موقع حوارات

موقع حوارات

يتعامل رجل القانون دائما مع نصوص، سواء بالنسبة لعمله النظري والتفسيري، وبالنسبة لممارسته التطبيقية في القضاء والإفتاء؛ لأنه دائما يتعامل مع مبادئ وقواعد مصوغة في عبارات عامة، كما أنه يتعامل مع وقائع وأحداث جرت وتمت ويتلقاها هو في صياغات خبرية، فهو في الأغلب الأعم لا يتعامل مع الحدث إبان حدوثه ولا مع الواقعة في حال جريانها، ولكنه يتعامل معها عند الإخبار عنها بعد تمامها، ويكون التحقق من صواب الإخبار عنها جزءا من عمله، وذلك في مجال عمله التطبيقي وتكون غاية عمله التطبيقي هي إنزال أحكام النصوص المصوغة في مبادئ وقواعد عامة على ما أخبر به الواقع من أحداث ونوازل معينة، وذلك لتقرير المركز القانوني الشرعي لمن تلحقهم آثار الحدث بعد تمامه.

فثمة قاعدة عامة ومبدأ عام مصوغ في نصوص وهو ما نسميه التشريع أو القاعدة القانونية، وثمة إخبار بواقع حادث صيغ في نصوص أيضا، وهو ما نسميه الدليل الذي تحكمه قواعد الإثبات، ولكن شتان ما بين النوعين من النصوص من حيث الطبيعة ومن حيث طرائق التعامل مع كل منهما، وإن منهج التعامل مع النص يختلف حسب طبيعته وما أعد من أجله، تشريعيا كان هذا النص أو إخباريا يتعلق بوزن الدليل على ثبوت الوقائع.

والنص عامة هو عبارات محددة بألفاظها يراد بها معنى من المعاني، وهو عبارات مكتوبة أو مروية تثبت برسمها ويتناقلها الناس بحرفها، وإن المتلقي لها يستخلص منها دلالات فكرية حول معنى من المعاني ويرتب عليها النتائج، بمعنى أنها تشكل صيغة من العبارات المحددة بكلمات وألفاظ تفيد معاني وتنتقل إلى الناس بالقراءة أو بالسماع، وهم يتعاملون معها ويتفاعلون معها، وهنا يرد الفارق الأساسي في النصوص، بين ما يمكن أن نسميه “النص التشريعي” الذي يتعلق بمبادئ وقواعد عامة، وبين ما نسميه هنا “النص الإخباري” أو النص التاريخي الذي يتعلق بذكر واقعة أو حادث، ويقوم به دليل على ثبوتها أو نفيها.

النص التشريعي يتشكل في صورة نموذج قابل للتكرار بموجب طبيعته وبمقتضى أصل وظيفته المؤداة أو المقصود تأديتها، وهو آمر بشيء أو ناه عن شيء أو مرتب لأثر ونتيجة على فعل أو مقدمة. والنص الإخباري أو التاريخي يتشكل في صورة إخبار عن واقعة أو حادثة نزلت من وقائع الزمان الماضي أو الحاضر أو يمثل قولا عنها أو تعليقا عليها فهو مثبت لوجوه ممارسة، وهو ذكر نازلة أو بيان موقف عيني أو فعل لبشر أو قول لبشر. ولكل من هذين النوعين أساليب مختلفة ومناهج متباينة في التعامل.

وجوه تفهم النص التشريعي

النص التشريعي نص معد لكي يحكم تصرفات الناس بعد صدوره، سواء أكانت معاملات كبيع وزواج أو سلوكيات كصلاة وصوم أو عقوبات، وهو بأصل وجوده نص “متعد” وليس مجرد نص “لازم” بالمعنى اللغوي لهذين المفهومين، أي أنه نص لا ينفذ على مصدره فقط ولا تقتصر دلالته في شأن من أصدره ولا تنحصر دلالته في محتوى عيني له، إنما هو دائما يتعدى إلى الغير، بل إن المقصود من إصداره هو أن يتعدى إلى الغير ويحكم أنشطتهم.

والنص التشريعي يصدر في الحاضر، أي في الزمان الذي يصدر فيه، فلا ترد دلالته ولا أثره على الماضي الذي تم وجرى قبله، وذلك سواء أكان نصا تشريعيا إلهيا ورد بالقرآن الكريم “وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا”، وكذلك: “… إلا ما قد سلف”، بمعنى أن النص المحرم لزواج معين لا يسري على ما سلف من زيجات مخالفة له، سواء أكان كذلك أو كان نصا تشريعيا وضعيا ورد في قوانين الدولة “مبدأ عدم رجعية القوانين”. فهو دائما نص “قبلي”، أي يصدر قبل ما يتعامل معه من أحداث، من حيث استخلاص مفاده مما هو تال لصدروه وخاضع لمجاله، ومن حيث تطبيق دلالته على ما يعقبه.

بينما النص الإخباري هو نص تاريخي، أي أنه ابن زمن حدوثه، فهو نص لازم يتعلق بما أورد من وقائع وأحداث، لا يتعدى إلى وقائع وأحداث غير ما ورد به، ولا يحكم أحداثا أو أشخاصا غير من اشتملهم ببيانه، وهو من جهة أخرى يصدر في الحاضر الذي صيغ فيه، وتنصرف آثاره ودلالته إلى الماضي الذي سجله، والذي يكون تم من قبل، فهو نص عيني تنحصر دلالته ومفاداته على ما شمله من واقعه ومن شملهم من أشخاص، وهو نص “بعدي”، أي أنه نتج وصدر بعد الحدث الذي يدل عليه، وليس شأنه في ذلك شأن النص التشريعي الذي يصدر قبل الحدث الذي يدل عليه.

وهذه الفروق في طبيعة كل من النصين أنتجت فروقا كبيرة فيما يتعلق بمنهج تناول أي منهما وطريقة التعامل معه، ونحن في عملنا القانوني التطبيقي ننزل حكما واردا بنص تشريعي على واقعة أو تصرف وارد بنص إخباري.

النص التشريعي هو نص نموذج، ودلالته معدة لكي تكون قابلة للتكرار، وآثاره معدة لتكون عابرة للزمن، لذلك يتضمن القدر اللازم من التعميم والتجريد، وأن يصدق على الأفعال المشار إليها فيه بأوصافها لا بأعيانها، وأن يصدق على الأفراد الذين يلحقهم حكمه بأوصافهم لا بذواتهم، ومن هنا كان أول درس يتلقاه طالب الحقوق عن نظرية القانون هو أن القاعدة القانونية لا بد أن تكون عامة ومجردة، بمعنى أنه يتعين أن تعالج بطريقة تجعلها تسري على الأحداث والأشخاص بموجب ما يتوافر في أي من ذلك من وصف موضوعي، والنص هنا هو حكم يتعلق بأمر أو نهي أو بوضع مثل “كلما جرى كذا وجب أن يحدث كذا”، فهو يضع شرطا لتصرف أو يرتب نتيجة على تصرف، بغض النظر عن ذوات الأفراد وعينيات الأفعال.

والنص التشريعي بذلك يصوغ نموذجا قابلا للتكرار، وإن لم تكن فيه هذه القابلية فهو لن يكون نصا تشريعيا، وهو لن يكون كذلك إلا باشتماله على عنصر يتوافر مع توالي الزمن وتكراره، وأن يكون عنصرا حاضرا في الأزمان التالية، يؤثر في غيره ويتأثر به، مثل “إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه”، “إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير”، ومثل ما يرد بالقانون الوضعي “كل من اختلس منقولا مملوكا لغيره فهو سارق”، “يعاقب بالحبس مع الشغل على السرقات التي تحصل في مكان مسكون”، “لا يجوز أن تزيد ملكية الشخص من الأراضي الزراعية على خمسين فدانا”، “كل عقد يترتب عليه مخالفة هذا الحكم يعتبر باطلا”، “كل خطأ سبب ضررا للغير يلزم من ارتكبه بالتعويض، عن الضرر الذي لحق بالمضرور”.

النص هنا صيغ صياغة تجعله نموذجا لحالة وليس حالة بعينها، وهو بحسبانه نموذجا يكون قابلا للتكرار على كل ما يحدث من وقائع وتكون اتصفت بالأوصاف والأوضاع الواردة بالنص، ونحن عندما نتعامل مع مثل هذه النصوص يقابلنا نوعان من الأسئلة، نوع ينظر إلى عبارات النص وألفاظه أي إلى هيكل النموذج المعد وسمته ورسمه، ونوع آخر ينظر إلى الوقائع أو التصرفات أو الحالات التي تعرض على النص، أي إلى المادة التي سيتعامل معها النموذج.

ففي النوع الأول من الأسئلة، عن تحريم القرآن الكريم للخمر، يقابلنا السؤال عما هو الخمر وما هو الميسر وما هو الرجس وما هو الاجتناب، وفي قانون العقوبات يقابلنا السؤال عما هو الاختلاس، ما هو المنقول وما هو المملوك ومن هو الغير، وفي قانون الإصلاح الزراعي يقابلنا السؤال عمن هو الشخص وما هي الملكية وما هي الأرض الزراعية، وكلها من أسئلة النوع الأول التي تتعلق بدلالات ألفاظ النص وعباراته، وباستنباط ذلك من المعاني اللغوية ومن المعاني الاصطلاحية التي يعبر بها أهل كل علم أو حرفة، وكذلك مما جرت به أعراف التعامل والتفاهم بين الناس في كل صقع أو زمان، ونحن في إدراك هذه المعاني نكون ما زلنا نقف عند حدود نص جامد نتفهم دلالته في ذاته فقط، سواء باستنباط المعاني من مقتضياتها أو باستقراء دلالتها من سوابق ما اشتملت عليه من حالات.

أما النوع الثاني فهو ينظر إلى الواقع الحادث، أي الواقع الذي جد وحدث بعد صدور النص التشريعي وينظر إلى ما يعتمل في هذا الواقع وليس إلى العبارات في ذاتها، لذلك تكون أسئلته أسئلة عينية تتعلق بالحالات التي يراد إنزال حكم النص عليها، وهي حالات مفردة أو ظواهر مخصوصة طرأت من بعد، وأسئلته هي من نوع: هل المادة السائلة التي أمامنا هي خمر، وهل الذبيحة التي نشاهدها كانت ميتة قبل حز السكين أم أثناء ذلك أم بعده، وهل الأرض المشار إليها مملوكة وهل هي زراعية وما مساحتها ومن مالكها، إلى آخر هذه الأوصاف التي نستخلصها من الواقع المحسوس المحدد في كل حالة على حدة، أو من خلال ظواهر مخصوصة جدت ونريد أن نعرف في أي مركز شرعي أو قانوني يتعين أن نضعها.

