موقع حوارات

موقع حوارات

من الصعب أن تكتب عن إنسان عايشته وتأثرت به فصار لك قدوة معاصرة تخللت كيانك وسكنت عقلك حتى شعرت أنه معك دائمًا حتى لو تباعدت بينكم المسافات، فرغم سفري إلى خارج مصر فإنني لم أنقطع عن الاتصال به أبدًا، ولم أزر مصر إلا وزرته في بيته أستمد منه السكينة والاطمئنان وأعرض عليه ما استجد في حياتي العلمية والعملية، فينصح بهدوئه المعتاد وبكلماته القليلة ذات المعاني الكبيرة.

بدأت علاقتي بأستاذي الدكتور جمال الدين عطية منذ ما يزيد على عشرين عامًا تقريبًا، وكان أول لقاء معه في يوم لا يمكن أن أنساه، إذ كنت أطالع جريدة (الأخبار) المصرية التي نشرت أسماء المعينين من دفعتي في مجلس الدولة المصري، حيث كان التعيين فيه هو حلمي الوظيفي الأول، ولما أفقت من صدمة عدم تعييني وفرغت من الاتصال بأصدقائي المعينين لأهنئهم، وجدت خبرًا صغيرًا في الصفحة الثانية من الجريدة عن عقد حلقة نقاشية مساء ذلك اليوم حول “تجديد الفقه الإسلامي” يحضره عدد من المفكرين والعلماء، ولم تذكر الجريدة حينها إلا اسم الجمعية التي تنظم الحلقة التي سأكتشف فيما بعد أن علمي بها وحضوري إياها كأنه إشارة من المولى لي بأن مستقبلي يبدأ من هنا وليس هناك (في مجلس الدولة).

ذهبت إلى مكان انعقاد الحلقة النقاشية فوجدت أستاذا هادئًا لم أره من قبل يتحدث حول تجديد الفقه الإسلامي، بينما فوجئت أن الحضور يكاد يقتصر على أساتذة بحجم: الدكتور توفيق الشاوي –رحمه الله، والدكتور محمد عمارة، والمستشار طارق البشري، والدكتور محمد كمال الدين إمام، والدكتور علي جمعة، والشيخ جمال قطب وغيرهم من النظراء، إلا أنا، كنت مجرد شاب صغير يشعر بالحرج لوجوده فجأة وسط هذه الكوكبة على حين غرة، بينما هم يلمحونه وكأنهم يتساءلون باستغراب: من هذا؟!

بعد نهاية اللقاء وجدتني أذهب إلى المتحدث الذي علمت أنه الدكتور جمال الدين عطية رئيس تحرير مجلة المسلم المعاصر، فجلست بين يديه أعرفه بنفسي وباهتمامي بالقضية محل النقاش، ومن حينها لم أستطع أن أفارقه أبدًا، حتى أنني تركت وظيفتي المؤقتة لأعمل معه باحثًا مساعدًا إلى أن سافر إلى مدينة “جدة” في المملكة العربية السعودية ليُشرف على معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية هناك، فاكتفيت بلقائه حين يزور مصر، ثم حين أزورها بعد سفري خارجها وعودته إليها.

لماذا جمال الدين عطية؟

تأملت في هذا السؤال مليًا لأعرف بالضبط ما الذي جعل هذا العالم (بكسر اللام الثانية وبفتحها كذلك) هو محور اهتمامي واهتمام الكثيرين غيري ممن هم مشغولين بالهمِّ الإسلامي -إذا صح التعبير- فكانت الإجابة عندي هي أنه –رحمه الله- كان نموذجًا لما ينبغي أن يكون عليه “المسلم المعاصر”، إنه بالضبط “المسلم” الذي تمناه (مالك بن نبي) ليقيم الحضارة الإسلامية من جديد، إذ إن الرجل قد توافرت فيه –من وجهة نظري- غالبية الصفات الإيجابية التي ينبغي أن يتحلى بها أفراد الأمة الإسلامية في عالمنا المعاصر ليعيدوا إلى الحضارة الإسلامية ريادتها، بحسب ما انتهى إليها مالك بن نبي في كتاباته المختلفة، مثل: فاعلية العقيدة الدينية وتوهجها لتكون ذات تأثير اجتماعي متدفق، والاستثمار الأقصى للعناصر الثلاث اللازمة للنهوض الحضاري، وهي: “الإنسان والوقت والتراب”، وتقديم الاهتمام بالأفكار على حساب الأشخاص والأشياء، والتزام الصمت الإيجابي قدر الإمكان للتفرغ للعمل الجاد المنظم تنظيمًا دقيقًا، والحرص على إقامة شبكة قوية للعلاقات الاجتماعية تربط بين الحاملين للهم الحضاري الإسلامي، والعمل الحكيم على الاستفادة من الحضارة الغربية الحديثة والموروث الثقافي الإسلامي على حد سواء، وتشجيع الشباب على الإبداع والتألق.

وسأعرض الآن لبعض ما لمسته من تلك الصفات في أستاذي الدكتور جمال الدين عطية ومواقفه المختلفة التي لمست بعضها بنفسي، ولمسها من أهم أفضل مني ممن تعاملوا معه من قديم:

1) فاعلية العقيدة في الحياة العلمية والعملية:

إذا كان المسلم في عصر التخلف الحضاري يؤخذ عليه إجمالاً الانفصام بين الروح والعمل، وبين ما يؤمن به وما يتغنى، وبين ما يقول وما يفعله في الواقع، على النحو الذي أشار إليه مالك بن نبي مرارًا “انظر على سبيل المثال كتابيه مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ووجهة العالم الإسلامي” فإن الراحل د. جمال الدين عطية -رحمه الله- كان فيه اتساق عجيب بين ما يعتقد وما يفعل، وكان الدافع الرئيس لديه للعمل هو العقيدة الإسلامية التي كان توهجها في فؤاده يدفعه دائمًا –بحسب ظني- للالتزام بالعمل لخدمة الإسلام حتى آخر لحظة في عمره.

روى لي أ. عبد العزيز طاهر (المحامي الكويتي الذي عمل مع د. جمال في الكويت في الفترة من 1969 حتى مغادرته لها بعدها بسنوات والذي حرص على تواصله مع الدكتور وزيارته حتى وافته المنية رحمه الله، ويعتبر نفسه تلميذًا له، حيث كان الدكتور جمال قد بدأ العمل في المحاماة سنة 1955 تحديدًا)، أن الدكتور جمال الدين عطية لم يكن فقط يتجنب ما يغضب الله في عمله في المحاماة، بل كان يتحاشى كل ما قد يؤدى إلى المعصية ولو كان مباحًا في ذاته، سدًا للذريعة، حتى إنه كان يوجه العملاء إلى ما يحقق مصالحهم ولو كان ذلك سيؤدي إلى عدم حصوله على أتعابه، فقد جاءه عميل -على سبيل المثال لا الحصر- طالبًا منه أن يرفع له قضية اكتشف د. جمال أنه قد فات ميعاد رفعها المحدد قانونًا على سبيل الوجوب، فإذا بالدكتور جمال يصارحه بالحقيقة وينصحه بعدم رفع القضية من البداية وعدم الذهاب لمحام غيره، طالبًا منه –عوضًا عن ذلك- الصلح مع خصمه وتسديد الالتزامات التي عليه.

ويعد الإيمان القوي هو النموذج التفسيري عندي لهذا التوهج المستمر للدكتور جمال، وهذه الهمة العالية للعمل في خدمة الدين منذ أن كان شابًا ينضم إلى جماعة الإخوان المسلمين لما رأى أنه الطريق الأفضل حينها لعودة الإسلام، مرورًا بهجره للجماعة تفرغًا لدراسة تجديد الإطار الفكري والفقهي للعمل الإسلامي، ثم في طرحه لأفكار موسوعية لتجديد الفقه الإسلامي في مجالات مختلفة ومتنوعة، وفي إنشائه لمجلة المسلم المعاصر والتزامه حتى وفاته بسياسة تحريرية للمجلة تعمل على المواءمة بين الإسلام والعصر بحيث تنضبط مستجداته بالدين فلا تنفلت منه.

ويلاحظ أن مجلة المسلم المعاصر تكاد تكون هي المجلة الإسلامية الوحيدة المستمرة طوال ما يزيد على أربعين عامًا (من عام 1974 ولاتزال مستمرة بفضل الله) دون توقف تقريبًا، وكان استمرارها نتيجة دأب الرجل وحرصه الدائم على أن يؤدي رسالته من خلالها حتى النهاية.

ومن الطريف أن د. جمال الدين عطية قد كتب بنفسه في كلمة التحرير لمجلة المسلم المعاصر (السنة العاشرة، العدد 40) متعجبًا من استمرار المجلة في الصدور المنتظم لعشر سنوات رغم أنها لا يوجد بها موظفون، ولا تحقق ربحًا ماديًا، خاصة وأنها لا تحصل على دعم من حكومة من الحكومات أو من شخصية موسرة من الشخصيات، ولكن أسرة تحرير المجلة أفصحت بعد ذلك، في الذكرى الأربعين لصدورها (في العدد 151 تحديدًا)، عن دور د. جمال نفسه “في تجاوز العديد من المشكلات المادية ومشكلات التحرير والتوزيع والمشكلات القانونية”.

ويلاحظ أن أثر العقيدة لا يظهر فقط في تدفق عطاء د. جمال الدين عطية واستمراريته، بل في البركة والنماء الذي تميزت به أفكاره الإبداعية، ومن ذلك مثلاً أن جهده لأجل إنشاء البنوك الإسلامية نما ولا يزال حتى لا تكاد تخلو دولة من إنشاء بنك إسلامي بها على الأقل، كما أن فكرته بإنشاء موسوعة فقهية أثمرت ونمت حتى صدرت هذه الموسوعة في خمسة وأربعين مجلدًا، أما فكرته في إعداد موسوعة القواعد الفقهية والأصولية فقد اكتملت إلى نهايتها وصدرت في 40 مجلدًا!

وذكر لي الأستاذ عبد العزيز طاهر واقعة بالغة الدلالة على مدى إخلاص دكتور جمال الدين عطية وتجرده في عطائه، مؤداها أنه اكتشف أن هناك كتابًا تذكاريًا صدر عن الموسوعة الفقهية الكويتية، ولم يرد فيه اسم الدكتور جمال رغم كونه صاحب فكرتها والأمين العام الأول لها، فطلب من د. جمال أن يخطرهم لإصلاح الخطأ متعهدًا أن يتابع الموضوع، فإذا بالدكتور جمال يرفض إثارة الأمر من الأساس أصلاً مكتفيًا بأن الله وحده يعلم وهذا فيه الكفاية!

2) استثمار العناصر الثلاثة المكونة للحضارة:

تقوم الحضارة – بحسب مالك بن نبي- على عناصر ثلاثة ينبغي استثمارها معًا: الإنسان، والوقت، والتراب (أي الإمكانات المادية والموارد الطبيعية)، وتحتاج دومًا إلى عقيدة دينية دافعة ورافعة (انظر كتبه: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، ووجهة العالم الإسلامي، وشروط النهضة)، وقد أشرت في العنصر السابق إلى مدى فاعلية العقيدة الدينية لدى الدكتور جمال الدين عطية، ولذا فمن الطبيعي أن تكون لذلك ثمار واضحة في تكوين إنسان حضاري مثله يستثمر طاقاته وإمكاناته وأوقاته كلها في خدمة حضارته الإسلامية، وهناك أمثلة كثيرة تبرز هذه الحقيقة وتؤكدها.

روى لي -على سبيل المثال- أ. عبد العزيز طاهر أن مكتب المحاماة الخاص به هو والدكتور جمال الدين عطية كان عبارة عن خلية نحل لا تنقطع عنها الزيارات والاجتماعات لأجل تحقيق أهداف شتى، مثل سَنّ التشريعات الكويتية وتطويرها (ذكر أن د. جمال هو من صاغ تشريع يمنع المجاهرة بالإفطار في نهار رمضان)، وإجراء الدراسات عن إنشاء البنوك الإسلامية بمعية نخبة من الأكاديميين، وأيضًا التخطيط للموسوعة الفقهية الكويتية، وكان يزور د. جمال الأكاديميين ورجال العلم والمثقفين في أواخر الستينات وأوائل السبعينات، وكان بعض رجال القضاء يستعينون بمكتبته الكبيرة المتنوعة المتضمنة الكثير من المراجع. وكان مكتبه للمحاماة من المكاتب المعروفة والهامة في دولة الكويت لكفاءة الدكتور جمال العلمية من ناحية، ولكونه من المكاتب القليلة التي كانت تشتغل بالمهنة في الكويت حينذاك من ناحية أخرى. (كان الدكتور جمال مقيدًا منذ سنة 1955م في الجدول المؤقت الذي وضع في بدايات العمل بمهنة المحاماة بالكويت رغم أنه لم يكن يحمل الجنسية الكويتية، بينما حمل تلميذه أ. طاهر رقم (17) في جدول المحامين الكويتيين، أي أن عدد المحامين الكويتيين قبل قيده كان 16 محاميًا فقط).

وعلى الرغم من النجاح الكبير للدكتور جمال في مهنة المحاماة (كما يشهد أ. عبد العزيز طاهر) إلا أنه قرر أن يعتزل المهنة ليتفرغ لرسالته الأكبر في خدمة الإسلام في المجالين الفكري والفقهي تحديدًا، فإذا بالرجل يستثمر كل وقته وإمكاناته في الإبداع الحضاري، حتى لا تكاد تتصور أنك قد ألممت بكل إنتاجه العلمي ومساهماته المختلفة في تطوير المؤسسات والمراكز الإسلامية فإذا بك تكتشف أن له إبداعات أخرى!

والعجيب أن الرجل ظل محافظًا على عاداته في العمل حتى أجبره المرض في نهاية حياته على تغييرها، فقد كان يستيقظ دائمًا قبل شروق الشمس ويبدأ عمله بعد الصلاة حتى لو لم يكن يلتزم بدوام معين، ثم يعمل حتى يتناول غذائه ويرتاح قليلا وقت القيلولة، ثم يستأنف عمله من جديد، ولقد اعتدت على ذلك حتى أنني كنت أتصل به أحيانًا في السابعة صباحًا، وقبل وفاته بفترة ليست كبيرة اتصلت عليه في التاسعة فوجدته نائمًا فلما كلمته ظهرًا علقت عفويا بأنني لم أعتد معه على ذلك، فإذا به يعتذر ضاحكًا ويفسر ذلك بالمرض وحده، رحمه الله.

وإذا ما أخذنا استثماره للوقت بمفهوم أشمل سنجد أن الدكتور جمال قد استفاد من حياته كلها في العمل الجاد المبدع، ففضلا عما أشرت إليه من كيفية الاستفادة من وقته في عمله في المحاماة ومشاركاته العديدة في أعمال موسوعية ومبتكرة، فإنني في زيارتي الأخيرة له (التي أصر فيها على أن أَشرُف بزيارته حينها وكأنه يشعر بدنو أجله، حيث توفي بعدها بثلاثة أشهر فقط) وجدته يواصل عمله رغم اقترابه من بلوغ التسعين من عمره، واعتلال صحته إلى درجة أنه لم يكن يستطيع أن يتنقل داخل سكنه، وقد أمسك القلم ليشرح لي كيف أنه استنبط بعض الأفكار من رسالتي للدكتوراه ويريد أن نتشارك في تطويرها! 

بل والأعجب من ذلك ما رواه لي أحد تلاميذه، وهو الأستاذ أشرف عبد الله الذي عمل تحت إدارته في مشروعين كبيرين، هما: مشروع “معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية” ومشروع “مدونة الأسرة وفق المعمول به في المملكة العربية السعودية” بخلاف أعمال أخرى كان يسترشد برأي الدكتور فيها، حيث ذكر لي واقعة تثبت مدى استثمار هذا العالم لأقصى قدر من إمكانياته الإنسانية والصحية والعمرية، أُفضِّل أن أرويها على لسانه شخصيًا:

“هذا وما كنت أعجب من شيء من صفات هذا العلم الراحل فترة عايشته عجبي من نظامه والتزامه وتفانيه في العمل، ومن أعجب المواقف التي وقعت لنا أثناء عملنا في مشروع معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية، عندما أصيب بمرض خطير، وكان قرار الأطباء هو حتمية إجراء جراحة عادلة، وبعد مداولات وإقدام وإحجام خوفًا عليه لخطورة الوضع لتقدم سنه، تقرر إجراؤها، فكان – رحمه الله تعالى- يأمرني أن آتيه يوميًا في المستشفى رغم حالته الصحية المتأخرة، فنراجع الأعمال ويعمل بكل جد وجهد، ويأخذ مني كمية من الملفات عند رحيلي ليعمل عليها وحده مساء، وأرجع في الصباح فأجده قد أتمها ووضع ملاحظات العمل عليها، وإن تعجب فعجب أنه في صباح اليوم الذي دخل فيه غرفة العمليات طلب مني بإلحاح أن أجلب له ملفات معينة من العمل، وراح يشتغل عليها معي وكأنه سليم معافى، وكأنه ليس الرجل الذي تعد له الآن المقصات والمشارط لفتح جمجمته وإمرار هذه الأسلحة عليها، وكأن هذه المشارط والمقصات تُعد لشخص آخر، وظل على هذه الحالة معي، وأنا أحاول أن أثنيه عن هذا ليستريح، فيقول لي: دعنا نموت على عمل صالح، ولم يترك العمل معي حتى حضر الأطباء والممرضات فأخذوه مني لتخديره”!

