موقع حوارات

موقع حوارات

شهدت المكتبة العربية في أوائل القرن الماضي ظهور لون جديد من التأليف الفقهي يختص بدراسة تاريخ الفقه الإسلامي نشأته وأدواره ومدارسه المختلفة، وهو لون محدث لا نجد له نظيرا لدى القدماء الذين لم يغفلوا عن التأريخ للفقه الإسلامي لكنهم لم يفردوا له مؤلفات مخصوصة، وإنما جاء منثورا في كتبهم ومصنفاتهم على اختلافها وخصوصا في كتب: مناقب الأئمة وأخبارهم وفضائلهم، وكتب الطبقات والتراجم، وكتب المذهب التي ألفها أنصار كل مذهب للذب عن مذاهبهم في مواجهة المذاهب الأخرى، وكتب الفهارس والبرامج والأثبات والمعاجم، وهي جميعا تتطرق إلى تاريخ الفقه تبعًا ولم تقصده قصدًا، وتعالج مسائل جزئية ولا تقدم إطارا شموليًا يبين المراحل التي مر بها الفقه، وربما يرجع ذلك إلى أن المسلمين حتى عهد قريب لم يعرفوا فكرة التأريخ للعلوم، كل علم على حدة.

نشأة علم تاريخ الفقه

عني المستشرقون الغربيون منذ وقت مبكر بدراسة الفقه الإسلامي ونشأته وتطوره، وكتبوا في ذلك كتابات كثيرة يمكن اعتبارها اللبنات الأولى للتأسيس لعلم تاريخ الفقه، ومن أبرز المستشرقين الذين أهتموا بذلك المستشرق الألماني إدوارد سخاو (ت: 1930) في بحثه (أقدم تاريخ للفقه الإسلامي) الصادر في فيينا عام 1870، والمستشرق المجري جولد تسيهر (ت: 1921) في بحوث ثلاثة له: أهل الظاهر، العقيدة والشريعة في الإسلام، مادة فقه في دائرة المعارف الإسلامية، وألويس شبرنجر (ت:1893) في كتابه (مخطط تاريخ تطور الشرع الإسلامي)، ومارجليوث (ت: 1940) في كتابه (التطور المبكر للمحمدية) وجوزيف شاخت (ت: 1969) في محاضراته التي نشرها بمجلة المشرق عام 1935 حول (تاريخ الفقه الإسلامي). وغالب هذه المؤلفات ينحو إلى الربط بين التشريع الإسلامي وبين القانون الروماني والزعم أن المسلمين تأثروا به بعد فتحهم لبعض البلدان الخاضعة للحكم الروماني، وإلى الادعاء بأن الفقه الإسلامي هو محصلة تطور تاريخي ولا يمت بمصدر إلهي.

أما على الصعيد الإسلامي فترجح المصادر التاريخية أن محمد الحسن الحجوي الثعالبي (ت: 1956) هو أول من صنف في هذا العلم باللغة العربية وذلك في كتابه (الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي) الذي نشر أولا في هيئة مقالات نشرت تباعا عام 1918، وتبعه الشيخ محمد الخضري بك في كتابه (تاريخ التشريع الإسلامي) الصادر في عام 1920، وتوالت بعدهما الكتابات ومنها: (خلاصة تاريخ التشريع الإسلامي) للشيخ عبد الوهاب خلاف (ت: 1956)، ومحاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي لمحمد يوسف موسى (ت:1963)، والمدخل لدراسة الفقه الإسلامي لمحمد مصطفى شلبي (ت:1997)، وقد كثر التأليف فيه بين المعاصرين[1] لأنه صار مادة تُدرس في كليات الشريعة والقانون فألف فيه بوفرة واستقرت مناهجه وموضوعاته[2].

المصنفات التأسيسية والموضوعات

كان للكتابات الأولى في تاريخ الفقه أثر ظاهر في الكتابات اللاحقة حتى ليمكن القول أن المصنفات الأخيرة تقتفي نهج المصنفات الأولى مع إضافات يسيرة، وفيما يأتي نقدم بيانا بأهم الكتابات التي أرست موضوعات ومناهج علم تاريخ الفقه، وهي كالآتي:

الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي للحجوي (1918)، وهو أول ما صنف في هذا العلم، وكان الباعث على كتابته سؤال يسأل فيه صاحبه عن كيفية نشأة الفقه الإسلامي إلى أن صار على ما هو عليه الآن فأجابه الحجوي بسلسلة محاضرات ألقاها في نادي الخطابة الأدبي بالمدرسة الثانوية بفاس في فبراير 1918[3]، ثم فكر في جمعها في كتاب وزاد عليها حتى بلغت صفحاته ألف صفحة، وقد قوبل الكتاب بترحاب واسع في حينه فقال فيه الطاهر بن عاشور: رأيت منه ما لا يأتي مثله إلا لعالم في الشريعة، وقال فيه الشيخ بن باديس: وإن كتابكم هذا هو أساس النهضة الفقهية في جامع القرويين المعمور[4]. وعلى أي حال فإن عمل الحجوي لم يخل من انتقادات، منها خروجه عن موضوع البحث أحيانا، وتقسيمه أطوار الفقه الإسلامي إلى طور الطفولية وطور الشباب وطور الكهولة وطور الشيخوخة، إذ لا يصح وصف الفقه بالطفولة، ويبدو تأصره في هذا التقسيم بابن خلدون الذي قاس أطوار الأمم والحضارات على أطوار الإنسان.

-تاريخ التشريع الاسلامي للخضري (1920)، وهو أحد أهم الكتابات في تاريخ الفقه وأكثرها نضجا واكتمالا، ومن الواضح أن الشيخ الخضري لم يكن يعلم بأمر كتاب الحجوي ولم يطلع عليه، إذ يذكر في مقدمته: أنه لم يحذ في كتابه حذو أحد سبقه في موضوعه، ثم أضاف أنه تأمل تاريخ الفقه الإسلامي فوجدها ستة أدوار لكل منها طابع خاص وهي؛ التشريع في عهد النبي، ثم عهد كبار الصحابة، ثم عهد صغار الصحابة والتابعين، والتشريع في العهد الذي صار فيه الفقه علما من العلوم ويمتد من أوائل القرن الثاني إلى نهاية القرن الثالث، والتشريع في عهد المسائل الفقهية والجدل وظهور المسائل الكثيرة وينتهي بسقوط بغداد وبعد ذلك بقليل في مصر، وأخيرا التشريع في عهد التقليد المحض ويمتد إلى العصر الراهن[5]، وفي جميع هذه الأدوار كان الخضري يفتتح بذكر الحالة السياسية لكل عهد ويعقب بذكر أهم الفقهاء الذين أثروا الحركة الفقهية.

-محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي ليوسف موسى (1954)، وهو سلسلة محاضرات ألقاها محمد يوسف موسى على طلبة معهد الدراسات العربية، رغم تأخره الزمني إلا أننا نعده من المصنفات التأسيسية المهمة، وقد اختط فيه مؤلفه منهجا خاصا إذ قسم تاريخ الفقه إلى دورين أساسيين، دور الصحابة والتابعين، ودور نشأة المذاهب الفقهية، وآثر النهج الموضوعي فقدم دراسة تاريخية تحليلية للفقه تخلو من التراجم- خلافا للحجوي والخضري-، وتجنب ذكر الحوادث السياسية وتأثيراتها على الحركة الفقهية، ويميزه كذلك اطلاعه على المنتج الاستشراقي بلغته الأجنبية، وتقديمه انتقادات لبعض الأفكار التي روج لها سخاو وجولد تسيهر بشأن نشأة الفقه الإسلامي[6]. وعلى أي حال فقد رسخ علم تاريخ الفقه في عصرنا الراهن، واستقرت مناهجه وموضوعاته وتقسيماته، إذ يبدو جليا أن تقسيم الشيخ الخضري بات هو التقسيم المتبع لدى الفقهاء المعاصرين، وبصفة إجمالية فإن موضوعات تاريخ الفقه تتضمن المسائل الآتية:

-معنى الشريعة والفقه، وحاجة الناس إلى التشريع، وخصائص التشريع الإسلامي. -التشريع في مرحلة ما قبل الإسلام. -التشريع في عصر الرسالة، ويتضمن أصول التشريع الإسلامي ومصادره وأساليبه. -التطور الفقهي والتشريعي في عهد الخلفاء الراشدين، ويتضمن طرائق الخلفاء في استنباط الأحكام الشرعية، ونماذج من اجتهاداتهم مع التركيز بوجه خاص على اجتهادات عمر رضي الله عنه. -الفقه في عصر التابعين وبداية ظهور المذاهب الفقهية في الحجاز والعراق، وبداية تدوين السنة. -الفقه في عصر ترسخ المذاهب الفقهية، ونشاط حركة التأليف الفقهي، وتبلور المنهجيات وظهور الاصطلاحات الفقهية. -الفقه في العصر الحديث، وضرورة استعادة الاجتهاد[7]. وبالجملة؛ يمكن القول أن علم تاريخ الفقه نشأ في بواكير القرن الماضي، وتأسس على يد الشيخين الحجوي والخضري، وتطور على يد الفقهاء اللاحقين حتى صار علما مستقرا في مناهجه وموضوعاته.

 

________________________

[1] ممن كتب فيه من الفقهاء المعاصرين: مناع القطان، عمر سليمان الأشقر، مصطفى الزرقا، عبد الكريم زيدان، محمد سعيد رمضان البوطي وغيرهم.

 

[2] فهد الرومي، فقه تاريخ الفقه، بيروت: مركز نماء للبحوث والدراسات، 2014، ص78-79. محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي الفاسي، الفكر السامي في تاريخ الفقه الإسلامي، الرباط، فاس:1340، ص1.

 

[3] [4] فهد الرومي، المرجع السابق، ص 77.

[5] محمد الخضري بك، تاريخ التشريع الإسلامي، دمشق:دار الفكر، ط8، 1967،ص 3-4.

 

[6] محمد يوسف موسى، محاضرات في تاريخ الفقه الإسلامي، القاهرة: معهد الدراسات العربية العالية، ج1 فقه الصحابة والتابعين، ص 21-25. [7] فهد الرومي، المرجع السابق، ص79-80.

 

مقال منشور على موقع إسلام أون لاين

 

“في الخامس من ديسمبر عام ۱۸۸۹م وصلت إلى العلامة المصري أحمد شفيق باشا رسالة من جمعية القانون المقارن بباريس تخبره باختياره عضوًا فيها، هذا ما رواه أحمد شفيق في الجزء الأول من كتابه «مذكراتي في نصف قرن» وأشار إلى أنه تلقى تهنئة على هذه الثقة العلمية من سمو الخديوي، لم أقرأ هذه المعلومة باعتبارها خبرًا يضيع في خضم آلاف الصفحات التي دبجتها يراعة أحمد شفيق في حولياته السياسية ذات الأجزاء العشرة، وفي مذكراته وأعماله بعد مذكراته، ولم أنظر إليها بعيدًا عن سياق علمي تطورت فيه الدراسات المقارنة في مصر، وتحركت في دوائر غير مسبوقة استوعبت المقارنة بين المذاهب، والمقارنة بين الأنظمة القانونية المختلفة، والمقارنة بين عائلات قانونية تباعدت أصولها وتباينت مصادرها، وساهم في ذلك أعلام كبار من أساتذة القانون المقارن الغربي منهم إدوارد لامبير، وريمون سالي، وليفي أولمان.”

نُشرت الورقة على موقع مركز نهوض للدراسات بتاريخ 19 إبريل 2022

رابط مباشر لتحميل البحث كاملًا

ورقة بحثية للدكتور عبد الحميد البعلي يتناول فيها مفهوم الهوية الإسلامية وخصوصيتها، ويتطرق إلى ركائز برنامج الإصلاح في الاقتصاد الإسلامي، وسبل الإصلاح المتضمنة فيه، وفيما يلي ملخص البحث المنشور في العدد التاسع من مجلة القانون الكويتية العالمية …

_______

ملخص البحث:

