الشريعة والقانون الوضعي- الاستعمار التشريعي في بلادنا*

By الشيخ محمد الغزالي أكتوبر 31, 2023 14 0

الشيخ محمد الغزالي

أقترح في البداية، أني كمسلم أقف دون شك في صف المطالبين المتقدمين في القرن التاسع عشر، لا فقط لأن ذلك يحقق مكاسب لأمتنا، بل وأيضا كمسلمين مأمورون من قبل الله، ولا يمكن أن يتعاملوا مع التعالي الإلهية حسب أهواء الناس، في إنقاذ بعضهم ويترك البعض الآخر - مما أدى إلى وجود موقف إسلامي يؤمن بالإيمان وشمولية النظرة للجميع، فلا يمكن ان يكون جانب من تعاليم الله دون جانب الآخر، ففي القرآن:

[كُتيب عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ ]

[كتيب عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ ]

ونحن نفعل هذه الأشياء. ولكنني سأشرح الوجه نظريًا فيما بعد حول الفرق بين المصطلحات والعبادات والمعاملات.

إن شبكة التعالي الإسلامية التي ترعى شئون تحتاج إلى توضيح وتمييز بين جوانبها المختلفة، بمعنى أن الإسلام قصد من القوانين التي يجب أن يصون دماء الناس وأموالهم وأعراضهم، وهذا ما نفهمه بمقاصد الشرعية، وبالتالي فإن المحافظة تتطلب أمرين:

الأول: هو أمر عقائدي وأخلاقي، أي انبعاث الإنسان من داخل نفسه لحماية حقوق الآخرين على حرمهم ولاتحافظ على اتخاذ موقف بناء على الإيمان والأخلاق وبالتالي الناس والناس. فحقوق الناس مصونة ومقدسة في الإسلام، وكذلك يجب أن تكون في دخيلة كل مسلم مؤمن، وقد جاء في الحديث، أن ينظر النبي صلى الله عليه وسلم إلى الكعبة وقال: "ما أطيبك وأطيب ريحك وأعظم حرمتك، والمؤمن أعظم حرمة منك؛ إن الله بلاسك حراما، وحرَّم من" المؤمن دمه والمهدله"، أي إن لحقوق الإنسان قداسة لا يجب أن تنتهك. وتجلى هذا القطب في تعريف الرسول ﷺ للمسلم والمؤمن، فالمسلم هو من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمؤمن من آمنه الناس على أموالهم وأعراضهم.

لكن هذه التعاليم، على وضوحها، لا يمكن وحده أن تحفظ العدل والنظام في مجتمعنا، لذلك وجدت لعدم وجود قيود عليها بعقوبات راعة، ديتلع جلام الذي ينفلت من الالتزام العقيدة والإيماني ليتبع هواه ونزعته ويؤذى الآخرين مجتمعين، وهذا ما نسميه بالأمر الثاني الذي يتطلبه صيانة حقوق الناس. عضوي المجتمع الإسلامي، ففرض فرض القيود على الإجرام يشعر بالرهبة من القصاص والجزاء.

وقد وضع الإسلام حدودًا دقيقة لهذا الأمر، فأمر الرصاص في حالة مساعدة ما هو من حقوق الناس، ووضع حدًا فيما هو مختلط بين حقوق الله وحقوق الناس ولكن حق الله اظهر... وهذا هو الفارق بين القصاص حتى ذلك، فالقصاص مصلحة البشر فيه يظهر بينما الحدود حق الله فيها أكثر.

طبعًا لا يوجد مجتمع متطور دون نظام قانوني واضح للعقاب، ولكن هناك فرق بين القانون القانوني الوضعي المقتبس من شرائع أجنبية في هذا المجال.

فالشريعة ترى الخمر محرمًا، وينطلق هذا المكان أساسًا من كل ما يمنع أعضاء البشر من التخدير والغييب وما ينتج عن ذلك من شطط. فبشر البشر من الخمر والمخدرات من حقوق الله، وهنالك حماية إلى حد كبير للخمر الذي يفترضه القاضي. أما القانون الوضعي فيعاقب فقط في حالة عربدة السكير في الشارع وإزعاجه للناس مثلاً، أو عندما يقدم السكير على جُرم آخر وهو في حالة السكر، بينما الشريعة الإسلامية ترفض وتمنعه ​​صيانة السكر لعقل البشر، وكذلك مكان من الزنا فالإسلام يحرمه لأعراض الناس وحفظها حتى يتمكن، بينما قوانين الوضعية التخرج في بلادنا والمنقولة أساسًا من القانون الفرنسي تبيه الزنا في الواقع، فهي لا تعتبر جريمة إذا وقع برضا الطرفين وإرادتهم، وتنتفى الإرادة في حالة الا المحاكم وفي حالة القاصر حيث لا يعتبر صاحب إرادة حرة، ونحن نرى أن واضحا بين الشريعة والقانون الوضعي هنا ولا يمكن أن يحدث ذلك.