وجه الثبات في النص

هذان النوعان من الأسئلة ومن وجوه النظر هما طرفا عملية تفهم النص التشريعي، وهذان الموضوعان ليسا منفصلين أحدهما عن الآخر، إنما هما متفاعلان يشكلان منهجا واحدا في فهم النص واستدعاء معناه مطبقا على حالة معينة أو حالات مخصوصة، وإن ما نسميه تفسيرا للنص التشريعي أو اجتهادا في فهم دلالته أو فقه أحكامه، إنما يتعلق بهذه العملية مطبقة على حالة أو حالات معينة، أو أنه استخراج لمعاني النص التشريعي منظورا في فهمه إلى سوابق أعماله على الحالات التي طبق بشأنها، وفي كلمة: فإن التفسير هو تحريك النص الثابت على الواقع المتنوع والمتعدد الحالات، وهو ما يصل بين ما تتناهى ألفاظه وعباراته في ذاتها، بما لا تتناهى حالاته في تنوعها وتعددها وإحداثها وتغيرها.

والنص التشريعي بذاته، أو بألفاظه وعباراته، هو دائما نص محافظ، وسواء أكان نصا قديما أو جديدا، وسواء أكان نصا ورد في كتاب سماوي لا يلحقه التغيير والتبديل لوروده من خارج الزمان والمكان، أو كان وضعيا يضعه الناس في كل حين ليحكم ما يتراءى لهم من شئون دنياهم في كل زمان ومكان، هو نص محافظ لأن وظيفته التشريعية أن يحكم واقعا يطرأ بعده، وأن يلزم حركة الواقع من بعد صدوره لكي تكون محكومة به غير خارجة عن ضوابطه ولو لم يرد به حاكموه الواقع التالي عليه ما كان يصدر أصلا، وحتى النص الوضعي الذي يصدره الناس لتغيير أوضاع في نظم حياتهم ومعاملاتهم حتى هذا النص الذي قصد به تغيير البيئة الاجتماعية القائمة عند صدوره، فهو أيضا له وجهة محافظة ترد إليه مما يحمل من أحكام ثابتة وما يفرضه من ذلك على واقع تال، بأشخاصه وعلاقاته.

وإذا كان ذوو الفكر الوضعي الفلسفي يستكثرون أن يحكموا بمبادئ الشريعة الإسلامية، لأنها تشمل نصوصا وردت في مصادر تشريعية أبلغت للناس من ألف وخمسمائة سنة، أو من قبل ذلك كما في أديان سابقة أخرى، فإن من النصوص الوضعية في البلاد الغربية والتي تبنت الفلسفة الوضعية في التشريع، إن منها ما يعود إلى مائتي سنة مثل القانون المدني الفرنسي الذي صدر أيام حكم نابليون فرنسا، ومنها سوابق تشريعية قضائية عرفتها بريطانيا مثلا من مئات السنين، ومجموعات القوانين التي صدرت في مصر سنة 1883 بعضها ظل يعمل لسبعين سنة تقريبا، مثل القانون المدني القديم الآخذ من القانون المختلط الصادر في 1875، وهو الآخذ من القانون الفرنسي وبعضها بهذه المصادر ذاتها ظل يعمل من بعد عشرات السنين في مصر مثل القانون التجاري والقانون البحري. وعاصر كل ذلك – سواء في فرنسا وإيطاليا أو في مصر – نظما سياسية ودستورية واقتصادية ومستويات تطور في الأساليب التقنية ومذاهب فكرية وثقافية وعادات عيش ونظم عمل، عاصر في كل ذلك من التغييرات ما لا يقل حجمه ولا وزنه وأثره ما حدث في العالم على مدى القرون السابقة، وعرف في بلادنا نظم احتلال أجنبي ونظم استبداد وديمقراطية ونظما رأسمالية واشتراكية، عاصر كل ما يعرفه القارئ من تطور وتغير في عشرات من السنين كثيفة الأحداث مزدحمة الوقائع متغيرة العلاقات متنوعة الثقافات.

النص والواقع المتغير

هذا عن وجه الثبات في النص التشريعي، وأما ما يتعلق بتعامله مع الواقع المتغير فإن هذا الوجه من وجوه منهج التفسير هو ما يكسب النص الثابت حركيته وفاعليته، وذلك بالخاصية الأولى التي ذكرتها، وهي أن النص معد في صياغته لأن يتجاوز زمن صدوره بما يلاحق ما يستجد من حالات، وهو معد لأن يتجاوز حدود ألفاظه لكي ينسحب على حالات ذات تنوع، وكل ذلك يجري بمناهج عقلية اجتهد رجال المنطق وعلماء أصول الفقه وفقهاء التفسير لأن يضعوا لها الضوابط والحدود.

لقد وضعت مناهج لتفسير النص التشريعي بما يمكن من تطبيقه على الواقع المتغير وعلى الحالات المتنوعة، ولهذا الأمر مناهجه في الفقه الغربي، مما ينقسم إلى مدارس ومذاهب، فيقال مدرسة الشرح على المتون والمدرسة التاريخية والمدرسة الاجتماعية وغير ذلك، وأساس الخلاف بينها في ضبط المنهج يتعلق بثبات النص ومحدودية معانيه الواردة بألفاظه وعباراته وبتغير وقائع الزمان والمكان وتنوع الحالات.. وفي فقه الشريعة الإسلامية وضعت مصادر لاستخراج الأحكام مثل القياس وضوابطه الذي يضيف إلى الحالات المنصوص عليها حالات أخرى وكذلك المصالح المرسلة التي تشغل من المجالات ما يقع بين المأمور به والمنهي عنه وما يقارب كلا منهما، وكذلك الاستصحاب والاستحسان لمن يقول به وغير ذلك، كما وضعوا مذاهب في تخريج الأحكام من خلال عباراتها ولاستقراء القواعد الشرعية العامة من الأحكام التفصيلية إدراكا للمقاصد العامة الهادية في التفسير وغير ذلك، ولا أريد أن أزيد في أمر يدخل بنا إلى ما يخرجنا عن السياق العام الذي نحاول رسم خطوطه العامة.

والذي أريد أن أشير إليه في هذا الحديث أن النص التشريعي له اتصال مباشر بزمان التطبيق، وليس بزمان الإصدار فقط، بل إن اتصاله بزمان التطبيق أكثر وثوقا من اتصاله بزمان الإصدار، ونحن كلما أعملنا حكمه في حالة عرضت في لحظة زمانية ما.. كان هذا النص ليس ابن الزمن الذي صدر فيه بقدر ما يكون ابن الزمن الذي أعمل فيه؛ لأنه ليس ماضيا ولى، ولكنه حاضر في هذا الزمن الذي نزلت فيه النازلة التي استدعت تطبيقه عليها، وإن أي واقعة تحدث في تاريخ معين يمكن أن تتجمع في حكمها مجموعة من النصوص وليس نصا واحدا فقط، فواقعة قتل شخص مثلا في سنة 2007 يحكمها قانون العقوبات الصادر في 1937 بالنسبة للجريمة وقانون الميراث الصادر في 1943 بالنسبة لواقعة الإرث واقتسام المال الموروث، وقوانين المعاشات والتأمينات الصادرة في 1975 مثلا أو ما بعدها بالنسبة لما يصرف لأولاده القصر وزوجته من معاش.

وهكذا، وكل من هذه القوانين صدر في وقت مختلف عن وقت صدور الآخر، ولكنها تجتمع في حكم الواقعة بصرف النظر عن تاريخ صدور كل منها، وهي تجتمع على ذات المستوى من الفاعلية بحسبانها كلها قوانين الحاضر بالنسبة للواقعة التي حدثت في 2007 مثلا، وأن أحكامها بحسبانها من “حاضر الواقعة” تتداخل في التفسير وتبين الدلالات.

وهذا النص التشريعي يتجدد تطبيقه وتتجدد دلالاته، وهو بتنوع الحالات التي تعرض له في التطبيق تغتني معانيه وما يستفاد منه من أحكام، وإنه مثل الكائن الحي الذي تكسبه الحركة والتعامل خصوبة وخبرة وثراء في الأثر والدلالات، وفي العمل القانوني التطبيقي نلحظ نصوصا تصير ثرية جدا وخصبة جدا في معانيها، ويمكن أن يوضع في تفسيرها ما لا يكاد يحصى من الشروح، نلحظ ذلك مع طول المعايشة في العمل التطبيقي حتى في داخل القانون الواحد، وذلك بسبب كثرة تعامل الناس بما يخضع لها من أحكام، نتيجة أوضاع اجتماعية أو ثقافية أو اقتصادية، والكثرة تفيد التنوع وكثرة التداخل بين الأنشطة وتستثير الالتباس والعمل على إعادة الضبط والتحديد، وتستثير الأذهان لتبيين الضوابط والفروق وتحديد الآثار المترتبة على الوقائع والتصرفات.

وعلى سبيل المثال، فإن الدستور المصري الذي صدر في سنة 1923 فيه مواد استغرقت جهودا هائلة في تفسيرها، وكان ذلك يعود إلى الصراع السياسي المحتدم إبان سريان الدستور بين أنصار التوسعة في الحركة الشعبية وبين أنصار التوسعة في سلطات الدولة والملك مثل المادة 15 الخاصة بحرية الصحافة، والمادة الخاصة بتنظيم الاجتماعات، وثمة نصوص ترد في كتب الشرح والمجموعات القانونية تسرد سردا مجردا، فلا يكاد يلتفت إليها، مثل المادتين 16 و17 الخاصتين بالتعليم في الدستور ذاته، وعلى سبيل المثال أيضا، أذكر منذ سنوات بداية عملي في مجلس الدولة في شبابي في النصف الثاني من القرن العشرين، كانت ترد إلينا في إدارة الفتوى بالمجلس المشاكل القانونية الخاصة بتطبيق قانون الإصلاح الزراعي وتحديد ما يستولى عليه لدى كبار الملاك، فكانت هناك نصوص تخضع لضغط كثيف في التطبيق من كثرة المشاكل وتنوع الحالات التي تعرض وهي النصوص الخاصة بما تستولي عليه الحكومة من الأرض وما تسمح للمالك باستبقائه وما يعتبر مملوكا للمالك وما لا يعتبر مملوكا، مثل المادتين 3 و4 من القانون 178 لسنة 1952 وما يليه، وكان ثمة مادتان لا يكاد يفطن إليهما قارئ القانون وهما المادتان 22 و23 منه الخاصتان بالحد الأدنى للملكية الزراعية وعدم جواز تفتيتها لأقل من فدانين وعدم جواز التجزئة لأن المتعاملين جميعا ابتعدوا عنها ولم يلتفتوا إليها ويكاد ألا يكون أحد طلب تطبيقها.