مما لا شك فيه أن موضوع الهُوية وليس الهَويّة من الموضوعات التي يجب أن تحظى باهتمام العلماء والمواثيق الدولية، وذلك كموضوع متفرد ومستقل وذلك:
لأهميته: العلمية والعملية والتربوية، وتزداد هذه الأهمية في عصر العولمة وتزاحم الثقافات وغياب المنهج الشامل الهادي إلى الصواب والرشاد، وتحقيق قيم ثلاث هي : الحب والخير والسلام.
ومما لا شك أيضاً: وبمعيار استقراء التاريخ، والموضوعية والتجرد، والعقل فإن: «الهُوية الإسلامية» في حقيقتها المنهجية هي المرشحة لتحمل هذه المسؤولية في الهداية والرشاد وتحقيق القيم.
إذا وعى أهلها حقيقة دورهم، وأعدوا لذلك عدته.
وعالمية الإسلام بهُويته المتميزة، والإقرار بها ولها في المحافل الدولية المعتبرة، يظل الاعتزاز بها مصدر إلهام وهداية للناس أجمعين، وهذه العالمية هي جوهر:
1– الهُوية الإسلامية، ومن ثم كذلك هي الجوهر في ترسيخ مفهوم «الحق في الخصوصية» – والإيمان بضرورة:
أ – توفير الحماية اللازمة لذلك الحق.
ب – إبراز قواعد وضمانات وآليات هذه الحماية.
جـ – منع الاعتداءات على الحق في الخصوصية في صورها كافة.
د – مواجهة التحديات المستجدة للحق في الخصوصية. وذلك كله طبقاً لخصوصية الهُوية الإسلامية وحقيقتها وثوابتها وخصائصها الجوهرية.
ومما يؤكد هذا الاتجاه وحقيّتة أننا نجد:
– تطابقاً في معنى كلٍ من الهُوية، والخصوصية، والحق فيها، على نحو ما هو مبسوط في البحث ومن ثم الخلوص إلى الحق في الخصوصية المستمدة من الهُوية وقائمة عليها.
فالحق مع الخصوصية، وكلاهما مع الهُوية، يؤكد هذا التطابق في المعنى اللغوي.
فيقال أضاع فلان هُويته : لأن هذه الكلمة جِيء بها نسبةً إلى «هُوَ» ولهذا كان الصواب أن يقال هُويَّة: وليس هَويَّة من هَوَى.
فالهُوية: حقيقية الشيء أو الشخص التي تميزه عن غيره، وتبرز خصوصيته وما يختص وينفرد به ويميزه عن غيره من الأشخاص أو الأشياء.
وكذلك الحق: فإنه اختصاص حاجز، يخوِّل صاحبه دون غيره مصلحة ما أو منافع.
والخلاصة عندنا: أن الهُويَّة تقوم على التشخيص المتميز عن الأغيار، أي الخصوصية والحق فيها، ومن ثم فلكل هُويَّة حقائقها، وخصائصها الجوهرية أو خصوصيتها سواء بالنسبة للفرد أو للجماعة.
وقدمنا الأدلة العلمية على ذلك.
فالهُويَّة إدراك الفرد لذاته، وتوحده مع وضع اجتماعي معين، أو تراث ثقافي معين، ومن ثم يمكن الحديث عن هُويَّة الجماعة بمعنى الإدراك المشترك بين جماعة من الناس، وهكذا ينطوي مفهوم الهُويَّة على خاصية ثابتة ومستمرة للفرد أو الجماعة، وتشخيص الحقيقة الشاملة المشتركة التي تساعد على إدراك الذات، وتوحدها مع أوضاع معينة تبرز حقائقها وخصائصها الجوهرية.
والهوية الإسلامية بمكوناتها الثلاثة مجتمعة من:
1 – حقيقة الإسلام وشريعته التي تميزه عن غيره، (أي نظمه المتعددة والمتنوعة والمتكاملة والمترابطة في العبادات والمعاملات والآداب والأخلاق).
2 – الصفات والخصائص الشرعية الجوهرية للمسلمين.
على ما يقرر الفقهاء: كابن عابدين وابن رشد وغيرهما ويقول ابن القيم رحمه الله: «وقاعدة الشرعية التي لا يجوز هدمها أن المقاصد والاعتقادات معتبرة في التقربات والعبادات فالقصد والنية والاعتقاد يجعل الشيء حلالاً أو حراماً، صحيحاً أو فاسداً».
وهنا يجب أن يتوقف القانون الوضعي لينظر كيف ربط المنهج الإسلامي وفقهاؤه (ربطاً محكماً دقيقاً في عبقرية فذّة إصلاحية) بين السلوك الخارجي والقصد والنية: السلوك الخارجي المتمثل في التصرفات والعادات والتقربات والعبادات، وبين القصد والنية وأن الأخيرة معتبرة في الأولى اعتباراً موضوعياً يجعلها أي (التصرفات والعادات) صحيحة أو فاسدة، ومن ثم حلالاً أو حراماً طاعة أو معصية.
3 – الإسلام والمسلمون في تفاعلهم مع الواقع التاريخي عبر حضارتهم والواقع المعاصر وتعايشهم معه بخصائصهم وصفاتهم الشرعية الجوهرية واندماجهم في مواكبة العصر الذي يعيشونه، وهكذا وتأسيساً على هذه الركائز الثلاث: يتضح أن الهُويَّة الإسلامية إذ يتبناها الأفراد والدولة والأمة تشكل حقوقاً من الخصوصية، تتفاعل في تكامل وفي تناغم تام، ومن ثم شعور بالاعتزاز والتميز.
وهنا تبرز حقيقة الربط بين الخصوصية الفردية والجماعية، فما جاء به محمد¤ وما أعطيه هو هُويَّة لأمته، مؤكِّدة لخصوصيتها، جديرة بالحماية والاحترام بل والتقدير، وهذا هو من جواهر الهُويَّة لخصوصيته.
الخصوصية الفردية والخصوصية الجماعية:
وعلى هذا فكما تكون الهُويَّة هنا بمعنى الخصوصية: لصيقة بالشخص، تكون كذلك لصيقة بالمجموع، وهو ما عبّر عنه علماء الأصول بمثله فيما يسمونه « بالواجب الكفائي» و «الواجب العيني»، والواجب الكفائي هو ما طلبه الشارع من مجموع المكلفين لا من جميعهم، وعبّر عنه الإمام الشافعي أبلغ تعبير وأروعه بقوله: «مطلوب على العموم ومراد به وجه الخصوص».
كما عبّر عنه الإمام الشاطبي بكلام نفيس فقال: «إن القيام بذلك الفرض قيام بمصلحة عامة مطالبون بسدِّها على الجملة».