وقد أوصل الوضعي المجتمعات الغربية إلى درجة الإباحة المحدودة، لا للزنا فقط، بل حتى وصل الأمر لإصدار قوانين تبيح اللواط.

وهنالك أمر آخر يفصل القاضي عن القانون الوضعي في قضية الزنا، فزنا الزوج لا يهم المجتمع إذا لم يأت الزوج إلينا، بل لا يحل للأب أو الأخ أن يتدخلوا في الأمر، وإن القضاء من الزوج المتلبسة بجريمة الزنا يعتمد على موقف الزوج، يعفي عنها أم لا، أي لا يدخل والقيم مسابقة فيه.

وقد قتل حرمه الإسلام، وعقوبة القتل العمد هي القصاص إلا إذا عفى ولى الدم. وهنالك بعض الناس من أهل الخير يحاولون في هذه الحالة، ولابد من الدم بالعفو وقبول الدية، إلا القصاص قبل وعفى، ويسقط الرصاص، ويبقى حق الدولة التي تقوم بتعزير الجريمة. والواقع أن القفص القذائف وحدة الزنا جزء جزئي من الردع وفي خفض عدد واسعة في المجتمعات الإسلامية، في حين يصل التساهل لديها هذه الخوذة في ظل القانون والعمارة النظامية إلى أبعد من ذلك لا مثيل له في نسبة الجريمة. فمن النظرة الأولى تبدو وكأنها موقف قانوني قاسٍ وحازمًا وأقرب لفكرة العقاب.. بينما النظرة المتمعنة ساهمت في هذا المكان في الواقع هو أقرب للرحمة بالناس بل وحتى بالإنسان النازع نحو الجريمة.

ولا يبدو أن غاب القصاص الإسلامي، ووسعت حالات الأخذ بالثأر فأدى ذلك إلى زيادة حجم الجريمة بشكل عام.

إن الحد من نسبة كبيرة بل يسهل إلى مجتمع فاضل، تنتفى فيه الجريمة أو تكاد، تحقيق هدف المسلمين على المدى الطويل، ولكن مثل هذا المجتمع هو أمر يتطلب إقامة العدل بين الناس لتنتفي حاجتهم العالية، ويطلب أيضا قراءة من التوعية وبث قيم النبيلة في النفوس .

ولكن ما دامت الجريمة موجودة، فلابد من القصاص والعقاب.. ولكم في القصاص.

إنني عمومًا مع تطبيق القصاص والحدود، ولكن يجب أن تتفحص موقف الإسلام من الحدود، فالشارع درأها بشبهات الجمعة، ثم تلاحقها في نطاق أضيق، فحد الزنا يظل رادعًا إلى حد ما في منع الجريمة، بينما كانت نادرة تلك الحالات التي نشرت فيها الحد من الفعل، بسبب ما وضع من شروط ومستلزمات لذلك التطبيق، فعندما جاء رجل إلى الرسول صلي الله عليه وسلم معترفًا بارتكابه الزنا مؤكدًا توقيع الحد به، أعرض عليه الرسول r، ثم طبق عليه الحد بعد إصرار الرجل، ولكن الرسول ﷺ لم يسأل عن شريكه في الجريمة واسكت عنها معتبرًا تأليف حجة قاصرة على صاحبها.. فالرجل، كما يقول ابن تيمية، أبى أن تغسله التوبة الشخصية فهو لو تاب واكتفى لك ذلك مطهرًا له، لكنه أبي إلا أن يموت في الدنيا.

ولنأت إلى موقف القضاء أو الحاكم، وكيف يكون الأمر عندما يمثل أمام القضاء رجل مسجل عليه الجريمة، حسب ابن تيمية بنات القيم وما فهمه أنا من السنن، أريد أن أقول أن القاضي قرر وقف التنفيذ في المرحلة الثالثة، فلو سرق تلميذة أو شاب، حيث سرقته أولا أو عثرة قدمت لا تزال بصاحبها، ووجده القاضي متألمًا لذلك ونادمًا أو شاعرًا بالخجل، له أن يوقف المحكمة، ويستيبه ويقبل توبته، وله أن يعزره الكلام أو بالجلد أو السجن، البصر. ولكن إذا عادت للجريمة مرة أو عدة مرات، فقرة أخرى.

