يُعد هذا الكتاب دراسة قانونية وفلسفية معمقة تتناول واحدة من أدق المشكلات في القانون الجنائي، وهي "المسئولية الجنائية". وأكد على هذا الأمر الأستاذ الدكتور عوض محمد عوض؛ إذ كتب في تصديره لهذا الكتاب يقول: "والبحث في المسئولية عامة وفي أساسها خاصة من أدق البحوث القانونية وأشقها لأن المسئولية ليست مشكلة قانونية بقدر ما هي مشكلة إنسانية . وهي مشكلة عامة في الزمان وفي المكان وعلى صعيد الفكر الإنساني بكل صوره وألوانه . فالبحث فيها ليس وليد عصر ولا شعب ولا دين ولا فكر بعينه ، وانما البحث فيها كان - ولا يزال - شغل الإنسان منذ كان الإنسان وأيا ما كان فرع تخصصه ، بل أيا ما كان قدر ثقافته . ومن هنا تكمن الصعوبة في تناول الموضوع".
ويهدف د. كمال إمام -من خلال كتابه هذا- إلى تأصيل فكرة المسئولية، ليس فقط بالوقوف عند النصوص القانونية الجامدة، بل بالغوص في جذورها الفلسفية والتاريخية والاجتماعية. يناقش الكتاب الصراع الأزلي بين مدرسة "حرية الإرادة" (الاختيار) ومدرسة "الحتمية" (الجبر)، وكيف أثر هذا الصراع على صياغة القوانين العقابية. كما يتميز الكتاب بمنهجه المقارن الذي يجمع بين الفكر القانوني الوضعي (الغربي) والفكر الإسلامي (الفقهي والكلامي)، محاولًا إثبات أن أساس المسئولية الجنائية السليم يقوم على حرية الاختيار والإدراك، وهو ما يتفق مع المنطق القانوني السليم والشريعة الإسلامية.
القسم الأول: المسئولية الجنائية وتطورها عبر التاريخ
يستهل د. محمد كمال إمام كتابه برحلة تاريخية لاستقصاء جذور المسئولية الجنائية في العالم القديم. يوضح أن المسئولية بدأت في المجتمعات البدائية كفكرة "مادية" و"جماعية"، حيث كان العقاب يطال الفرد وجماعته، وأحيانًا الحيوان والجماد، دون اعتبار كبير للرُكن المعنوي (النيَّة)، ثم ينتقل لدراسة الشرق الأدنى القديم، مبرزًا تميز مصر الفرعونية التي عرفت تطورًا قانونيًا مذهلًا سبق عصرها، حيث أسس الفراعنة المسئولية على "الإرادة" و"الإدراك" وعرفوا مبدأ "شخصية العقوبة" (كل إنسان مسئول عن فعله) ومبدأ "المساواة أمام القانون"، بخلاف ما كان سائدًا في حضارات أخرى مثل بابل وآشور (شريعة حمورابي) التي ورغم تنظيمها، إلا أنها احتفظت بآثار المسئولية الجماعية والمادية (مثل معاقبة الابن بجريرة الأب).
ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى اليونان والرومان، موضحًا أن الفكر اليوناني رغم عمقه الفلسفي (سقراط، أفلاطون، أرسطو)، إلا أن تطبيقاته القانونية ظلت متأثرة بالأفكار البدائية أحيانًا، مثل محاكمة الحيوانات والجمادات في أثينا. أما القانون الروماني، فرغم شهرته ودقته الصياغية، فقد ظل لفترات طويلة يعتد بالجانب المادي للجريمة (الضرر) أكثر من الجانب النفسي (الإرادة)، كما اتسمت عقوباته بالقسوة وعدم المساواة الطبقية. ويختتم هذا القسم باستعراض المسئولية في العهدين القديم والجديد، وكيف أثرت فكرة "الخطيئة" والمسئولية الموروثة في الفكر الديني وتطورها لاحقًا في الفكر الكنسي.
