في فضاء الدراسات الأفريقية وعلم الاجتماع السياسي، نادرًا ما يظهر عمل فكري يمتلك الجرأة الكافية لقلب الطاولة على المسلمات الراسخة، وتفكيك "صندوق العدة التحليلية التقليدي" المفاهيمي الذي يستخدمه العالم لفهم القارة السمراء. لكن المفكر الأوغندي البروفيسور محمود ممداني، "المشاغب الأكاديمي" -إن صح التعبير- المرموق وأستاذ الحكومة بجامعة كولومبيا، فعلها حين ألقى حجره الثقيل في مياه التنظير السياسي الراكدة منتصف التسعينيات.
لم يكن محمود ممداني يومًا مجرد مؤرخ يسرد الوقائع، بل هو "مُنقب أثري" في طبقات السلطة، ومفكك شرس لبنية المعرفة الاستعمارية. إنه الصوت الذي رفض طويلًا أن تُقرأ مآسي أفريقيا –من الإبادة في رواندا إلى الحرب في دارفور– باعتبارها مجرد "نوبات جنون قبلي" أو نتاجًا لفقر اقتصادي عابر. في مشروعه الفكري الطويل، يصر ممداني على أن العنف في أفريقيا ليس "طبيعيًا" ولا "بدائيًا"، بل هو عنف حديث جدًا، ومصمم بعناية، وله جذور ضاربة في الكيفية التي فكر بها الرجل الأبيض في إدارة "السكان الأصليين".
يأتي كتابه العمدة "المواطن والرعية"، الحائز على جائزة هيرسكوفيتس المرموقة، ليمثل ذروة هذا الاشتباك النقدي، معلنًا أننا لا نستطيع فهم "الحروب الحالية" دون العودة إلى "مسرح الجريمة" الأول: لحظة هندسة الدولة الكولونيالية. هذا الكتاب ليس مجرد وثيقة تاريخية، بل هو "عدسة مكبرة" لا غنى عنها لأي باحث يحاول فك شفرة الدماء التي تسيل اليوم في الخرطوم، أو التوترات التي تعصف بأديس أبابا.
في هذا الملف، نعيد قراءة هذا السفر التأسيسي، ليس باعتباره كتابًا عن الماضي، بل بوصفه دليلًا لفهم "المستقبل المتعثر". كيف نجح الاستعمار في تحويل الهوية إلى سجن؟ ولماذا فشلت دولة ما بعد الاستقلال في تحرير "الرعية" وتحويله إلى "مواطن"؟
ما وراء الحتمية الاقتصادية: الجذور السياسية للمأزق الأفريقي
يمثل كتاب "المواطن والرعية" تدخلًا نظريًا حاسمًا يتجاوز محمود ممداني من خلاله السرديات الكلاسيكية التي هيمنت على الأوساط الأكاديمية والسياسية لعقود؛ فهو يرفض الركون إلى التفسيرات التي تختزل أزمات القارة في "التخلف الاقتصادي" كما تروج نظريات التحديث، أو تلك التي تلوم "التبعية الاقتصادية" وحدها كما في الأدبيات الماركسية. يطرح ممداني بدلًا من ذلك أطروحة مفادها أن جوهر المشكلة يكمن في البنية المؤسسية للدولة التي خلفها الاستعمار، وهي بنية لم تُصمم لتحقيق التنمية أو المواطنة، بل لضمان السيطرة بأقل تكلفة. وبهذا المعنى، فإن "القبلية" التي تعصف بالدول الأفريقية ليست انبعاثًا بدائيًا من الماضي السحيق، وليست مجرد قناع زائف لصراع الطبقات، بل هي هوية سياسية صلبة و"شكل للحكم" تم هندسته قانونيًا ومؤسسيًا من قبل الدولة الكولونيالية لتنظيم العلاقة بين الحاكم والمحكومين، مما يجعل فهم شكل السلطة أهم من تحليل قوى السوق لفهم العنف الراهن.
تشريح الدولة المنشطرة: الانقسام البنيوي بين المدينة والريف
يستند التحليل العميق للكتاب إلى مفهوم "الدولة المنشطرة" (The Bifurcated State)، حيث يوضح ممداني كيف أن الاستعمار البريطاني والفرنسي في مراحله المتأخرة تخلى عن طموح "التمدين" الشامل لصالح استراتيجية "إدارة الاختلاف". نتج عن ذلك خلق كيانين قانونيين متمايزين داخل الدولة الواحدة: "المدينة" التي مثلت معقل المستوطنين والنخبة، وحُكمت بالقانون المدني القائم على لغة الحقوق والملكية الخاصة والمواطنة (وإن كانت مشروطة وعنصرية)، وفي المقابل "الريف" الذي يقطنه السواد الأعظم من السكان، والذي أُخضع لنظام قانوني مختلف تمامًا هو "القانون العرفي". هذا الانشطار خلق حاجزًا مؤسسيًا جعل الانتقال من الريف إلى المدينة ليس مجرد انتقال جغرافي، بل انتقال بين عالمين قانونيين؛ فبينما يتمتع ساكن المدينة بصفة "مواطن" له حقوق فردية، يبقى الفلاح في الريف "رعية" يُعرّف بانتمائه لجماعة إثنية، وتتحدد حقوقه في الأرض والعدالة حصريًا عبر هذا الانتماء القبلي، مما جعل الإثنية وعاءً إجباريًا للحياة السياسية والاجتماعية.