يبدو هذا الحكم قاسيا، ولكن هل حكم السجين لسنين عديدة هو أرحم من ذلك وأكثر صونًا وتمكين؟ الأيادي ثلاث: يد عاملة من حقها أن تكافأ، وييد عاطلة من حقها أن تعمل وتنتج، وييد فاسدة يتم حفظ فساد أصحابها في أكثر من تجربة، أفلا نحمي الناس منها؟! إنني أرى أن متعود الإجرام يجب أن ينفذ فيه الحد. طبعًا خيارًا أن يتدخل ويحدد من هو متعود الإجرام.

أحدثت الكثير من التطورات في منطقة الحدود الإسلامية للحضارة الحديثة. مالي هل الحضارة الحديثة؟! أريد أن أريد بناس تجاهها بنقصان، فيتركون شريعتهم ليقبلوا استعمارها القانوني والثقافي. لقد حققت الحضارة الغربية المعاصرة تقدمًا في مجالات العلم والتكنولوجيا، ولكن ما علاقة هذا التقدم بالتشريع الذي يحكمكم؟ لماذا ستعلم من إنجازات الغرب التقنية مرتبطةًا باقتباس شرائعه وقيمه وأنماط حياته، لماذا لا نتمسك بديننا وشريعتنا وثقافتنا مع أخذنا بنتاجات التقدم العصري في الدائرة الحضارية الأخرى، اليابان حققت تقدمًا تقنيًا تمامًا مع التمسك بأهلها بدين خرافي.

إن الاستعمار مؤسسي نتاج نتاج جامع متعدد لدائرة حضارية أخرى، وهذا التطور لم ينسجم حتى مع تعاليم المسيحية، وأقول هذا لأُذكر من ويتمسك بالنظام القانوني الغربي له أصول مسيحية، فالواقع إن الغرب الأوروبي تنكر للمسيحية الحقة فأصبح ينطبق عليه قول على بن أبي طالب (رضي) الله عنه) عن نصارى تغلب: لا تعرف من النصرانية سوى شرب الخمر!، لقد استخدم الغرب التكتيكي في بعض الاتفاقيات الخارجية وكأداة ترافقت وحملات الاستعمار وسياسات التتبيع المعاصرة.

لماذا يصر بعضنا على التمسك بمعايير الغير، والحرص على أن يرضى عنا الرأي الأوروبي العام، الرأي العام الذي لا يحتاج مرة في الحسبان ما نقوله نحن أو شيكه، بل ولا يحترم أقدس مقدساتنا. لماذا لا تكون معاييرنا نبعة من قيمنا وتراثنا وديننا، ومن مصالح أمتنا بالدرجة الأولى؟

إن العمل من أجل تطبيق الشريعة الإسلامية يبدأ بالحرية من نير العبودية الحضارية للعمارة القانونية، والوقوف مرة أخرى على القانون الإسلامي، وبالضبط تبدأ معركة أخرى. وهي تعنيني أكثر من غيرها، أي معركتنا مع الحاضرين الإسلاميين، من يطبق الشريعة، من يفتي، من يعمل في مجال الفقه المعاصر، من يسن القوانين المستمدة من الشريعة، أي نظام وأي تطبيق؟؟ هذه كلها أسئلة تشغل بالي، وأنا أعلم حق المعرفة أن معركتنا داخل مجتمعنا ومع ذلك ليست معركة سهلة ولا تنتهى بتفويض عام لتطبيق الشرعية.

هل المسلمين المعاصرين هو سليم أم مختل؟ في رأيه أن أعضاء الإسلام، منذ قرون، به خلل ظاهر وخمر، ولابد من علاج هذا الخلل، وقد كتب في هذا الأمر كتابي: سر يتخلف العرب والمسلمين، ولن أت إلى بعض التجليات الفاضحة هذا الخلل، فقط على سبيل المثال:

الثانية: الدستورية

لماذا أصبح الإسلام مرادفًا للماضي، لشيء اسمه "التراث"؟ لماذا تصبح سجينًا في بولندا الأولى وعطرها الأول؟.. أي في عائلة بني أمية وبني العباس؟.