وترتيباً على ذلك وتأسيساً عليه فإن مفهوم الهُويَّة ينطوي على خاصية ثابتة ومستمرة للفرد والجماعة، ومن ثم فإن حقوق الأفراد تستخلص من هُوياتهم، وهكذا نستطيع القول بأنه:
1 – لا يمكن الحديث عن الحق في الخصوصية للأفراد ما لم نحدِّد هوياتهم التي ينتمون إليها بنظمها وقواعدها وثقافاتهم المختلفة الاجتماعية وغيرها أي أن: حقوق الأفراد تستخلص من هُوياتهم بنظمها وشرائعها.
2 – أن الهُويَّة الإسلامية استطاعت وتمكنت من صياغة منظومة فريدة «تمتزج فيها الخصوصية الفردية مع الخصوصية الجماعية» في تكامل وتناغم غير مسبوقين حتى الآن، فبدت قادرة على تحقيق «المصلحة أو المصالح المشتركة» لكليهما معاً:
« الخصوصية الفردية والخصوصية الجماعية « على أساس نظام مُحكم ودقيق ومنضبط بضوابط وقواعد الإسلام بشريعته وفقهها.
وهذه المنظومة أسست لحضارة بيضاء بالنسبة لغيرها، سادت أكثر من نصف كرة الأرض في أقل من خمسين عاماً، كفلت وحمت حقوق جميع الأفراد، والأمم والشعوب التي انضوت تحت هُويتها، وحفظت وحافظت على خصوصياتهم كذلك.
ولعلّ هذا هو ما يجب أن نربي عليه أبناءنا في هذه الكلية، لأننا ندرك بعمق بأننا بحاجة ماسة وقوية إلى تخريج جيل جديد يحترم حق المواطنة، وحق الحفاظ والحفظ لمصلحة المجموع ويحافظ عليها بكل ما تدل عليه من معنى.
وهذا هو المدخل الصحيح والسريع للإصلاح المنشود على مر العصور والعهود.
وتأسيساً على ذلك لقد كدت أصل إلى تأسيس فكرة «الحق في الخصوصية» على «نظرية الهُويَّة»، إذ الخصوصية كما تكون لصيقة بالفرد تكون لصيقة بالجماعة، وهو ما يعبّر عنه بالهُويَّة، وذلك بالمقارنة والمقاربة مع الواجب الكفائي عند علماء الأصول.
وبذلك سبق علماء الإسلام ما قاله فلاسفة الفلسفة المثالية على الأخص «توماس غرين» فيلسوف الفلسفة السياسية، وما قاله بالنسبة للفرد والمجتمع والحرية والحقوق: «أنه بدون المجتمع لا أفراد وبنفس القدر من الصحة فإنه بدون الأفراد .. لا يمكن أن يكون هناك هذا المجتمع الذي نعرفه، وأنه لا وجود للحقوق بمعزل عن المجتمع ويقول في ذلك :»لا يمكن أن يكون هناك حق بدون وعي أعضاء المجتمع بوجود مصلحة مشتركة»
وهذا مما سبق إليه على نحو أعم وأشمل وأعمق علماء الإسلام على نحو ما سبق.
وهكذا يتضح أن الهُويَّة الإسلامية تلتصق بالأفراد والدولة والأمة في تكامل وتناغم تام، وشعور بالاعتزاز والتميز، مما يعزز الترابط والوحدة بين أبناء الإسلام في كل مكان من الأرض. ومما يسِّهل إلى حد كبير من طرق حلّ الخلافات وتسوية النزاعات بينهم بل يوجب ذلك.
فهل نحن فاعلون ؟؟؟!!! اللهم أمين
– الثوابت والمتغيرات في الهُويَّة والصعوبات من الإشكاليات والتحديات والتهديدات على السواء:
أولاً- الأسس والدعائم:
الثوابت والمتغيرات في الهُويَّة والصعوبات التي تواجه خصوصية الهُويَّة من إشكاليات وتحديّات بل وتهديدات على السواء:
مما لا شك فيه أن الحق في خصوصية الهُويَّة الإسلامية يقوم على مجموعة من الثوابت والأسس والدعائم من أهمها: العدل كفريضة وضرورة حياتية وإنسانية وقيمة إسلامية عليا محايدة، أي بغض النظر عن الجنس أو اللون أو اللغة أو الجنسية أو الانتماء أو الثقافة ….. إلخ، وكالتكافل من التضامن والرعاية، وعلاقة التكافل تقيم نسيج المجتمع، فالأموال عَهْدُ استخلاف في الأموال والثروات ينفقها حيث أمر الله سبحانه وتعالى .
لذلك أضيف مصطلح المال في القرآن إلى الله وإلى الإنسان: وعند إضافته إلى الإنسان كانت الإضافة إلى ضمير الجمع في أكثر آيات القرآن الكريم، مما استوقف نظر الإمام محمد عبده متأملاً دلالتها فقال: «إن الله سبحانه قد أراد أن ينبه بذلك على تكافل الأمة في حقوقها ومصالحها فكأنه يقول: «إن مال كل واحد منكم هو مال أمتكم».
والإنفاق في الإسلام لا يعني الصدقة وحدها، بل مطلق توظيف المال واستثماره، في ميادين النفع والتكافل العام.
وعمر بن عبد العزيز رضي الله عنه صّور التكافل الاجتماعي على أرض الواقع أجمل صورة وأزهى تطبيق، حتى كانت الصدقات لا تجد من يأخذها، وفي ذلك حديث يحيى بن سعيد الأنصاري ُدرّة في حبين الزمان، حيث قال: «بعثني عمر بن عبد العزيز (رضي الله عنه) على صدقات أفريقيا فاقتضيتها، وطلبت فقراء نعطيها لهم فلم نجد، ولم نجد من يأخذها مني». (سيرة عمر بن عبد العزيز لابن عبد الحكم ولابن الجوزي).
وسطية الأمة، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وقد قال القرطبي في ذلك: «أجمع المسلمون فيما ذكره ابن عبد البر أن المنكر واجب تغييره على كل من قدر عليه».
والمساواة في تكافؤ الفرص المتاحة في مختلف الميادين: حتى يكون التفاوت ثمرة للجهد والطاقة والتقوى كمعيار للتفاضل والتمايز، وهي معنى جامع لعمل المعروف وتجنب المنكر.
هذا فضلاً عن المتغيرات في أسس ودعائم الهُويَّة الإسلامية، كالاجتهاد وتغير الفتوى: والاجتهاد كالجهاد من جَهد وبذل تمام الطاقة في تحصيل الحكم الشرعي من مصادره، ويلزم في الاجتهاد مراعاة واقع البلاد والعباد ومصالحهم، وفي ذلك دعوة للاجتهاد الجماعي شبه المفتقد.