أردت بذلك كله أن أشير إلى أن النص التشريعي لا يتصل بزمان صدوره فقط، ولكنه يكاد يولد يوميا مع كل حادث أو تصرف يقتضي استدعاء حكم هذا النص، ويعتبر عنصرا من عناصر الحاضر، حاضر الواقعة الحادثة أو التصرف الصادر مما يخضع لمجال انطباق النص التشريعي.

النص الإخباري وحقيقته

أما النص الإخباري فهو يثبت حدثا أو ينبئ به، سواء أكان الحدث واقعة مادية أو كلاما قيل أو كتبا أو علاقة ظهرت أو أمرا تنظيميا جرى، أو كان شيئا من ذلك تغير وتعدل، هو واقعة أو فعل لبشر أو قول لبشر، على أن يتعين أن نلحظ أن النص الإخباري المعني هذا ليس هو فقط الواقعة التي نزلت وليس فقط العمل الذي مورس، ولكنه أيضا “الإخبار” بأي من ذلك بالكتابة أو بالرواية أو بأي صورة من صور التناقل أو التداول لما حدث.

فنحن هنا إزاء واقعة حدثت وحفظها بعد حدوثها ذكرها أو الإخبار عنها، ويتعين أن نتأمل في هذا الشأن، فإن الواقعة في بذاتها كان من شأن حدوثها أن تستوعب وتمتص فيما حولها من وقائع وأحداث وأن يذهب بها ويطمسها من بعد ما يتلوها من وقائع وأحداث تتلوها وتزيلها أو تغيرها أو تتراكم عليها بما يطمس تفردها وتبينها بحسبانها حدثا متميزا منظورا إليه في ذاته. ولكن ذكر الواقعة أو الإخبار عنها ثبتها أولا، فصار هذا الذكر لها أو الإخبار بها مما يبقي النبأ عنها حتى بعد زوالها أو استيعابها في غيرها مما يجري حولها أو يتلوها. ثم إن هذا الذكر لها أو الإخبار بها يحملها بالتناقل خارج محيط حدوثها، سواء في داخل الزمان الذي وقعت فيه إلى غير من تعاملوا مع وقوعها تأثيرا فيها وتأثرا بها، أو إلى خارج زمان حدوثها كله.

ونحن يتعين أن نتنبه هنا إلى أن ما تنوقل، أي ما تجاوز محيط حدوثه مكانيا أو زمانيا، ليس الحدث ذاته واقعة أو تصرفا، ولكن الإخبار عنه هو ما تنوقل وتجاوز محيطه الزماني أو المكاني، وهذا الفارق فارق جوهري، وهذا الفارق وضعنا مباشرة في صميم “نظرية المعرفة” التي تعتبر بابا من أبواب الفلسفة وعلومها، وهي ببساطة تتعرض للمسألة الفلسفية الخاصة بطبيعة المعرفة البشرية للموجودات الكائنة خارج الإدراك البشري وحدود هذه المعرفة ومدى مصداقيتها، ولكننا لا نتكلم في هذا المجال الفلسفي، وإنما نعرض لفكرة التمييز بين الواقعة أو الفعل كما حدث في ذاته وفي سياق ما أحاط به من أحداث سابقة ولاحقة ومواكبة، وبين إدراك الواقعة أو الفعل لدى من أثبتها ونقلها، أي لدى المخبر عنها حسبما صيغت لديه في نص كلام مكتوب أو مروي، وهنا ندخل في مجال نظرية الإثبات في القانون فيما يتعلق بالشهادة والإقرار وتبيين القرائن وغير ذلك، ولكنني هنا لا أتكلم في هذا المجال المتسع الأرجاء المتعدد الوجوه، إنما أتكلم فقط فيما يخص الفرق الأساسي بين ما يشكل نصا إخباريا وبين النص التشريعي، أتكلم عما يخص هذا الفرق من زاوية واحدة تتعلق بمناحي استخراج الدلالات وما يفيد في ذلك.

والأصل في الإخبار عن الحدث أن يكون لصيقا به ولا يجاوزه، وإن كان الحاصل أيضا أنه يتضمن أثرا أسبغه عليه من تحول على يديه الحدث إلى الخبر بالإدراك له وبالنقل، وهو أثر يرد من إنشاء الخبر وذكره، وهو أثر يحتمل قدرا من التحوير والتغيير، بالإضافة إليه أو بالاجتزاء منه أو بالتبعيض له بذكر بعض مظاهره دون بعض، فما لا يعتبر لدى كثيرين مما يكمل الحدث، قد يعتبر لدى آخرين أجزاء متممة ومكلمة له وأن تكون من مقتضاه، كانتقال مال من يد شخص إلى يد شخص، يخبر بها معزولة عما يكملها من اتفاق أو أفعال غصب أو غير ذلك، والأمر أحيانا يدق فلا تكون الزيادة أو النقصان أو الاجتزاء مقصودة ممن أخبر بالحادث ولكنها تكون بسبب عدم تبين المخبر أو بسبب أن تكوينه العقلي المسبق وتجاربه السابقة لم تمكنه من استيعاب جملة ما يعتبر من أجزاء الحدث أو متمماته، مصداق ذلك ما ورد بالقرآن الكريم “أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى” (البقرة الآية 282).

ثم هناك التشكل العقلي والثقافي وما يولده نوع الخبرات المتراكمة لدى من ينشئ الخبر أو ينقله بما يجعل المخبر يسبغ على الحدث من أحكامه أو تقاريره أو أوصافه التعبيرية ما يتحول به الحدث على يديه إلى الإخبار عنه وصياغته في نص. فمثلا واقعة أن جماعة من الناس تجمعت في الطرق وصارت تهتف هتافا ما، فهذا حدث، ولكن الإخبار عنه قد يورد له وصفا، فهو انتفاضة أو ثورة أو فتنة أو تمرد شعب أو غير ذلك، وهذا الوصف هو ما أضافه الخبر إلى الحدث عندما صار نصا، وهو يحمل أثرا واضحا لمن نقل الحدث وحوله إلى خبر.

النص الإخباري وخصائصه

إن النص في هذه الحالة يكون وسيلة للإخبار بحدث، هو إدخال للحدث في صيغة كلامية من صيغ التعبير بالكتابة أو المشافهة، وهو في ذلك يحمل وصفا للحدث، وصفا ممن تولى صياغة الإخبار به، حسبما ذكر في الفقرة السابقة، فثمة عدد من الخصائص للنص الإخباري (أو النص التاريخي) وهي خصائص لصيقة به لا تكاد تنفك عنه، ومنها:

أولا: أنه نص يتعلق بحدث سابق عليه، أي أنه نص يكون معبرا ومخبرا عن حدث سابق، ومن ثم يكون نصا تاريخيا لأن وجود الخبر يقيد دائما وقوع المخبر عنه وأنه قد مضى.

والأحداث نوعان من حيث الزمان: نوع فوري الحدوث، أي يحدث بدءا وتماما في ذات اللحظة بما يصعب معه في تعاملات الناس الفصل الزمني بين البدء والتمام، مثل الصور المعروفة عن تعبير الشخص الطبيعي عن إرادته القانونية أو أي قول يصدر من شخص معين أو قتل إنسان أو ضربه، ونوع ممتد يستغرق زمانا يدركه الناس في معاملاتهم العادية، مثل القرار الإداري المركب الذي يتشارك في إصداره عدد من الجهات أو المجالس أو المؤسسات، ومثل أحداث التاريخ عامة كحرب مثلا أو عملية انتخابات لمجلس تشريعي تستغرق شهرا أو شهرين، فالغالب فيها أنها أحداث ممتدة زمانيا وليست من نوع ما يبدأ وينتهي في لحظته، إنما هي تبدأ وتستمر في التشابك وسط صراعات ومجادلات بين قوى عديدة، متعارضة أو متخالفة أو تتخلق في مراحل التشكل حتى يكون تمام اكتمالها هو تمام انتهائها وبداية ما ولدت من آثار، ويكفي أن نضرب مثالا على ذلك بحادث حرب أو حادث ثورة أو حادث بناء نظام سياسي.

وأن النص أو النصوص التي تخبر عن أي من الأحداث سواء أكانت أحداثا فورية أو ممتدة إنما تكون مما يخبر عن ماض تنبئ به وتصفه، ووصف الحدث عند ذكره يبدو في الغالب الأعم من الحالات لا مندوحة عنه، لأن الوصف يلتبس بالتعبير عن الحدوث، فأخذ المال من شخص إلى شخص لا يعبر عنه بهذا اللفظ إلا في النزر اليسير من الحالات، إنما يقال أعطى أو استولى أو استرد أو تقاضى أو منح أو استلم، والغالب من هذه الألفاظ أنها تحمل ظلالا من معان تعبر عن رضاء أو كره فضلا عن لفظ اقتحم أو اغتصب أو غير ذلك، والمهم هنا أننا نتعرض لحدث مفرد، ومهما كان له أو صار له من متشابهات فإنه معين بذاته وليس نمطا متكررا، أو بمعنى أدق ليس المقصود عند الإخبار عنه ذكر جنس له أو نوع، إنما المقصود إفراده بذاته بما ينبئ عنه ويبينه، ولذلك فإن من يتكلم عنه أو يبحثه أو يتعامل معه بأي من وجوه التعامل إنما يتعين أن يدخل إليه في ماضيه وينظر إليه ويستبينه في بيئته وفي سياقه الذي حدث فيه وتفاعل معه.

وهذا ما يفترق به تماما النص التشريعي عن النص الإخباري أو التاريخي من حيث الطبيعة والخصائص ومناهج التعامل معه، النص التشريعي نتفهمه في سياق ما يتلوه من وقائع، والنص الإخباري نتفهمه في سياق ماضيه وما واكب نزوله.

ثانيا: النص الإخباري بوصفه صيغة لإثبات حدث مضى أو تبيينه، يرتكز في مصداقيته على وسائل التحقيق لأدلة الإثبات للوقائع والتصرفات، أو لمنهاج التحقيق التاريخي للأحداث، ووسائل التحقيق والإثبات في مجال الحقوق والقانون معروفة للوالجين في مجال هذا العلم بفروعه المدنية والإدارية والجنائية، كما أن مناهج تحقيق الأحداث العامة والتاريخية معروفة لذويها، وفيها نقد الرواة الذين تناقلوا ذكر الحدث ونقد الوثائق والمستندات التي دلت عليه واشتملت على ذكره في مدوناتها.