طبعًا وجود موقف العلماء على مر القرون، كان قد شجع هذا الرغبة الرغبة للإسلام، إذ أن ضمير العلماء، عانى، كالضمير التأريخي برج المجد، من عقدة صفين، فدفع هذا إلى نوع من الانزواء ومراقبة مساحات الحكم وإدارة المجتمع لسلطات لا تلتزم بالضرورة بأحكام الإسلام، كما كان الأمر في العهد الراشدي، ولقد تم لقرون عديدة، نوع من التحييد لقوة الرأي العام الإسلامي، واتفاقهم هذا الأمر في العصر الحديث، بحيث عندما نرى قوة الرأي العام الإسلامي مات دفع مرة أخرى للرئاسة دساتير وشرائع المجتمع على أساس الإسلام، يبدو الأمر خرج مطالبة غريبة، لا كعودة طبيعية إلى صراط مستقيم وحالة زيتية ينسجم مع تكوِّن الأمة ومصالحها.

ثانيًا: وضع النساء وما هم به الإسلام من إجحاف حقوقهن

ففي عهد الرسول كانت النساء يملأن المساجد، ما خلا منهن مسجد، ينشطن في كافة مناحي الحياة وحضورهن في ميادين العمل والجهاد بالإضافة إلى الاجتماعية لا يعوقه عائق.

أما الآن فلا ترى وجودًا نسائيًا في المساجد إلا نادرًا، وليس هناك إلا بعض المساجد المسموح بها بدخول النساء، وذلك أيضًا ضمن نطاق وأوقات محدودة وفي معينة، وحتى هذا الأمر يضيق إلى بعض الناس.. وذلك باسم الإسلام، ولكن من قال إن هذا هو الإسلام؟ وأي دين هذا الذي يقسم البشر إلى قسمين يجعل بيتهم لشخصهم فقط، إن هذا لا يتبع إلا بالوثنيات المتخلفة. ثم كيف يمنع المجتمع من العمل باسم الإسلام.. فيجعل المجتمع مشوهًا نصف مسول، ويستخدم يدًا واحدة على قدم واحدة؟

إنني أرى الوصول إلى تطبيق الشريعة تطبيقًا صحيحًا سوف لن تغير المرأة في شيء، بل أرجو أن يعيد ذلك لها حقوقها مسلوبة. وإن أحدثت قناعًا وعادات سائدة في مجتمعاتنا، هي نتاج تاريخي تأريخي مشوه في القرون، والناس الذين عاشوا هؤلاء الذين خلقوها وربطوها بوعي أو لا وعي بالإسلام.

والمؤسف أن بعض علمائنا أخذوا في هذا المجال السحري الأحاديث الضعيفة، وتركوا المتواتر والصحيح، وقد أن أتصدى لهذا الأمر في كتابي الأخير "السنة النبوية بين أهل الحديث وأهل الفقه". لقد اعترفنا بأن أبين انحراف أمتنا، واعتبر أن هذا الانحراف الداخلي والانهيار هو أخطر من الغزوة الثقافية الأجنبية ومن الاستعمار الحري، بحيث أصبحت أذهاننا وتصوراتنا المتخلفة لا يمكن مواجهة تحديات العصر وتحدي القدرة على الحياة لأنظمة الوضعية للعب والمفروضة علينا.

يجب أن تفهم بشكل صحيح والنظر في طرفيها. أنا أعرف طبعًا مناحي القوة في الحضارة الأوروبية، ولكنني لا أعتقد أن هذه المناحي تشترك في قوة روحية أو رائدة أو بوظيفة ومنطقي، وأعتقد أن حضارة الغرب تستمر نحو الانحدار في هذه المجالات، إذ أصبح حتى يحارب الإيدز من جانب الفاتيكان، يجرى باسم حماية الصحة فقط ، وليس بالاستناد لوازع كوبر. ولكن المشكلة هي الضعف وهشاشة البدائل المطروحة لهذه الحضارة. فخلال التاريخ كان بعد ذلك تعاقب ووارث للحضارة.. وكان يمكن للعرب والمسلمين أن يرثوا، خلال موجة متعددة الظواهر، حضارة الحضارة الغربية.. ولكن من يرث من؟. ولكن العرب أصبحوا أقل الناس ملتزمون بالإسلام، وأقلهم طموحًا في النهضة الواسعة للإسلام، وإذا استمر الأمر هكذا، لذلكت خيانة حكام الأمة، فقد تحول العرب كلهم ​​إلى شتات لاجئين، ليس في بلاد الغرب، بل حتى لاجئين وغرباء في بلادهم وعلى أرضهم، السعى ويجب أن يتركز على إجراء إصلاح جذري في العقول البكرة والمتخلفة.