يا الله… ما هذا؟!

ترى لو عاد مالك بن نبي ورأى مثل هذا “المزج العقيدي” لعناصر الحضارة الثلاثة في أصعب اللحظات التي يمكن أن تمر على الإنسان في حياته قاطبة، ماذا كان يقول؟!

3) تقديم الأفكار على الأشخاص والأشياء:

تستطيع أن تقول أن الدكتور جمال لم يكتف بتقديم الأفكار على الأشخاص والأشياء فقط، بل استطاع أن يسخر الأشخاص والأشياء لخدمة الأفكار، فتجده يستخدم علاقاته الاجتماعية الكبيرة دومًا لخدمة فكره، حتى أنه كان يكره الواسطة والمحسوبية، كما أنني لم أشعر مرة واحدة أنه يقدس شخصًا ما على حساب فكرة يؤمن بها، ولذا فقد كانت أفكاره دائمًا مرتبطة برسالته في الحياة لا بشخص بعينه حتى لو اعتز ببعض الشخصيات على أسس موضوعية دائمًا.

هذا التقديم للأفكار عند الدكتور جمال لا يحتاج للتدليل أكثر من استعراض إنتاجه الفكري الغزير، ومن كونه لم يسع وراء المال، وإلا لكان استقر في مكتبه في المحاماة في الكويت مثلاً، أو توقف عن حمل هَمّ مجلة فكرية رائدة واستفاد من وقته وجهده الذي بذله في إدارتها والمسئولية عن شأنها، كي يجني الأموال، وقد كان ذلك في استطاعته لا ريب.

وأذكر في هذا المقام أن د. جمال -رحمه الله- روى لي أن أحد أثرياء العرب المشهورين دعاه يومًا للركوب معه في سيارته الفخمة وعرض عليه إدارة مركز مرموق للاقتصاد الإسلامي، ولكن د. جمال رفض طلبه لإدراكه أنه لا يصلح لدور المدير الذي لا هم له سوى إرضاء الكفيل، ولو على حساب ما يؤمن به من قيم ومبادئ، وما يقتنع به من أفكار حرة.

4) تكوين شبكة علاقات اجتماعية قوية:

كان لي شرف تحرير بعض (سيمنارات) الدكتور جمال الدين عطية لنشرها في مجلة المسلم المعاصر، وكنت أستمع (وأستمتع) لها بعناية، ورأيت من خلال المتحدثين كيف كان –رحمه الله- يقيم شبكة علاقات قوية من المفكرين والفقهاء والباحثين، تخدم رسالته في الحياة، وأنه كان غالبًا ما يجمع هؤلاء للحوار والنقاش حول قضية أو مسألة ما ويقدم هو ورقة العمل اللازمة.

ويبدو أن د. جمال الدين عطية كان ناجحًا اجتماعيًا في كافة مراحل عمله، وقد سلفت الإشارة إلى ما ذكره تلميذه في دولة الكويت (أ. عبد العزيز طاهر) كيف كانت علاقاته متشعبة حين كان هناك، وكذلك أخبرني ببعض علاقاته التي كونها في قطر، وفي لوكسمبورج، وفي جنيف، وفي لبنان. وأذكر أنني التقيت مؤخرًا في الكويت أحد رواد الاقتصاد الإسلامي، وهو الأستاذ الدكتور عبد الحميد البعلي، وذكرت له عَرضًا اسم الدكتور جمال الدين عطية، فإذا بالرجل ينظر إليّ مهتمًا ويقول أنه من أعز أصدقائه، ولما عرف بوفاته، حزن، وأخبرني أنه تعرف عليه مذ كان الدكتور جمال يعمل في المعهد العالمي للفكر الإسلامي.

أليس ذلك يصدق بالضبط ما قرره مالك من ضرورة وجود شبكة علاقات اجتماعية من شأنها أن تقوم بتركيب العوالم الثلاثة المكونة للحضارة: عالم الأفكار، وعالم الأشخاص، وعالم الأشياء (انظر كتابه الذي شرح فيه هذه الفكرة بالتفصيل: “ميلاد مجتمع”)، فالرجل أوجد رابطة اجتماعية وعلمية متناغمة تربط بينه وبين كثير من العلماء والباحثين تتوجه لتحديد أهداف حضارية مشتركة، حيث أحسب أنه استثمر هذه الشبكة في تحقيق الكثير من الإسهامات الكبرى في خدمة الحضارة الإسلامية.

5) الصمت الفعال:

كتب مالك بن نبي يقول: «إن من الصعب أن يسمع شعب ثرثار الصوت الصامت لخطى الوقت الهـارب» (شــروط النهضة، دار الفكر- دمشق، 1986، ص 141)، وذكر أن المسلم المعاصر ينقصه المنطق العملي في التفكير، بل إنه أحيانًا “يبغض أولئك الذين يفكرون تفكيرًا مؤثرًا، ويقولون كلامًا منطقيًا من شأنه أن يتحول في الحال إلى عمل ونشاط (المرجع نفسه، ص 96).

وكل من يعرف د. جمال الدين عطية جيدًا يدرك إلى أي مدى كان الرجل استثناءً من حال المسلم المعاصر الذي يكره المنطق العملي، فقد كان يفضل الصمت على الكلام، وكنت إذا حدثته في أمر أجده صامتًا حتى إذا هممت بتغيير الموضوع ظنًا مني أن صمته دلالة على رفضه التعليق، وجدته يعلق بحكمة وإيجاز.

وكان صمت الدكتور جمال من النوع الإيجابي الذي يعني أن صاحبه يهتم بالعمل الجاد على حساب لغو الكلام، وليس هناك دليل على ذلك أهم من غزارة إنتاجه العلمي وتنوعه بين مجالات مختلفة، وهذا بالضبط ما نحتاجه في المسلم المعاصر، ألا يكون ثرثارًا يكثر من الحكي والكلام على حساب العمل.

وقد روى لي أستاذي الدكتور أحمد كمال أبو المجد كيف لاحظ من قديم “صمت د. جمال الحكيم وهدوئه الذي يجعله منظم الفكر، غير فوضوي، ولا ينفعل بسهولة”، حيث قرر أنه “كان في جولة في البحر مع د. جمال وآخرين، وإذا بالأمواج تعلو والمركب يهتز بشدة، فاشتد قلقنا وجزعنا بينما ظل الدكتور جمال هادئًا يدعو ربه، حتى انزاحت الغمة وعادوا سالمين بفضل الله”!

6) التفاعل الإيجابي الحكيم مع الحضارة الغربية الحديثة والموروث الثقافي الإسلامي

كان مالك بن نبي يحرص دائمًا على التأكيد على ضرورة التركيز على البناء الذاتي للحضارة الإسلامية، غير أنه لم يدع أبدًا (المسلم المعاصر) إلى عدم الاستفادة من التقدم الغربي، أو من الموروث الثقافي الإسلامي بالطبع، غير أنه أكد على تجنب الاعتماد على تكديس منتجات الحضارة الغربية والتعويل عليها في عملية البناء الحضاري، خاصة وأن كثيرًا من أفكارها قد تعد بنَّاءة في بلادها، فإذا نقلناها إلى بلادنا فستتحول إلى أفكار قاتلة (مميتة) تعيق النهوض، وهو ما حذر منه كذلك بشأن استدعاء أفكار من الموروث الثقافي للحضارة الإسلامية ربما كانت صالحة (أو مبررة) في زمانها ولكنها لم تعد كذلك في زماننا، بل باتت أفكارًا “ميتة” لا نفع فيها، ولذا فقد دعا إلى الأخذ عن الاثنين ما يساعد فقط في عملية تشييد الحضارة الإسلامية من جديد (انظر كتاباته في هذا الشأن في غالبية كتبه، وخاصة: مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي، وشروط النهضة، ووجهة العالم الإسلامي…).

هذا الفكر – في ظني- يجد ضالته عند د. جمال الدين عطية –رحمه الله- الذي كان طوال حياته نموذجًا لكيفية إحداث التفاعل البنَّاء بين ما سمي بالأصالة والمعاصرة، أو بالقديم والجديد، بحيث يخدم المزج بينهما الساعين إلى النهوض الحضاري الإسلامي من جديد.

وأظن أن البداية كانت عن طريق إبداعه فكرة البنوك الإسلامية وإسهامه الفكري الجاد في إنشاء “بنك فيصل الإسلامي”، وكذلك بإسهاماته الجادة والعميقة في مشروع “إسلامية المعرفة” وخاصة في مجالي الشريعة والقانون، حيث أبدع كتابيه: “النظرية العامة للشريعة الإسلامية”، و”التنظير الفقهي”، وبعض أبحاثه الأخرى التي كان له السبق في طرحها، مثل بحثه المنشور في العدد الأول لمجلة “أوقاف” التي تصدرها الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت (المنشور في نوفمبر 2001م)، وعنوانه: “الوقف والنظم الشرعية والحديثة ذات العلاقة- محاولة للتصنيف ومقترحات للتفعيل والتعاون”.

والدكتور جمال الدين عطية رغم إتقانه لأكثر من لغة أجنبية، وحصوله على الدكتوراه من جنيف (سويسرا) إلا أنه لم يقع في فخ الذوبان في عشق الحضارة الغربية أو في أسر محاولة تقليدها، بل نجح فيما نجح فيه مالك بن نبي من قبل، أن يوظف ما استفاده من إيجابياتها في خدمة دينه ووطنه وليس العكس، كما حدث لكثيرين حيث عادوا من هناك أسرى للفكر الغربي يريدون أن يفرضوه بحذافيره على واقعنا المعاصر.

أما على الجانب الآخر –جانب التراث الإسلامي- فإن د. جمال -رحمه الله- لم يدع يومًا إلى الاستعانة بالأفكار الميتة من هذا التراث، بل على العكس من ذلك، كان يتجنب تلك الأفكار في صمته الإيجابي المشار إليه من قبل، فهو مثلاً تجنب فكرة “الطائفية” والاستقطاب المذهبي، خاصة بين السنة والشيعة، فتجد أنه كان صاحب فكرة أن تقوم الموسوعة الفقهية الكويتية على المذاهب الثمانية (أي لا تكتفي فقط بالمذاهب السُنية الأربعة)، وهو الاقتراح الذي طبقه القائمون على الموسوعة من قبل حين كان أمينًا عامًا لها، غير أنه جرى التراجع عنها فيما بعد واقتصرت على المذاهب الأربعة فقط.

وقد لمست عن قرب أن هذا النهج الذي يرفض الأفكار الميتة التي تقسم الأمة الإسلامية تقسيمًا صراعيًا لا تعاونيًا تعدديًا، لم يقتصر على الجانب الفكري فقط عند د. جمال الدين عطية، بل كان منهج حياة، ويكفي أن أذكر الآن أن تلميذه الكويتي الذي رويت عنه من قبل –وهو المحامي عبد العزيز طاهر- (شيعي). كما كانت له مجالات تعاون ومراسلات كثيرة بينه وبين الأستاذ عبد الجبار الرفاعي (الشيعي كذلك) رئيس تحرير مجلة “قضايا إسلامية معاصرة” كما روى لي شخصيًا د. جمال.

7) تشجيع الشباب وتبنيهم علميًا:

إن من سمات أصحاب الرسالات أن يكونوا حريصين على نقل خبراتهم – متجردين- إلى الشباب عسى أن يستكملوا المسيرة، ولذلك تجدهم يشعرون بسعادة عجيبة حين يبزغ نجم شاب جديد في مجاله، وكان مالك بن نبي من هؤلاء الذين كانوا يضعون آمالهم في شباب العالم الإسلامي وكان يقيم لهم “مجالس علمية” أو “صالون ثقافي” كل أسبوع تقريبًا سواء في وطنه أم في دمشق أو الجزائر أو في مصر، ولولا أنه يثق في أنهم هم أمل الأمة ما ضيع وقته معهم وتبناهم فكريًا وثقافيًا.

أما دكتور جمال الدين عطية فإنه لم يكن من هواة تنظيم الصالونات الثقافية، بل كان تأثيره على الشباب من خلال اللقاءات المباشرة والنصح غالبًا، فضلاً عن كتاباته ومجلته المرموقة بالطبع.

وسأضرب مثلين فقط الآن لتبين مدى كان حرص الدكتور جمال على تقديم النصح للشباب وتشجيعهم على المبادرة والانطلاق:

أما المثال الأول فهو تلميذه الكويتي الأستاذ عبد العزيز طاهر الذي أكد فخره بأن الدكتور جمال أستاذه وقدوته منذ أن تعرف عليه سنة 1969 حتى وفاته، وذكر أنه تعلم منه كيف يكون الإنسان محاميًا ناجحًا دون أن يقترب من المعصية، ورأى بعينه كيف يعمل الإنسان لخدمة دينه حتى تكون حياته كلها تقريبًا لله، وشاهد كيف كان د. جمال يدرس القضايا المعروضة عليه مع أسرة المكتب على شكل حوار مفتوح يعقده في أحد المطاعم مثلاً، مما ينتج تلاقحًا للأفكار ويوطد العلاقات الإنسانية كذلك بين العاملين، وذكر أ. عبد العزيز أنه تعلم من الدكتور جمال كذلك كيف يكون منظمًا في عمله ودقيقًا، فقد كان يكلفه بجمع كافة التشريعات وتحديثها دائمًا حتى كان القضاة أنفسهم يأتون للاطلاع على التشريعات التي لا يعثرون عليها خارج المكتب.

وتعلم الأستاذ عبد العزيز كذلك من الدكتور جمال المنطق العملي في التفكير، فأخذ بنصيحته بالتركيز الكامل في عمله والتفرغ له، ولذا نجح الرجل في مهنته وقام بتأسيس “مجموعة طاهر” مع أخيه والتي تعتبر من أقدم مكاتب المحاماة في الكويت، كما حاول أن يكون امتدادًا لمسيرة الدكتور جمال فاتجه إلى التأليف العلمي والقانوني، حيث ألف كتابين في مهنة المحاماة، أحدهما سفر كبير يقترب من ألف وثلاثمائة صفحة من القطع الكبير.

وأما المثال الثاني فهو كاتب هذه السطور الذي لا يستطيع أن يحصي هنا أفضال الدكتور جمال عليه، ويكفي الآن أن أذكر أن الدكتور جمال هو الذي حول حياتي كلها لأتفرغ للبحث العلمي في مجال الدراسات الإسلامية والقانونية معًا، وذلك حين شرفني بطلب العمل معه باحثًا مساعدًا له، فوافقت على الفور تاركًا وظيفتي الحكومية، وبدأت معه بجمع المادة العلمية لبحثه “نحو فقه جديد للأقليات” الذي صدر أولا ضمن حولية “أمتي في عام” الصادرة عن مركز الحضارة للدراسات السياسية، ثم إذا به يكلفني مشكورًا بالمشاركة معه -هو والأستاذة الفاضلة مهجة مشهور- في الكتابة معه في كتابه الذي صدر بعد ذلك تحت عنوان “إسلامية المعرفة- الخبرة والمسيرة”، وأذكر حينها أنني تهيبت في البداية ولكنه شجعني بقوة وأصر على أن أكتب الجزء التاريخي كله، ثم عقد سيمنارًا لمناقشة مسودة الكتاب حضره عدد كبير من المفكرين والباحثين على رأسهم الدكتور عبدالوهاب المسيري والدكتور محمد عمارة والدكتور محمد كمال الدين إمام والشيخ علي جمعة والدكتور محمد أحمد سراج، فكان من حسن حظي أن تُعرض أول كتاباتي على هؤلاء الكبار مما أفادني كثيرًا فيما بعد وكان الفضل في ذلك بعد الله عز وجل للدكتور جمال – رحمه الله-.

ولقد استمرت بعد ذلك أفضال أستاذي الدكتور جمال علي، فإذا به يفاجئني بنشر أول بحث أكتبه في حياتي في مجلة رائدة وهي “المسلم المعاصر”، وكان عن “مالك بن نبي”. وقد استمر دعم الدكتور جمال وتشجيعه لي حتى إنني حين أرسلت له خاتمة رسالتي للدكتوراه راجعها واقترح بعض التعديلات التي أدخلتها فعلا، وقد أصر على حضور المناقشة بنفسه وهو من لا يغادر كرسيه إلا لضرورة قصوى لولا أن اشتد عليه المرض يومها!

هذان مثالان فقط على مدى عناية الرجل بالشباب منذ بداية حياته المهنية حتى وفاته، ولا أظن أن المسلم المعاصر مطلوبًا منه أكثر من ذلك فيما يخص حرصه على إعداد الشباب للقيام بدورهم الحضاري المنشود. 

وختامًا فإن الحديث عن الدكتور جمال الدين عطية لا يمكن أن يستوفيه مجرد مقال أو بحث أو حتى كتاب، بل ينبغي أن تعد عنه وعن فكره ودوره الثقافي الفعال رسائل للماجستير والدكتوراة، ولكن كانت هذه فقط بعض الملامح من كون هذا العالم الجليل نموذجًا للمسلم المعاصر الذي إذا ساد عالمنا الإسلامي فإنه سيتمكن يقينًا إلى العودة مجددًا إلى الريادة الحضارية في العالم أجمع وقيادة الإنسانية نحو ما يرقيها ويضبط سلوكها ويرشد حركتها في التاريخ.

