كرامة القضاء الواقف وهيبة القضاء الجالس

دخلت كلية الحقوق حين دخلتها منذ أعوام بعيدة، متأثرًا بما اطلعت عليه في كتاب وثائقي كانت تضمه مكتبة الوالد -عليه رحمة الله- عنوانه: «الكتاب الذهبي للمحاكم الأهلية» وهو كتاب فاخر المظهر، مصقول الصفحات، وقد أحيطت كل صفحة منه بإطار ذهبي، وتخللت صفحاته صور لكبار رجال القضاء من مستشارين وقضاة ونواب عموميين وكبال رجال المحاماة.. وكلها توحي بالمهابة والمكانة العالية التي تحيط كل واحد من هؤلاء في نفوس أبناء المجتمع جميعًا حكامًا ومحكومين، وكانت أكبر أمنياتي أن أتخرج في الكلية وأكون واحدًا من هؤلاء الصفوة، الذين يجمعون إلى العلم التخصص في القانون مكانة اجتماعية بالغة التميز، وكنا منذ دخلنا كلية الحقوق نسمع قصصًا وحكايات تروي كيف تكرم الدولة رجال القضاء وجميع المشتغلين بالقانون، وكيف يلتزم هؤلاء -من جانبهم- صورة فريدة من صور الوقار والترفع عما لا ينبغي أو لا يليق، مبالغين في ذلك إلى درجة تجعلهم بمنأى عن أحاديث الصحافة والإعلام، وبمنأى عن الخوض في سيرتهم أو التعرض لعملهم القضائي.

ودار الزمان دورات عديدة وبالعالم كله، تغيرت بها الأفكار والقيم، وظهرت للسلوك والعلاقات بين أفراد المجتمع أنماط لم يكن كثير منها مألوفًا ولا مقبولًا في ذلك الزمن البعيد القريب، وكان لكل فئة من فئات المجتمع سببها من هذا التغير، ما يُحَب منه ويُستحسن، وما يكره منه ويستقبح.

وكانت المحاماة -ولا تزال- تسمى «القضاء الواقف» إلا أن المحامين يترافعون أمام الهيئات القضائية وهم وقوف، ولكنهم يعدون في نظر القانون ونظر الناس جميعًا ركنًا أساسيًا من أركان نظام العدالة في المجتمع، وركن يتمم ويكمل عمل القضاة الجالسين، ولا يقل عنه جدارة بالاحترام الشديد.

والقضاء بأعمدته كلها معتبر في جميع المجتمعات المتحضرة ركن من الأركان في الحفاظ على الشعور بالعدل والمساواة وبالحرية تحت لواء سيادة القانون، وأن للبيت أركانه والحفاظ على كفاءته وحسن سمعته واستقلاله هدف لا يتصور التفريط في تحقيقه وتعزيزه.

وقد أتيح لي خلال السنوات الأخيرة أن أقف مترافعًا أمام العديد من محاكمنا، الابتدائية ومحاكم الاستئناف ومحاكم مجلس الدولة والمحكمة الدستورية العليا، فرأيت أمورًا تتعلق بالقضاء الواقف، وأخرى تتعلق بالقضاء الجالس، وكلها موضع نظر وتقويم وشكوى من جموع المحامين والقضاة، وإذا كان كثير منها يبدو متصلًا بالجوانب الشكلية… فإن هذه الجوانب تعتبر رمزًا مهمًا معبرًا عن مكانة الهيئة ونظرة المجتمع إليها.

وقد لاحظت خلال السنوات الأخيرة ترديًا مؤسفًا في هذه الجوانب… ومذ أسابيع قليلة توجهت إلى إحدى محاكم الجنح المستأنفة في دعوى مرفوعة ضد أحد السادة الوزراء بصفته الشخصية، فإذا بالجلسة تعقد في غرفة المداولة وليس في إحدى القاعات المتخصصة للجلسات، وهو أمر تحول إلى ما يشبه القاعدة بسبب قلة تلك القاعات، ولكن غرف المداولة تخلو في معظم الحالات من مقاعد للسادة المحامين، فيتزاحمون وقد يتدافعون أمام باب الغرفة أو داخلها، وقد لا يسمع بعضهم نداء الحاجب على رقم قضيته، وهو ما حدث معي أكثر من مرة، وقد يقف بعض هؤلاء -ومنهم نساء وكبار السن- ساعات في انتظار دورهم وهو أمر بالغ المشقة بالغ الإهانة لجموع المحامين.. وكأن أعضاء القضاء الواقف ينبغي أن يظلوا واقفين وألا يجلسوا أبدًا… وإذا غاب التقدير والاحترام مثل هذه الأمور التي قد يعتبرها البعض شكلية وهامشية صعب أن يتحقق احترام موضوعي حقيقي لمن لم يجد له مقعدًا يجلس عليه ويستريح فيه قبل أن يبدأ مرافعته… ولا يدري كيف تسكت نقابة المحامين ومجلس القضاء الأعلى عن متابعة هذه الأمور، أم أنهم يطالبون فلا يستجاب لهم، وهو أمر لا يسع أحدًا قبوله.