 

الاجتهاد المعاصر:

أنتقل إلى مسألة الاجتهاد المعاصر في تطبيق الشريعة القضائية. فالدين الإسلامي يتكون من ثلاثة أجزاء: القائد والعبادات والمعاملات، فأما القائد فهي أخبار، والتي تتضمن مبادئ عقيدية: الله، الآخرة حق،... الأساس في التعامل معها هي الأخبار الجوهرية ولا مجال فيها للمناقشة، فالمرء يؤمن بها أم لا. أما العبادات فتتعلق بالصوم والصلاة وتفاصيلها مثلاً، وأيضاً ابتدعتها الشريعة ونظمت لها أصولاً لا يمكن تغييرها. علمًا إلى القانون الشرعي حتى في هذه المجالات شروطًا وأطرافًا تراعي مشاعر البشر وظروفهم. وكل ما هو خارج القائد والعبادات، ينضوي في مجال المعاملات، وأساس المعاملات هو الإصلاح والجهات، ولهذا فهم خاطئ يقول لنا إذا أرادنا، ولا حيلة لنا في مناقشة نصوصها، والواقع أن الشريعة تنسجم مع الليبراليين العامين. لننظر في الأمر ملياً: كان هناك زواج قبل الإسلام فجاءت تمنع منع الزواج بالأختام مثلاً، قواعدت لهذا التنظيم، وكذلك شروط التجارة والمعاملات المالية فحرمت الرببا وأحلت الريح الحلال.. وهكذا.

وهنالك علاقة الصورة بالاجتهاد. فما جاء بنص محدد، لا اجتهاد فيه. مثلاً: للذكر مثل حظير الأنثيين، فهذا الحكم مرتبط بما بما في ذلك يوازنه: انقضى على النفقة، فيكون الرجل والمرأة قد تعادلا في هذا، أي، يدرك النص القاطع ضمن هذه وبما لانظر لما يوازنه من حقيقة اجتماعية، فلم ينجح الجانب الآخر من غيره، ويصبح هناك خمول في الأمر. أي أن هناك جهودًا في فهم النص، وقد يشجع النص دائمًا العديد من المهتمين.

انظر الأحناف إلى الآحاد يوقف العمل به إذا كان يخالف القياس قطعيًا، إذ إن القياس القاطع حديث يعتمد على يقين دیني، بينما حديث الآحاد نصه ظني. هذا المثال البسيط لتسع دائرة الاجتهاد في فهم النص أو فيما يتعلق بنص محدد فيه. ولكن المطلوب من المجتهد: صلاح وصدق الدين، فالخطر أن يسخر المجتهد لخدمة نفسه حاكم جائر أو صاحب شهوة مقتدر، أي أن يكون إلى جانب فهمه الفقه الواسع، ضمير مخلص وإيمان مميز بما لا يحرمه. ولضمان هذا الأمر نحتاج أيضًا إلى وعى عام، إلى رأي عام يعمل كضمانة لعدم انحراف هذا المجتهد أو فرق، فهنالك من يجتهد ليلحق المسلمين أكثر فأكثر بركب التبعية، فأين الضمير وأين جماعة الجماعة في هذا الاجتهاد الإسلامية؟.

أما فيما يتعلق بحقوق التمييز القومي الوطني في مجتمعاتنا، فولاً: لا الأطفال على القيادة القومية، فالإسلام ليس لقوم دون آخر، إنه جامع للأقوام والشعوب وسر للمحبة يشتركون فيما بينهم على أساس العدالة. وما يجرى من اضطهاد الشعوب والقوميات في بعض نفقتنا إنما يجرى على أيدى النخب الحاكمة وأكثرها ثقافية وعلمانية. ولا يمكن لإسلام صحيح أن يطبق شريعته في المجتمع، إلا أن يعيد لكل صاحب حقه، ويتقاسم كان الإسلام يحق فرد واحد ويصونه من التعاون والتنسيق والقوميات؟.