ووضوح الثوابت لدى الهُويَّة يمنحها القدرة على استيعاب المتغيرات.
ثانياً- الإشكاليات والتحديات:
على الرغم من كل ذلك فهناك صعوبات تواجه خصوصية الهُويَّة، وهو ما تناولناه تحت عنوان إشكاليات وتحديات وتهديدات تواجه خصوصية ومن أهمها:
– إشكاليات الوسائل والأدوات التي نستطيع أن نوفرها في عالم اليوم، لتحقيق وترسيخ الهُويَّة ومواجهة التخلف بجميع أشكاله التقنية والمعلوماتية والاتصالية، وإشكالية ضعف العامل التربوي الإسلامي.
– إشكالية عالمية الخطاب الإسلامي وفنونه ومتطلباته، ومراعاة الاختلاف بين الناس، وضرورة التدرج في معاملاتهم والرفق في البلاغ .
وذلك على الرغم من الإشكالات التي وجدت لها الهُويَّة الإسلامية حلولاً مثل: علاقة المسلم بغير المسلم عموماً، وداخل الوطن الواحد خصوصاً، والمعاهدات الدولية مع غير المسلمين.
هذا من ناحية نماذج من إشكاليات الهُويَّة. أما من ناحية تحديات الهُويَّة فمن أهمها: الاستشراق، فضلاً عن أن الصورة الغربية عن الهُويَّة الإسلامية لا تأخذ مرجعيتها الأساسية إلا من خلال الاستشراق.
ومن أهم التحديات كذلك:
– الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البلدان الإسلامية.
– الأخذ بمبدأ التقنين والتوسع فيه.
– التوسع في الدراسات الفقهية المقارنة.
– منهجية التعامل مع الاختلافات الفقهية.
– القانون الإسلامي بكل فنونه ومجالاته ونطاق تطبيقه.
– وأخيراً يجب العمل بحرص شديد، ودأب مستمر، على تطهير ثقافتنا من كل دخيل ومكذوب.
بل إنني أقول: إن هناك تهديدات للهُويَّة الإسلامية، ومن ثم وجوب انطلاق تيار التجديد دون إبطاء.
ومن أهم التهديدات كذلك: التعصب المذهبي وفتنة الحداثة، والتفكك، والتنازع، والوطنية والإقليمية والتبعية الثقافية، وما لكل ذلك من آثار مدمرة للهُويَّة ومؤثرة أبلغ تأثير على الخصوصية والحق فيها في هذه الهوية، مع التنبيه إلى أن اتصال الثقافات ليس تبعية، والإعلام والثقافة باعتبارهما وجهين لشيء واحد.
ثالثاً- انبعاث تيار التجديد في ملامح الهُويَّة الإسلامية:
وكل هذه الإشكاليات والتحديات والتهديدات من أهم عوامل انبعاث تيار التجديد في ملامح الهُويَّة الإسلامية وتحقيق الأمن الاجتماعي والسلم الجماعي:
الأمن الاجتماعي بكل صوره وأشكاله: الاقتصادي والثقافي والفكري والأخلاقي، وسلام الإنسان مع نفسه ومع غيره، من عدم الاعتداء بكل أشكاله على النفس والمال والعرض والدين، والالتزام بحسن المعاملة مع الآخرين والحكمة والموعظة الحسنة والمجادلة بالتي هي أحسن.
ومن ثم الارتباط الوثيق بين الأمن الاجتماعي الداخلي، والأمن الجماعي الدولي، والقدرة على التعايش مع الآخرين، بل وإسعادهم، مما ينعكس إيجابياً على خصوصيات الهُويَّة في علاج مشكلات التنمية الشاملة التي تعيش في نطاق مأزق النظام الرأسمالي وتناقضاته: من التضخم الركودي، وأن دعاة تحرير السوق أنفسهم يفرضون قيوداً حمائية لتجارتهم، وهم بذلك يشوّهون ما يدعون إليه من السوق الحرة، والحقيقة المرَّة أن هذه الأوضاع الاقتصادية الصعبة تفرض نفسها قضاءً على الدول النامية والعربية نتيجة تشابك الأوضاع الاقتصادية الدولية والتبعية أيضاً، وأن كل فرد يدرك أن ذلك هو الحاصل فعلاً، لكن أحداً لا يريد أن يواجه هذه الحقيقة.
رابعاً- ضرورة التنادي للاقتصاد الإسلامي:
كل ذلك مما سبق سرده يجعل التنادي للاقتصاد الإسلامي، والمؤسسات المالية الإسلامية ضرورة لا مفر منها، والدور المنشود وبرامج الإصلاح الاقتصادي فيه، وذلك في ظل وسياق مجموعة من الأطر الضرورية وهي:
1 – ففي إطار التركيز على تقوية احتمالات البقاء، قبل التفكير في حلم النماء، (فإن الدول التي انهارت كانت أفضل حالاً مما نحن عليه الآن).
2 – وفي إطار مقولة ميردال: «إن الملكية الخاصة ليست الأكفأ، والملكية العامة الأقل كفاءة»، فإن الكفاءة تتوقف على البيئة الاقتصادية والاجتماعية وما يسودها من قيم حاكمة ومعنى ذلك: أن آليات السوق واقتصاد السوق والحرية الاقتصادية ليست هي التي تخرج السوق من الركود إلى الرواج، وتعمل على تزايد النماء الاقتصادي وإعادة هيكلة الاقتصاد.
وإنما – كما يشير قول ميردال إلى أن – آليات السوق الحرة تجعل التقدم يؤدي إلى مزيد من التقدم، كما تجعل التخلف يؤدي إلى المزيد من التخلف.
3 – تصبح المشكلة الحقيقة: ليست فيما هو ممكن اقتصادياً بل فيما هو مقبول ومشروع اعتقادياً وسلوكياً واجتماعياً وأخلاقياً ومن ثم اقتصادياً. فالتدهور الأخلاقي المتمثل في الجريمة والمخدرات والتفكك الأسري أساس التدهور الاقتصادي.
4 – وفي إطار الفصل بين ما هو تحديث وإصلاح للناس أجمعين، وما هو تغريب وتبعية: في سياق كل هذه الأطر يعمل الاقتصاد الإسلامي ومؤسساته، ومن ثم يكون التنادي له ضرورة لا مفر منها.