القسم الثاني: أساس المسئولية الجنائية في القانون الوضعي
يخصص د. كمال إمام هذا القسم لمناقشة المعركة الفكرية الكبرى في القانون الجنائي الحديث بين أنصار "حرية الإرادة" وأنصار "الحتمية". يبدأ بعرض المسئولية الاجتماعية التي نادت بها المدرسة الوضعية (لومبروزو ومن سار على نهجه)، والتي ترى أن الإنسان مسير لا مخير، خاضع لحتميات بيولوجية واجتماعية تدفعه للجريمة. وبناءً على ذلك، يرى هؤلاء أن أساس المسئولية ليس "الخطأ الأخلاقي" بل "الخطورة الإجرامية"، وأن الهدف من الجزاء هو "الدفاع الاجتماعي" وليس العقاب الأخلاقي. كما قام د. كمال إمام بنقد هذا الاتجاه الوضعي نقدًا علميًا وفلسفيًا، مفندًا مزاعم الحتمية المطلقة، وموضحًا خطورة هذا المذهب الذي يهدر آدمية الإنسان ويحوله إلى مجرد آلة أو شيء، كما أنه يفتح الباب للتحكم والاستبداد بإهدار مبدأ "شرعية العقوبة" وضمانات الحرية الفردية. وينتصر د. كمال إمام في هذا القسم لمذهب المسئولية الأدبية (الأخلاقية) الذي يتبناه المذهب التقليدي (الكلاسيكي)، والذي يقوم على أساس أن الإنسان كائن عاقل مختار، وأن المسئولية لا تقوم إلا بتوافر "الإدراك" و"حرية الاختيار"، وبذلك يكون "الخطأ" (العمد أو الإهمال) هو أساس المسئولية، وهو ما يتوافق مع الكرامة الإنسانية والعدالة.
القسم الثالث: أساس المسئولية الجنائية في الشريعة الإسلامية
في هذا الجزء (وفقًا لمنهجية الكتاب الموضحة في المقدمة والخاتمة)، يتناول د. كمال إمام موقف الشريعة الإسلامية الذي يصفه بأنه أكثر إمتاعًا وجدَّة. ويستعرض الجدل بين الفلاسفة والمتكلمين المسلمين (المعتزلة والأشاعرة وغيرهم) حول قضية "الجبر والاختيار". ويخلص د. كمال إمام من خلال استقراء النصوص الشرعية (الكتاب والسنة) وآراء الفقهاء إلى أن الشريعة الإسلامية تؤسس المسئولية الجنائية على حرية الاختيار بشكل واضح.
ويؤكد د. كمال إمام أن الشريعة سبقت القوانين الوضعية في تقرير مبدأ "شخصية العقوبة" (ألا تزر وازرة وزر أخرى) وفي اشتراط "الإدراك" (العقل والبلوغ) و"الاختيار" (انتفاء الإكراه) لقيام المسئولية. كما يوضح كيف عالج الفقه الإسلامي عوارض الأهلية (كالجنون، الصغر، الإكراه) بتفصيل دقيق يؤكد احترام الشريعة لإرادة الإنسان وعقله كأساس للمحاسبة الدنيوية والأخروية، منتهيًا إلى أن الإسلام يقيم توازًا دقيقًا بين حماية المجتمع وحفظ حقوق الفرد من خلال ربط الجزاء بالمسئولية الأخلاقية القائمة على الاختيار الحر.
لتحميل ملف الكتاب (هنا)
* د. محمد كمال إمام، المسئولية الجنائية: أساسها وتطورها - دراسة مقارنة في القانون الوضعي والشريعة الإسلامية، تصدير: د. عوض محمد عوض، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر والتوزيع، بيروت، الطبعة الثانية، 1411ه/1991م.
** فقيه قانوني ومفكر إسلامي مصري، جمع ببراعة بين التخصص في الشريعة والقانون الوضعي، شغل منصب أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، عُرف بمنهجه التجديدي القائم على مقاصد الشريعة، وترك إرثًا علميًا ثريًا.