لقد أسست العقيدة غير المسلمة، فلنا لها تاريخ طويل من الحفلات، فمنذ أيام الإسلام الأول عاش الأقباط في هذا البلد، وقد حفظت قوانين حقوقهم ولم تتدخل في شئونهم، وإذا كان هناك من ضرر قد يلحقهم في بعض الهود على حكام ظالمين، فقد حق المقاومين أيضًا على نفس الحكام المظالم، ولكن المجتمع الإسلامي كان قادرًا على وضع صيغة عادلة للتعايش، صيغ لا تعتمد على موازين القوى حيث يبدأ المسلمون بذبح المسيحيين عندما اختاروا من ذلك، وكما حدث أن فعل الإسبان بالمسلمين واليهود بعد أن تضامنوا معهم في الأندلس، أو كما فعلت جموعة الصليبيين، حيث حددت الصيغة التي تعتمد على العدالة.

الجزية!!

نحن موجودون/ جديد، لا لبس فيه، نقول عن غير المسلمين، "لهم ما لنا جميعا وما علينا"، إن مطالبة بعض الجهلة بفرض الجزية على غير المسلمين، لا يجب أن تحسب على الإسلام، فالجزية كانت على الأكثر كبدل عسكري للخدمة، فلم يشك الإسلام أن يفرض على المسيحيين أن يقاتلوا ضمن جيشه، بينما كان هذا القتال يجرى بشكل دوري أحيانًا ضد إخوانهم في الدين العسكري، وذلك حرصًا على مشاعرهم، بالإضافة إلى حكمت جزية التعبير عن إقرارهم من الخدمة. أما الآن فالمسيحيون يعيشون معنا في أوطان، نحن وإياهم نعتبر مواطنين متكاملين في الحقوق، أما حقوق غير المسلمين في مجال حقوق الشخصية والعقود وغيرها فلا حق لأي شخص يرغب في ذلك.

ولكن لنرى كيف يمكن أن نقول أحيانا حكم الأقلية على الأغلبية. لنرى لبنان حيث الشيعة أكثر عدد من السكان، يتبعه الموارنة ثم السنة، ثم إن المسلمين كلهم ​​(شيعة وسنة ودروز) يمثلون أكثرية ساحقة، بينما يشترك في مقاليد الإدارية والاقتصادية بين الموارنة. وهنالك اختيارات جائرة تمنع أي إصلاح يريد إحقاق الحق وإقامة العدل بين هؤلاء المبدعين.

فعندما يتعلم عن حق الأقلية ونطالب بصونها (وهذا واجبنا) لا يجب أن يحكم حقوق الأغلبية، ومن الخطأ أن يطلب من المسلمين أن "يخففوا" من إسلامهم (أن لا يطبقوا الشريعة مثلاً) حرصاً على غير المسلمين. إذًا إذا انتصر هذا المنطق يعني ذلك ظلمًا فاحشًا للأغلبية تفرض باسم الأقلية وباسم الحرص عليها.

في جنوب السودان ١٠% من السكان مسیحیون، و١٠% مسلمون وبقية وثنيون. والآن الأمر مهم هو أن جنوب السودان الجمعي، وهذا طرح ييقيق الحلول المطرحة للجمعية العامة ويعرقل جهود الأغلبية المسلمة من جديد لدعمها على أساس دينها. يجب أن نراعي كفتي الميزان: نطالب بحق المسلمين الذي لا ينتهى فيه، يمارسها الشريعة الإسلامية، ونطالب في الوقت نفسه بصيانة حقوق غير المسلمين وحقايق الحق في كل المجالات، وهذا من مقاصد الشريعة. ويجب أن نتمسك بالقاعدة الذهبية (لهم ما لنا ولهم ما علينا).

إن بلادنا لم تشهد حروبًا دينية ولا مجازر كالتي حديثة في أوروبا. أما الآن فيلقي في روعنا أن تطبيق الشريعة قد يؤدي إلى خدمة طائفية وتناحر ديني، وهذا غريب عن تجربتنا التاريخية. ولنتذكر: إن لبنان الذي أصبح رمزًا للتناحر الطائفي، بدأت الحرب فيه وليس فيه حزب إسلامي واحد، ولا أحد مشهور المقبولين عمومًا، بل إنتوت براءة ومتنفذة في كل مناطقه كانت أحزاب علمانية: ليبرالية وقوميّة واشتراكية،... وفي ظل هذا لايوجد علماني إلا والمجموعات الحربية الطائفية المقيتة.

 ------------------------------------------------------------------------------------------------

* مقال منشور بمجلة الأزهر، عدد جمادى الآخرة 1433هـ/ مايو 2012م، ص 1292- 1299.

 

 

 

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ السبت, 08 مارس 2025 03:38

أضف تعليقاً

يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples