الكتاب الضمانات الإجرائية مثل "علانية الجلسات" التي تتيح للأمة مراقبة سير العدالة، ومسألة "علم القاضي" وهل يجوز له أن يحكم بعلمه الشخصي أم يتقيد بالبينات الظاهرة، مرجحًا ما يحقق الطمأنينة وينفي التهمة، ليكون الحكم عنوانًا للحقيقة والعدالة في آن واحد.

الجزء الثاني (إحقاق الحق)

الفصل الأول: إظهار الحقوق (نظرية الإثبات وتوسيع البينات)

يبدأ الجزء الثاني ببحث جوهري حول "نظرية الإثبات"، حيث يقدم المؤلف طرحًا مقاصديًا متطورًا يتجاوز الحرفية في فهم وسائل الإثبات. يقرر الكتاب قاعدة "إطلاق وسائل الإثبات"، ومفادها أن الشارع لم يتعبدنا بوسيلة محددة (كالشاهدين فقط) وحصر الحق فيها، بل إن كل طريق يؤدي إلى كشف الحقيقة وإزهاق الباطل هو "بيِّنة" شرعية. وبناءً على ذلك، يدعو المؤلف بقوة إلى اعتماد "القرائن المعاصرة" والوسائل العلمية الحديثة (كالبصمة الوراثية، والتحاليل الطبية، والتسجيلات الموثقة) واعتبارها أدلة قاطعة قد تفوق في قوتها الشهادة اللفظية، لأن الغاية هي "تبيين الحق"، والوسائل تتبع المقاصد في أحكامها.

الفصل الثاني: أحوال الشهود ومرونة التعامل مع الواقع

يخصص المؤلف هذا الفصل لمعالجة قضية "الشهادة" في ضوء تغير أحوال الناس وفساد الذمم في العصور المتأخرة. يناقش الكتاب شروط العدالة في الشاهد، لكنه لا يقف عند التنظير المثالي، بل ينزل إلى فقه الواقع ليقرر جواز قبول شهادة "مستوري الحال" (من لم يظهر فسقهم) وشهادة "اللفيف" (جماعة من الناس يؤمن تواطؤهم على الكذب) في القضايا التي يعز فيها وجود الشهود العدول بالمفهوم القديم. ويرى المؤلف أن التشدد في رد الشهادات بدعوى عدم كمال العدالة يؤدي إلى ضياع حقوق الناس، وهو ما يتنافى مع مقصد الشريعة في حفظ الأموال والدماء والأعراض، مما يستوجب مرونة في قبول الشهادات لتحقيق العدل الممكن.

الفصل الثالث: تعيين الحقوق والتنفيذ الجبري

يختتم الكتاب مباحثه بمرحلة "جني الثمار"، وهي مرحلة الحكم والتنفيذ. يبحث المؤلف في "أسباب الاستحقاق" وقواعد الترجيح بين الأدلة المتعارضة لتعيين صاحب الحق. لكن الأهمية القصوى في هذا الفصل تكمن في التركيز على "التنفيذ الجبري"، حيث يوضح المؤلف أن القضاء ليس مجرد فتوى أو رأي، بل هو "إلزام" تدعمه قوة السلطة العامة. ويخلص إلى أن الحكم القضائي يظل حبرًا على ورق ما لم تكن هناك قوة تنفيذية تعيد الحق لمستحقه ولو جبرًا عن المحكوم عليه، وبذلك تكتمل الدورة القضائية: تبدأ بالتنظيم، وتمر بالإثبات، وتنتهي بالتنفيذ الذي هو ثمرة القضاء وغاية العدل المنشود.

 

لتحميل الجزء الأول من الكتاب (هنا)

لتحميل الجزء الثاني من الكتاب (هنا)

 

* حاتم بن محمد بوسمة، مقاصد القضاء في الإسلام، سلسلة كتاب الأمة، العددان: 149-150، الدوحة: الطبعة الأولي، 2012.

** دكتور حاتم بن محمد بوسمة هو باحث وأكاديمي تونسي متخصص في العلوم الإسلامية. يشغل منصب أستاذ بالمعهد العالي لأصول الدين في تونس، وهو عضو وباحث في "وحدة فقهاء تونس" بجامعة الزيتونة. شارك الدكتور بوسمة في مشاريع علمية كبرى مثل "موسوعة أعلام علماء العرب والمسلمين" التابعة للمنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الألكسو). له عدد من الكتب والأبحاث المنشورة، منها:

- الوسطية في المنهج النبوي.

- الإمام الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور وكتابه مقاصد الشريعة الإسلامية.

- دور فقهاء القيروان في الحياة العامة في القرن الخامس هجري.

- قاعدة التقديرات الشرعية.

 

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الإثنين, 22 كانون1/ديسمبر 2025 17:02

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.