دراسة بعنوان “قوانين التأمين التكافلي- الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية” للدكتور رياض الخليفي، نُشرت في مجلة الحقوق التي تصدر عن جامعة الكويت، في العدد رقم (2) للسنة (13)، عام 2007.
يصف الدكتور رياض الخليفي دراسته بأنها “معيارية” لأبرز الأسس والضوابط والمعايير الفنية التي يجب على واضعي قوانين التأمين التكافلي مراعاتها وتضمينها مواد القانون وبنوده، إذ إن تحصيل هذه المعايير مما يعز غالبا على غير المتخصصين في الشريعة والتأمين التكافلي، وقد سعى في بحثه إلى التعرف على حيثيات الواقع العملي وتفاصيل التطبيق الميداني.
وقد كان الباعث على إعداد هذه الدراسة مجموعة من الأسباب؛ من أبرزها: الحاجة الملحة لدى المسؤولين في العالم الإسلامي الذين يتطلعون إلى إقرار قوانين خاصة تنظم أعمال شركات التأمين التكافلي، وذلك أسوة بإقرار قوانين البنوك الإسلامية في عدد من دول العالم الإسلامي.
وتتلخص مشكلة هذه الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد وصياغة القوانين المنظمة لأعمال الشركات التأمين التكافلي، لاسيما في جانبيها الشرعي والفني، ذلك أن إعداد قوانين التأمين التكافلي يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة؛ أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها، وفنون الصناعة التأمينية بأنواعها ومجالاتها وصيغها، وأخيرًا علم القانون.

أما عن أهداف الدراسة، فيمكن تلخيصها في النقاط الآتية:
أولًا: التعريف بالمعايير الفنية لنظام التأمين التكافلي، وتقريب واقعه العملي من حيث بيان طبيعتها وتوصيفها الفني؛ عملا بقاعدة “الحكم على الشيء فرع عن تصوره”.
ثانيًا: التعريف بالأسس الشرعية التي يقوم عليها نظام التأمين التكافلي المستمد من أحكام ومبادئ الشريعة الإسلامية الغراء ومقاصدها الكلية وقواعدها الفقهية.
ثالثًا: الإسهام بتحديد جملة من المعايير الموضوعية التي يلزم مراعاتها من قبل المختصين بعلم القانون عن إعداد وصياغة قانون التأمين التكافلي ، وهي معايير تبنى على أساس المزاوجة بين الجوانب الفقهية والجوانب الفنية.
رابعًا: إثراء وتعميق الفكر الفقهي المعاصر بجوانب تطبيقية تتصل بقطاع التأمين التكافلي، الذي يعد ضرورة حتمية ضمن هيكل النظام الاقتصادي الحديث، وأحد أبرز الصناعات المالية المعاصرة.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

صدرت هذه الدراسة عن مركز بحوث الدراسات الإسلامية التابع لمعهد البحوث العلمية وإحياء التراث الإسلامي التابع لجامعة أم القرى، مكة المكرمة، الممكة العربية السعودية، سلسلة بحوث الدراسات الإسلامية (سلسلة رقم 13)، 1991م، ومما جاء في مقدمة هذه الدراسة:

أدت سيطرة المفاهيم الغربية على الواقع السياسي المعاصر في العالم إلى بروز أفكار ونظريات جديدة كان من أبرزها نظرية السيادة التي أصبحت الركيزة الأساسية لتحديد مصدرا السلطة السياسية في الدول الحديثة. ولما كان الفكر الغربي يرتكز على مبدأ فصل الدين عن الدولة، فقد نجم عن ذلك إقرار سيادة الأمة أو السيادة الشعبية وخضوع الممارسات السياسية والقوانين التشريعية، تبعًا لذلك، لأراء وأهواء ممثلي الأمة التي أصبحت مصدرًا للسلطات.

ومنذ أوائل القرن الحالي سعى الاستعمار الغربي إلى نشر مفاهيمه عن السيادة في بلاد المسلمين بهدف بسط الهيمنة والقوانين الغربيين فيها، وتأصيل النزعة اللادينية لإقصاء الإسلام عن واقع الحياة والتشريع، مما جعل أغلب الدول المستعمرة والتابعة تسارع إلى إقرار مبدأ السيادة الشعبية لإظهار وتأكيد توافق أنظمتها مع الأنظمة الغربية، بالإضافة إلى تعطيل الأحكام الشرعية الكلية والجزئية بحجة تغير الأحكام بتغير الزمان والظروف المحيطة بالدولة. وقد ارتبط تغيير الأحكام، نتيجة لذلك، بالدوافع السياسية والاقتصادية والاجتماعية فنشأت العديد من التحالفات والتكتلات السياسية المضادة لوحدة الأمة الإسلامية بحجة المصلحة، وأُقيمت المؤسسات الرأسمالية الاقتصادية بحجة الضرورة، وحُدد النسل ومُنع تعدد الزوجات بحجة معالجة الانفجار السكاني، ونودي بحرية المرأة بحجة منحها حقوقها .. وهكذا.

وانطلاقًا من الجزم بسمو ورقي الشريعة الإسلامية وتفوقها على ما تقوم عليه المجتمعات المعاصرة من مباديء وأنظمة وضعية، يعالج هذا البحث قضيتين أساسيتين: أولاهما، البحث في مصدر السيادة ونقض مفهوم انحصار السيادة في الأمة، حيث يؤكد البحث بالأدلة الشرعية أن السيادة والحاكمية للشرع الإسلامي، ويقرر ما يترتب على سيادة الشرع من بطلان كافة ما يخالفه، ووجوب إرجاع كل أمر مختلف فيه إلى الشرع.

أما القضية الثانية فمترتبة على سيادة الشرع وهي عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية لا من قبل الأمة ولا من قبل الدولة. فالدولة في الإسلام تهدف إلى إقامة الشرع المتمثل في “حراسة الدين” التي أشار إليها الفقهاء، ولذلك وجب عليها الالتزام بأحكام الإسلام في كافة الأمور.

ولتأكيد سيادة الشرع وما يترتب عليها من أحكام، سنمهد للبحث بنظرية السيادة في الفكر الغربي لبيان تناقضها مع النظرية الإسلامية في السيادة التي تؤكد سيادة الشرع وترتب على ذلك عدم جواز تغيير الأحكام الشرعية، كما سنبين الرد على عدد من الشبهات التي يرى المنادون بها تغيير الأحكام الشرعية مسايرة للمصلحة والواقع الإجتماعي.

ومع تقرير سيادة الشرع وعدم تغيير الأحكام يستعرض البحث الحالات التي أذن الشرع للدولة بالتدخل فيها بالمنع والإلزام لتنظيم المباحات. ويبرهن البحث على أن هذه الحالات تقتصر على دفع الضرر ومنع ما يوصل إلى المحرم، وتنظيم أجهزة الدولة، والملكية العامة والمرافق العامة، وإقامة فروض الكفاية المنوطة بالدولة مع التأكيد على أن ذلك لا يعد تغييرًا لأحكام الشرع وإنما يُعد في حقيقة الأمر تطبيقًا لأحكام شرعية قائمة بذاتها لمعالجة هذه الحالات في المجتمع الإسلامي.

تقسيم الدراسة:

وتم تقسيم الدراسة على النحو التالي:

  • مقدمة.
  • تحديد مصدر السيادة في الفكر الإسلامي.
  • سيادة الشرع ومباشرة السلطان.
  • بطلان مخالفة الشرع ووجوب رد التنازع إليه.
  • القواعد العملية لسيادة الشرع.
  • الإطار الشرعي لتدخل الدولة بالمنع والإلزام لتنظيم المباحات.
  • الخاتمة.

رابط مباشر لتحميل الدراسة

بحث للشيخ الدكتور محمد مصطفى المراغي أعادت مجلة المسلم المعاصر نشره عام 1995، على جزئين، الأول في المجلد رقم (19) العدد (74-75)، والثاني في المجلد رقم (19) العدد (75-76).
كتب الشيخ المراغي شيخ الأزهر الأسبق هذا البحث في سياق الجدل الذي أثير حول مشروع قانون حول الزواج والطلاق، وقد اغتبط الشيخ على حد تعبيره بهذا الجدل، فقد تسبب في نشاط العلماء في بحث المشروع والرجوع إلى كتب الشريعة المطهرة وتطبيقها على القانون، ونشط آخرون لبحثه من الوجهة الاجتماعية، وتقدير ما فيه من مصالح ومضار.
وقد عبر الشيخ المراغي رحمه الله عن أمله في يستمر هذا الحراك و”يتجدد نشاط الفقه الإسلامي بعد ركوده في المتون والشروح، وتتجه إليه الأنظار، وتتولد فكرة تهذيبه باختيار ما صح دليله، وما قام البرهان على أن فيه مصلحة للناس من أقوال أئمة الهدى وفقهاء الإسلام. وقد يقضى على تلك الفكرة الخاطئة فكرة وجوب تقليد الأئمة الأربعة دون سواهم، سواء أوافقت مذاهبهم مصلحة المجتمع أم خالفتها. وفكرة أن الدين الإسلامي بمذاهبه المتعددة عاجز عن سد حاجات الناس”.
سعى الشيخ في بحثه أن يبين مراجع القانون من نصوص العلماء، وطريقة استنباطه من هذه النصوص فيما يتعلق بالمواد التي أثارت الخلاف آنذاك.
جاء ترتيب البحث كما يلي:
1- مقدمة.
2- التكفير والتأثيم في الأحكام الفقهية.
3- الاجتهاد.
4- المجتهد المطلق.
5- الاجتهاد الخاص.
6- التقليد.
7- إمكانية الوثوق بالنسبة لآراء أئمة غير الأئمة الأربعة.
8- التقليد بغير دليل.
9- قضاء القاضي وفتواه بخلاف مذهبه.
10- قضاء القاضي وفتواه بالضعيف من مذهبه.
11- تغير الأحكام بتغير الأزمنة والأمكنة والعرف.
12- الاجتهاد في المذهب.
13- سوابق التشريع في مصر في العمل بالأقوال الضعيفة من مذهب أبي حنيفة وبغير مذهب أبي حنيفة.
14- السياسة الشرعية.
15- طاعة ولي الأمر.

رابط مباشر لتحميل البحث بجزئيه


فصل بعنوان “كيف يُعثر على الفقه الإسلامي ” مجتزأ من كتاب”مدخل إلى الشريعة الإسلامية” للبروفيسور وائل حلّاق، وترجمة طاهرة عامر، وقد صدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات عام 2017.
سعى المؤلف في هذا الفصل إلى طرح سؤال مفاده “كيف استقى المفتون والفقهاء المدنون التشريع من مصادره واستنبطوها؟ أو بعبارة أخرى، ما الوسائل التفسيرية وطرق التفكير والاستنتاج التي من خلالها استُنبط الفقه وقواعده؟”.

رابط مباشر لتحميل الفصل

أولا: الحاكمية في المشهد الإسلامي المعاصر

 من الخطأ أن نقرأ الأفكار وكأنها مجرد ردود أفعال، فيتم تحليل الأقوال، وينحى عن المشهد تأصيل الأحوال. ولعل الحاكمية، تاريخًا ومصطلحًا ونسقًا، هي الأَوْلى بقراءتها بعيدًا عن هذا المأزق المنهجي الذي يحبسها في فكرة مأزومة قبل ارتياد الآفاق التي حركتها من رحم التاريخ النائم إلى جدل الحاضر المتلاحم.

قيل عن القرن السابع عشر الميلادي في تاريخ الفكر الأوروبي؛ إنه “عصر الإلحاد”، وبذات لغة التحقيب التاريخي يمكن أن يسمى القرن التاسع عشر في تاريخ الفكر الإسلامي بأنه “عصر الاضطراب”؛ الاضطراب في كل شيء في الدولة وسلطاتها، وفي المجتمع وتنظيماته، وفي الإنسان التائه بين الواقع الرديء والمأمول الذي يبدو وكأنه لن يجيء، ظلمات بعضها فوق بعض.

كانت الدولة العثمانية هي الإطار الذي تلتقي في داخله هموم الأمة وطموحاتها، وكان الإسلام هو مصدر شرعيتها، وأساس ترابط شعوبها رغم تفرع انتماءاتهم، وتنوع لغاتهم، وتباين تصوراتهم للمستقبل المنشود، وكانت الدول الأوربية ترى في انكسار هذه الدولة، فكرًا وسياسة، هي الطريق الأوحد لإفساح الطريق أمامها في مجال حيوي لا حياة لها فيه إلا بتكسير عظام هذه الدولة وتدمير بنيتها الثقافية والسياسية والاجتماعية.

 وكانت فكرة الخلافة هي القلب الذي ينبغي إيقافه عن العمل، فنبضه يغذي حركة الصمود، فبقاء الخلافة يعني تراجع المشروع الغربي عن بلوغ غايته، وتلك خطوط حمراء في نظر دوله ومفكريه، لم تكن الفكرة دينية وإن أفرزت تعصبًا دينيًا، واستخدمت من الجدل الطائفي ما يعزز أهدافها، ويحقق مراميها، كان الدين ملاذاً يُستغاث في أجواء الصراع؛ لأن فكرة الدين الحق تُعد فكرة رئيسية عند القديس أوغسطين، كما هي فكرة جوهرية في مذاهب الإسلاميين.

 وهكذا بدأت حرب الأفكار تتغيا تفكيك الدولة العثمانية، وسحب الشرعية عن خلافة آل عثمان لإسقاط شرعيتها، وكسر شوكتها، منطلقة من فكرة تذويب الأديان، مرحليًا، حيث لا فرق بين مسلم ومسيحي ويهودي، وهي الفكرة التي تبنتها مجلة “النادي” التي تصدر عن النادي الإيطالي بمصر بإدارة “إنريكو أنساباتو” مدير الجريدة ورئيس تحريرها وصاحب كتاب (الإسلام وسياسة الخلفاء) الذي خاض معارك فكرية للتأكيد على أمرين:

الأول؛ أن الإسلام ربط السلطة العامة بالدين، ولم يفصل بين الرئيس السياسي والرئيس الديني في حدود عملية وواجبات قومية واجتماعية، فليس مذهب “ما لله لله وما لقيصر لقيصر” مرعيًا في الإسلام، بل الرئاسة الدينية هي بعينها الرسالة المدنية، والإمام قابض بكلتيّ يديه على أزِّمة الشؤون العامة المتعلقة بحياة الدين وحياة الأمة، فهو يعاقب على من يترك الصلاة والصوم ويمنع الزكاة، كما يعاقب السارق والقاتل والمعتدي بأي وجه من وجوه الاعتداء، والمجلس الذي يعاقب الإمام فيه على المخالفات التعبدية هو بعينه المجلس الذي يقيم فيه الحدود العامة عن المخالفات الاجتماعية والمدنية.

الثاني؛ التأكيد على أن الخلافة عثمانية، وعلى المسلمين أن يكونوا معها قلبًا وقالبًا، ويقول “إنريكو أنساباتو” أن الإمامة الكبرى والرياسة الشرعية أصبحت حقًا شرعيًا من حقوق العرش الشاهاني المقدس الذي انتهت إليه في نظر أهل الحق والرجاحة كل شعائر الرياسة والزعامة الشرعية المختصة بالإمامة الكبرى والخلافة العامة.

 وهكذا أسفر النصف الثاني من القرن التاسع عشر عن ثقوب في نسيج الخلافة، ولد عنه اتجاهان:

اتجاه يرى أن الخلافة عثمانية، وشروطها لا تتوافر إلا في آل عثمان، بما يؤكد صحة انتهاء الخلافة إليهم، وكان في مقدمة هذا الاتجاه حسن باشا حسني الطويراني صاحب جريدة النيل المصرية والذي كتب رسالة في موضوع الخلافة محورها صحة خلافة آل عثمان، وعلى نهجه سار “يوسف أفندي كامل البخاري” المحرر في مجلة النادي الإيطالية والذي كتب دراسة مطولة نُشرت تحت عنوان: “البراهين القوية في دحض من يقول إن الخلافة عربية”.

واتجاه ثان يرى أن الخلافة عربية مستهدفًا قطع العلاقة بين العرب والدولة العثمانية، وإثارة النعرات القومية التي تنخر الدولة من داخلها، ولا غرابة في أن يبدأ هذا الاتجاه، رغم وجوده القوي في النظرية الإسلامية ممارسة وفقها، على أيدي الصحافة الغربية، ثم أصّل له كتاب لمؤلف مسيحي عربي في كتاب عنوانه: “سوريا غدًا” صدر في باريس سنة 1915 وموضوعه بحث مستقبل سوريا بعد الحرب، والطعن على الأتراك، وتحريض العرب عليهم، والبحث في الخلافة وشرط عربيتها كما هو مدوّن في مؤلفات المسلمين، وقد ذكر “أحمد الرجيبي” شيخ رواق المغاربة بالأزهر الشريف في كتابه “الخلافة في الإسلام” ما يلي: “في سنة 1915 أخبرني المسيو “كرللا” السكرتير الأول بدار المفوضية الإيطالية بالقاهرة إذ ذاك بأن إنجلترا تتخابر سرًا مع شريف مكة للوصول إلى اتفاق يبنى على تعهدها باستقلاله، وانتقال الخلافة إليه بعد انتهاء الحرب في مقابل انضمامه إليها في محاربة الأتراك وتقبيح حكمهم بين المسلمين، ورجا مني أن أبيّن له موافقة عمل الشريف المنتظر للشرع الإسلامي من عدمه، لأن وزارة الخارجية الإيطالية يهمها معرفة هذا، فأفهمته فورًا بأن الشرع الإسلامي ينكر عملاً كهذا مطلقًا خصوصًا في ظروف كهذه، وأن المسلمين سيرفضون مبايعة أي شخص يرتكب هذا الجرم…، فقال: “المعروف في شريعتكم أن الخلافة في العرب لا الترك”.