_____________________________

رابط تحميل مباشر للبحث

مقال للدكتور محمد كمال الدين إمام رحمه الله كتبه في افتتاحية مجلة المسلم المعاصر عدد رقم (130) تحدث فيه عن الشورى في الإسلام، معناها وموقعها من النظام السياسي والاجتماعي في الإسلام، وتعرض لمسألة حكم إلزاميتها، ومدى حجيتها وأساليبها، ومجالاتها.

رابط للتحميل المباشر للبحث

بحث للدكتور حسين حامد حسان رحمه الله بعنوان “مقاصد الشريعة والعقود المالية أيهما أهم المعاني أم المباني؟” بدأه بالحديث عن مقاصد الشريعة الإسلامية وطرق إثباتها ومناهج الاستدلال بها، وخصائصها، قبل أن ينتقل في الفصل الأول إلى بيان دور المقاصد الشرعية في تفسير النصوص والحكم على تصرفات المكلفين، ثم أورد في الفصل الثاني تطبيقات على فقه المقاصد الشرعية، فتناول عددًا من المقاصد مثل: سد الذريعة وفتحها، والمنع من التحيل على إبطال الأحكام الشرعية، وأصل بقاء الحالة على ما وقعت عليه، وغيرها من المقاصد.

رابط تحميل مباشر للبحث

مراجعة لكتاب “الدين في الديمقراطية- مسارات العلمنة” الصادر عن المنظمة العربية للترجمة عام 2007، من تأليف مارسريل غوشيه، وترجمة شفيق محسن، قام بها الباحث عبد الكريم عنيات، ونُشرت في العدد الثالث من دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية.

وأوضحت الورقة أن السؤال الرئيس للكتاب المذكور يتمثل في مدى إمكانية الفصل بين روح الدين وروح الديمقراطية فصلا تامًا في عالمنا المعاصر.

رابط مباشر لتحميل القراءة

ورقة للدكتور محمد سليم العوا نُشرت في مجلة كلية التربية بجامعة الملك سعود عام 1977، يتطرق فيها للظاهرة التي لفتت الأنظار حينذاك حيث تزايد الاتجاه بين المشتغلين بالقانون -تشريعًا وفقهًا- إلى الإفادة من الفكر القانوني الإسلامي في مجالات متعددة، وعلى رأسها المجال الجنائي، وقد أثمر هذا الاتجاه على إقامة عدد من الندوات اهتمت بالتشريع الجنائي الإسلامي.

اقتصر العوا في هذه الورقة أثناء تحليله للنتائج الأولى لهذا الإنتاج العلمي على خمسة مباديء أساسية للتشريع الإسلامي، وهي

1- الصبغة الدينية للتشريع الجنائي الإسلامي.

2- العلاقة بين القاعدة القانونية والقيم الأخلاقية.

3- مبدأ -أو قاعدة- الشريعة “لا جريمة ولا عقوبة بغير نص”.

4- مبدأ عدم رجعية التشريع الجنائي إلى الماضي.

5- المساواة أمام النصوص الجنائية.

رابط تحميل مباشر للدراسة

يناقش هذا البحث للباحث بدر السحيم مدى تطبيق تشريع مصرفي إسلامي لدى النظم العَلمانية تحديداً، عبر النظر في تشريعاتها العالية والعادية والفرعية، وأهمية التشريعات الإسلامية لمثل هذه الأنظمة المصرفية باتت متزايدة، مع صعوبة إدخال الدِّين في تشريعاتها مقارنة بالأنظمة المصرفية العالمية الأخرى، حيث تهدف الدراسة إلى معرفة أنواع التشريعات المصرفية المطبقة بأنظمتها في الدول العَلمانية، وتوثيق أهم المحاولات التي تم رصدها خلال الفترة الماضية لدى النظم العَلمانية المخففة “کأمريکا وترکيا” ذات الطابع الرأسمالي، والنظم العَلمانية المشددة “کفرنسا والصين” ذات الطابع الاشتراکي، والمعوقات الواردة على کل تشريع مصرفي بتجربته، مع توثيق الإجراءات التشريعية المتخذة في کل بلد، والتطبيقات التي حالت دون تواجده السليم، حيث کانت لکل مدرسة تشريعية طريقة خاصة في تعاملها مع المصارف الإسلامية، تميزها عن غيرها رغم تشابه النظام العَلماني ظاهرياً، مما نتج عن هذا الاختلاف الدقيق تفاوت في التطبيق والتشريع المصرفي الإسلامي المتبع، لذا حرص البحث على تجلية مثل هذه الفروق التشريعية المصرفية بين البلدان الاقتصادية الکبرى، بغية الوصول لمعالجات تضمن حسن التطبيق لتشريع مصرفي إسلامي لديها، مستخدماً لذلک المنهج المسحي والاستقرائي لنصوص التشريع والوقائع المثبتة، مقارناً بين أقدم التطبيقات التي يمکن القياس عليها والمتشابهة فيما بينها، وقد حاولت الدراسة إيجاد صيغة داخلية توافقية، وتعاون مصرفي خارج إقليمها العَلماني؛ استجابة للأحداث التجارية المتسارعة التي تجريها هذه الدول بتشريعاتها المصرفية الحالية مع مناطق الدول الاقتصادية الأخرى، وکذا محاولة وضع مبادئ قانونية لتشريع مصرفي إسلامي موائم لمثل هذه النظم العَلمانية.

نُشر هذا البحث في العدد رقم (29) من مجلة الشريعة والقانون التي تصدر عن كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر

رابط للتحميل المباشر

فصل بعنوان “الدولة العربية في عصر ما بعد العلمانية” للدكتور ساري حنفي ضمن كتاب “الدولة العربية القوية والضعيفة: المآلات بعد الانتفاضات العربية” من إصدارت الدار العربية للعلوم ناشرون عام 2019، وتحرير كل من: طارق متري وساري حنفي .