ودلائل الثبوت هنا تتراوح في القوة والضعف، كما تتراوح في نسبية الدليل ومدى حجيته، وفي مجال الحقوق فإن الفروق معروفة في الحجية وطبقا لمداها بين الإقرار على النفس أو الشهادة على الغير أو القرائن بدرجاتها المتباينة، وفي مجال علوم الاجتماع والتاريخ فإن ذكر الوقائع والأحداث يتوافر لها كذلك في الحجية ما يتراءى من مدى حياد المصدر أو انحيازه ومدى مصداقيته، فيما عرف عنه ومدى ضبطه في التثبت، وتتقوى دلالة الثبوت وتضعف وفق ما يتبين في هذا الصدد.

ومن ناحية أخرى أهم، فإنه متى ثبت حدوث الفعل، فيستحيل بعد ذلك إلغاؤه أو نفيه، لأنه فعل مضى وانتهى، ويستحيل إلغاء الماضي كما يستحيل تغيير وقائعه وأحداثه أو تعديل ما وقع.

والنص التشريعي يخالف النص الإخباري (أو النص التاريخي) في هذا المجال من طرفيه، فالنص التشريعي يحتاج للإقرار بقيامه ووجوده إلى درجة أو حد أدنى من اليقين في ثبوت لا يمكن النزول عنها، وإلا انتفى النص التشريعي، لأنه لا يمكن أن يتحاكم الناس في حاضرهم ومستقبلهم إلى ما لم يثبت لوجوده درجة عالية جدا من درجات اليقين المعتبر، سواء أكان قانونا أم عرفا، كما أن النص التشريعي بخلاف النص الإخباري له حجية مطلقة على ما ينتفع به أو يضار به، أما النص الإخباري فحجيته نسبية لأنه ابن واقع محدد ولد في سياقه واكتسب مضامينه من هذا السياق المحيط به، وتحدث دلالته العينية في إطاره دلالة غير قابلة للتكرار، فهو ليس نموذجا يتوالد مع الزمن.

وكذلك فإن النص التشريعي يمكن أن ينسخ إذا ثبت صدور تشريع تال له ألغاه صراحة أو تضمن أحكاما مخالفة له، ويكون نسخه أو إلغاؤه من تاريخ صدور التشريع التالي المخالف حسبما هو معروف، وبسبب قيام هذا التصور فإن النص التشريعي كان إبان سريانه ممتد الأثر على ما يليه من أحداث وهو يحكم ما تلا صدوره من وقائع، أما النص الإخباري أو التاريخي فهو حدث مضى وانتهى وليس له حاكمية وليس له أثر مباشر يمتد في المستقبل، بما يجعله نموذجا قابلا للتكرار، يمكن أن تكون له آثار واقعية ترتبت عليه، ولكن هذه الآثار تلحق به التحاق نتيجة بسبب أو نتيجة عينية ملموسة مفردة بسبب هو عيني وملموس ومفرد كذلك، دون أن يكون النص في ذاته متجدد التطبيق على حالات لم تنجم عنه وإنما لاحقها بحسبانه تشريعيا متجدد الحضور معها ومع كل حالة ممتدة تولد.

سبل تفهم النص الإخباري

وقد سبقت الإشارة إلى أن النص الإخباري هو بوصفه صيغة ذكر لحدث ماض، إنما يحمل غالبا وصفا لهذا الحدث، وفقا للدلالة أو الفحوى التي وقرت لدى من صاغ الحدث في خبر مكتوب أو مروي، وأن الوصف أو التعبير الذي صيغ به الخبر، الغالب أن تختلف أو تتنوع عليه وجوه النظر من كتاب أو رواة أو باحثين، ناهيك عن أن يكونوا أطرافا في خصومة أو أن يكونوا من ذوي المصالح المتعارضة، وهنا يتفاوت ما تفضي إليه الدلالات التي يمكن استفادتها أو استخلاصها من الحدث؛ لأن النص هنا إنما يكون صنعه من أعد الحدث أو شارك في صنعه أو عاصره، أو يكون هو من أثبته من بعد أو علق عليه، فهو من ثم يحمل أثرا لوجهة النظر الحكمية لمن قام بصياغته.

ولكن مع ذلك كله سيبقى الحدث دائما منسوبا إلى زمان وقوعه، وسيبقى محل تقديره وفهمه واستخلاص دلالته هو موقف الحدث مما واكبه وأحاطه من ظروف في السياق الزماني والمكاني له، وسيبقى صحيحا القول بأننا إذا نزعناه من سياقه هذا فسيفقد دلالته ومعناه، ونحن لكي نفهم دلالة حدث ما (تصرفا كان أو واقعة) يتعين أن نحيط بأوضاع نشأته وظروف تكونه وما تجمع على تشكيله من أوضاع وما ترتب على قيامه من آثار، ونحن نكون أقرب لفهم هذا النص وأصوب في استخلاص دلالته كلما اقتربنا من طريق نشأته وتكونه، وكلما وصلناه بالأوضاع والأحداث التي صدر فيها، وهذا الوصل بأوضاع النشأة يكون هو ما يجلي الحقيقة بقدر الإمكان بما يكون علق به من شوائب الأوصاف غير الدقيقة، أو المنحازة لطرف ضد طرف.

ومن هنا يتعين ملاحظة عدد من الأمور لاستكمال فهم دلالة النص الإخباري، من ذلك سياق الحدث المنصوص عليه في المجال الثقافي، أي مجال إدراك المتعاملين له معناه لغة ومصطلحا وتعارفا، وكذلك سياقه في المجال الاجتماعي والسياسي إن كان حدثا ينتمي إلى هذه المجالات، وسياق النص المصاغ به الخبر في إطار ما كان يجري به الخطاب بين من يوجه الخطاب ومن يتوجه له الخطاب، لأن وجوه التركيز في الكلام ووجوه التفصيل والإجمال فيه تكشف عن طبيعة الجدل والحوار العام الدائر عند وضع النص الإخباري وصوغ الخبر عن الحدث.

والخلاصة أننا نقترب من النص التشريعي أكثر من فهم دلالته وإدراك معانيه كلما استطعنا أن ننقله أكثر إلى حاضرنا، وكلما أعملناه في سياق هذا الحاضر، ولا شك أن أوضاع إصدار النص التشريعي في زمانه وتتبع تعامل الأجيال السابقة معه في أزمانهم المتوالية هي مما يساعدنا في إيضاح دلالات هذا النص وقدراته في توليد الأحكام منه، مما يسمى “اختلاف الفتوى باختلاف الزمان والمكان”، إلا أنه يبقى أمر مهم وهو أن ثمة علاقة مباشرة بين النص التشريعي وبين الواقع المستقبل في تطبيقه على الوقائع الحاصلة.

وبالمغايرة لهذا الوضع بالنسبة للنص الإخباري فنحن نقترب منه أكثر في فهم دلالته وإدراك معانيه كلما استطعنا أن ننتقل نحن إليه في زمان حدوثه وصياغاته، واستحضرنا بهذا الانتقال أكثر ما يمكن استحضاره من وقائع ماضيه وأحداثه المحيطة به على المستويات الإدراكية الثقافية والاجتماعية، والحادث أنه في النص التاريخي الذي يتعلق بأوضاع عامة سياسية واجتماعية، فكثيرا ما يجري فيه إسقاط ثقافي من أوضاع الحاضر المعاش على الماضي الذي ينتمي إليه الحدث وتشكل في ثناياه وصيغ الخبر فيه، وكذلك بالنسبة للنص الإخباري الذي يجري بين أفراد الناس في تعاملاتهم الحقوقية يمكن أن يطغي فكرنا الحاضر على تفهم صياغات جرت في الماضي عن أحداث جرت في هذا الماضي، وفقا لدلالات تعدلت، وهذه عيوب وشوائب يتعين الحذر منها، وسيبقى الأمر الجوهري هو أننا لن نقترب من فهم النص الإخباري اقترابا أكثر إدراكا للصواب إلا إذا انتقلنا إلى زمانه واستوضحنا معانيه في ذلك السياق، وبالعكس لن نقترب من النص التشريعي اقترابا أكثر إدراكا للصواب إلا إذا نقلناه إلى زماننا الذي يطبق فيه بحسبانه من عناصر هذا الزمان المتجدد.

__________________________________________
*نُشر هذا المقال في مجلة وجهات نظر العدد رقم “106” الصادر في شهر نوفمبر عام 2007.