 وفي ذلك التاريخ (1915) بدأ الشيخ “أحمد الرجيبي” كتابة مؤلفه: “الخلافة في الإسلام” وهو ذات التاريخ الذي بدأ فيه علي عبد الرازق تأليف كتابه “الإسلام وأصول الحكم”.

ولم تشهد هذه المساحة الزمنية التي امتدت من منتصف القرن التاسع عشر إلى أوائل القرن العشرين هذا الصراع الإسلامي حول فكرة الخلافة فحسب، بل شهدت صراعًا آخر حول مدنية الدولة وعقلانية البحث في الإلهيات، بل وظهرت لأول مرة اتجاهات الفكر العلماني، فكتب “قدري باشا” كتابه في “التمدن”، وكتب “ميخائيل عبد السيد” كتابه: “بث المعارف، ونث العوارف” دعوة إلى تحليل ثقافي بعيد عن الغيبيات، وكتاب “رسالة الصديق” لـ”عبد الله النديم” والذي طرح فيه، كما يقول “فاروق أبو زيد”، معظم الأفكار التي طرحها من بعده بخمسة وأربعين عامًا الشيخ “علي عبد الرازق” في كتابه: “الإسلام وأصول الحكم”، وكتاب: “الحاكم والمحكوم” لـ“عبد الله البستاني” والذي سبق “عبد الرحمن الكواكبي” في كتابه: “طبائع الاستبداد”، ويوتوبيا “العصر الجديد” لـ“أديب إسحق” والذي سبق بها أم القرى لـ“عبد الرحمن الكواكبي” بأكثر من خمسة وعشرين عامًا. و“محمد أفندي عمر” في كتابه: “سر تأخر المصريين” الذي يقدم تحليلاً اجتماعيًا تمتد جذوره إلى الفكر الاشتراكي في نقده للمجتمع المصري وسياساته وطبقاته[1].

وفي هذا الحراك الإيجابي والسلبي معًا وجدت فكرة الحاكمية مكانًا لها في محاولة للتعامل مع واقع يموج بكل هذه الأفكار المتعارضة، والتيارات المتصارعة، في جدلية يمكن تلخيصها في الخوف على الإسلام، والخوف من الإسلام.

ولا تعني النماذج التي قدمناها من الفكر المصري أنها حركة محلية، بل هي فكر إسلامي عام، فالمفكر التونسي “أحمد السقا” أنجز في باريس عام 1916 رسالته للدكتوراه في موضوع: “السيادة في القانون العام الإسلامي السني” وأغلبها بحث في “نظام الحكم في الإسلام” متأثرًا بالحركة الإصلاحية عند خير الدين التونسي، والأفغاني، ومحمد عبده، مؤكدا أن “تنظيم الأمة للقيام بمهمتها لدى الحاكم، والسهر على ضمان الشرعية، لهو من الضرورات الحيوية والحتمية التي لقننا إياها التاريخ، وأن الشعوب العربية والإسلامية قد بدأت تستعيد وعيها بعد سبات دام قرون”، وكان ذلك قبل سقوط الخلافة العثمانية بسبع سنوات وقبل صدور كتاب: “علي عبد الرازق” “الإسلام وأصول الحكم” بثماني سنوات..

 وفي السياق ذاته يقرأ الفكر الإيراني في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ما بين أنصار المشروطية وخصومها، حتى انتهى الأمر إلى “محمد حسين النائيني” ورسالته “تنبيه الأمة وتنزيه الملة”، والذي قدم أفضل دفاع إيراني عن المشروطية وأهميتها، والغريب أنه عاد في أواخر أيامه إلى نقض موقفه من المشروطية، ومخاصمة من حاول نشر كتابه.

كما أصدر “عبد الحميد الزهراوي” بحثًا عن الخلافة، وترجم “عبد الغني سني” عن التركية كتاب “الخلافة وسلطة الأمة”، وأصدر “محمد بركات الله” في زيورخ عام 1924 دراسته عن “الخلافة” والتي جوهرها أنها سلطة روحية وليست نظامًا سياسيًا.

وبعده أصدر عام 1926 العلاَّمة “السنهوري” رسالته من جامعة “ليون” عن الخلافة، واتخذ من الإجماع منهجًا لتطويرها وهاجم مقولة فصل الدين عن الدولة.

وقد سجل المفكر المغربي “عبد الله كنون” رؤيته في الخلافة وهو بصدد الرد على رسالة كتبها مغربي وردت إليه من القاهرة فيها هجوم عنيف على السياسة الإسلامية، وعلى الخلافة، وجاء رده في ثلاثة محاور أساسية:

  1. هل صحيح أن الخلافة ذهبت إلى غير رجعة؟
  2. هل صحيح أن الارتباط بالجامعة العربية لا يصح مع التعلق بالدين؟
  3. هل صحيح أن التمسك بالسياسة الإسلامية رجوع إلى عهد الحروب الصليبية؟

وقد وصف كنون ما ورد في هذه الرسالة بأنها أفكار زائغة جدًا عن الحق والصواب؛ فـ“عبد الرحمن عزام” أول أمين للجامعة العربية كان محاربًا في جيش الخلافة ضد إيطاليا في حرب طرابلس الغرب، وفي هذا أبلغ رد على السؤال الأول والثاني، أما حكومة مصر والتي فيها أكبر جامعة إسلامية في العالم فهي بلد إسلامي طُبعت حكومة وشعبًا بالطابع الإسلامي.

 وهكذا كانت الساحة الإسلامية في الربع الأول من القرن العشرين، وهي تعاني ضغوط الاستعمار، ساحة مفتوحة لآراء متصارعة حول الدستور والحكم والمرأة والعلمانية، وهي ساحة ازدحمت بالتطرف والتطرف المضاد وحمل لواءها مع الفقهاء والمفكرين، أدباء متفلسفون مثل “الزهاوي” ومقالاته عن العلمانية وعن المرأة والحجاب، وكلٌ يدعي الأصالة أو يدعو إلى الحداثة في حياة فكرية قلقة لا يرتفع بها نسق ولا يستقر على أساسها اجتماع..

 وفي النصف الثاني من القرن العشرين ابتلي الإسلام باتجاهين كلاهما بعيد عن حقيقة الإسلام؛ اتجاه علماني غايته إقصاء الإسلام حيث لا مكان له في الحياة العامة والمجتمع، واتجاه شمولي دعواه احتكار الفهم للإسلام تحت مسمى الحاكمية لله والتي أصبحت لدى تيارات التشدد والغلو من مصطلح له مفاهيمه ومرجعياته، إلى “شرك” غايته السلطان، وتراجعت أسس الوسطية وتكريم الإنسان إلى قراءات للقرآن لحمتها القتال المستمر، والعدوان السافر على النفس والأموال والأعراض، وقسمة العالم إلى محورين: محور الخير، ومحور الشر، ولأهمية مفهوم الحاكمية، ولأنه قضية محورية عند دعاة التطرف العلماني ودعاة التطرف الديني، فسوف نتناول الحاكمية بمنهج يقرأ المصطلح في سياق توظيفه، ومنذ البداية فإن الورقة لا تخفي موقفها الرافض لمنهجين في تناول الحاكمية.

الأول؛ المنهج التبريري الذي ينصب نفسه حكمًا على الدين والعقل والمجتمع، من خلال عرض غير أمين لحقائق الإسلام. تتبناه جماعات تستهدف المغالبة من أجل الحكم، وترفع لواء المشاركة الغامضة وهي لا تعرف في أساليبها الحكمية سوى تصفية الحسابات، وتمكين أتباعها من امتلاك مفاصل الدولة والمجتمع، تحت وطأة ديمقراطية هشة ترفع من شأن الصندوق الصامت، ولا تتبنى ثقافة الديمقراطية الناطقة.

الثاني؛ المنهج الإقصائي الذي يتلاعب بآيات الله، وأحاديث الرسول، صلى الله عليه وسلم، يفسر القرآن على هواه، ويقبل من الأحاديث ما يوافق مبتغاه، ويسقط من الوجود العلمي منظومة معرفية محكمة المنهج مكتملة الأدوات، حتى يرفض الأحكام الإسلامية التي هي من وجهة نظره استبداد ديني، لا تتوافق مع حرية البشر وكرامة الإنسان، فالحاكمية في هذا المنهج حاكمية كونية تؤسس على القوانين العلمية، بل على نظريات العلم بما فيها من خطأ وصواب، وليست حاكمية تشريعية تضع الأوامر والنواهي وفي قواعدها فصل الخطاب، فالكون مملكة الله من مقام الربوبية، والتشريع حاكمية البشر؛ لأن الشرائع مراحل تاريخية لها أوامر ونواه عينية زمنية، فحاكمية الله سنن وأخلاق، وحاكمية البشر شعب يقرر وتقنينات تصدر.

والمنهجية التي نعتمدها ترى أن العلاقة بين الدين والدولة في العالم الإسلامي لم تكن مجرد هم أساسي للمشروع التحديثي العربي لم يطرح سلفًا، كما يقول طلال أسد، بل هي علاقة مستمرة تحكمها ثقافة المغايرة عندما تحاول تهذيب موقفها المعارض، ولم تكن ثنائية التوفيق بين العقل والنقل عند رواد الفكر الفلسفي الإسلامي إلا مرحلة تاريخية لموقف العقل الإسلامي من كل محاولات “أنسنة القرآن” و”أدلجة الحديث النبوي”.

 إن أدلجة الإسلام كما يقول “أشرف الشريف” على يد المشروع السياسي الإسلامي لاحقًا، جاءت متسقة مع مشروع متعثر لدولة حداثة فاشلة، جعلت من سياسات الهوية خيارًا جذابًا ومقبولاً، بل وضروريًا على المستوى الوجودي أمام أخطار التغريب الحضاري الحقيقية والمتوهمة.

ثانيا: الحاكمية عند المفكرين المعاصرين

في زمن الاضطراب الذي أشرنا إليه كثرت الأطروحات حول الإسلام المعاصر، فهي لم تعد تيارات تتفاعل أو تتقاتل، ولكنها أفكار أشخاص لا تكاد تتعداهم حتى إلى تلاميذهم.

فـ“رضوان السيد”، وهو مفكر معروف بقدرته على حسم موقفه، يفصل في أطروحته بين الفكر الإسلامي الحديث الذي إشكاليته الرئيسة هي النهوض، والفكر الإسلامي المعاصر الذي إشكاليته الحاكمة هي الهوية، والقطيعة بينهما عند الدكتور “رضوان” هي حتمية ضرورية لاختلاف في طبيعة الإشكالية مفترضًا التعارض بين النهوض والهوية وهو ما لا نسلم به، ويلخص الدكتور “رضوان” أطروحته بأسلوبه الواضح بقوله: “إن وعي الأفغاني وعبده والعظم ورضا وأرسلان لأحداث العالم وتركيباته وترتيباته، ومواقع المسلمين فيه، حددوا إشكالية التخلف في سائر المجالات، كما حددوا الحل وهو التقدم، على أن المفكرين الإسلاميين بدؤوا يتخلون عن هذه الفكرة، أو عن التحديد للإشكالية منذ القرن العشرين… وأصبحت الرؤية السائدة للعالم لدى الإسلاميين تتمحور حول الهوية، وتتسم بالقطيعة”.

 ومنهجية “رضوان السيد” وجدت قبولاً عند “عبد الإله بلقريز” الذي أكد على القطيعة الفكرية بين خطاب الإصلاحية الإسلامية الذي غايته التقدم وخطاب الصحوة الإسلامية الذي هو محور الهوية وطريقها العودة إلى التراث، وأيًا ما كانت أهمية ما طرحه رضوان السيد، وطوره بلقريز فإن كلاهما لم يضبط مفهوم التقدم لدى الإصلاحيين ومفهوم الهوية لدى الراديكاليين، ولم يفترض كلاهما إمكانية صعود أي منهما إلى السلطة، وإمكانية تطورهما الفكري تحت وطأة الممارسة الواقعية، ولعل الخلفية العلمانية الكامنة وراء أطروحة هذين المفكرين. تفضي إلى تصورات متحيزة ترفض الديني من موقف لا من استيعاب، وتعلي من “النمط العلماني” الذي هو في نهاية المطاف منتج غربي أساسه الحرية الفردية باعتبارها “المقدس” في المشروع الحضاري الغربي، إلا أن هذه الرؤية تتميز بالتماسك، وفيها من وشائج النسب العاطفي للوطن ما يسمح بإمكانية الحوار رفعًا للجفوة وليس تجسيرًا للفجوة.

وفي تصور غربي للحاكمية يقول “برنارد لويس” في محاضرة له ألقاها في الندوة الدولية حول “رؤية الإسلام الخلقية والاجتماعية” باليونسكو: “هناك تصوران خاطئان خطأً شديد الشيوع فيما يتعلق بالفكر السياسي الإسلامي والحكم الإسلامي، حيث يوصف أولهما بأنه ثيوقراطي، ويوصف الثاني بأنه استبدادي بل وديكتاتوري، وكلا التصورين يرتكزان على فهم خاطئ، فالسؤال عما إذا كان الإسلام ثيوقراطيًا أم غير ثيوقراطي يتعلق بدلالات الألفاظ أكثر مما يتعلق بجوهر الموضوع، وتتوقف الإجابة عنه، إلى حد كبير، على التعريف المستخدم..

 فالثيوقراطية وفقًا لأحد التعاريف هي دولة تحكمها الكنيسة؛ أي الكهنة، ومن الواضح أن الإسلام ليس ثيوقراطيًا بهذا المعنى ولا يمكن أن يكون، فليس في الإسلام كنيسة ولا كهنوت، لا من الوجهة اللاهوتية؛ إذ ليس هناك منصب كهنوتي أو وساطة كهنوتية بين الله والفرد المؤمن، ولا من الوجهة المؤسسية، إذ ليس هناك أساقفة، ولا سلطة هرمية من رجال الدين… لكن هناك لكلمة الثيوقراطية معنى آخر يستند إلى مدلولها الحرفي، وهو حكم الله، فالله وفقًا للمفهوم الفقهي للدولة الإسلامية هو وحده الحاكم الأعلى، وهو المصدر النهائي، بل والوحيد المشروع للسلطة، والله وفقًا لهذا المفهوم هو المشرع الوحيد، وهو وحده الذي يهب السلطة أو الذي يسبغ عليها المشروعية على الأقل، بيد أن هذا لا يعني أن الحكم لرجال الدين، فليس في الإسلام رجل دين إلا بمعنى سوسيولوجي محدود وليس بمعنى كهنوتي، وليس من المألوف في معظم البلدان الإسلامية أن يتقلد رجال الدين المحترفون مناصب سياسية.

وأوهى من ذلك أساسًا أن يصور الحكم الإسلامي على أنه نظام يكون فيه الحاكم مستبدًا مطلق السلطان، وتكون الرعية عبيدًا خاضعين لا حول لهم ولا قوة، فهذه صورة زائفة على كل من الصعيدين النظري والعملي؛ فالشريعة الإسلامية لم تخول قط للحاكم السلطة المطلقة، كلا ولم يتمكن الحكام المسلمون، إلا في فترات استثنائية، من ممارسة تلك السلطة”.

1. الحاكمية في التطرف العلماني

  أ. الحاكمية عند “محمد شحرور”

الحاكمية عند “محمد شحرور” لا تعني مساحة أكبر للعقل في مواجهة النقل، بل هي حاكمية إنسان بلغ سن الرشد في التعامل ضمن المحيط الذي يعيش فيه، وفيها تكمن الخاتمية، لذا يرى أن حاكمية الله بالمفهوم التشريعي قد وضعت مقابل العلمانية بطريقة قسرية تمامًا.

إن هناك توترًا نفسيًا غير مبرر لدى العلمانيين جميعًا يمثل حاجزًا صلدًا يرفض الإسلام التشريعي.

يقول “شحرور” في كتابه الرئيس (الكتاب والقرآن قراءة معاصرة)[2]: “إذا سألني سائل: ما هي المواد التي يجب أن يحتويها دستور أية دولة لكي تصبح إسلامية؟ إنني أنوه بالخطأين الشائعين جدًا من قِبَل المسلمين وهما:

  1. المناداة بأن دستور الدولة القرآن، وهذا خطأ لأن القرآن لا يحتوي على أي تشريع.
  2. المناداة بتطبيق أحكام الشرعية الإسلامية؛ لأن الشريعة الإسلامية لا تحتوي على أحكام، بل على حدود،… إن التشريع في الدولة العربية الإسلامية مبني على أنه لا يوجد شيء اسمه الشريعة الإسلامية، ولكن يوجد شيء اسمه حدود الله التي وردت في أم الكتاب، والتشريع الإسلامي هو تشريع إنساني ضمن حدود الله.