الاستبداد اللامركزي وتصنيع التقاليد: سلطة القبضة المضمومة
يغوص ممداني في آليات السيطرة داخل الشق الريفي للدولة، مفككًا ما أسماه "الاستبداد اللامركزي". يجادل بأن نظام "الحكم غير المباشر" لم يكن احترامًا للتقاليد الأفريقية، بل عملية انتقائية خبيثة أعادت صياغة هذه التقاليد لتخدم المستعمر. تمثلت الأداة الرئيسية لهذا النظام في "الزعيم التقليدي" أو السلطة الأهلية، التي منحها الاستعمار سلطات مطلقة لم تكن تحظى بها تاريخيًا. ففي ظل هذا النظام، دُمجت السلطات التشريعية (صياغة العرف) والتنفيذية (تطبيق الأوامر وجباية الضرائب) والقضائية (المحاكم العرفية) في يد شخص واحد، مدعومًا بقوة البطش العسكرية للدولة المركزية. هذا الوضع حرر الزعيم القبلي من أي رقابة مجتمعية داخلية كانت موجودة سابقًا، وحوله إلى "قبضة مضمومة" تعتصر الفلاحين، مما جعل "العرف" ليس تعبيرًا تلقائيًا عن ثقافة المجتمع، بل قانونًا قسريًا تفرضه الدولة، مكرسًا بذلك "القبلية" كسجن مؤسسي لا فكاك منه.
جنوب أفريقيا كنموذج معياري: الأبارتايد والحكم غير المباشر في قراءة مغايرة للسائد
رفض ممداني اعتبار نظام الفصل العنصري في جنوب أفريقيا (الأبارتايد) حالة استثنائية شاذة في السياق الأفريقي، بل يراه النموذج الأكمل والأكثر تطرفًا لمنطق الحكم الاستعماري غير المباشر. يوضح ممداني أن "البانتوستانات" أو المعازل القبلية لم تكن سوى تطبيق وفيّ لفكرة الدولة المنشطرة، حيث تم حشر السكان السود في كيانات "قبلية" ريفية ليحكموا بقوانين عرفية، وذلك بهدف حرمانهم من حقوق المواطنة في "جنوب أفريقيا البيضاء" (المدينة). ويشير التحليل إلى دور "العمالة المهاجرة" كحلقة وصل مشوهة بين العالمين؛ فالعمال السود يُسمح لهم بدخول المدينة كقوة عمل فقط، لكنهم يظلون سياسيًا واجتماعيًا تابعين للريف، مما سمح للنظام الرأسمالي باستغلالهم دون تحمل تكاليف رعايتهم الاجتماعية، ملقيًا بعبء إعادة إنتاجهم (التعليم، الصحة، التقاعد) على الاقتصاد الكفافي في البانتوستانات، وهو ما يطابق بنية الدولة في العديد من المستعمرات الأخرى.
المأزق ما بعد الكولونيالي: الفشل المزدوج للمحافظين والراديكاليين
ينتقل الكتاب لتشريح مرحلة ما بعد الاستقلال، مبينًا عجز النخب الوطنية عن تفكيك هذا الإرث الثقيل. يميز ممداني بين مسارين سلكتهما الدول الأفريقية: "الدول المحافظة" التي حافظت على بنية الاستبداد اللامركزي وسلطة الزعماء القبليين لضمان الاستقرار، مما أدى إلى تفتت الولاء الوطني لصالح ولاءات إثنية تتصارع على مغانم الدولة؛ و"الدول الراديكالية" التي حاولت توحيد الأمة عبر إلغاء سلطة الزعماء التقليديين، لكنها وقعت في فخ استبدالهم ببيروقراطية حزبية مركزية تعينها العاصمة. في الحالة الراديكالية، انتقل النظام من "الاستبداد اللامركزي" إلى "الاستبداد المركزي"، وظل الريف مساحة تُدار بالأوامر الفوقية، حيث استُبدلت ذريعة "الحفاظ على العرف" بذريعة "تحقيق التنمية" لتبرير القمع، وفشل كلا النموذجين في تحويل الرعايا إلى مواطنين أحرار يمتلكون حق تقرير المصير المحلي.
