استئناف مصر - مدني - 20 فبراير سنة 1900
إسماعيل المحامي ضد روكية وفاطمة
الوقف ومضي المدة
١ - لا يوجد نص في قانون المحاكم الأهلية يقضي بعدم جواز امتلاك الوقف بمضي المدة، فالمادة الواردة فيه التي نص فيها القانون المدني على عدم جواز التملك بمضي المدة هي خاصة بالأموال المخصصة للمنافع العمومية فقط.
٢ - إن الشريعة الغراء لم تفرق بين الوقف والأموال الأخرى فيما يتعلق بأحكام المدة الطويلة إلا من جهة واحدة، وهي تعيين المدة التي بمرورها لا تسمع الدعوى. فجعلت المدة بالنسبة للوقف والإرث ثلاثًا وثلاثين سنة، وبالنظر إلى الأموال الأخرى خمس عشرة سنة. وحينئذ يمكن أن يقال إن الشريعة الغراء والقانون متفقان على أن لمرور الزمان تأثيرًا شرعيًا على وجود الوقف.
٣ - متى كانت الدعوى من اختصاصات المحاكم الأهلية وجب أن يسري قانونها عليها. والقانون لم يميز بين الأعيان الموقوفة وغير الموقوفة بالنظر للمدة اللازمة لامتلاكها بوضع اليد، بل وضع في المادة ٧٦ مدني حكمًا عامًا يقضي بأن الملكية والحقوق العينية تكتسب بوضع اليد مدة خمس سنين إذا وجد سبب صحيح، ومدة خمس عشرة سنة إذا لم يوجد سبب صحيح.
محكمة استئناف مصر الأهلية المشكلة بهيئة مدنية تحت رئاسة سعادة قاسم أمين بك، وحضور حضرات المستر ويلمور ويوسف شوقي بك قضاة، وعبد الله حسن كاتب الجلسة.
أصدرت الحكم الآتي:
في قضية إسماعيل المحامي بصفته ناظرًا على وقف جده أحمد خليفة (الشهير بالمحامي) المقيم بالإسكندرية، الحاضر عنه بالجلسة الشيخ علي الرويعي المحامي، الواردة بالجدول سنة ٩٩ نمرة ١٧٨ (مستأنف).
ضد
الحرمتين روكية وعائشة بنتي المرحوم مصطفى آغا المقيمتين بالإسكندرية بكوم الدكة، الحاضر عنهما بالجلسة علي أفندي بدر الدين المحامي (مستأنف عليهما).
المحكمة
بعد الاطلاع على أوراق القضية وسماع المرافعة قانونًا:
حيث إن إسماعيل المحامي رفع دعوى بصفته ناظرًا على وقف المرحوم الحاج أحمد خليفة المحامي ضد الست روكية بنت مصطفى آغا وأختها الست عائشة، ادعى فيها أنه توجد دار كائنة بمدينة الإسكندرية بخط كوم الدكة أوضح حدودها بعريضة الدعوى، وأن هذه الدار هي من ضمن أعيان الوقف المشمول بنظارته، وأنه لما أراد وضع يده عليها عارضته الست روكية والست عائشة بدعوى أنهما مالكتان للدار المذكورة، وطلب الحكم عليهما بتسليم الدار المذكورة إليه.
وحيث إن محكمة إسكندرية الابتدائية حكمت برفض دعوى إسماعيل المحامي مستندة على أن الست روكية والست عائشة وضعتا يدهما بسبب صحيح مدة تزيد على خمس سنين فاكتسبتا ملكية الدار بمضي المدة القانونية.
وحيث إن إسماعيل المحامي استأنف هذا الحكم ولم يطعن في قبول الاستئناف شكلًا.
وحيث إنه لا نزاع في أن المستأنف عليهما وضعتا يدهما بسبب صحيح وهو عقد بيع على الدار المرفوعة بشأنها هذه الدعوى مدة تزيد على خمس سنين.
وحيث إن البحث في هذه الدعوى يتناول مسألتين: الأولى، هل يجوز امتلاك عين موقوفة بمضي المدة؟ والثانية، ما هو القانون الواجب تطبيقه على هذه الواقعة، وهل يجب الحكم فيها على مقتضى أحكام لائحة المحاكم الشرعية أو قانون المحاكم الأهلية؟
وحيث إنه فيما يتعلق بالمسألة الأولى لا يوجد نص في قانون المحاكم الأهلية يقضي بعدم جواز امتلاك الوقف بمضي المدة، فالمادة الوحيدة التي نص فيها القانون المدني على عدم جواز التملك بمضي المدة هي خاصة بالأموال المختصة بالمنافع العمومية، ولم تنص هذه المادة ولا غيرها مما اشتمل عليه القانون على أن الوقف لا يمتلك بمضي المدة.