والخطأ المنهجي الأول عند “شحرور” إيمانه بأن كل الأمة قبله كانت على خطأ، وأنه وحده على صواب، وبالتالي فقد أسقط بكل سهولة تراثها اللغوي والفقهي والأصولي ومفاهيمها ومصطلحاتها، وصاغ تعاريف ومفاهيم هي في مقياس العقل السليم مجرد ثرثرة ليس لها قانون لغوي يضبطها، أو قاعدة أصولية تحكمها، أو مقياس في علوم القرآن والحديث يجعلها علمًا بأي معنى من المعاني، ولم يكن أمامه إلا أن يصوغ نظرية معرفية تشرعن فكره، وتحمي تأويلاته من السقوط، لأنها مجرد تنجيم كما يقول بحق “سليم الجابي”[3] وإذا كانت قراءة “محمد أركون” محاولة للتشكيك في القرآن الذي هو بتعبيره “مدونة رسمية مغلقة وناجزة”، “وهو مجموعة من العبارات الشفوية في البداية، ولكنها جُمعت ضمن ظروف تاريخية لم توضح حتى الآن ولم يُكشف عنها النقاب”.

فإن قراءة “محمد شحرور” الجديدة هي تفكيك للنص، وتجفيف لمنافع الأحكام، ورفض للغيب والسمعيات والنبوات، بل هي رفض للإسلام كله بدعوى القراءة الجديدة، والتي هي في أفضل الأحوال رجم بالغيب.

 ب. الحاكمية عند “محمد أبو القاسم حاج حمد”

 ينطلق المفكر السوداني “حاج حمد” من نقد عنيف يوجهه إلى فكرة الحاكمية عند المودودي وسيد قطب ويرى أنهما أشاعا بين المسلمين ما هو ليس من دينهم ونهجهم دون أن يدركا ذلك.

 “فالقرآن الكريم يقدم ثلاثة أنماط من الحاكمية: الحاكمية الإلهية، وتعني التدخل الإلهي المباشر، وهي ليست لنا، وحاكمية الاستخلاف وأساسها التسخير؛ والتي شملت الطبيعة والكائنات المرئية كالطير، وغير المرئية كالجن، وهي أيضًا ليست لنا، والحاكمية البشرية تتجاوز بنا ضيق اللاهوت الجبري وضيق الوضعية العلمانية باتجاه الوعي الكوني المطلق.

وقد أخطأ الفكر الإسلامي الذي وضع الحاكمية الإلهية في مقابل الحاكمية الوضعية، وبما أن الحاكمية الإلهية تلتزم ضرورة بشرع الله، والحاكمية الوضعية تلتزم بخطاب العقل البشري، فهي جاهلية ينقلها منطق التداعي لتترادف العلمانية مع الكفر، وهكذا تتكرس دائرة التناقض ضمن ثنائية حادة، فإما الحاكمية الإلهية وإما الكفر.

 وعلى هذا الأساس تُعد جميع المجتمعات ذات النهج العلماني والوضعي مجتمعات جاهلية كافرة ولا توسط بين الأمرين، وبهذا “المعتمد الفكري” تتجه بعض الحركات الإسلامية إلى تمييز نفسها عن الآخرين في مجتمعاتها بوصفها؛ أي هذه الحركات، مجسدًا في ذاتها وتكوينها إطارًا لحاكمية الله؛ أي أن في داخلها الحركي يكمن “الخلاص”؛ فهي دون غيرها “مدينة الله” والآخرون “مدن الشيطان”، ويتداعى المنطق فيسبغ هذا الإطار على نفسه “مشروعية التصرف” باسم الله وحاكميته، فيرى في سبيل غاياته تبريرًا لكل الوسائل، مستحلاً الأنفس والدماء والأموال، فكل شيء يتم بمضمر المشروعية الإلهية، وفي مواجهة الكفر والجاهلية، وكل ذلك حسن وجميل في ذاته لو كان مجرد توصيف لواقع، ولكن “حاج حمد” يستخدم هذه الأسلوبية الجاذبة إلى مشروعية كاذبة تفرغ القرآن من كل أبنيته التشريعية ليصبح فضاءً يتحرك بعيدًا عن النص. يقول “حاج حمد”: “فالمنهجية القرآنية تكشف ضمن كلية القرآن ووحدته العضوية عن “ما ورائية” الأحكام الإلهية واتجاهات التشريع بحيث يصبح الإنسان قادرًا على ممارسة أقصى حالات القدرة على التصرف، فلا نتناول القرآن كمجرد نصوص وأحكام ولكن تتناوله كمنهج محيط بهذه الأحكام، ودال على خلفيتها وضابط لمفهوميتها، فينفذ إلى “ما ورائيات” النص عوضًا عن محاولات التأويل الذاتي لبعض النصوص لكي تتلاءم قسرًا مع محدثات الأمور، فالقدرة البشرية على الإبداع الملتزم كامنة في منهجية القرآن”.

هكذا يوجه “الحاج حمد” في كتابه “الحاكمية” “ميتافيزيقا” قراءاته الجديدة بعد تدويرها في نسق فلسفي متوتر وغامض يستهدف إسقاط كل الأحكام التشريعية في القرآن، فقد غادرنا بمنطق الحاكمية البشرية عالم النص إلى آفاق ما وراء النص، وهكذا يستعيد “الحاج حمد” موقعه في خريطة الحزب الجمهوري لمحمود طه ليكمل مسيرته في تحقيب الأحكام التشريعية بين رسالة أولى ورسالة ثانية، وكتابات “حاج حمد” كلها هي العالمية الإسلامية الثانية بدأت ماركسية وانتهت بالعودة إلى حاضنة الحزب الجمهوري لتصبح غاية الرسالة كلها “الترقي لدرجة المثالية الإنسانية” هو المطلوب دينيًا ليكون الإنسان “بحاكميته البشرية” متكافئًا مع الكون، مع أن الكون مجال إنساني يكتسب في رحابه الإنسان ميراث الأرض عندما يعود إلى خالق الإنسان وخالق الأكوان.

2. الحاكمية من منظور التطرف الديني

وُجدت الحاكمية، باعتبارها كلمة حق أُريد بها باطل، مع الانشقاق الخارجي في عهد الخليفة الثالث عليّ بن أبي طالب، وظلت تستدعى في تاريخ الفكر الإسلامي عند كل صدام بين الدين والسياسة، وعندما نشأت الدولة القومية الحديثة بتوجهاتها العلمانية، ظهر المصطلح من جديد بعد تعبئته بمواد متفجرة جعلته أقرب إلى القنابل الموقوتة أو حقول الألغام في المجتمعات المعاصرة.

أ. الحاكمية عند “أبي الأعلى المودودي”

لم تكن ثقافة “المودودي” المدنية تؤهله لتنظير الحالة الإسلامية في الهند، ولكن بيئة الصراع الاجتماعي المرتبط أصلاً بالدين، جعلته يستدعي فكرة الحاكمية لتكون الأساس النظري لدولة المسلمين في شبه القارة الهندية، فولادة باكستان، كانت ولادة عسيرة، وإسلامها مشوب بغموض توجهات قادتها من الإسلاميين ما بين أحمدي وإسماعيلي وسني، ولا شك أن “المودودي” كان يعلم أن ولادة الدولة تعني صراعًا بين النخب على الصيغة الإسلامية للدولة الجديدة..

 ومن الخطأ عرض نظرية “المودودي” في الحاكمية باعتبارها المعادل الموضوعي لفكرة السيادة كما تمثلت عند الفقيه الإنجليزي “بودان”؛ فالمودودي يتحدث عن نظرية في السلطة، و”بودان” يتحدث عن نظرية في الدولة وبين الأمرين فروق واختلافات، وقد نجح “المودودي” في صياغة نظرية سياسية إسلامية، حاول أن يترجمها عمليًا في دستور دولة باكستان الوليدة، ولكن سيرة المصطلح كما أراده “المودوي” لم تكن هي سيرة السلطة السياسية كما أرادتها النخب الحاكمة، لقد رأى “المودوي” في الانفصال عن الهند ضرورة دينية لأن حزب المؤتمر يطرح دولة علمانية على النمط الغربي، لا تتلاءم مع التكوين الثقافي للمسلمين، بل ربما لا تلائم الطبيعية الدينية للمجتمع الهندي بكل طوائفه، والحاكمية عند “المودودي” حاكمية أصلية وحاكمية تبعية حيث يقول: “إن الحق تبارك وتعالى حاكم بذاته وأصله، وإن حكم سواه موهوب وممنوح” ويقول أيضًا: “إن أول أساس من أسس الإيمان هو الإيمان بحاكمية الله؛ فهو مالك السماوات والأرضين، وكل ما فيهما ملك لله وحده”.

والحاكمية في المفهوم السياسي والقانوني هي لله وحده، ولكنه يريد أن يقترب بها من الواقع السياسي المعاصر فيراها ديمقراطية ابتداءً بنوع من الخيار الإنساني لحكامه وممثليه، وثيوقراطية انتهاء باعتبارها لا تعطي خيارًا لحاكم أو محكوم أن يتفلت من قوانين الله وشرعه.

 والرأي عندي أن “المودودي” جانبه التوفيق في جانبين:

الأول؛ أن الحاكمية التي تعني السلطة لا ينبغي أن تكون جزءًا من العقيدة لأنها جزء من التكليف الإلهي للبشر، وهي بالضرورة قائمة على الاختيار ككل تكليف، وميزانها الشرعي قائم على المعصية والطاعة وليس على الإيمان والكفر.

ثانيًا؛ أن “المودودي” حاول أن يسخر ثقافته الغربية من أجل صياغة فقه سياسي أقرب إلى عقول أهل وطنه، وكان يمكنه أن يعتمد على التجربة النبوية في صياغة فكر سياسي لا يتجاوز الشريعة، ولا يجرد الإنسان من دوره في اختيار حكامه واجتهادات فقهائه.

وحسب “المودودي” فإن نظريته لم تخرج عن كونها كفاحًا سلميًا من أجل إسلامية باكستان، وأظنه لن يكون راضيًا عما آلت إليه في الخطاب الحركي المعاصر لتصبح حاكميته هي المفهوم الذي يغذي العنف والكراهية في الخطاب الإسلامي الراديكالي وفي أفعاله على السواء.

ب. الحاكمية عند “سيد قطب”

 الحاكمية عند “سيد قطب” تجربة تحولت إلى مذهب، وليست مذهبًا تحول إلى تجربة، لم يكن “المودودي” غريبًا عن “سيد قطب” فقد اشتركا معًا في أوائل الخمسينات في تأليف أكثر من كراسة، وشهد فكر سيد قطب تغيرًا جذريًا بين سنواته الأولى التي جعلت تصوره الإسلامي يقوم على منطلقات اجتماعية أولاً وسياسية شاحبة ثانيًا، وبين سنواته الأخيرة التي شهدت صياغة نظرية للحاكمية عبّر عنها في ثلاثيته الفكرية التي صدرت على التوالي في أوائل الستينيات وهي “المستقبل لهذا الدين”، و“هذا الدين”، و“معالم في الطريق”، الذي أصدره باعتباره جزءًا أول يحمل رقم (1) على صفحة الكتاب الأولى في طبعته الأولى.

 ونظرية “سيد قطب” في الحاكمية تقوم على قواعد ثلاث بينها اتصال عضوي.

قاعدتها الأولى؛ أن السياسة هي الدين وأن الدين هو السياسة، وتحدد حركة الإنسان في الواقع حقيقة تدينه الذي لا يعرف التدرج؛ فهو إما مؤمن يلتزم التزاماً كاملاً بمنهج الله، وإما كافرًا يعيش جاهلية عمياء، والجاهلية هنا صفة مجتمع قبل أن تكون سمات فرد، حق الله في الحاكمية حق مطلق من ينازعه فيه فقد كفر فردًا كان أو جماعة، ولكن معركة سيد قطب كانت مع السلطة، فلم يأل جهدًا في تكفيرها، والمجتمع الإسلامي لا يكون إسلاميًا لكون أفراده ممن يسمون أنفسهم مسلمين، بل لأنه يلتزم منهج الإسلام في كل جوانب الحياة.

أما القاعدة الثانية؛ فهي الجاهلية الشاملة التي تستوعب المسلمين وغير المسلمين فالجميع خارج عن منهج الله لا تهم الأسماء، ولا بطاقات الأديان، المهم أين مكان المنهج الإسلامي في المجتمع؟ وهي جاهلية القرن العشرين كما سماها حامل أختام التراث القطبي “محمد قطب” الشقيق الأصغر لـ”سيد قطب”، وهي جاهلية محورها “ادعاء حق وضع التصورات والقيم والشرائع والقوانين، والأنظمة والأوضاع بمعزل عن منهج الله” فالعالم كله في جاهلية هي حاكمية العباد للعباد. و“سيد قطب” يرفض كل نظم الحكم المعروفة سواء كان اسمها حكم الفرد، أو حكم الشعب، شيوعية أو رأسمالية، ديمقراطية أو ديكتاتورية، أوتوقراطية أو ثيوقراطية.

 والأطروحة لا تترك مكانًا للتفكير؛ إما القطبية أو التكفير حتى الشعائر من صلاة وصوم وحج وزكاة فإنها لا تجدي لأن ميزان العقيدة لا يؤمن إلا بالصفقة الكاملة، إما كل العبادات وكل المعاملات، وإما الكفر والانسلاخ من العقيدة. وهذه النظرية القطبية بهذا التصور الحدي تنسف كل قواعد الفكر الإسلامي وأبجديات النظرية السنية في علميّ الكلام والفقه.

القاعدة الثالثة؛ الجماعة المؤمنة: وهي جماعة مغتربة عن واقعها فكريًا وجغرافيًا، إنها، رغم قلتها العددية، هي المسؤولة عن إقامة دين الله. بل ومنها قضاة الله الذين يحكمون على كل عباد الله فبأيديهم صكوك الكفر ولا يعترفون بصكوك الغفران، وأفراد هذه الجماعة لا ينتمون إلى أسرة، ولا إلى قبيلة، ولا إلى دولة أو نظام، إنهم جند الله فحسب؛ العقيدة تجمعهم فالعقيدة أولاً والعقيدة آخرًا.

وهكذا أقام “سيد قطب” نظرية مغلقة “سجن” فيها الإسلام، وحبسه عن معتنقيه، وحشره في زاوية البُعد الواحد، والرأي الوحيد، والمفكر الفرد، والمسلم الأوحد، فكان في أقصى صور الاتحاد مع منطلقاته، وأصبح يمثل الاستبداد الفكري في أسوأ مفاهيمه، وهذا الفيلق المختار لم يكن أمامه أي اختيار إلا الطاعة الكاملة للفكر القطبي المؤسس الذي جرّد الإنسان من كل فاعلية، حتى يصح إيمانه بالحاكمية الإلهية. ويكفي للحكم على نظرية “سيد قطب” ما يقوله الدكتور “محمد سليم العوا”[4] “ومهما يكن الأمر في تأويل “سيد قطب” فإنه كان من الخطورة وبُعد الأثر، في نفوس أعداد كبيرة ممن كانوا في السجون والمعتقلات، من شباب الحركة الإسلامية، حتى إنهم اعتنقوه بظواهره، فنشأت فكرة تكفير المجتمع، وتكفير الأفراد، وتكفير من لم يكفرونه”.

ثالثا: الاعتدال الإسلامي

يبدو مصطلح الاعتدال الإسلامي بحاجة إلى تحديد وضبط، فهو مصطلح شديد الالتباس، يحوطه الغموض من كل جانب، وإنه من الإغراق في التجريد أن يفلت هذا المصطلح من سيرته الحركية، ومن واقعه المُعاش. فليست هناك قراءة واحدة “للإسلام السياسي” وبالتالي ليس ثمة مفهوم واحد للاعتدال الإسلامي، ربما يمكنني القول كمفهوم إجرائي إن “الاعتدال السياسي” هو موقف يلتزم أصحابه، من الإسلاميين، بتداول السلطة، وأنها للشعب أساسًا، والاعتراف التام بالمواطنة الكاملة، والالتزام بحقوق الإنسان ونبذ العنف، وهو تعريف يتكون من عنصرين:

العنصر الأول؛ يغلب عليه الطابع السياسي؛ وهو الالتزام بتداول السلطة، وأن الشعب هو صاحب القرار الأخير، وهذا يعني القبول بالديمقراطية.

والعنصر الثاني؛ يغلب عليه الطابع الاجتماعي والقانوني، وهو الاعتراف التام بالمواطنة الكاملة، وهذا يعني تجاوز البعد الأيديولوجي أثناء الحديث عن الآخر المختلف إثنيًا أو عقائديًا لصالح التشريع الذي يتساوى أمامه المواطنون جميعًا.

والمعيار الحاكم في هذه المعادلة هو العودة إلى الأصول الإسلامية التي تستطيع وحدها الفرز بين المشروع والممنوع في المعادلة السياسية بما يؤدي إلى التفسير الصحيح للنص، والتحرير الحقيقي للعقل، فلا تختفي حرية الإنسان، ولا تتراجع أصالة الإيمان.