يقول الدكتور ساري حنفي في مقدمة دراسته:

“لقد اجتاحت إيديولوجية علمانية متطرفة كثيرًا من الدول، وكان لا بد من الانتظار إلى بداية التسعينيات من القرن الماضي للتحدث بصوت عال عن التحول من مرحلة العلمانية إلى مرحلة ما بعد العلمانية وانبعاث عصر التعددية. على حين أن العلمنة، بمفهومها أنها فصل السياسي عن الديني، لا تزال تمثل مسارًا مهمًا جدًا نحو الديمقراطية والحداثة، فإن هذه العملية تحتاج إلى أشكلة على أساس التنظيرات الحديثة لما هو مدرسة ما بعد علمانية من أجل تحريرها من بعض شوائبها وأمراضها. في هذا الفصل أتساءل ما هو الشكل المناسب لعلمنة الدولة العربية، إن كانت دولة قوية أم ضعيفة؟ سوف أظهر في هذا الفصل مستوحيًا من أعمال يورجن هابرماس وتشارلز تايلر ووليام كونولي وخوسيه كازانوفا أننا في مرحلة “ما بعد العلمانية” وخاصة مكانة الدين في الديمقراطية وفي المجال العام.
إننا أمام إمكانيات للعلمنة في العالم العربي ولكنها مرتبطة بأنماط التدين هناك. وثمة علاقة جدلية بين مفهومي نمط التدين والعلمنة الذي ركز عليه مشروع عزمي بشارة. لقد بينت الانتفاضات العربية أنها حملت من خلال مطالبات ناشطيها في الحرية والديمقراطية والعدالة الاجتماعية، قيمًا معرفية جديدة كالنقاش حول الدولة المدنية وتطوير مفهوم المواطنة.
في هذه الدراسة سأظهر تطور علم اجتماع الدين في اتجاهات مختلفة، مع تسليط الضوء على أزمة نظرية العلمنة وانبعاث عصر التعددية وما بعد العلمانية. سأسير على النحو التالي:
1- أسلط الضوء على إن المجتمع ما بعد العلماني يحتاج إلى نظرية كمجتمع يتعامل مع ثلاث تحديات: مكانة الدين في مجتمع متعدد الأعراق والثقافات يتطلب إدارة من قبل الدولة، وبروز الدين في المجال العام، وأخيرًا المداولات في المجال العام في ضوء النيو ليبرالية.
2- سأقترح مقاربتين للتعامل مع هذه التحديات من قبل اثنين من الفلاسفة المعاصرين: تشارلو تايلور وميف كوك.
3- سأنتقل إلى خصائص مجتمع ما بعد العلمانية في العالم العربي مع تسليط الضوء على أربعة أنماط من التدين وكيف يتفاعلون مع ما أسميه طريق العلمانية العربي لأنتهي بكشف ردود الفعل على مجتمع ما بعد العلمانية، وخاصة كيف خلقت الانتفاضات العربية أجواء مواتية لنشوء حركات إسلامية جديدة تنتمي لاتجاه ما بعد الإسلامية والتي تدفع أو تتعايش مع سياقات علمانية متدرجة.
تستند هذه الدراسة على:
أولًا: مراجعة الأدبيات حول تطور علم اجتماع الدين عالميا وعربيًا.
ثانيًا: تحليل مضمون استطلاعات للرأي في العالم العربي حول علاقة متغير التدين بالمواقف السياسية والاجتماعية.

رابط تحميل مباشر للدراسة


الدراسة متاحة على حساب الدكتور ساري حنفي بموقع الجامعة الأمريكية ببيروت

مقال للدكتورة فاطمة حافظ منشور في موقع إسلام أون لاين

شكل نشوء الدولة الحديثة حدثا مفصليا في العالم الإسلامي تغيرت معه كثير من المفاهيم واختفت معه الأنظمة والأنساق التي حكمت وسادت لقرون وحلت أخرى محلها، وعلى سبيل المثال فالنظام القانوني الذي استند إلى الشريعة الإسلامية وحكم المسلمين وغيرهم لم يعد قائمًا مع التوجه صوب اقتباس القوانين الوضعية الأوروبية ووضعها موضع التطبيق في مصر والدولة العثمانية بحجة وجود صعوبات تكتنف صوغ الفقه الإسلامي في صورة قانونية عصرية، وقد نتج عن هذا الانقلاب القانوني إشكالات عديدة؛ بعضها يتعلق بعدم ملائمة هذه القوانين للبيئة الاجتماعية وعوائدها فالقانون المدني المصري جعل الزوجة تنفق على زوجها بل تنفق على زوجة أبي زوجها، وبعضها الآخر يتعلق بإشكاليات الصياغة القانونية والتبويب وعيوب التطبيق المتسرع[1]. وعلى هذا تصاعدت الدعوات الرامية إلى إحياء الفقه الإسلامي وتجديده وقد رفع لواءها نفر من الفقهاء والمشرعين وفي مقدمتهم عبد الرازق السنهوري (1895-1971) المشرع المصري المعروف.

مشروع السنهوري الفكري

ولد عبد الرازق السنهوري في الإسكندرية عام 1895 وتلقى تعليما مدنيا حديثا لكنه مبكر قرأ في وقت مبكر درر التراث العربي كالأغاني والعقد الفريد والأمالي، ثم التحق بمدرسة الحقوق وسافر إلى فرنسا في مطالع العشرينيات ليدرس القانون المقارن والغريب أنه تقدم برسالتين لنيل درجة الدكتوراه أحداها حول العقود ورسالة ثانية حول الخلافة الإسلامية لم يكن مطالبا بها ليدحض أطروحة على عبد الرازق حول عدم اشتمال الإسلام على نظام سياسي خاص به واقتصاره على الشئون الدينية، وعقب عودته تدرج في المناصب حتى تولى عمادة كلية الحقوق ورئاسة مجلس الدولة، كما كان أحد المساهمين البارزين في وضع القانون المدني في مصر وعدد من البلدان العربية. ومنذ العشرينيات أخذ مشروعه الفكري في التبلور والتمحور حول فكرتين مركزيتين: الأولى إمكانية التوفيق بين الإسلام ومنتجات الحداثة الغربية وأفكارها، فلم ير بأسا في تأييد فكرة الديمقراطية أو اقتباس بعض التنظيمات الغربية وإكسابها لبوسا إسلامية كدعوته إلى إنشاء عصبة أمم شرقية على غرار عصبة الأمم الدولية لتحل بديلا عن مؤسسة الخلافة الكلاسيكية، وكان يعتقد أن هذا هو الشرط الوحيد لاستمرارها في ظل عصر تبدلت فيه المفاهيم والكيانات وقواعد وأطر العلاقات الدولية. أما الفكرة الثانية فهي ضرورة إحياء الفقه الإسلامي وتجديده ليصبح مصدرا رئيسا للقانون في الدولة؛ وبحسب السنهوري فإن ثمة علاقة تربط الاستقلال السياسي بالاستقلال القانوني؛ فحين أفقدتنا الإمبريالية الغربية استقلانا السياسي تبع ذلك فقدان استقلالنا القانوني بالتوجه نحو اقتباس القوانين الغربية، وبالتالي فإن واجبنا في عهد الاستقلال أن نستقل بتشريعنا عن التشريع الغربي “فلا نبقى عيالا على الفقه الغربي”، وخير الوسائل للوصول إلى هذه الغاية هي العودة إلى تراث أجدادنا الفقهي الذي لا يقل عن القانون الروماني في الصناعة وجودة الصياغة، لكنه يحذر من أن هذا العمل ينبغي أن يكون في منطقه وصياغته “فقها إسلاميا خالصا لا مجرد محاكاة للقوانين الغربية” وذلك لما لاحظه من أن بعض المشتغلين بالقانون يعمدون إلى إيراد النصوص القانونية ثم يحاولون إخراجها على النصوص الإسلامية.

عوامل التطور الفقهي

ناقش السنهوري في كثير من مؤلفاته خصائص الفقه التي تسمح له بالتطور ليصبح مدونة قانونية عصرية، وأول هذه الخصائص هي أن الاحكام الفقهية تنقسم إلى قسمين رئيسيين: أحكام دينية وأحكام دنيوية أو عبادات ومعاملات حسب الاصطلاح الفقهي؛ فالأحكام الدنيوية تختص بتنظيم العلاقة بين العبد وخالقه وهذه لا تتغير ولا ينبغي لها أن تتطور لأن الخالق أزلي أبدي لا يجوز عليه التغيير ولا التبديل فالعلاقة بينه جل شأنه وبين العبد ثابتة. أما الأحكام الدنيوية فتختص بتنظيم العلاقات بين الأفراد بعضهم البعض وتنظيم شئون الدولة وعلاقاتها بالأفراد، وهي فما يرى السنهوري لها خاصيتان الأولى أنها تنزل على حكم العقل وتبنى على المصلحة، فالعقل هو الذي يحدد ما هي المصلحة ونحن نبني عليه العلم لأن العلم اجتماعيا كان أو طبيعيا لا يُدرك إلا بالعقل، ولأجل هذا استشار النبي صلوات الله عليه أصحابه في تدبير الشئون الدنيوية لأنها قائمة على العقل. والثانية أنها تتطور مع الزمان والمكان فهي تابعة للتطور الاجتماعي وللعلم، وقد تطورت هذه الأحكام بالفعل في زمان النبي صلى الله عليه وسلم، فقد آخى بين المهاجرين والأنصار وكان لهذه المؤاخاة من الأثر القانوني ما يجعل الأخوين يتوارثان، واستمر العمل بها فترة، فلما تغيرت الظروف الاقتصادية للمهاجرين -حسبما يقول- أبطل النبي صلى الله عليه وسلم سنة المؤاخاة واستقل كلٌ بماله “فانظر كيف يتطور التشريع من عمل إلى إبطال، ومن خلق نسب قانوني إلى الرجوع إلى النسب الطبيعي وذلك تمشيا مع التطور الاقتصادي، وتبعا لما تقتضيه الظروف، وتلمسا للمصلحة في النظم التي تُقرر”[2]. أما الخاصية الثانية التي تكفل تطور الفقه فهي الإجماع، وبحسب السنهوري فإن هناك “مصادر عليا للتشريع الإسلامي” هي الكتاب والسنة، ولما كانت الأحكام الدنيوية تتطور باستمرار وكان لابد من انقطاع الوحي بقبض الرسول بات محتما أن يكون لدى المسلمين مصدر ثالث يضمن تطور الأحكام وهذا ما كفله الإجماع الذي يتخذ معنى “القانون” إذا توافق المجتهدون على رأي معين في زمن معين.

الفقه وإعادة الهيكلة

تبرهن الخاصيتان السابقتان على قابلية الفقه للتجدد لكن هذا لا يعني حتما إمكانية تحوله إلى مصدر للقانون أو مدونة قانونية، ولذلك يفترض السنهوري أن هناك مسئولية تقع على عاتق المشتغلين بالقانون لتقريب الفقه من القانون، وهو ما يتطلب أولا إعادة تسمية الفقه تسمية جديدة أكثر دلالة في التعبير عن مضمونه ويقترح له اسم “القانون الإسلامي” ، ويتطلب ثانيا إعادة هيكلته وفق أسس جديدة بحيث تتسع دائرته فلا تقتصر على أبواب المعاملات أو ما يطلق عليه الدائرة القانونية للفقه وإنما يضاف إليها علم أصول الفقه وبعض مباحث من علم الكلام تتعلق بالإمامة. وليقسم “القانون الإسلامي” بعد ذلك تقسيما حديثا إلى قانون عام وقانون خاص؛ فالقانون الخاص يشمل القواعد التي تضبط علاقات الأفراد بعضهم البعض، ويتضمن أبواب المعاملات والأحوال الشخصية، أما القانون العام فيشمل قواعد وحدود السلطات العامة في الدولة، وبهذا التقسيم يكون الفقه قد رتب ترتيبا أقرب إلى المدنية الحديثة وأكثر انطباقا على النظم القانونية المعاصرة، ولا يغرب عن بال السنهوري التوكيد على أنه “لا يُراد بهذا التقسيم أن تندمج الشريعة الإسلامية في القانون الحديث وأن تفقد استقلالها، وإنما يراد بهذا تسهيل المقارنة بين الشيئين، وفتح باب لترقية الشريعة الإسلامية بحيث تتمشى مع القانون الحديث في تقدمه”[3]. وإذا كانت مقترحات السنهوري لم تعرف طريقها نحو التطبيق لدواعي عديدة إلا أنها وجدت أنصارا لها بين المفكرين الأزهريين الذين آمنوا بجدواها وجعلوها جزءا من أطروحاتهم التجديدية بعد أن أضافوا إليها ونذكر من بينهم محمد يوسف موسى وفتحي عثمان، ولازالت هذه المقترحات تجد صداها لدى المعاصرين.

___________________________

[1] عبد الرازق السنهوري، الوسيط في شرح القانون المدني، بيروت: دار إحياء التراث العربي، د/ت، ج1 ، ص7.
[2] عبد الرازق السنهوري، الدين والدولة في الإسلام، القاهرة: مجلة المحاماة الشرعية، ع1، جمادى الأولى 1348هـ ، ص 8-9.
[3] نفس المرجع السابق، ص10.