تطبيقات راهنة: قراءة الحروب الأهلية كصراع بين الحقوق والأعراف
تكتسب أطروحات ممداني أهمية قصوى عند تطبيقها على الصراعات الحالية في السودان وإثيوبيا، حيث يمكن قراءة هذه الحروب كنتيجة حتمية لانهيار الجدار العازل بين عالمي الدولة المنشطرة. في السودان، يمثل الصراع انفجارًا للعلاقة بين "المركز" الذي احتكر صفات الدولة الحديثة والمواطنة، و"الهامش" الذي حُكم تاريخيًا عبر الإدارات الأهلية وتم تسييس هويته وعسكرتها كأداة لمكافحة التمرد، ليتحول هذا "العنف الريفي" عبر قوات الدعم السريع إلى قوة غازية تدمر العاصمة نفسها. وفي إثيوبيا، يرى ممداني أن تبني "الفيدرالية الإثنية" كان خطًا قاتلًا لأنه دستر الانقسام الاستعماري بدلًا من معالجته، رابطًا الحقوق السياسية بـ "الأصل العرقي" و"الأرض الموروثة" بدلًا من الإقامة والمواطنة، مما حول الأقليات في كل إقليم إلى غرباء مهددين، وجعل التطهير العرقي استراتيجية سياسية مغرية للنخب المحلية.
نحو المستقبل: الإصلاح عبر توحيد المجالين السياسي والقانوني
يخلص ممداني في رؤيته الاستشرافية إلى أن التحول الديمقراطي في أفريقيا لا يمكن اختزاله في إجراء انتخابات تعددية داخل بنية مشوهة، بل يتطلب إصلاحًا بنيويًا عميقًا يهدف إلى توحيد الدولة والمجتمع. يتطلب هذا المشروع "نزع الطابع القبلي" عن السلطة الريفية من خلال تفكيك السلطة المطلقة للزعماء واستبدالها بحكم محلي ديمقراطي حقيقي، وبالتوازي "نزع الطابع العنصري" عن المجتمع المدني في المدينة ليكون فضاءً شاملًا لجميع السكان بغض النظر عن أصولهم. إن الغاية النهائية التي يطرحها الكتاب هي خلق مواطنة موحدة غير منشطرة، يستمد فيها الفرد حقوقه من انتمائه للدولة وإقامته في الإقليم، وليس من انتمائه لقبيلة أو عرق، واضعًا بذلك نهاية لثنائية "المواطن والرعية" التي غذت دورات العنف لعقود طويلة.
لتحميل ملف الكتاب بالإنجليزية (هنا)
________________
- Mamdani, Mahmood. Citizen and Subject: Contemporary Africa and the Legacy of Late Colonialism. Princeton: Princeton University Press, 1996.
- Mamdani, Mahmood. Define and Rule: Native as Political Identity. Cambridge, MA: Harvard University Press, 2012.
- Mamdani, Mahmood. Saviors and Survivors: Darfur, Politics, and the War on Terror. New York: Pantheon Books, 2009.
- Kennedy, Dane. "Indirect Rule and Its Legacy in Africa: Review of Define and Rule." H-Diplo, May 2013. https://www.h-net.org/reviews/showrev.php?id=38337.
- Cairo Institute for Human Rights Studies (CIHRS). "Citizenship Rights in Sudan: Discourse and Practice in Revolution and War." CIHRS Rowaq. Accessed November 27, 2025. https://cihrs-rowaq.org.
- "The Trouble with Ethiopia's Ethnic Federalism." Harnnet, May 5, 2019. https://www.harnnet.org.
* محمود ممداني، المواطن والرعية- أفريقيا المعاصرة وتراث الكولونيالية المتأخرة، ترجمة: صلاح أبو نار، القاهرة المركز القومي للترجمة، 2018.
** أكاديمي ومنظّر سياسي أوغندي بارز، ويُعد واحدًا من أعمدة الدراسات الأفريقية وحقل دراسات ما بعد الكولونيالية على المستوى العالمي. يشغل حاليًا كرسي "هربرت ليمان" للحكومة وأستاذ الأنثروبولوجيا بجامعة كولومبيا في نيويورك، كما شغل سابقًا منصب مدير معهد ماكيريري للأبحاث الاجتماعية (MISR) في كمبالا. يتميز مشروعه الفكري بتبني منهجية "السوسيولوجيا التاريخية" لتفكيك جذور العنف السياسي، وتسييس الهوية، وبنية الدولة في الجنوب العالمي، متحديًا السرديات الغربية التقليدية حول الإبادة والحرب الأهلية. حاز على جوائز دولية رفيعة منها جائزة "هيرسكوفيتس" عن كتابه المرجعي "المواطن والرعية"، وصُنف ضمن قوائم أهم المفكرين العموميين في العالم من قبل مجلتي "فورين بوليسي" و"بروسبكت"، وتُرجمت أعماله، التي تشمل أيضًا "الناجون والمنقذون" و"عرّف واحكم"، إلى لغات عدة كإسهامات تأسيسية في فهم العلاقة الجدلية بين الاستعمار والحداثة السياسية.