ولو استنطقنا علم تاريخ الأفكار لرأينا الفكرة الديمقراطية يكمن وراءها المنطلق النفعي والاقتصادي، والمفهوم الليبرالي وراءه رصيد مذخور من علائق العداء والمناورة مع المحيط الإسلامي فكرًا وجماعة، وصحيح ما قيل بأن أوروبا المسيحية شيدت أكبر نظام للصور النمطية المعادية للإسلام، وأقامت متخيلاً جماعيًا في منتهى القسوة في أحكامه على التجربة الدينية والحضارية العربية والإسلامية، على الرغم من أنها حاولت إنجاز حضارتها باستيعاب حضارة الإسلام ومحاولة امتلاكها وتجاوزها، وهو ما حاول أن يفلسفه “فردنان بروديل” بقوله: إن الكراهية قد تكون مولدة للحضارة، وأن التقدم ينجزه من يعبّر عن قدرة خاصة على تصريف كراهية الآخرين، وهي مقولة خاطئة تمامًا من وجهة نظري؛ لأن العداء قد يكسب حربًا ولكنه لن يصنع تقدمًا بالمعنى الأخلاقي للحرب وبالمعنى الأخلاقي للتقدم.

لقد اكتسبت هذه الصيغة العدائية أبعادًا تعبوية، لها فعلها حتى اليوم، حيث تمكنت الآلة الدعائية من تقديم الإسلام في صيغة تعادي ما قبله، وتعادي الحضارة والتقدم العلمي.

إن الحديث عن “المقدس” الذي يحيل إلى الجمود والعنف، باعتباره خصوصية إسلامية، يفتقر إلى الصحة العلمية، ولا يعني ذلك نفي “المقدس” عن الأطروحة الإسلامية، بل إنه يعني من الزاوية الإبستيمولوجية أن حضور “المقدس” في المنظومات الفكرية، وفي مقدمتها الديمقراطية، هو أمر حتمي بعيدًا عن فلسفة النهايات التي تؤمن بنهاية التاريخ، ونهاية الأيديولوجيا ونهاية الرأسمالية..

إن استخدام أسلوب الهجوم المباشر الذي هو أقرب إلى ردود الأفعال منه إلى البحث العلمي الرصين ونحن نتحدث عن الإسلام والديمقراطية، والمسلمون والحضارة، هذا الأسلوب يتنكر للمحددات العلمية لعلم السياسة التي تحتم تحليل المفاهيم والغوص إلى أعماق الإنسان لغة ومقاصد حتى نتمكن من رسم خرائط معرفية مفهومة ومقروءة.

ويأتي في مقدمة هذه المفاهيم “مفهوم الاعتدال الإسلامي” خاصةً وأن “الثورات العربية” التي اشتعلت مع نهايات عام 2010 ولا تزال مشتعلة دون أن يدعي فصيل سياسي أنه صاحبها أو صاحب اليد الطولى فيها، بل هي في حقيقتها ثورات جموع وليست انشقاقات جماعات، فرضت بالضرورة على كل الجماعات العاملة في الحقل السياسي والدعوى أن تراجع مرجعياتها، وتحاول أن تتوقف بصدق أمام لحظة حساب قد تكون ضدها لا معها.

لقد كشفت “الثورات” أن هذه الجماعات لم تكن كُتلاً متماسكة، بل بدا أن القيادات قد انفصلت عن قواعدها منذ فترة مبكرة، وأنها وإن استعادت حماسة جماهيرها وقواعدها فإنها لم تستطع مصادقة هذه القواعد أو التفاعل معها مما جعلها تتعرض للانقسام والتشظي عند أول اختبار مبكر.

وأضرب مثالاً على ذلك بالجماعة السلفية عندما اصطدمت بالمشهد السياسي الراهن في مصر وحاولت التفاعل معه، لقد بدا واضحًا أننا أمام سلفيات لا سلفية واحدة.

سلفية مُرَوَّضَة استخدمها “السياسي” في مقاومة خصومه من التيار الإسلامي الأكثر حدة، وأرخى لها العنان وهي تتحرك دعويًا خاصةً مع الفئات الأكثر فقرًا؛ أي في البؤر الهامشية لعله يحتفظ من خلالها بمفتاح حبس التوتر في جغرافيا المناطق العشوائية.

والنوع الثاني؛ وهي السلفية الرافضة التي اختارت الهجرة عن المجتمع وقد نظرت وراءها بسخط إلى كل أنساقه الدينية والفكرية والسياسية، وأصبحت في عزلتها تتبنى التكفير منهجًا والهجرة رباطًا قد يعيدها يومًا إلى مقدمة الصفوف.

 أما النوع الثالث؛ فهي السلفية المعارضة التي اختارت النزول إلى المعترك السياسي، لها تحت لواء “الثورة” لافتة خاصة، وهتافات مميزة وكأنها خشيت من استدعاء ماضيها فحاولت دخول المعترك السياسي بحاضر لا ينسف تشددها المعلن، ولا يبعدها عن دائرة الضوء، متجاهلة أن المرتقى صعب، وأن قبولها، باعتبارها من نخب الحاضر والمستقبل، يحتاج إلى ثورة في التفكير وثورة في التفسير؛ من خلال اجتهاد جديد لا تمتلك أدواته؛ لأن أغلب قياداتها جاءت من خلفيات ثقافية وتخصصية مدنية، وتلاقت مع الفقه الإسلامي من باب “الجهد الشخصي” لا “التكوين العلمي الأكاديمي”، وهذا قاسم مشترك بين أغلب قيادات التيارات الإسلامية التي حاولت بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير أن تتدفق على الأزهر الشريف معلنة أنها تسير وراءه، وتتبع خطواته.

 وحتى تحوز هذه الشرعية كان عليها أن تعلن انتماءها إلى الفكر الوسطي الذي يتبناه الأزهر عبر تاريخه الطويل، والذي هو مضمون مناهجه حتى في لحظات الذبول الفكري والتراجع الحضاري، وكان طبيعيًا أن يكون حضور الأزهر لافتًا وطاغيًا بعد ثورة الخامس والعشرين من يناير؛ لأنه يحتل مكانه الطبيعي في التراث المصري..

 وفي خضم هذه اللحظة التاريخية الفارقة بدا الأزهر وكأنه الأقدر على تحقيق التعايش مع كافة المنظومات ذات المرجعيات الدينية وذات المرجعيات الليبرالية، وهو ما بدا في وثيقة الأزهر الأولى، والتي لم يكن غريبًا فيها على الأزهر أن يقبل صيغة الدولة الوطنية الديمقراطية الدستورية الحديثة، ولم يكن سهلاً على التيار الليبرالي أن يتخلى عن مصطلح الدولة المدنية، ولم يكن سهلاً أيضًا على التيار الإسلامي أن يتخلى عن فكرة السيادة لله لصالح المصطلح القانوني الذي يؤكد السيادة للشعب، ليظل ما هو ديني في مكانه الثابت والمتعالي، وما هو دنيوي في موقعه المتغير والنسبي، ولكن سرعان ما تغيرت المواقف وتنابذ الفرقاء.

والحصيلة النهائية التي تصب في صالح “مفهوم الاعتدال الإسلامي”؛ أن كل هذه التيارات، في اللحظة “الثورية”، تراضت على إدخال عنصر الزمن في حركتها الواقعية، ولا ينبغي أن يخضع هذا التراضي لفكرة “الضرورة” التي ترتقي بها إلى الوضع الاستثنائي، بل إلى نظرية التطور التي تُعد أمرًا معتادًا في كل محاولة بشرية تنتقل فيها الأفكار من “التجريد” إلى “التحديد”، ومن “العمومية” إلى “التعيين”.

 وفي هذه “اللحظة الثورية” أصبح الحديث حول التلاقي ممكنًا بين التيارات الإسلامية والتيارات الليبرالية، وأصبح الحديث عن الديمقراطية، موضوعاً وشكلاً، أمرًا مقبولاً من الطرفين، والصراع لم يعد حول مبادئ، وإنما حول خيارات بعضها لصالح حوار الأفكار، وبعضها لصالح رؤى واقعية تتعلق بقواعد بشرية ضاغطة أو وقائع انتخابية ملحة، ولكن انتصار الديمقراطية، كما يقول جاك رانسبير في كتابه كراهية الديمقراطية، لا يعني فحسب منح الشعب منافع الدولة الدستورية، والانتخابات الحرة، والصحافة الحرة، ولكن أيضًا منحه الفوضى، أو على حد تعبير وزير الدفاع الأمريكي في حرب الخليج الثانية إننا منحنا الشعب العراقي الحرية، والحرية الآن هي أيضًا حرية فعل الشر. وهذا ما تعاني منه “ثورات الربيع العربي”، ولهذا أسبابه ودواعيه التي ليس من هدف هذه الدراسة الحديث عنها.

 إن التلاقي الذي كان ممكنًا بين الإسلاميين وغيرهم صنعه أمران:

الأمر الأول؛ الحضور اللافت للتيارات الإسلامية في لحظة التماهي مع الثورة وفي لحظة الإحساس بأنها انتصرت.

الأمر الثاني؛ الظهور الواقعي الذي تجسد في الانتخابات البرلمانية والذي لم يكن منظورًا ولا محسوبًا من كل التيارات الأخرى، خاصةً وأن التيار الإسلامي شهد مصادرة وغيابًا قسريًا عن المشهد العام وكان ظهوره مجرمًا، وإعلان فكره محرمًا، وهذا الظهور الواقعي يؤكد أن التجريف السياسي لكل صور الاعتدال، فيما قبل الخامس والعشرين من يناير، كان كبيرًا وصادمًا ولكن الوعي به كان ضعيفًا وقاصرًا، لقد ظن بعض أطياف التيار الليبرالي أن حضورهم على الساحة السياسية لا يمكن أن يفسر على أنه تبرير لنظام جائر، بل هي مقاومة بالأدوات السياسية المتاحة، وتجاهلوا أن حضورهم كان استدعاءً مقصودًا ومنظمًا، وأن إقصاءهم كان مقصودًا ومرتبًا. وبدا واضحًا أنهم يفتقدون إلى الخيال السياسي قبل الثورة وبعدها على السواء.

وعلى الرغم من أن تيار الإسلام السياسي قد أثبت أنه الأقدر على الحشد والتنظيم، فإنه لم يكن الأقدر على التأويل والاجتهاد. مما وضع جدارته السياسية على المحك، إما أن تكون التجربة إضافة إلى الرصيد أو خصمًا منه، وفي ظل الظروف الجديدة التي يعيشها العالم العربي اليوم، فإن الخصم من الرصيد سيكون ثمنه غالبًا، وفي المقابل، فإن الإضافة إلى الرصيد ستكون نتائجها الإيجابية بعيدة المدى محليًا وإقليميًا وعالميًا. وتستدعي بالضرورة توافقًا وطنيًا، وهذا لا يعني أن تيار الإسلام السياسي لا يعي قيمة الديمقراطية، بل إنه استفاد منها في عصر النظام السابق، واستطاع من خلال الصندوق الانتخابي أن يكتسح معظم النقابات الفاعلة ليشكّل قوة ضغط لم يستطع النظام السابق احتمالها وكان عنيفًا وإقصائيًا في المصادرة والرد.

 إلا أن الصندوق الانتخابي وحده، رغم إغراءاته، لابد أن يتعثر إذا لم تصحبه ثقافة ديمقراطية تضع الكفاءة فوق الشخصنة، ومصلحة الوطن فوق الجماعة، وهو ما كان ينبغي أن يدركه قادة التيارات السياسية في مصر، حتى لا تفلت منهم صورة المستقبل، وكان على الإسلاميين أن يقدموا البدائل، وأن يجتهدوا في جعلها وعاءً عامًا يلتقي حوله كل ألوان الطيف السياسي، وأن يكون الخلاف حول التفاصيل وليس حول المبادئ، ولكن فشل التيار الإسلامي في إدارة الدولة، محاولاً إحكام قبضته من خلال منطق الجماعة، ليتراجع احترام القانون، ويستبعد فكرة المصلحة العامة، مثَّل انتحارًا سياسيًا فقدت معه الدولة استقرارها وأحست الأمة بغموض حاضرها ومستقبلها، فجاءت الثلاثين من يونيو نهاية لإسلام سياسي مأزوم وقيادات خائبة واعتمد الثلاثين من يونيو على شرعية محكمة، لا تستند فقط إلى الجماهير الحاشدة، بل تستند أيضًا إلى مقومات الدولة الحديثة في مصر منذ نشأتها في عهد محمد علي، في مواجهة شرعية متآكلة جاءت بها صناديق البطون الخاوية، وعصبية الجماعات، وآليات الحصول على الصوت الأجوف، وهي بضاعة مزجاة، بما لها وما عليها.

وفي النهاية أستطيع أن أقول إن الاعتدال السياسي كمفهوم يتجاوز جغرافيًا المناطق سياسيًا وفكريًا، إنه مسألة تاريخية لها حضور مستمر في الوعي الإسلامي العام حيث يختلط في ذاكرته الخاص والعام، والائتلاف والاختلاف، والمحاسن والأضداد بتعبير الجاحظ، ويبقى على المتصارعين في الحلبة السياسية أن يدركوا خطوط التمايز بين الاعتدال والتطرف..

 وأعتقد أن الخلط بينهما مسألة نفسية ترفض حضور نموذج الاعتدال الإسلامي، وغياب نموذجيَّ التطرف العلماني، والتطرف الديني، إن روح الديمقراطية ترفض الإكراه السياسي، وتدين الإقصاء الفكري، وتنبذ العصبية الدينية والاجتماعية، وبدلاً من العودة إلى التاريخ للحديث بحثاً عن مواطنة منقوصة، علينا أن نبحث نحن المواطنين، مسلمين وغير مسلمين، عن حقوقنا في مواجهة إيديولوجيا الحاكمية.

وأختم بسؤال أراه مهمًا: هل يستطيع الإسلام السياسي بكل صوره وتياراته أن يراجع مقولاته الرئيسة، وأن يحاسب نفسه بأسلوب إعلان الحقيقة، ونقد الطريقة؟ وهل يستطيع أن يكون تيارًا يعمل لصالح الوطن بمنهجية الوفاق لا الشقاق؟

إن الإسلام السياسي وحده الذي يستطيع أن يجيب، ووحده الذي يستطيع أن يفعل، وأتمنى أن يفعل.

  لسنا نريد أن نحجر على فكر، ولا نريد أن يستبد تيار بالمشهد، وهنا أريد أن نتذكر كلمة الحكيم غاندي “لا أريد لبيتي أن يكون مستورًا من جميع الجهات، ولنوافذي أن تكون مقفلة، أريد أن تهب على بيتي ثقافات كل الأمم بكل ما أمكن من حرية، ولكنني أنكر عليها أن تقتلعني من جذوري”.

__________________________________________

الهوامش:

*نُشر هذا المقال على موقع الرابطة المحمدية للعلماء بتاريخ 3 سبتمبر ٢٠٢١

[1]. راجع في كل ذلك بالتفصيل: فاروق أبو زيد، عصر التنوير العربي، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1978.

[2]. انظر: محمد شحرور، الكتاب والقرآن قراءة معاصرة، ثلاثة مجلدات، بيروت: المكتبة الثقافية، ط1، 1995، ص724-725.

[3]. لمعرفة ثقافة شحرور التراثية يراجع “الكتاب والقرآن قراءة معاصرة”، م، س.

[4]. محمد سليم العوا، المدارس الفكرية الإسلامية، بيروت: الشبكة العربية للأبحاث والنشر، 2016، ص441.

تنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية موضوعها المتعلق بقوانين البنوك الإسلامية، ومن أن المؤلف يعد خبيرًا في الاقتصاد والمالية الإسلاميين، حيث تولى رئاسة منظمة الزكاة العالمية، وأسس بنك الإنتاج الفلسطيني وترأس مجلس إدارته، وهو مستشار شرعي وعضو هيئة الفتوى لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية داخل وخارج الكويت، عضو مؤسس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل التابعة لرابطة العالم الإسلامي ، الرياض، ومُحَكَّم دولي معتمد في التحكيم التجاري مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى خبرات متعددة أخرى ذات صلة بموضوع الدراسة.

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

تستهدف هذه الدراسة الإسهام في وضع الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية اللازمة لإعداد قوانين البنوك الإسلامية، وتتلخص مشكلة الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد القوانين المنظمة لأعمال البنوك الإسلامية وصياغتها، ولاسيما في جانبيها الشرعي والاقتصادي؛ ذلك أن إعداد قوانين البنوك الإسلامية يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة، وهي:

  1.  أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها.
  2. العلوم المصرفية والمالية.
  3. علم القانون.

ولا شك أن الإخلال بواحد من هذه العلوم سينعكس أثره سلبًا على الصياغة العامة للقانون وسيلحق النقص والخلل بجودة القانون بحسب النقص في الإحاطة بالأركان المذكورة.