وحيث إن عدم وجود نص من هذا القبيل لا يفهم منه إلا أن الشارع أراد أن يكون الوقف خاضعًا لجميع أحكام الملكية والحقوق العينية المتعلقة بمضي المدة، وأنه لم يستصوب أن يضع له حكمًا استثنائيًا يميزه عن الأموال الأخرى كما فصل بالنسبة للأموال المخصصة للمنافع العامة. ومتى تقرر ذلك فليس للمحاكم أن تخرج الوقف من الأحكام العامة وأن تعامله معاملة استثنائية ليس في القانون مسوغ لها.
وحيث إنه لا يمكن أن يعترض بأن الوقف مثله كمثل المال المخصص للمنفعة العامة؛ إذ كلاهما لا يجوز التصرف فيه فيلزم أن يكون حكم مضي المدة فيهما واحدًا.
وحيث إن الأصل حقيقة في الوقف هو عدم جواز التصرف فيه، والتصرف فيه لا يصح شرعًا إلا في أحوال مخصوصة وبشروط مخصوصة. وهذه الصفة المميزة للوقف قد اعتبرها القانون الأهلي وقررها حكمًا للوقف في المادة السابقة من القانون المدني التي تشتمل على تعريف الأموال الموقوفة، فكان يصح للشارع، بل يمكن أن يقال إنه كان ينبغي له، أن يجعل الوقف غير قابل لأن يمتلك بمضي المدة؛ لأنه يوجد ارتباط شديد بين عدم جواز التصرف في الشيء وعدم جواز امتلاكه بمضي المدة. ولأن القاعدة هي أن كل ما يصح التصرف فيه يصح امتلاكه بمضي المدة والعكس بالعكس، ولأن هذه القاعدة يجب أن يفهم معناها الحقيقي وهو أنها قاعدة علمية يهتدي بها الشارع في وضع أحكامه، ولكن قد يخالفها. ولهذا نرى أن القانون الفرنساوي، مع أنه اعتبرها أساسًا عموميًا لأحكام مضي المدة، قد خالفها في الجزئيات، فقرر أن أنواعًا من الأموال التي لا يجوز التصرف فيها يمكن أن تمتلك بمضي المدة، وقرر بالعكس أن أنواعًا أخرى لا تمتلك بمضي المدة ومع ذلك يجوز التصرف فيها. ذلك لأن الارتباط والتلازم بين عدم التصرف في الشيء وعدم امتلاكه بمضي المدة إنما سببه هو حرص الشارع على اتخاذ الاحتياطات اللازمة لجعل الأحكام التي يضعها محترمة ومتبعة في العمل حتى لا يتمكن أحد من أن يتحايل على مخالفة ما نهى عنه. ومن البديهي أنه إذا قرر أن أنواعًا من الأموال لا يجوز التصرف فيها وأباح مع ذلك امتلاكها بمضي المدة، سَهُلَ في بعض الأحوال مخالفته؛ إذ يكفي لأي شخص أن يبيع هذا المال وأن يضع المشتري يده عليه بحسن نية ليصبح مالكًا للشيء الذي حرم القانون التصرف فيه.
وحيث إنه متى عُلم سبب التلازم الذي سبق بيانه، ظهر بغاية الوضوح أنه لا يكفي أن الشارع ينص على عدم جواز التصرف في الشيء ليكون هذا الشيء غير قابل للامتلاك بمضي المدة. أي أن التلازم ليس من طبيعة الحال، لأن عدم التصرف لا ينتج بذاته عدم الامتلاك بمضي المدة، والعكس يصح أن يقال لو كان الامتلاك بمضي المدة مبنيًا دائمًا على تصرف صاحب الشيء أو رضائه. ولكن في الحقيقة إن وضع اليد المدة الطويلة ليس في نظر القانون عنوانًا على الملكية أو دليلًا عليها، وإنما هو كما يستفاد ذلك من اسمه، طريقة من طرق التمليك مصدرها القانون، وأساسها النظام العام والمنفعة الاجتماعية اللذان يكون وجودهما مهددًا إذا لم يضع الشارع حدًا من الزمن تنتهي إليه جميع المنازعات. ولهذا فسواء علم صاحب الشيء أو لم يعلم، وسواء رضي أو لم يرض، متى تم وضع اليد على الصفة القانونية وفي المدة القانونية أصبح واضع اليد مالكًا مهما كان العيب الذي يعاب به السبب الذي بناءً عليه وضع يده إذا كان التملك بمضي خمس سنين، ولو كان متعديًا مغتصبًا إذا كانت المدة خمس عشرة سنة.
وحيث إنه ينتج من ذلك أن الوقف في نظر القانون ليس خارجًا عن الأشياء التي يمكن أن تمتلك بمضي المدة.
وحيث إننا إذا راجعنا أحكام الشريعة الغراء لأجل أن نتبين صفة الوقف من نفس الشريعة التي أوجدته، نجد أنها لم تفرق بينه وبين الأموال الأخرى فيما يتعلق بأحكام المدة الطويلة إلا من جهة واحدة، وهي تعيين المدة التي بمرورها لا تسمع الدعوى. فجعلت المدة بالنسبة للوقف والإرث ثلاثًا وثلاثين سنة، وبالنسبة للأموال الأخرى خمس عشرة سنة. وحينئذ فيمكن أن يقال إن الشريعة الغراء والقانون متفقان على أن لمرور الزمان تأثيرًا شرعيًا على وجود الوقف.
