رودولف بيترز (1943-2022): مؤرخ الفقه الجنائي الإسلامي

السيرة الذاتية

ولد رودولف بيترز -المعروف اختصارا باسم رود بيترز- أثناء الحرب العالمية في مدينة لاهاي الهولندية التي كانت تحت الاحتلال الألماني في ذلك الحين، وقد اهتم منذ صغره باللغة العربية والثقافة الإسلامية، وتملكته الرغبة في دراسة اللغة العربية منذ كان صبيا حتى أنه اقتنى كتابا لتعليم قواعد اللغة العربية وشرع في دراسة، ويروى أنه زار المغرب بمفرده وهو في سن السادسة عشر، وفي العام التالي قام بجولة أخرى في بضع بلدان في الشرق الأوسط، وفي السنوات التالية انكب على دراسة اللغة العربية واللغة التركية ثم أضاف إليهما بضع لغات أخرى.

التحق بيترز بجامعة أمستردام في عام (1961) ودرس الفقه الإسلامي وتاريخ التشريع والقانون الهولندي، وعين محاضرا الدراسات العربية والإسلامية بجامعة أمستردام في عام 1968، وفي عام 1979 نال درجة الدكتوراه عن رسالته المعنونة "الإسلام والاستعمار: عقيدة الجهاد في التاريخ الحديث" ونشرها في كتاب وترجم إلى اللغة العربية بعد سنوات قلائل.

عين بيترز مديرًا للمعهد الهولندي بالقاهرة خلال السنوات (1982-1987)، وخلال عمله استطاع ارتياد دار الوثائق القومية والاطلاع على الأرشيفات القانونية مثل أرشيف مجلس الأحكام، وأرشيف الجمعية الحقانية وسجلات المحاكم الشرعية، وقد أفاد منها في بحوثه ودراساته التي استندت في معظمها إلى هذه الأرشيفات.  

عقب عودته إلى بلاده تولى بيترز منصب أستاذ مشارك في قسم الدراسات العربية والإسلامية بجامعة أمستردام وأصبح أستاذًا في قانون الإسلام والشرق الأوسط في عام 1992، وهو المنصب الذي شغله حتى تقاعده في عام 2010. 

 

منهجه العلمي: القانون كـ "ممارسة اجتماعية":

تختلف دراسات بيترز حول الفقه الجنائي والتشريع الإسلامي عن غيرها من الدراسات الاستشراقية، ذلك أن الدراسات السابقة لها كدراسات شاخت وكولسون كانت تكتفي بدراسة النصوص الفقهية بمعزل عن الجانب التطبيقي له، أما بيترز فآمن أنه لا يمكن فهم طبيعة النظام القانوني الإسلامي من دون تعمق في دراسة الأرشيفات القانونية التي تبين كيف طبقت النصوص واقعيا من خلال عمل المؤسسات القانونية، فالقانون حسب اعتقاده ليس مجرد نصوص لكنه ممارسة اجتماعية تتم من خلال المحاكم  (Law in action) ويشارك فيها القانونيين وكذلك الأهالي الذين يتحولون إلى جزء من العملية القانونية حال قيامهم بالشهادة أو تزكية الشهود أو تقديم الاستشارة من أهل الخبرة لحسم بعض الدعاوى، وبهذا المعنى يعد القانون ممارسة ديناميكية وليس نصوصا جامدة.

لاقت فكرة الاعتماد على أرشيفات المحاكم الشرعية وسجلات الإفتاء من أجل فهم طبيعة النظام القانوني رواجا إذ تبناها عدد من المؤرخين مؤخرا كخالد فهمي وعماد هلال شمس الدين وغيرهما، وسواء كان ذلك بتأثير مباشر من دراساته أم لا، فقد أثبتت الفكرة جدارتها واستطاعت أن تكشف عن جوانب من طبيعة النظام القانوني وآليات عمله، وأن تبين كيف أمكن للقضاة الموازنة بين مقتضيات الشريعة ومتغيرات الواقع.