بحث بعنوان “النص التشريعي بين التفسير والتطبيق وأثره في تحقيق الأمن الفکري والسلام الاجتماعي- نحو أُنموذجٍ معرفي إسلامي” للدكتور هاني جعفر مدرس الشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة الزقازيق، نُشر في العدد الثامن، المجلد رقم (7)، عدد مايو 2020، من المجلة القانونية الصادرة عن كلية الحقوق فرع الخرطوم.
وفيما يلي مستخلص البحث:
سعى البحث إلى تقديم أنموذجٍ معرفيّ إسلاميّ، ينطلق من تفسير النص التشريعي وتطبيقه، ذلک النصُّ الذي هو الأصلُ الذي ترجعُ إليه المجتمعاتُ في المَعاش والمَعاد، وهو منطلَقُ بناءِ الحضاراتِ، وهو مَناطُ الاعتصامِ، وحبلُ اللهِ المتينُ، بعد أن غدتْ ساحةُ البحث في النصِّ التشريعيِّ من حيث تفسيرُه وتطبيقُه، تشهد في زماننا هذا محاولةً غايتُها قطعُ الصلةِ بين النصِّ والنَّاصِّ جل وعلا، بل العکوفُ على رَسْمِ الحروفِ التي هي وسيلةٌ وليست غايةً لتفسير النص، واستنطاقُ المعاني منه على وَفق هوى المخاطَب، دون التقيدِ بمراد الشارع، أو الالتزامِ بما أوْدعه فيه من مقاصدَ، ومن ثم جاء البحث ليسهم في الدفاع عن الدين، والرد على شبهات المضلّلين، والوقوف على قاعدة التفکير لمواجهة مشکلة فهم النصوص، فإن سُوء الفَهم عن الله ورسولِه أصلُ کلِّ بدعةٍ وضلالةٍ نشأتْ في الإسلام، بل هو أصلُ کلِّ خطإٍ في الأصولِ والفُروعِ، وما اتهم أحدٌ دليلًا للدّين، إلا وکان المتهِمُ هو الفاسدَ الذهنِ، المأفونَ في عقله وذهنه، فالآفةُ من الذهن العليل، لا في نفس الدليل.
وادّعى البحث بيانَ التآلفِ بين الإيمان ومقتضيات الزمان، وأثرِ ذلک على الفکر الإنساني، بواسطة علم أصول الفقه؛ ذلک العلم الذي يمثل أفضلَ منهجٍ اخترعتْه العقولُ الإسلامية للتعامل مع نصوص الوحي الإلهي، وهو منهجٌ خالدٌ؛ لأنه يستمد يُنبوعَه ومادتَه من نصوص الوحي، ومِن لغة القرآن، وهو الأمرُ الذي کفلَ له البقاءَ وضَمِنَ له النقاءَ. ولذا وُصف بأنه: علمٌ يُظهر عبقريةَ العقولِ المبدعة التي عرفتْ کيف تصنع المنهجَ الصحيح لإدراک الغاية، ولأهميته التشريعيةِ في تفسير النصوص الشرعيةِ والوضعية تُرجِمَ إلى اللغة الإنجليزية، وغدا يدرَّسُ اليومَ في الجامعات الغربية؛ کجامعة هارفارد في أميرکا.
وأغلب ظني أن البحث يسهم في تقديمَ منهجٍ متکاملٍ لفهم نصوص الشريعة وبيانِها؛ حيث تُحددُ للنصوص والألفاظِ دلالاتُها، وقواعدُ إناطةِ الجزئيات بالکليات، کقاعدة: حمْل المُطلَق على المقيَّد. وقد أغفلتْ طائفةٌ من الناس هذه القاعدةَ الأصولية المبيّنةَ لنصوصِ الشريعة؛ فتعارضتْ عندهم النصوصُ مِن غير مُوجِبٍ للتعارض!!
ومن هنا برزت أهميةُ الموضوع في کونه –وفق المؤلف- قراءةً غائيَّةً تتحرک مع النصوص وروحِها، وتستخدمها وعاءً أوسعَ من بِنيتها اللغوية، مستهدفةً بها حضورَ التشريعِ أمرًا ونهيًا في کل جوانب الحياة؛ حيث لا تخلو نازلةٌ من حکمٍ، ولا يتسرب واقعٌ مهما کانت جزئياتُه لا متناهيةً، وعليه فالبحث تغيّا أمورًا، أهمُّها: تمکين علم أصول الفقه من الاستجابة للمشکلات والإشکالات المنهجية والفقهية والفکرية، التي تواجهها المجتمعات”.

وجاء تقسيم البحث كما يلي:

  • مدخل إلى النص التشريعي
  • الفصل الأول: ضوابط تفسير النص التشريعي.
  • الفصل الثاني : اعتبارات تطبيق النص التشريعي.
  • الخاتمة.

رابط مباشر لتحميل البحث

حينما نتحدث عن المغفور له بإذن الله تعالى فضيلة الدكتور حسين حامد حسان، إنما نتحدث عن قامة علمية كبيرة، وفقيه ذي مواصفات خاصة، وعلم من أعلام الأمة العاملين المجتهدين المخلصين .. جمع بين الأصالة والمعاصرة، واتسم بتعدد التخصصات والخبرات، فقد جمع بين الثقافة الشرعية، والثقافة القانونية، والثقافة الاقتصادية، والثقافة المالية والمصرفية .. مع خبرة عميقة في الأصول وفي الشريعة وفي المقاصد.

 

لقد كان الدكتور حسين حامد – رحمه الله – مدرسة فقهية في ذاته، كما قال عنه العلماء، فكان يُعمِل المقاصد بشكل متوازن، وكان يتسم بالجدية في التعامل مع أي قضية فقهية مطروحة، كما كان يجيد ما يسميه العلماء بـ«الصنعة الفقهية»، حليم، متواضع، طويل النفَس، يتسع صدره لكل ناقد أو محاور أو طالب علم.. أظهر براعة فائقة في مسألة البناء القانوني للعمل المصرفي الإسلامي، إذ استطاع أن يدمج بين القانون وأصول الفقه.. فاستحق بجدارة أن يكون عالم عصره وفقيه زمانه.

حينما قرر الدكتور حسين – رحمه الله – أن يدخل إلى مجال العمل المصرفي الإسلامي، استطاع بنك دبي الإسلامي، الأول في عالم الصيرفة الإسلامية، أن يكون أيضاً أول من يظفر بخدمات الدكتور حسين العالم الفقيه المتمرس المنفتح على كل الثقافات والمدارس الفقهية والاقتصادية والقانونية، فكانت النقلة النوعية للبنك، والتي يمكن أن نسميها (مدرسة بنك دبي الإسلامي الفقهية)، التي كانت ملهمة لعدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في العالم.

إن السيرة العلمية والعملية للمغفور له بإذن الله الدكتور حسين حامد لا يكفيها مقال أو خبر أو حتى مجلد، حيث كرّس حياته العملية لخدمة الإسلام والمسلمين، وقضاها متنقلاً بين مدن العالم من شرقه إلى غربه ومن شماله إلى جنوبه؛ إما بحثاً عن العلم، أو ملبياً لنداء المؤسسات الاقتصادية والمالية الإسلامية؛ وظل هكذا حتى وفاته.

فمسيرة الدكتور حسين، الممتدة من أواخر الخمسينيات وحتى عام 2020 حافلة بالإنجازات، على المستويات الشخصية والمجتمعية والرسمية، فقد كان خبيراً قانونياً واقتصادياً ومصرفياً قلّ أن تجود الدنيا بمثله، خاصة أنه كان يتمتع بعقلية فذة، وحضور ذهني مفتوح على كل ما يمكن أن يعرض عليه من خطط أو معاملات أو فتاوى في كل ما يتعلق بالمال والاقتصاد والقانون، فضلاً عن دوره الملموس في التدريس بعدد من الجامعات الإسلامية.. وفي هذا الإطار نذكر له – رحمه الله – دوره في تأسيس الجامعة الإسلامية العالمية بباكستان، حين دعاه الرئيس الباكستاني لتأسيس الجامعة، وبعدها ترأس نفس الجامعة لمدة 14 عاماً.

وحتى يتسنى لنا الحديث عن إنجازات الراحل الدكتور حسين حامد حسان، لابد أن نتناول جانباً من سيرته الذاتية؛ العلمية والعملية، لنقف على حياته التعليمية التي كانت مليئة بالطموح، يظهر ذلك جلياً في حصوله على عدة شهادات عليا خلال أقل من 5 سنوات، فقد ولد في محافظة بني سويف المصرية عام 1932، وحصل على ليسانس في القانون والاقتصاد من كلية الحقوق بجامعة القاهرة عام 1959، كما حصل على ليسانس في الشريعة من كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1960، بعدها حصل على ماجستير في الشريعة الإسلامية من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1960، ثم على ماجستير في القانون المدني من كلية الحقوق جامعة القاهرة عام 1961، وعلى دبلوم في القانون المقارن من جامعة نيويورك من المعهد الدولي للقانون المقارن عام 1963، ثم حصل على الماجستير في القانون المقارن عام 1965م، وحصل على الدكتوراة في الفقه وأصول الفقه من كلية الشريعة جامعة الأزهر عام 1965.

وظائف‭ ‬مهمة

– عُيّن فضيلة الدكتور حسين حامد – رحمه الله – محامياً بإدارة قضايا الحكومة – مصر – عام 1959م، ثم معيداً بكلية الحقوق بجامعة القاهرة، فمدرساً فأستاذاً مساعداً فأستاذاً فرئيساً لقسم الشريعة بالكلية، ثم أعير رئيساً للدراسات العليا بجامعة الإمام محمد بن علي السنوسي الكبير في ليبيا، ثم أعير رئيساً للدراسات العليا الشرعية بجامعة الملك عبدالعزيز بمكة المكرمة، ومديراً لمركز البحث العلمي وإحياء التراث الإسلامي بكلية الشريعة بالجامعة، ومستشاراً لمدير الجامعة لشئون الدراسات العليا والبحوث والتعاون بين الجامعة والجامعات الأخرى، ورئيساً للجنة الدائمة لترقية أعضاء هيئة التدريس في جامعة الملك عبد العزيز وجامعة أم القرى بمكة المكرمة.

في عام 1979 أعير لإنشاء الجامعة الإسلامية العالمية بإسلام آباد، عقب إعلان باكستان تطبيق الشريعة الإسلامية، وعين عضواً في مجلس أمناء هذه الجامعة، ثم تولي رئاستها لمدة أربعة عشر عاماً. عمل فضيلة الدكتور حسين مستشاراً قانونياً واقتصادياً لرئيس جمهورية كازاخستان، ومستشارا اقتصادياً لرئيس وزراء قيرغزستان، وكلف بعمل خريطة استثمارية للدولة، كما عمل مستشاراً لرئيس جمهورية باكستان الإسلامية لشئون الجامعة الإسلامية العالمية، ومستشاراً لأمين عام رابطة العالم الإسلامي بمكة المكرمة، ثم مستشاراً لرئيس مؤتمر العالم الإسلامي بجدة، ومستشاراً لهيئة إحياء التراث بالإمارات العربية المتحدة، كما عين مستشاراً لرئيس جامعة القاهرة.

وبالإضافة إلى ذلك تولى العديد من المناصب الاستشارية الأخرى في عدد من المجامع الفقهية والمؤسسات الدينية الرسمية في الدول العربية والأوروبية.

وللدكتور حسين – رحمه الله – عدد كبير من المؤلفات تزيد على 400 كتاب وبحث ومقال في عدة مجالات كالصيرفة والتمويل والتأمين الإسلامي، كما شارك في مئات المؤتمرات العالمية والندوات المعنية بالاقتصاد والتمويل الإسلامي، قدم فيها العديد من البحوث والدراسات الفقهية التي كان لها أثر كبير في إثراء الصناعة.

هذا جانب من المسيرة العلمية والعملية التي عاشها الدكتور حسين حامد حسان، الخبير الحقوقي والمالي والاقتصادي، الذي ترك إرثاً اقتصادياً كبيراً تستفيد منه الأجيال القادمة، خاصة في الصناعة المصرفية والمالية الإسلامية.

الاقتصاد‭ ‬والبنوك‭ ‬الإسلامية

بدأ الدكتور حسين حامد حسان – رحمه الله – مسيرة العمل في البنوك الإسلامية، ثم أصبح في وقت قصير جداً واحداً من أشهر فقهاء المعاملات الإسلامية في العالم، فقد ظل لسنوات طويلة يصل الليل بالنهار بحثاً في أمهات الكتب عن كل ما هو جديد في مجال المعاملات الإسلامية، ولأنه كان خبيراً قانونياً وعالم شريعة وخبير اقتصادي في نفس الوقت، استطاع في فترة وجيزة أن يطور العقود الشرعية للمعاملات والصيغ المصرفية لعدد كبير من البنوك الإسلامية وشركات التأمين التكافلي، واستحداث عدد من الصيغ الشرعية المبتكرة التي سارت عليها تلك المؤسسات حتى الآن.

ولقد أسهم الدكتور حسين بدور كبير في خدمة الصناعة المصرفية الإسلامية منذ إنشائها، كما حرص على تدريب الكوادر المصرفية العاملة في هذا المجال، واختير رئيساً للعديد من هيئات الرقابة الشرعية في البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في العالم، وعلى رأسها بنك دبي الإسلامي.

بنك‭ ‬دبي‭ ‬الإسلامي

تولى الدكتور حسين – رحمه الله – رئاسة هيئة الفتوى والرقابة الشرعية في بنك دبي الإسلامي لفترة طويلة، وبرز دوره المتميز والنشط خاصة وأنه قام باستحداث عدد من العقود الشرعية التي كان لها دور متميز في نشاطات البنك وتميزه بين أقرانه، وجعلته في مقدمة البنوك الإسلامية في المنطقة، بل وفي العالم كله، بنظامه الرقابي الراقي والصارم، ومعاملاته التي حرصت الهيئة الشرعية على اتخاذ كافة الإجراءات التي من شأنها مطابقتها لمبادىء وأحكام الشريعة الإسلامية، والبعد عن المعاملات التي تثير الشبهات في العمل المصرفي الإسلامي، ومن هنا اكتسب البنك ثقة عملائه، كما اكتسب سمعة طيبة في الصناعة المصرفية الإسلامية وفي العالم أجمع.

وقد كان للدور المتميز الذي قام به الدكتور حسين خلال رئاسته لهيئة الفتوى في بنك دبي الإسلامي ردود فعل إيجابية تجاه البنك، حيث سعت معظم البنوك الإسلامية في المنطقة والعالم إلى الاستفادة من خبرات البنك في مجال صياغة العقود الجديدة، بينما عملت معظم المؤسسات المالية الإسلامية الأخرى في محاكاة الأنشطة والعقود التي يعمل بنك دبي الإسلامي من خلالها.

وسعياً لتعزيز دور الرقابة الشرعية في بنك دبي الإسلامي عمل الدكتور حسين حامد – رحمه الله – على تأسيس «دار الشريعة»، وهي شركة شرعية قانونية متخصصة في صياغة العقود الشرعية المستجدة، ومراجعة العقود الأخرى المعمول بها فعلياً في المؤسسات المالية الإسلامية وشركات التأمين التكافلي، ولتكون هذه الشركة بمثابة المرجع الشرعي والقانوني لعمليات بنك دبي الإسلامي والبنوك الإسلامية الأخرى في العالم، حيث نفذت «دار الشريعة عدداً كبيراً من العقود الشرعية لصالح عدد كبير من البنوك والمؤسسات المالية الإسلامية داخل دولة الإمارات العربية المتحدة وخارجها، وحصلت هذه العقود على الإشادة من أساتذة الشريعة وفقهاء المعاملات الإسلامية.

‮«‬هندسة‮»‬‭ ‬التحول

كان لفضيلة الدكتور حسين حامد حسان – رحمه الله – الدور الرئيس في تنفيذ عمليات تحول العديد من البنوك التقليدية إلى بنوك إسلامية، بعد التوجه الذي اتخذته هذه البنوك لتحويل أنشطتها ومعاملاتها إلى إسلامية، فقد اختير من قبل إدارة بنك الشارقة ليتولى تنفيذ عملية تحويل كافة أنشطته التقليدية إلى معاملات وأنشطة إسلامية وليصبح اسمه «مصرف الشارقة الإسلامي»، كما قاد عملية تحويل بنك الإمارات إلى «مصرف الإمارات الإسلامي»، بالإضافة إلى سوق دبي المالي الذي تولى الدكتور حسين عملية تحويله إلى سوق مالي إسلامي، وظل رئيساً لهيئته الشرعية حتى وفاته، وما تبع ذلك من إعادة صياغة كافة العقود إلى عقود إسلامية بشكل كامل، كما حرص – رحمه الله – على تدريب الكوادر البشرية العاملة على تنفيذ المعاملات الإسلامية بعد عمليات التحول، وكذلك إعادة هيكلة كافة العمليات والأنشطة وحقوق المساهمين والمتعاملين حسب النظام المصرفي الإسلامي.

وفي هذا الإطار، ومما يؤكد الدور المتميز للدكتور حسين حامد في تحويل العديد من البنوك التقليدية إلى بنوك إسلامية، أطلق عليه المصرفيون لقب «مهندس عمليات التحول» حيث طلب منه أكثر من بنك تقليدي إجراء عملية التحويل إلى النشاط المالي الإسلامي، وقد تكللت كل هذه الجهود بالنجاح والحمد لله.

مساهمات‭ ‬قانونية‭ ‬وشرعية

أسهم الدكتور حسين – رحمه الله – في إعداد القانون المدني المصري وفق أحكام الشريعة الإسلامية، وأعد مذكرته التفسيرية، كما أسهم في إعداد قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية في باكستان، وشارك في تحويل نظامها المصرفي التقليدي إلى العمل طبقاً لمبادىء الشريعة الإسلامية، وكذلك في جهود تطبيق الشريعة بالكويت، وراجع مشروع قانون شركات التأمين الإسلامي بها، كما أعد مشروع قانون الأحوال الشخصية بليبيا، وفي إعداد دستور جمهورية كازخستان والقوانين المكملة للدستور.

وفاته

بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتميز والنجاح، استمرت نحو 60 عاماً، غيب الموت الدكتور حسين حامد حسان، الخبير الاقتصادي والحقوقي والمالي، وأبرز خبراء الصناعة المصرفية الإسلامية في العالم، في 20 أغسطس 2020، ووقع خبر وفاته كالصاعقة على تلامذته ومحبيه، وكذلك على الفقهاء والاقتصاديين والمصرفيين، الذين كانوا يرون فيه مدرسة فقهية متنوعة الثقافات، وخبيراً في فقه الواقع، وعالماً منزهاً عن مغريات الدنيا، منقطعاً للاجتهاد والبحث في كل ما هو مستجد في عالم الاقتصاد والمعاملات الإسلامية.

وستظل بصماته واضحة لدى كل من يعمل في هذا المجال، وسيذكره التاريخ دائماً بالخير مادامت البنوك الإسلامية.

رحم الله الدكتور حسين حامد حسان، وجزاه خير الجزاء عما قدمه للإسلام والمسلمين.

__________________________
نُشر هذا التقرير في العدد رقم (479) المجلد رقم (41) من مجلة الاقتصاد الإسلامي الصادرة عن بنك دبي الإسلامي بتاريخ أكتوبر 2020، ومنشور على الموقع الإلكتروني للمجلة.

بحث للأستاذ الدكتور أحمد سعد البرعي منشور في المجلد (14) العدد (48) بمجلة دار الافتاء المصرية، جمهورية مصر العربية، الصادرة في يناير 2022م.

تناولت هذه الدراسة موضوعًا من أهم الموضوعات المثارة الآن، ألا وهو “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي”، وجاء في مقدمة هذه الدراسة:

   فإنه لم يكن من المتوقع في يوم من الأيام أن يجد الفقهاء والقانونيون أنفسهم مطالبين بالبحث عن التكييفات الفقهية والطبيعة القانونية لآلات جامدة باتت تحمل من الذكاء الاصطناعي، والتعلم الآلي، والقرار الذاتي، ما يجعلها قادرة على محاكاة السلوك البشري، والقيام بما يقوم به الإنسان من وظائف وأعمال.

فالذكاء الاصطناعي اليوم لم يعد ضربًا من ضروب الخيال العلمي، ولم يعد البحث فيه وفي أحكامه نوعًا من أنواع الترف الفكري، بل إنه بات حقيقة واقعة يتجه العالم إليها بقوة، وستُبنى عليه في السنوات القادمة اقتصاديات دول، وميزانيات حكومات، فالمدن الذكية التي تطوَّر هنا وهناك، والمركبات المستقلة (Autonomous Vehicles (AV التي يتوقع لها أن تستحوذ على مكانة رئيسة في النقل والمواصلات في السنوات القليلة القادمة، والطائرات بدون طيار (Drones) واستعمالاتها المدنيَّة والتجارية التي انتشرت مؤخرًا، والتي ستسيطر في المستقبل القريب على مجال الشحن والتوصيل، بعد أن سُمح لشركات التجزئة وشركات البريد باستخدامها في مجال توصيل البضائع والطرود البريدية، وظهور الجيل الثاني من هذه الطائرات ذاتي التشغيل والتوجيه والتنفيذ ‏(Autonomous Drones) وما يُثيره من القضايا الأخلاقية والشرعية والقانونية المتعلقة بالتسليح، والحدود الفاصلة بين المشروع منه والمحظور، وانتشار الوكلاء الأذكياء في التجارة الإلكترونية والاعتماد عليهم في إبرام العقود وتنفيذ المعاملات، وتطوير الروبوتات المستقلة التكيُّفيَّة، القادرة على التعلم الآلي، والتكيف الذاتي والتطور الاجتماعي، والتي ستقتحم مجال الخدمات المهنية والمنزلية والشخصيَّة في السنوات القادمة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا فقهية وقانونية تتعلق بتكييف طبيعتها الفقهية، وسط ما ينادي به بعضُ القانونيين اليومَ من إضفاء صفة «الشخصية القانونية» و«الأهلية» على هذه الروبوتات؛ نظرًا لما تحويه من ذكاء واستقلالية في التصرف يجعلها مغايرة تمام المغايرة لغيرها من الآلات التقليدية، والأجهزة الصماء، وما تثيره هذه الروبوتات من مسائل تتعلق بالمسؤولية والضمان في حال ما لو انفلتت فأحدثت ضررًا في نفس أو عضو أو مال، وكذا ما مكنت له التطورات في مجال تكنولوجيا النانو (Nanotechnology) من تطوير روبوتات نانوية يمكن زرعها في الأجسام البشرية لأداء وظائف معينة، ومهام متعدّدة، وما تثيره هذه الروبوتات من قضايا وأحكام، إلى غير ذلك من القضايا الأخرى المتعلقة بالذكاء الاصطناعي وتطبيقاته المختلفة، والتي فرضت كثيرًا من المسائل والمستجدات أردتُ أن أتناولها بالبحث والبيان في هذه الدراسة، التي عنونت لها باسم: “تطبيقات الذكاء الاصطناعي والروبوت من منظور الفقه الإسلامي“، راجيا الله تعالى أن تكون مفيدة في بابها، نافعة لكاتبها وقارئها، وأن تكون فاتحة خير للبحث الفقهي المتعمّق في هذه الموضوعات باعتبارها واحدة من أولى الدراسات الفقهية الموضوعة في هذا الباب، والتي جاءت كثير من التكييفات الفقهية فيها مبنية على تخريج ورأي مني، أسأل الله تعالى أن أكون قد وُفقت فيه، ويبقى المرجع دائمًا في مثل هذه النوازل والمستجدات إلى الاجتهاد الجماعي، والرأي المؤسسي.

وقد قُسمت هذه الدراسة إلى مقدمةٍ، وفصلين، وخاتمة؛ حيث تناولت المقدمة: أهمية البحث وخطة الدراسة، في حين تناول الفصل الأول الذكاء الاصطناعي وأدوات الثورة الصناعية الرابعة، بينما تناول الفصل الثاني الأحكام الفقهية المتعلقة بالذكاء الاصطناعي.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

بحث للدكتور أحمد نجيب قربي منشور في العدد (4)، المجلد (39) بمجلة الحقوق، جامعة الكويت، مجلس النشر العلمي الصادر في ديسمبر 2015م.

تناول البحث دراسة مبدأ القاضي الطبيعي الذي يُعد الجهة الأمينة على حق التقاضي، وذلك في الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي؛ حيث تحوز فكرة القضاء الطبيعي أهمية كبيرة في أي نظام قانوني؛ لأن وضع ضوابط محددة لهذه الفكرة يساهم في إيجاد جهة قضائية يمكن للأفراد أن يأتمنوها على حقوقهم وحرياتهم، فالقضاء -والذي هو حصن الحقوق وموئل الحريات- يُشكل أحد الحصون المنيعة التي تقف في وجه السلطات إذا ما حاولت اغتيال هذه الحقوق والحريات أو إنقاصها.

وفي سبيل توضيح الفكرة السابقة قسم الباحث دراسته إلى أربعة مطالب، حيث تناول في المطلب الأول مفهوم القاضي الطبيعي في كل من الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وتوصل في نهاية المطلب إلى وضع تعريف محدد لمبدأ القاضي الطبيعي.

وفي المطلب الثاني قام بدراسة عناصر القضاء الطبيعي التي تتمثل في خمسة عناصر أساسية تتمثل في أن يكون إنشاء المحكمة وتحديد اختصاصها بقانون قبل نشوء الدعوى بشرط أن تكون ولايتها دائمة، وأن تتوافر في هيئة المحكمة ضمانات التخصص والكفاءة، وأن يضمن القانون لهذه الهيئة حصانة ضد العزل.

وبحث في المطلب الثالث شروط القاضي الطبيعي التي تجسدت في شَرْطَي كفالة حق الدفاع وتعدد درجات التقاضي.

ثم خصص المطلب الرابع لتوضيح مدى اعتبار بعض أنواع القضاء المتخصص -كالقضاء العسكري ومحاكم الأحداث- من القضاء الطبيعي.

رابط مباشر لتحميل البحث

نُشر هذا البحث في كتاب “وجوب تطبيق الشريعة والشبهات التي تُثار حول تطبيقها”، وهو كتاب يضم عدة بحوث قُدمت في مؤتمر الفقه الإسلامي الذي عُقد في جامعة الإمام محمد بن سعود بالرياض عام 1396هـ، يستعرض فيه الدكتور الزرقا -رحمه الله- الخطوط العريضة للنظام القانونى فى الشريعة الإسلامية، والقواعد التي أرساها في جميع فروع القانون الرئيسية المعروفة إلى اليوم، ويوضح صلاحها الدائم للتطبيق المنتج المحقق للعدل الحقوقي والاجتماعي، ثم كيفية النظر وطرق النظر التي بها تستجيب الشريعة الإسلامية لحاجات المجتمعات المتطورة في كل زمان ومكان.
جاء البحث في فصلين، تناول الأول الحقوق الخاصة في كل من الأحوال الشخصية، والولاية والوصاية، والميراث، ثم انتقل للحديث عن الحقوق المدنية (المعاملات) فتناول الالتزامات والعقود والنظام الجنائي، ثم تحدث عن الحقوق العامة، فتعرض للحقوق الداخلية، في الناحيتين الدستورية والإدارية، والحقوق الخارجية، ثم طرح في الفصل الثاني سؤالًا عن كيفية استجابة الإسلام لحاجات الحياة المتطورة، وكيف أن طبيعة النصوص العامة في الشريعة الإسلامية أدت إلى اكتفائها الذاتي في المباديء الأساسية.

رابط مباشر لتحميل البحث

بحث للأستاذ الدكتور محمود نجيب حسني منشور في العدد (3)، المجلد (28) بالمجلة الجنائية القومية، المركز القومي للبحوث الاجتماعية والجنائية الصادر في نوفمبر 1985م.

يتناول البحث موضوع مفهوم الدفاع الاجتماعي على الصعيد العربي ومظاهر الدفاع الاجتماعي في الشريعة الإسلامية”، حيث أشار في مقدمة هذه الدراسة إلى أن البحث في هذا الموضوع يتطلب تحديد المدلول العام للدفاع الاجتماعي كمذهب للسياسة الجنائية، والتعريف بأصوله، وبيان المفهوم العربى لهذا المدلول، والبحث فيما إذا كانت الشريعة الإسلامية قد تضمنت من الأصول والقواعد ما يتسق مع الأفكار التي يقوم عليها الدفاع الاجتماعي على نحو يمكن معه القول بأن الشريعة الإسلامية قد انطوت على نواة الأفكار التى قام عليها فيما بعد مذهب الدفاع الاجتماعي أو على الأقل أن تطبيق هذا المذهب لا يتعارض مع المبادىء الإساسية في الشريعة الاسلامية بل يمكن أن تلتئم معه بحيث تصبغه بطابعها وتضفي عليه من روحها، على نحو يجوز معه القول بنشوء مذهب جديد يطلق عليه تعبير “الدفاع الاجتماعي الإسلامي” قوامه مبادیء الدفاع الاجتماعى المجردة، وقد اصطبغت بالطابع الإسلامي المستلهم من المبادى الخالدة للشريعة الإسلامية.

وفي سبيل الإجابة على التساؤلات التي أثارتها الدراسة قسم سيادته هذه الدراسة إلى ثلاثة فصول؛ حيث تناول الفصل الأول: التعريف بالمبادىء الاساسية في الدفاع الاجتماعي، في حين عالج الفصل الثاني: مفهوم الدفاع الاجتماعى على الصعيد العربى، أي تطبيق مباديء الدفاع الاجتماعي في الوطن العربي، بينما عالج الفصل الثالث استقراء أهم مظاهر الدفاع الاجتماعي في الشريعة الإسلامية.

رابط مباشر لتحميل البحث

بحث بعنوان “الاتفاق على الأموال المشتركة بين الزوجين (راتب الزوجة بين الشريعة والقانون)” للدكتورة حفيظة طالب، نُشر في مجلة الحضارة الإسلامية العدد رقم (15) الصادر عام 2011.
يتناول البحث قضية صارت شائكة في هذه الأيام، وهي الأموال المشتركة بين الزوجين، وكيفية النظر إلى راتب الزوجية بمنظور كل من الشريعة والقانون.
وقد تضمن البحث الحديث عن نظرة الإسلام للمال وكون حفظ المال من الضرورات الخمس للشريعة، ثم انتقل للحديث عن حقوق المرأة المالية، وحقها في الملكية، وكذلك مشروعية تصرف أحد الزوجين في مال الآخر.

رابط مباشر لتحميل البحث

محاضرة نادرة للشيخ محمد أبي زهرة

أُلقيت هذه المحاضرة في الملتقى السابع للفكر الإسلامي الذي عُقد في تيزي وزو بالجزائر في الفترة من 1-22 جمادى الثانية 1393هـ الموافق 1-22 يوليو 1973م، ونشرت هذه المحاضرة وما اشتملت عليه من تعليقات الحضور ضمن منشورات وزارة التعليم الأصلي والشئون الدينية الجزائرية في المجلد الأول، وتحديدًا من صفحة 399 حتى صفحة 472.

وجاء في بداية المحاضرة:

الشريعة الإسلامية مطبقة في تشريع المسلمين اليوم، أم غير مطبقة؟

 ولذلك جواب يوجب الحسرة والأسى، ويضيق حتى يكون معناه الشريعة الإسلامية متحقق روحها في التشريعات القائمة اليوم، وإن لم تكن مطبقة بحذافيرها وغير قائمة حدودها ولا منفذة زواجرها الاجتماعية، ولا نظمها الاقتصادية، وقد يزداد في هذه المعنى، فيُدعى أن روحها قائمة في التشريع، لأنها قائمة على المصلحة الإنسانية فى زعم الزاعمين، وادعاها البعض متفقة مع هذا الزمان في كثير من المسائل!

كان هذا التشكيك في المعنى -أو الشك فيه- سببًا في حيرة المعنى؛ لأن الروح معنى فيه اتهام، إلا إذا قلنا أن روح القانون أو الشريعة إما أن تكون سالبة وإما أن تكون موجبة، وعلى ضوء هذا المعنى نقول علاقة القوانين المطبقة اليوم سالبة أم موجبة، أي للشريعة تأثير فيها أم ليس لها تأثير، بل مناقضة.

وحصر الشيخ أبو زهرة محاضرته حول ثلاثة موضوعات هي: مقام الشريعة من التطبيق في الماضي، ومغزى تطبيقها، والعلاج مع القوانين القائمة.

 وقد خلص الشيخ أبو زهرة إلى أنه يجب على المسلمين في كل البقاع الإسلامية -قاصيها ودانيها- أن يرفعوا عن أنفسهم رق الحكام، ويجعلوهم مسئولين ككل الناس، وإلا استمر الضياع.

رابط مباشر لتحميل المحاضرة.