وحيث إنه فيما يتعلق بالمسألة الثانية، يقول المستأنف إن الأعيان الموقوفة لا تمتلك بمضي المدة المقررة في القانون، وإنما الحكم يكون على مقتضى لائحة المحاكم الشرعية التي قضت بأن في مسائل الوقف لا تسمع الدعوى إلا إذا مضى عليها ثلاث وثلاثون سنة، ولهذا فيكون الحكم الابتدائي قد أخطأ في تطبيق القانون.
وحيث إن نص المادة الرابعة عشرة من لائحة المحاكم الشرعية هي كما يأتي: «القضاة ممنوعون من سماع الدعاوى التي مضى عليها خمس عشرة سنة مع تمكن المدعي من المعرفة وعدم العذر الشرعي له في إقامتها إلا في الإرث والوقف، فإنه لا يمنع من سماعها إلا بعد ثلاث وثلاثين سنة... إلخ». وظاهر أن القضاة الذين أراد الشارع منعهم عن الحكم إنما هم القضاة الشرعيون، وهذا الحكم هو مستنبط من القاعدة الشرعية التي تخول للحاكم أن يحدد اختصاص القضاة بالزمان والمكان والموضوع. فالحكم المذكور هو حكم خاص جاء في لائحة مخصوصة لمحاكم مخصوصة وقضاة مخصوصين، ولا يصح مطلقًا أن قاضيًا تابعًا لنظام آخر يحكم في قضية من اختصاصه بمقتضى لائحة وضعت لقضاة آخرين. وبعبارة أخرى، إما أن تكون الدعوى المتعلقة بالوقف من اختصاص المحاكم الأهلية فتجري عليها أحكام القانون دون سواه، وإما أن تكون من اختصاص المحاكم الشرعية فتسري عليها الأحكام المدونة في لائحة المحاكم الشرعية دون سواها. ولكن في هذه الحالة الأخيرة ينبغي على المحاكم الأهلية أن تحكم بعدم اختصاصها وتترك للمحاكم الشرعية الحكم في الدعوى.
وحيث إن العمل على هذا المبدأ هو موافق للأصول العامة وبه يتحقق الاحترام الذي يستحقه على حد سواء النظامان القضائيان اللذان أوجدهما الشارع بجانب بعضهما نظام القضاء الأهلي ونظام القضاء الشرعي. ولو صح لإحدى السلطتين القضائيتين أن تترك قوانينها ولوائحها وتحكم بقوانين ولوائح أخرى، لنشأ عن ذلك تجاوز في حدود السلطة واختلاط في الاختصاص لا يكون من ورائه إلا الإخلال في المصلحة العامة.
وحيث إنه لا نزاع في اختصاص المحاكم الأهلية بنظر هذه الدعوى، لأن المادة السادسة عشرة من لائحة المحاكم الأهلية حكمها أن هذه المحاكم غير مختصة بالمنازعات المتعلقة بأصل الوقف، وينتج من ذلك أنها مختصة في فصل ما لم يكن متعلقًا بأصل الوقف، والنزاع يكون في أصل الوقف متى كان موضوعه الأركان والشروط اللازمة شرعًا لصحة وجوده، وليس في هذه الدعوى نزاع من هذا القبيل.
وحيث إنه متى تقرر أن حكم المادة الرابعة عشرة من لائحة المحاكم الشرعية هو خاص بالقضاء الشرعي، ولأنه لا يجوز في أي حال للمحاكم الأهلية تطبيقه، لم يبق إلا الحكم على مقتضى قانون المحاكم الأهلية.
وحيث إن القانون لم يميز بين الأعيان الموقوفة والأعيان غير الموقوفة بالنسبة للمدة اللازمة لامتلاكها، بل وضع في المادة ٧٦ حكمًا عامًا بأن الملكية والحقوق العينية تكتسب بوضع اليد مدة خمس سنين إذا وجد سبب صحيح، ومدة خمس عشرة سنة إذا لم يوجد سبب صحيح.
وحيث إنه بناءً على ما تقدم يكون المستأنف عليهما قد اكتسبتا الدار المتنازع فيها بمضي المدة.
فلهذه الأسباب
حكمت المحكمة حضوريًا بقبول الاستئناف شكلًا، وقررت في الموضوع بتأييد الحكم المستأنف، وألزمت المستأنف بالمصاريف.
هذا ما حكمت به المحكمة بجلستها العلنية المنعقدة في يوم الثلاثاء ٢٠ فبراير سنة ٩٠٠.
لتحميل ملف الحكم (هنا)
* حكم الوقف ومدته، جريدة الحقوق، عدد ١٢، السبت ٢١ أبريل سنة ١٩٠٠ - ٢١ الحجة سنة ١٣١٧ - ١٣ برمودة سنة ١٦١٤، السنة الخامسة عشرة.
يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.