 

الاهتمامات البحثية

يعد بيترز من الخبراء المعدودين في تاريخ الفقه الجنائي الإسلامي والتشريع الإسلامي، وقد استطاع من خلال مصنفاته الكثيرة أن يدمج بين أدوات التحليل الاجتماعي والتاريخي وبين المعرفة الوثيقة بالفقه الإسلامي، وخصوصا الفقه الحنفي حيث كان المذهب الرسمي للدولة العثمانية والدولة المصرية الناشئة، وقد تركزت اهتماماته البحثية على الفقه الجنائي الإسلامي وقضية تقنين الشريعة التي بدأت منتصف القرن التاسع عشر، وما أعقبها من تحول الشريعة من مجرد فقه قانوني يمارسه الفقهاء (Jurists' Law) كل حسب اجتهاده إلى "قانون دولة" (Statute Law) تسيطر عليه السلطة السياسية.

لقد كانت الشريعة في عصور ما قبل الحداثة تعبر عن الرؤية الإسلامية، وكانت ذات طبيعة مزدوجة حيث تتضمن العبادات والمعاملات، لكنها منذ التقنين -كما يفترض بيترز- صارت تعبر عن رؤية الدولة بأكثر مما تعبر عن الرؤية الإسلامية، وذلك لأن التقنين يفترض أن الدولة هي المشرع الوحيد، وأن القانون المشرّع هو الأعلى مرتبة، ولقد حولت هذه العملية الفقه من مدونة نقاشية مفتوحة ومتباينة تضم آراء ثرية وخصبة (الاجتهاد)، إلى نصوص قانونية واضحة حاسمة وموحدة.

وفي الأخير أدى التقنين إلى "تقليص" الشريعة، حيث حذفت الجوانب العبادية، وتم اختيار آراء فقهية محددة وإلغاء الآراء المقابلة لتكوين نص قانوني نهائي، وتم إقصاء الفقهاء ولم تعد الشريعة حكرًا عليهم.

 

من مصنفاته:

  • الإسلام والاستعمار: عقيدة الجهاد في التاريخ الحديث (1979).
  • الجرائم والعقوبات في الشريعة: النظرية والتطبيق من القرن السادس عشر حتى الحادي والعشرون (2005).
  • الشريعة والعدالة والنظام القانوني: القانون المصري والإسلامي: مقالات مختارة" (2020).
  • أسلمة القانون الجنائي: تحليل مقارن، (1994).
  • من فقه الفقهاء إلى قانون الدولة أو ماذا يحدث عندما يتم تقنين الشريعة (2002).
  • قتل على ضفاف النيل: جرائم القتل في القرن التاسع عشر من خلال المحاكم الشرعية المصرية (1990).
  • الردة في الإسلام (1976).
  • محمد المهدي العباسي وكتابه الفتاوى المهدية (1994).
  • عقابا له وعبرة لغيره، أول تشريع جنائي في عصر محمد علي (1999).
  • المعاناة المُسيطر عليها: الوفيات وظروف المعيشة في السجون المصرية في القرن التاسع عشر (2004).
  • القانون الإلهي أم القانون البشري؟ مصر وتطبيق الشريعة (1988).
  • التاريخ القانوني لمصر العثمانية (1999).
  • قتل في خيبر: بعض أفكار حول نشأة إجراءات القسامة في الفقه الجنائي الإسلامي (2002).
  • ماذا يعني المذهب الرسمي: الدولة العثمانية والمذهب الحنفي (2005).
  • القانون الجنائي الإسلامي والوضعي في مصر في القرن التاسع عشر: دور ووظيفة القاضي (1997).
  • إعادة تطبيق القانون الجنائي الإسلامي في نيجيريا: تحديات جديدة لمسلمي الشمال (2004).

 

 

 

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الإثنين, 08 يونيو 2026 12:49

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.