ونظرًا لأن مهمة إعداد قوانين البنوك الإسلامية وصياغتها إنما توكل –عادة- إلى المتخصصين في علم القانون، وهو أساس معتبر في صياغة القوانين، فإن المنهجية العلمية تستدعي وجود مشاركات جوهرية فاعلة من قبل متخصصين في الجانبين الشرعي والاقتصادي، الأمر الذي لا يتيسر غالبًا إلا بجهد ووقت كبيرين؛ فقد رأينا ضرورة المبادرة إلى إيضاح الملامح العامة للمنهجية العلمية في قوانين البنوك الإسلامية وذلك بتقريب هذه المطالب وتقييمها بصورة منهجية واضحة، بحيث تعبر عن أبرز الأسس والمعايير التي ينبغي على واضعي “قوانين البنوك الإسلامية” مراعاتها في مجالي العلوم الشرعية والعلوم الاقتصادية.

ولما كانت مسؤولية ذلك تقع بالدرجة الأولى على المتخصصين والباحثين في مجالي الشريعة والاقتصاد الإسلامي والمهتمين بقضايا البنوك الإسلامية ومستقبلها، ولما كان صدور القانون الخاص بالبنوك الإسلامية في عدد من الدول الإسلامية يُعد خطوة إيجابية ورائدة، ودعما مباشرًا لمسيرة العمل المالي الإسلامي عامة، فقد رأينا أن من واجبنا الإسهام بدراسة نماذج من هذه القوانين، مشيدين بالجوانب الإيجابية فيها، مع إبداء الرأي فيما اتضح لنا من أوجه القصور والنقص، وتقديم البدائل والحلول والتوصيات التي نراها جديرة بالأخذ في ضوء أسس ومبادئ فقه الشريعة الإسلامية من جهة وأسس ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية من جهة أخرى.

كما نؤكد أن بعض المؤاخذات الواردة يمكن أن تهدد مستقبل العمل المصرفي الإسلامي على المدى الطويل، مما يستلزم ضرورة الوقوف عند هذه الجوانب وتحليلها، ومن ثم تحويرها أو تعديلها بما يتلاءم وطبيعة نشاط البنوك الإسلامية، وما يجب أن تقوم به من دور ريادي في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وبلوغ الأهداف السامية التي وضع القانون من أجلها.

وليست دراستنا هذه تأتي طرفًا في محل نزاع بقدر كونها دراسة تأصيلية موضوعية متخصصة ومحايدة، تهدف إلى بناء منهجية علمية في ركنين رئيسين ضمن عملية إعداد قوانين البنوك الإسلامي، ورجاؤنا أن تسهم في ترشيد وتعزيز المسيرة المباركة للاقتصاد الواعد بصفة عامة والبنوك الإسلامية بصفة خاصة.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ حيث اشتمل التمهيد على مقدمات مهمة ذات صلة بموضوع الدراسة، وتم تخصيص الفصل الأول لبيان الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية التي يلزم مراعاتها عند تصميم قوانين البنوك الإسلامية،  وتناول الفصل الثاني دراسة القانون الخاص بالبنوك الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الصادر في عام ۲۰۰۰م، في حين تناول الفصل الثالث دراسة قانون البنوك الإسلامية بدولة الكويت، الصادر في عام ٢٠٠٣م.

رابط مباشر لتحميل البحث:

تنبع أهمية هذه الدراسة من أهمية موضوعها المتعلق بقوانين البنوك الإسلامية، ومن أن المؤلف يعد خبيرًا في الاقتصاد والمالية الإسلاميين، حيث تولى رئاسة منظمة الزكاة العالمية، وأسس بنك الإنتاج الفلسطيني وترأس مجلس إدارته، وهو مستشار شرعي وعضو هيئة الفتوى لدى عدد من المؤسسات المالية الإسلامية داخل وخارج الكويت، عضو مؤسس الهيئة الإسلامية العالمية للاقتصاد والتمويل التابعة لرابطة العالم الإسلامي ، الرياض، ومُحَكَّم دولي معتمد في التحكيم التجاري مركز التحكيم التجاري لدول مجلس التعاون الخليجي، بالإضافة إلى خبرات متعددة أخرى ذات صلة بموضوع الدراسة.

وقد جاء في مقدمة هذه الدراسة ما يلي:

تستهدف هذه الدراسة الإسهام في وضع الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية اللازمة لإعداد قوانين البنوك الإسلامية، وتتلخص مشكلة الدراسة في عدم وضوح المنهجية العلمية المتكاملة في إعداد القوانين المنظمة لأعمال البنوك الإسلامية وصياغتها، ولاسيما في جانبيها الشرعي والاقتصادي؛ ذلك أن إعداد قوانين البنوك الإسلامية يتطلب رعاية ثلاثة علوم مختلفة، وهي:

  1.  أحكام الشريعة الإسلامية وقواعدها ومقاصدها.
  2. العلوم المصرفية والمالية.
  3. علم القانون.

ولا شك أن الإخلال بواحد من هذه العلوم سينعكس أثره سلبًا على الصياغة العامة للقانون وسيلحق النقص والخلل بجودة القانون بحسب النقص في الإحاطة بالأركان المذكورة.

ونظرًا لأن مهمة إعداد قوانين البنوك الإسلامية وصياغتها إنما توكل –عادة- إلى المتخصصين في علم القانون، وهو أساس معتبر في صياغة القوانين، فإن المنهجية العلمية تستدعي وجود مشاركات جوهرية فاعلة من قبل متخصصين في الجانبين الشرعي والاقتصادي، الأمر الذي لا يتيسر غالبًا إلا بجهد ووقت كبيرين؛ فقد رأينا ضرورة المبادرة إلى إيضاح الملامح العامة للمنهجية العلمية في قوانين البنوك الإسلامية وذلك بتقريب هذه المطالب وتقييمها بصورة منهجية واضحة، بحيث تعبر عن أبرز الأسس والمعايير التي ينبغي على واضعي “قوانين البنوك الإسلامية” مراعاتها في مجالي العلوم الشرعية والعلوم الاقتصادية.

ولما كانت مسؤولية ذلك تقع بالدرجة الأولى على المتخصصين والباحثين في مجالي الشريعة والاقتصاد الإسلامي والمهتمين بقضايا البنوك الإسلامية ومستقبلها، ولما كان صدور القانون الخاص بالبنوك الإسلامية في عدد من الدول الإسلامية يُعد خطوة إيجابية ورائدة، ودعما مباشرًا لمسيرة العمل المالي الإسلامي عامة، فقد رأينا أن من واجبنا الإسهام بدراسة نماذج من هذه القوانين، مشيدين بالجوانب الإيجابية فيها، مع إبداء الرأي فيما اتضح لنا من أوجه القصور والنقص، وتقديم البدائل والحلول والتوصيات التي نراها جديرة بالأخذ في ضوء أسس ومبادئ فقه الشريعة الإسلامية من جهة وأسس ومبادئ الاقتصاد الإسلامي والبنوك الإسلامية من جهة أخرى.

كما نؤكد أن بعض المؤاخذات الواردة يمكن أن تهدد مستقبل العمل المصرفي الإسلامي على المدى الطويل، مما يستلزم ضرورة الوقوف عند هذه الجوانب وتحليلها، ومن ثم تحويرها أو تعديلها بما يتلاءم وطبيعة نشاط البنوك الإسلامية، وما يجب أن تقوم به من دور ريادي في تحقيق التنمية الاقتصادية الشاملة وبلوغ الأهداف السامية التي وضع القانون من أجلها.

وليست دراستنا هذه تأتي طرفًا في محل نزاع بقدر كونها دراسة تأصيلية موضوعية متخصصة ومحايدة، تهدف إلى بناء منهجية علمية في ركنين رئيسين ضمن عملية إعداد قوانين البنوك الإسلامي، ورجاؤنا أن تسهم في ترشيد وتعزيز المسيرة المباركة للاقتصاد الواعد بصفة عامة والبنوك الإسلامية بصفة خاصة.

وقد تم تقسيم الدراسة إلى مقدمة وتمهيد وثلاثة فصول وخاتمة؛ حيث اشتمل التمهيد على مقدمات مهمة ذات صلة بموضوع الدراسة، وتم تخصيص الفصل الأول لبيان الأسس الشرعية والمعايير الاقتصادية التي يلزم مراعاتها عند تصميم قوانين البنوك الإسلامية،  وتناول الفصل الثاني دراسة القانون الخاص بالبنوك الإسلامية بالمملكة الأردنية الهاشمية الصادر في عام ۲۰۰۰م، في حين تناول الفصل الثالث دراسة قانون البنوك الإسلامية بدولة الكويت، الصادر في عام ٢٠٠٣م.

رابط مباشر لتحميل البحث

إن دور الفقه في المنظومة الإسلامية يتمثل في مهمتين جليلتين: أولاهما: هداية واقع البشرية، وترشيد الحركة الإنسانية، وثانيتهما: إخراج البشر من دواعي أهوائهم وأغراضهم، وضبطها بالأحكام الشرعية المستنبطة من الكتاب والسنة استنباطًا صحيحًا موثقًا.

الفقه إذًا في المنظومة الإسلامية هو السابق الهادي، والواقع هو المسترشد المهتدي. لكن هذا التصور الشديد الوضوح والجلاء ينقلب لدى البعض إلى نقيضه، فيصبح “الواقع” في هذا التصور المقلوب هو الطرف المهيمن الذي يفرض نفسه على الفقه، بل يصبح الواقع بكل ما يضطرب فيه من أهواء وأغراض وانكسارات وتراجعات- هو الذي يحكم الفقه، ويهيمن عليه، ويُحدد له ما يجب وما لا يجب، وما يجوز وما لا يجوز، ولو تجاوز في سبيل ذلك قطعيات الشريعة وأصولها الثابتات، وتصبح مهمة الفقه في هذا التصور المعوج محصورةً في العثور على المخارج المصطنعة والحيل الزائفة التي تحلل ما يحتاج الواقع إلى تحليله، أو تحرم ما يحتاج إلى تحريمه، أو تبرر ما يحتاج من أحداثه إلى تبرير.

وبذلك يفقد الفقه فعاليته المنشودة في إصلاح مسيرة الواقع، وضبط اعوجاجه، وتقويم انحرافه على هدى من كتاب الله تعالى وسنة رسوله، بل يصير حينئذ فقهًا بلا هوية أو ذاتية، هذا إن كان جديرًا باسم الفقه أصلًا وابتداءً!!

 وإذا كنا في أمورنا الحياتية نضع الخطط قبل التنفيذ، ونجعل الفكر سابقًا على الواقع، فلماذا تنقلب هذه البدهية في قضيتنا هذه رأسًا على عقب؟

لماذا يصبح الواقع هو الأساس، ويصبح الفقه هو الظل والانعكاس؟ أليس في هذا ضياع للفقه وللواقع جميعًا؟! ثم أليست هذه أثارة ما زالت باقية من أثارات منهج الديالكتيك الجدلي الذي يقوم على “أسبقية الواقع على الفكر” سواء في الوجود أو في المعرفة، أو في التاريخ، أو في الأخلاق؟ وإذا كان المنهج الأفل قد انقض بنيانه من القواعد، فكيف بنا نحيي مواته في مسار حياة المسلمين التي يضبطها الفقه، وتشيد أركانها في أصوله ؟!

الفقه والمصلحة

(حيثما وجدت المصلحة فثم شرع الله) هكذا تقول العبارة التي تتردد على الألسنة، وهكذا تهتف حروفها بالناس -حين تُفهم حق الفهم- قائلة: إذا تحققت مصالح العباد على أتم الوجوه، وبلا نقص أو اختلال فأيقنوا أن شرع الله تعالى قد تحقق على الدرجة نفسها من التمام، فمصالح العباد مرتبطة بتنفيذ تكاليف الشرع، وجودًا وعدمًا، وكمالًا ونقصانًا.

ولست أدري كيف انقلب مفهوم هذه العبارة لدى البعض إلى الطرف المغلوط، فأصبح معناها لديهم أن الشرع ليس سوى تابع للمصلحة، يلهث خلفها، ويتبع خطاها؟ لست أدري .. ماذا يتبقى من الشرع إن كانت المصالح هي الهادي، وهي الفيصل بين ما هو مشروع وبين ما هو غير مشروع؟ 

أما يكفي -لو كان الأمر كذلك- أن يقول الوحي للناس بكلمة واحدة مجملة تتبعوا المصلحة في كل ما تأتون وتذرون؟ ثم أي دور يبقى للشرع نفسه بعدئذٍ؟ بل لماذا وردت التشريعات أصلا إذا كانت المصلحة هي رائد الشرع ومعياره وميزانه؟

لقد كان حريًا بأولئك الذين يريدون من الشرع أن يكون تابعًا للمصلحة أن يسألوا أنفسهم أليست المصالح بطبيعتها متغيرة متبدلة، بل متعارضة متناقضة؟ أليست المصالح متعددة بتعدد البيئات والأزمنة والأمكنة والأشخاص؟ فأي هذه المصالح يكون الشرع رهنا بها وتبعًا لها؟

أليس معنى تبعية الشرع للمصلحة أن الشرع قد قدم استقالته من دوره المنوط به في هداية المجتمع، وإمساك دفة التوجيه والإصلاح فيه، ثم ترك تلك الدفة تقودها المصالح، وتُسيّرها المنافع التي سرعان ما يتوهم المنتفعون بها أنها من قبيل الضرورات ثم يتذرعون بها إلى استباحة المحظورات؟!

إن ثمة فرقًا هائلا قد يغفل عنه الغافلون بين المصالح الحقيقية التي لا مفسدة فيها عاجلًا أو آجلًا للنفس أو للغير، وبين المصالح الموقوتة الزائفة التي تختلط بالمفسدة على أي نحو من الأنحاء، فما يقترن بالشرع ويرتبط به هو المصالح الحقيقية، أما ما يخرج عن إطاره فهو ما يُظن مصلحة، وليس هو كذلك، وإنما هو الهوى والغرض، وكم انخدع الناس بتجارب وممارسات هللوا لها، وتوهموا أنها المصلحة، وإذا بمفاسدها تتوالى، وإذا بهم يشقون بها أشد الشقاء، ولو أنهم ربطوا مصالحهم بالشرع، وجعلوها تابعة لأوامره ونواهيه لتحققت تلك المصالح على وجهها المستقيم، ولكان ذلك خيرًا وأحسن توفيقًا.

الفقه ومقاصد الشريعة

عندما بحث الفقهاء في (مقاصد الشريعة) كانوا يهدفون من وراء ذلك إلى الكشف عن محاسنها وحكمها وغاياتها الرفيعة، لكنهم -بثاقب فطنتهم- لم يكونوا غافلين عن أن بعض الأفهام الخاطئة قد تنحرف في تصورها لهذه المقاصد بسوء فهم أو بسوء نية.

إن مقاصد الشرع أو غاياته وحِكَمه مشتقة من نسيج الأحكام الشرعية والتكاليف الإلهية، ومستنبطة من مجمل أدلتها المستقاة من الكتاب والسنة، فلا يتصور إذًا أن تتحقق مقاصد الشريعة بطريق غير طريق تلك التكاليف الشرعية، ولا يتصور أن تكون مقاصد الشريعة مقحمة على الأحكام الشرعية التي أدت إليها وأثمرتها، فضلا عن أن تكون غريبة عنها أو مناقضة لها.

فإذا قلنا: إن الحكمة من فريضة الصوم مثلا تتمثل في تأديب النفس، وتربية الضمير، وسلامة البدن، فلا يتصور عاقل أنه حين تتحقق تلك الأمور -بأية وسيلة أخرى غير الصوم- فقد أُنجِز “المقصد” من تلك الفريضة، وانتفت تبعًا لذلك الحاجة إليها، بل إن فريضة الصوم – كانت ولا تزال وستظل- فريضة مكتوبة على المسلم حتى وإن تحققت تلك الأمور على أيّ نحو من الأنحاء!

لكن بعض الأفهام الخاطئة قد تحيد عن هذا التصور المستقيم، فتجعل (المقاصد الشرعية) بديلًا عن الأحكام التكليفية ذاتها، ويصبح المطلوب – كل المطلوب عند أصحاب هذه الأفهام- هو تحقيق “المقصد” بأي سبيل وبأي طريق، سواء كان هذا الطريق متفقًا مع الأحكام التكليفية المستنبطة من النصوص الشرعية أم غير متفق، بل وحتى لو تحقق هذا المقصد بالتغاضي عن الأحكام التكليفية حينًا، أو بإهمال النصوص التي استقيت منها حينًا آخر.

لقد فات على أصحاب هذه الأفهام أن المقصد الشرعي كالثمرة، وأن الأوامر الشرعية كالشجرة التي أثمرتها، فهل يُعقل أن تنبت ثمرة بلا شجرة؟ أو ينهض بناء على غير أساس؟

إن ثمة محاذير تلوح في الأفق من جرَّاء شيوع استخدام قضية المقاصد الشرعية على غير وجهها، وذلك تحت لافتات براقة خداعة؛ كالدعوة إلى استلهام (روح الشريعة) حتى وإن تم ذلك على حساب النصوص الشرعية والأحكام التكليفية، وما هذه الدعوة وأشباهها إلا محاولة للالتفاف حول النصوص ثم التنصل منها، وهيهات أن تنفصل (روح الشريعة) عن نصوصها وتكاليفها إلا حين تزيغ الأبصار، وتنطمس البصائر !!

 


* نُشر هذا المقال في مجلة الأزهر (عدد شهر ذي القعدة لعام 1444).

إن دور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي هو دور بارز، عميق الأثر، بحيث تستطيع القول بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي أعطي النظام الجنائي الإسلامي -في حدود ما ورد في كتاب الله تعالى- معالمه وأسسه، وحدد المبادئ والقيم التي سيطرت عليه، وبيّن المصالح التي استهدف حمايتها.

ولم يكن دور الرسول في هذا المجال مقتصرًا على الجانب التشريعي، بما أرساه من مبادئ وما وضعه من قواعد. وإنما كان له الدور القضائي البارز، بتطبيقه هذه المبادئ والقواعد على الأقضية التي عرضت عليه. وكان له -صلى الله عليه وسلم- الدور الفقهي كذلك بشرحه وتفصيله ما أجمله القرآن الكريم.

إن دور الرسول الكريم في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي دور ضخم والحديث فيه يتشعب ويطول. ونرى في هذه الدراسة أن نسرد الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولت أسس النظام الجنائي الإسلامي وأرستها.

ونرى تقسيم هذه الدراسة إلى فصول ثلاثة:

الفصل الأول: نعرض فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم العام من النظام الجنائي الموضوعي، أي المبادئ العامة في التجريم والعقاب.

الفصل الثاني: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم الخاص من النظام الجنائي الموضوعي، أي تحديد الأفعال التي تُعد جرائم، والعقوبات المقررة لها.

الفصل الثالث: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الإجرائي.

الفصل الأول

القسم العام

من النظام الجنائي الموضوعي

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال المبادئ العامة في التجريم والعقاب المبادئ التالية:

أولاً: مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن العاص حين أسلم: “إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله”. ويعني هذا الحديث أنه لا عقاب على ما اقترف في الجاهلية من أفعال صار الإسلام بعد ذلك يجرمها. وتطبيقًا لهذا المبدأ، فإن الرسول لم يحاسب أحدا على فعل كان قد اقترفه في الجاهلية.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد توسع في تطبيق مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب، فلم يحاسب أحدًا على معصية اقترفها قبل دخوله الإسلام ولو كان ذلك بعد بدء الرسالة. وبناءً على ذلك، فإنه لم يحاسب أبا سفيان وزوجته على إيذائهما البالغ له وكيدهما للدعوة الإسلامية، ولم يقتص عليه الصلاة والسلام من قاتل عمه حمزة بن عبد المطلب، على الرغم من أن هذا القتل قد آلمه أشد الإيلام.

ثانيًا: المساواة بين الناس في المسئولية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المساواة التي تكاد تكون مطلقة بين مرتكبي الجريمة، أيا كانت أنسابهم وأحسابهم، في قوله “إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها”.

وقال كذلك “كلكم لأدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”. وقال أيضًا “الناس سواسية كأسنان المشط”.

وقد أطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ المساواة، إلى حد إنكاره أية حصانة يتمتع بها رئيس الدولة إذا ما اقترف فعلاً تؤثمه قواعد الشريعة الإسلامية.

وطبق ذلك على نفسه، باعتباره أول رئيس للدولة الإسلامية، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا، فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالاً، فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من شأني، ألا وأن أحبكم إلى من أخذ مني حقًا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس”.

ثالثا: مبدأ شخصية المسئولية، أي عدم جواز مساءلة شخص عن فعل غيره:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ في قوله: “لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه، ولا يجني عليك، ولا تجني عليه”.

رابعا: تَطَلُّب ماديات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن مادي للجريمة:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ فقال: “إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم”. وقال كذلك: “من همَ بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب له شيء”.

ويتصل بالركن المادي للجريمة تقرير الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ صلاحية “الامتناع” أو “الترك” لتقوم به الجريمة، فقال: “من كان عنده فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر عنده، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد عنده”. ومن هذا الحديث استخلص الفقهاء تجريم الامتناع.

خامسًا: اشتراط معنويات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن معنوي للجريمة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تقرير هذا المبدأ: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”. ويعني هذا الحديث أن النية التي تصحب الفعل هي التي تحدد قيمته الدينية والاجتماعية الايجابية أو السلبية. ومؤدى ذلك أن “النية” هي التي تحدد ما إذا كانت تقوم بالفعل جريمة أو لا يقوم به شيء من ذلك. والنية ظاهرة نفسية معنوية، وتطلبها لقيام الجريمة، يعني تطلب ركن معنوي لها.

سادسًا: الاعتراف بموانع المسئولية الجنائية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ الاعتراف بوجود أسباب تحول دون المسئولية الجنائية، على الرغم من ارتكاب الفعل الذي تقوم به الجريمة، فقال عليه الصلاة والسلام: “رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق”، وقال كذلك “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه”.

ويخلص من الجمع بين الحديثين أن موانع المسئولية الجنائية التي أقرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي: صغر السن، والنوم، والجنون، والخطأ، والنسيان والإكراه.

سابعًا: الاعتراف بالدفاع الشرعي كسبب للإباحة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف للدفاع الشرعي بدوره كسبب للإباحة “من مات دون ماله فهو شهيد”، ويستخلص من هذا الحديث أن من مات دفاعًا عن نفسه أو عرضه فهو من باب أولى شهيد. وإذا كان المدافع يعتبر شهيدًا إذا مات دفاعًا عن حقه، فهو بالضرورة إذا لم يمت لا يكون عليه تثريب أو عقاب، بل إن دفاعه يعد فعلاً يحمد له إقدامه عليه.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد ارتقى بالدفاع الشرعي من مرتبة الحق إلى مرتبة الواجب.

ولم يقصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجب الدفاع عن نفس أو مال من صدر عنه فعل الدفاع، بل لقد مد نطاقه إلى الدفاع عن نفس أو مال الغير، فقال عليه الصلاة والسلام: “من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”. وقال كذلك “ما من امرئ مسلم يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته ويقتص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته”.

ثامنًا: الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة، ووضع الحدود له:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة “على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”. وقال كذلك “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقال أيضًا “إنما الطاعة في المعروف”.

وتعني هذه الأحاديث أنه يتعين على المرء أن يطيع الحاكم فيما يأمره به، ويطيع كذلك ممثلي الحاكم، وهم عماله وموظفوه. ولكن لهذه الطاعة حدودها: فإذا كان أمر الحاكم أو ممثليه بمعصية، فلا تجوز الطاعة.

تاسعًا: المبادئ التي تحدد معالم النظام العقابي الإسلامي:

النظام العقابي -بصفة عامة- يتضمن مجموعة القواعد التي تحدد أساليب تنفيذ العقوبات في ضوء أغراض اجتماعية معينة.

وقد أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجموعة من المبادئ الأساسية حددت معالم النظام الإسلامي، وأهم ما يتضمنه من قواعد، وذلك على الوجه التالي:

  1. عدم جواز تعدي العقوبة حدها الأقصى المقرر لها، وعدم جواز أن تقرر لجريمة العقوبة المقررة لجريمة أشد منها:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: “من بلغ حدًا في غير حد، فهو من المعتدين”. ويعني هذا الحديث أنه لا يجوز أن يوقع الحد من أجل جريمة من جنس الجريمة المقرر لها الحد، ولكنها أقل منها جسامة. وعلى سبيل المثال، لا يجوز أن يوقع حد الزنا من أجل جريمة ماسة بالعرض ولكنها دون الزنا جسامة، ولا يجوز أن يوقع حد السرقة من أجل جريمة اعتداء على المال دون السرقة.

  • عدم جواز تعيير المجرم بجريمته:

أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعدم تعيير المجرم بجريمته.

ويستخلص من ذلك مبدأ عام يقرر الاعتراف للمجرم -على الرغم من إجرامه- بإنسانيته وكرامته، فقد يكون من شأن ذلك أن يعود إلى الصواب. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن عيروا مجرمًا بجريمته: “لا تعينوا عليه الشيطان”.

  • العفو عن القصاص:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعفو عن القصاص حتى يسود الوفاق والمحبة بين الجاني وعائلته وبين المجني عليه وعائلته. فقال “ما زاد عبد بعفو إلا عزًا” وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما رفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر فيه قصاص إلا طلب فيه العفو”.

  • دور التوبة في النظام العقابي الإسلامي:

عظَّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- من شأن التوبة، وجعلها مطهرة نفس المؤمن من إثمه وماحية عنه وزر جريمته، فقال عليه الصلاة والسلام “إن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار”.

  • الترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه، وعدم تجاوز القدر من الشدة الذي وضعه الشارع فيها، فقال عليه الصلاة والسلام “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه”. ويعد المنوط به تنفيذ العقوبة متوليًا أمر المسلمين في هذا الجانب من جوانب حياة المجتمع الإسلامي.

الفصل الثاني

القسم الخاص

 من النظام الجنائي الموضوعي

تمهيد:

نفصل في هذا القسم القواعد التي أسبغ بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- صفة الجريمة على الأفعال التي ارتأى أنها ضارة بالمجتمع أو خطرة عليه.

وهذه القواعد ذات أهمية كبيرة في مجال “التعزير”. والمراد بجرائم التعزير جرائم لم يرد في شأنها حد أو قصاص، وإنما ترك أمر تجريمها لولي الأمر، أي السلطة العامة في المجتمع. ولكن شرط تجريم السلطة العامة لها أن توصف بأنها “معصية”. وكل ما نهى عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو معصية، ويتعين أن يكون -بناء على ذلك- موضعًا للتعزير.

ونجمل فيما يلي أهم هذه المبادئ:-

أولاً: مصالح الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالتجريم والعقاب:

أبرز الرسول -صلى الله عليه وسلم- أهم حقوق الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالعقاب، فقال: “كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه”. وأبرز بعد ذلك تفوق الحق في الحياة على ما عداه من الحقوق من حيث الجدارة بالحماية الجنائية، فقال: “أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء”.

ثانيًا: تجريم المبارزة، وتجريم القتل بالرضاء:

وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ تجريم المبارزة، فقال “إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا، يا رسول الله هذا القاتل، فما شأن المقتول، قال، فإنه كان حريصًا على قتل صاحبه”.

ومن هذا الحديث يستخلص تجريم القتل بالرضاء، إذ أن القتل الذي يقع أثناء المبارزة هو في حقيقته قتل بالرضاء.

ثالثًا: تجريم شرب الخمر:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك “من شرب الحمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه”.

رابعًا: تجريم الفتنة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن “ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان”.

خامسًا: تجريم الرشوة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن هذا التجريم: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما”. وقال كذلك “هدايا الأمراء غلول، وهدايا الأمراء سحت”. وقال أيضًا “ما بال أقوام نستعملهم على ما ولانا الله، فيقول هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه، فنظر أيهدى له أم لا.

سادسًا: تجريم السب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم السب: “المسلم أخو المسل لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره”. وقال أيضًا “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”. وقال كذلك “إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق”.

سابعًا: تجريم شهادة الزور:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم شهادة الزور “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر”، قلنا بلى يا رسول الله، قال “الاشراك بالله وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، وشهادة الزور”.

ثامنًا: تحديد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان الجرائم المعاقب عليها بالإعدام “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك للجماعة”.

الفصل الثالث

النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي

تمهيد:

أرسى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي، مجموعة من المبادئ الأساسية. وهذه المبادئ تعد ركائز هذا النظام. وتعتبر في النظام الإجرائي المعاصر أهم المبادئ التي يستند إليها، وأهم ضمانات الحقيقة والعدالة والحيدة في إجراءات التحقيق والمحاكمة والتنفيذ العقابي.

وفيما يلي أهم هذه المبادئ:

أولاً: درء الحدود بالشبهات:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إدرؤا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”.

ونستخلص من هذا الحديث مجموعة من المبادئ التي تتفرع عن أصل “درء الحدود بالشبهات”، وهذه المبادئ هي:

  1.  تفسير الشك لمصلحة المتهم.
  2.  تقرير أن الأصل في الإنسان البراءة.
  3.  وجوب استناد الإدانة إلى اليقين.
  4.  جواز استناد البراءة إلى الشك.

إن هذه المبادئ الجوهرية التي تعتبر الآن من أبرز معالم النظام الإجرائي الحديث، وأهم ضمانات الحرية والعدالة فيه، قد أوجزها هذا الحديث الشريف في العبارة السابقة التي بلغت صياغتها غاية في الدقة والبلاغة والإعجاز.

ثانيًا: مبدأ التزام القاضي بتحقيق وقائع الدعوى قبل الحكم فيها:

ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في وجوب أن يحقق القاضي الدعوى تحقيقًا دقيقًا ويتعرف على تفاصيلها قبل الحكم فيها، ووجوب أن يتيح للمتهم كل فرص الدفاع، بل وأن ينبهه إلى وسائل الدفاع التي يمكنه أن يتذرع بها، وأدلة البراءة التي يسعه الاحتجاج بها.

يتجلى ذلك في وضوح حين جاء “ماعز بن مالك” الرسول -صلى الله عليه وسلم- مقرًا بالزنا ومصرًا على إقراره، فلم يسارع الرسول إلى إنزال الحد به، بل قال له “لعلك قبلت لعلك لامست” وأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستفسر منه عن حقيقة فعله، ويسأله عن ظروفه، ويفتح له سبيل الرجوع عن اعترافه.

إن هذا المبدأ الذي أرساه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتضمن توجيهًا وأمرًا إلى جميع القضاة أن يتحروا الحقيقة قبل الحكم في الدعوى، وأن يحققوا وقائع الدعوى تحقيقًا كاملًا. وألا يقبلوا اعترافًا على علاته، وأن ينبذوا مبدأ “الاعتراف سيد الأدلة”، وأن يمحصوا كل جوانب الدعوى، ويفسحوا للمتهم كل أساليب الدفاع، بل وأن يوحوا إليه بوسائل الدفاع وأدلة البراءة.

ثالثًا: مشروعية الدليل:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضًا، وكونوا عباد الله إخوانا”. وقال كذلك “إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة”. وقال أيضًا “أيها الناس من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر، فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد”.

هذه الأحاديث تتضمن نهيًا صريحًا حازمًا عن التجسس، فهو هي ذاته معصية، وتتضمن كذلك نهيًا عن الحصول على الدليل بالتجسس، أو -قياسًا- بأي أسلوب يتضمن انتهاكًا للحرمات أو هتكًا للحياة الخاصة للمتهم.

ويمكن أن يستخلص من ذلك مبدأ أساسي، مؤداه وجوب أن يبني الدليل على إجراءات مشروعة، وأن يستخلص من مصدر مشروع، وإلا عوقب من حصل عليه بهذا الأسلوب، وكان الدليل في ذاته غير صالح لأن يعتد به.

رابعًا: تطلب شروط في الشاهد تضمن نزاهته وحياده:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحديد الشروط العامة المطلوبة في الشاهد کي تقبل شهادته “لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين”.

وهذا الحديث نستخلص منه نظرية عامة، مضمونها أنه لا يجوز للقاضي أن يقبل شهادة أي شخص، بل إن عليه أن يتحرى فيه صفات خاصة تكفل عدله ونزاهته وحياده وموضوعيته.

خامسًا: عدم جواز انتزاع الدعوى من حوزة السلطات العامة، وبصفة خاصة القضاء، بعد أن دخلت فيها:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع”.

هذا الحديث الذي ورد في الحدود، ويقاس عليها التعزير، يقرر أنه إذا بلغ أمر الجريمة السلطات العامة، ويدخل فيها القضاء بالضرورة، فإن هذه السلطات تصير ملتزمة بأن تنظر فيها وتصدر الحكم الذي تقضي به قواعد الشريعة، وتلتزم بتنفيذ هذا الحكم على من صدر عليه. ويفرض هذا الحديث على الناس جميعًا احترام هذا الالتزام الذي غدت السلطات العامة تحمله، وما يتفرع عن هذا الالتزام من ولاية واختصاص: فمن حاول الافتئات عليه، وانتزاع الدعوى من حوزة السلطات، فقد أثم إلى درجة أنه يستحق لعنة الله كائنًا من كانت منزلته، وأيًا كان قدره.

خاتمة

هذه لمحات من الدور الكبير الذي اضطلع به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء قواعد النظام الجنائي الإسلامي وتحديد معالمه واستكمال بنيانه. وإنه لدور عظيم خالد خلود رسالته التي صنعت حضارة إنسانية، هي أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية على مدى تاريخها الطويل، ولن تعرف حضارة تفضلها، سواء من حيث القيم الأخلاقية التي قامت عليها، أو من حيث المصالح الاجتماعية التي استهدفت تحقيقها.

وإن هذا التراث العظيم الذي خلفه لنا الرسول جدير منا -نحن أمة الرسول- أن نحله حيث ينبغي أن يكون: تقديرًا واحترامًا، ودراسة وبحثًا، وتطبيقًا لأصوله وقواعده.

جزى الله تعالى رسوله الكريم خير ما يُجزى به نبي عن أمته، ورسول عن قومه، وجعل رسالته نورًا ورحمة، وهدى وخيرًا لأبناء البشر جميعًا.

————————————————————–

* كُتيب نشرته دار النهضة العربية (القاهرة)، عام 1984م.