إقامة العدل مقصد رئيس من مقاصد الشريعة الإسلامية أكدته الآيات القرآنية والأحاديث النبوية؛ ومنها قوله تعالى “إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ” (النحل: 90) ، و” وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ” (النساء: 58) وقول رسوله صلى الله عليه وسلم ” إن المقسطين عند الله على منابر من نور”

وعبر تاريخهم فهم المسلمون ما تأمر به النصوص القطعية من وجوب إقامة العدل وتنزيله من إطاره النظري ضمن أطر ومؤسسات واقعية تضطلع بمهمة تطبيق العدالة، وفي هذا السياق أقيمت مؤسسة القضاء في الإسلام وعهد إليها بمهمة الفصل في المنازعات، ومنحت صلاحيات لبعض رجال الإدارة المحلية مثل: المحتسب ورجال الضبط “الشرطة” من أجل ضمان تنفيذ العدالة. وفي السطور التالية أحاول التطرق إلى بنية المؤسسة القضائية وخصائصها ومهام أفرادها، وأروم من ذلك إلى الإجابة عن سؤال كيف طبقت العدالة داخل السياق الإسلامي.

المؤسسة القضائيةالبنية والمهام

 المحكمة هي الجزء الأبرز داخل المنظومة القضائية الإسلامية، وهي تفصل في المنازعات التي ترفع إليها من المتنازعين، وقبيل أن نتطرق لهيكل المحكمة ينبغي الالتفات إلى أنه بينما تُحل معظم النزاعات في المجتمعات المعاصرة ضمن المؤسسة القضائية الرسمية إلا أن المجتمعات ما قبل العصر الحديث كانت تمتلك بعض الآليات التي تمكنها من حسم النزاعات قبيل الوصول إلى ساحة القضاء، وكان قضاة الشرع منخرطون في حل هذه النزاعات بشكل غير رسمي، ولذا كانت النزاعات التي ترفع إلى المحكمة محدودة العدد وجلها يتعلق بالجنايات أو البيوع والأوقاف، لأن معظم النزاعات قد تم تسويتها بشكل غير رسمي. وبصفة عامة كانت هيئة المحكمة مكونة من تنظيم هرمي يتألف من :

  • القاضي:

وهو أعلى منصب قضائي داخل المحكمة فصاحبه تلقى تعليما دينيا رفيعًا أهله لأن يصبح موضع ثقة الأهالي في الفصل في دعاويهم، وفي القرون الأولى كان القاضي ينظر القضايا في المسجد، وبمضي الوقت صارت المحكمة مؤسسة مستقلة لها قضاة معينون من قبل ولاة الأمر ، وكان القضاة يحكمون في القضايا استنادا إلى المدونة الفقهية التي هي جهد جماعي للفقهاء من مختلف العصور والأمصار، إذ لم يكن هناك قانون مدون مكتوب من صنع الحاكم كما هو الحال مع “قانون جستنيان” على سبيل المثال، وهو ما يعني أمران: أن القانون لم يكن مرتبطا بالنخبة الحاكمة ولم يصطبغ بطابع إقليمي معين، وأن إعمال القانون كان يعني تطبيق الشريعة الإسلامية.

كانت المهمة الرئيسة للقاضي هي الفصل في الدعاوى التي ترفع إليه وإصدار الحكم فيها وفقا للبينة التي يقدمها كل من المتداعيين، وينتقد بعض الدارسين القانونيين الغربيين ما أسموه “الدور السلبي للقاضي في عملية التقاضي” معتبرين أنه لم يكن يمتلك سلطة التحقيق في الدعوى وإنما اقتصر دوره على مراجعة الإجراءات القانونية وتقييم البينة (الشهادة)، فضلا عن أنه لم يمتلك سلطة إلزام المتنازعين المثول بين يديه كما يفعل المدعي العام في عصرنا، وهذا الانتقاد يغض الطرف عن مسألة هامة تميز القضاء الإسلامي وهي عدم انفراده بالفصل بالنزاعات إذ يلعب أفراد المجتمع المحلي دورا في العملية القضائية فالقاضي لا يصدر حكمه إلا بناء على الشهادة التي يؤديها أفراد المجتمع، فليس للقاضي تلك السلطة المطلقة التي يتمتع بها اليوم، من جانب آخر فإن مؤسسات الدولة في العصور الإسلامية لم تكن مؤسسات إلزامية، وكان تدخلها في حياة الأفراد هامشيا خلافا للعصور الحديثة التي تلعب فيه هذه المؤسسات دورا مركزيا بما لها من صفة إلزامية.

  • الشهود العدل:

وهم الذين يقوم القاضي بتعيينهم ضمن هيئة المحكمة ممن يتمتعون بالنزاهة الأخلاقية، وتتمثل مهمتهم في التحري عن عدالة واستقامة الأشخاص الذين لهم دعاوى أمام القضاء، وكثيرا ما كانوا يمثلون أمام المحكمة نيابة عن المتنازعين بصفة وكلاء، وكانت محاضر المحكمة عادة ما تذيل بتواقيع هؤلاء الشهود الذين كانوا عادة ما يكونون قادة محليين (فقهاء أو وجهاء أو ذوي مكانة اجتماعية) ولم يكن توقيعهم سوى موافقة جماعية على أن ما ورد بالمحضر من إجراءات وأحكام يلقى قبولا اجتماعيا فضلا عن القبول الشرعي.

  • كتبة المحكمة:

وهم المسئولون عن تدوين محاضر الدعاوى ضمن سجلات المحكمة، وقد اقتضت طبيعة عملهم وثيقة الارتباط بالفقه أن يكونوا ممن نالوا تعليما دينيا، وكانوا مثل الشهود العدول همزة وصل بين المحكمة والمجتمع المحلي الذي تأسست فيه المحكمة.

وإضافة إلى هؤلاء الذين يشكلون البنية المؤسسية القضائية، يمكن الحديث عن المتداعيين الذين يمثلون طواعية أمام المحكمة ويعرضون قضاياهم بشكل مباشر دون وسيط محترف (المحامي)، مستخدمين في ذلك لغة غير قانونية دون اعتراض من هيئة المحكمة، وكان هذا شائعا لأنه لم تكن هناك تلك الهوة التي تفصل بين المحكمة كمؤسسة شرعية/قانونية وبين من يلجأون إليها أيا كان وضعهم الاقتصادي والاجتماعي ومستواهم التعليمي، وليست طبيعة المحكمة -التي لا تتقاضى أتعابا باهظة ولا تتطلب معرفة قانونية خاصة- هي من جسرت هذه الهوة وإنما الفضل يعود إلى الأفراد أنفسهم؛ لأنه خلافا للمجتمع الحديث الذي يعاني اغترابا في مجال القانون فإن أفراد المجتمع الإسلامي كانوا على معرفة بالمنظومة القانونية للشريعة، وكانوا يعيشون أخلاق التشريع ومبادئه في ممارساتهم الاجتماعية، وهو ما جعل الشريعة عرفا حيا ومعاشا داخل المجتمع.

  • ضمانات العدالة:

جسدت المحكمة فكرة العدالة تجسيدا حيا بما وفرته من ضمانات كفلت للفئات الأضعف داخل المجتمع نظر قضاياهم بالقسط، ومن تلك الضمانات التي استخرجناها من مدونة الفقه الحنفي الذي كان معمولا به في الدولة العثمانية والولايات التابعة لها، والتي عرفت طريقها للتطبيق على يد قضاة الشرع:

  1. أن أحكام القضاة تصان عن الإلغاء والإبطال ولا يتم التعرض لها بالنقض إلا في حالة واحدة فقط وهي أن يصدر القاضي حكما لم يستوف شرائطه الشرعية عندئذ لا يكون نافذا.
  2. الحق لا يسقط بتقادم الزمان. – يُمهل صاحب الحق إلى أن يتمكن من إقامة الدعوى دون تقيد بمضي خمسة عشر عاما كما ينص الأمر السلطاني.
  3. 3.     لليتيم بعد بلوغه أخذ حقه وملكه ممن استولى عليه.
  4. للمكره بعد زوال الإكراه فسخ البيع، ولا يبطل حق الفسخ بموت أحد المتعاقدين، فلورثة المكره الرجوع على المشتري أو ورثته.
  5. لا تقبل شهادة مشايخ البلد [رؤساء القرى] في الدعاوى.

    خصائص النظام القضائي


تحملنا الضمانات السابقة على الاعتقاد أن النظام القضائي الإسلامي كانت له خصائص تميزه عن غيره من الأنظمة القضائية، ومنها:-

  • الحضور الأخلاقي: وهو يتبدى في مسائلتين الأولى : مصداقية الشهادة – وهي أهم أركان العملية القضائية- التي كانت تستند إلى الأخلاق وحسن السيرة، لقد كانت وظيفة شهود المحكمة تزكية شهود العيان قبيل قيامهم بأداء الشهادة، وكانت إجراءات التزكية بالغة الدقة بحيث يستبعد من الشهادة من هو غير محمود السيرة، والثانية : عملية إصدار الحكم، إذ غالبا ما كان القاضي يستفسر عن مدى الالتزام الأخلاقي للمدعي وهل يمكن أن يكذب في ادعائه ضد المدعى عليه، وكان الحكم النهائي للقاضي يصدر بناء على هذا التقييم الأخلاقي للشخص.
  • المساواة الاجتماعية: وهي تتجلى في أن إجراءات المحكمة لم تكن تميز بين أصحاب القوة والثراء وبين المعوزين، وكانت الأحكام تصدر دون مراعاة للأوضاع الاجتماعية للمتداعيين، ولعل هذا ما شجع الفئات الأضعف على التصدي لمن هم في مواقع القوة والنفوذ، وضمن هذا السياق كان الفلاحون غالبا ما يكسبون قضاياهم ضد ملاك الأراضي الجائرين، وكان اليهود والنصارى يكسبون قضاياهم ضد شركائهم المسلمين.
  • أولوية الصلح على التداعي: وهي سمة لا نجد لها نظيرا في الأنظمة القانونية الأخرى وتجد صداها في مقولة “الصلح سيد الأحكام” التي تعكس النظرة المتجذرة بأن الوساطة والتحكيم جزء أساسي من العملية القضائية، وأنه ربما يتفوق على عملية الادعاء والتقاضي في ظل مجتمع يقدس العلاقات الأسرية ويعتقد بأن النزاعات التي تحوي أمورا حميمية يجب حجبها عن العامة ومعالجتها في نطاق ضيق.
    _____________________________
    *نُشر هذا المقال على موقع إسلام أون لاين