فإذا انتقلنا إلى القضاء الجالس، وهو الذي يعلن كلمة الحق والعدل بأحكامه، متحملًا مسؤولية كبرى أمام الله وأمام الناس جميعًا، وفي مقدمتهم أطراف المنازعات القضائية على اختلافها، وجدنا مظاهر شكلية جديدة وأخرى موضوعية تنال من الإطار الواجب الذي يحيط أداء القضاة لأعمالهم.

ومن الظواهر الشكلية التي أرجو أن يتسع لها صدر السادة القضاة والمستشارين، تراجع بعض التقاليد التي لها أهميتها في إيجاد أهميتها في إيجاد جو يؤكد التمييز وعلو المكانة، وأعني ذلك ارتداء الوشاح خلال الجلسات… مما يجر عادة إلى تحلل السادة المحامين من ارتداء روب المحاماة، وهو ما تؤول معه الأمور إلى نوع جديد من التقاليد يغيب معها إحساس المتقاضين والمحامين لخصوصية مجلس القضاء، وذلك الجو المهيب الذي يعلنه حاجب المجلس حين يصيح صيحته المعروفة «محكمة» فيسكن الحاضرون جميعًا، وتملًا الهيبة نفوسهم ويتكلم القانون على لسان القضاة وأعضاء القضاة وأعضاء النيابة والمحامين.

ومن مظاهر غياب الطقوس الشكلية التي عرف بها النظام القضائي في العالم كله أشرنا إليه من عقد أكثر الجلسات في غرف المداولة، وهو ما يغري بالتحلل من الإجراءات الشكلية تحللًا يبلغ أحيانًا مبلغًا يصعب قبوله والارتياح إليه، حيث رأيت بعض السادة المستشارين وهم قلة قليلة، يدخن السيجارة أو الغليون (البايب) خلال الجلسات وينفث الدخان قريبًا من وجوه الحاضرين، وأغراني ذلك إغراءً شديدًا بأن أقارن ذلك بما نشاهده في معظم المحاكم الإنجليزية حيث لا يستطيع ولا يجوز أن يخرج أحد -أي أحد- من قاعة الجلسة حتى وإن كان القاضي مشغولًا بفحص الأوراق والمراجع والمستندات، إلا إذا باشر ثلاثة أمور… أولها أن يصيح بصوت عالٍ قائلًا «مولاي» أو «سيدي القاضي» ثم ينحني انحناءة الركوع الكامل، ثم يتحرك متراجعًا بظهره حتى يخرج من الباب. إن مثل هذه المراسم والطقوس ليست بلا قيمة، بل إن لها دورًا لا يمكن إنكاره في إضفاء الهيبة على مجلس القضاء وجميع المشاركين فيه.

فإذا انتقلنا إلى الأمور الموضوعية، فإن الحديث يطول بما لا يتسع له هذا المقام، وإنما نكتفي بالإشارة إلى أمرين… يتصل أولهما بالقضاء الواقف ويتصل الآخر بالقضاء الجالس:

(1) أما القضاء الواقف … فإن المدخل لإصلاح أوضاعه يستقر في يد النظام السياسي ويد نقابة المحامين. وذلك أن السنوات الأربعين الأخيرة قد شهدت تحول أكثر النقابات في مصر إلى مجالس سياسية يمارس أكثرها العمل السياسي وهي ظاهرة يفسرها الانسداد الجزئي لما يسميه علماء السياسة والقانون الدستوري القنوات الإصلاحية للعملية الديمقراطية فإذا حال التدخل في الانتخابات بأي صورة من صوره دون تعبير تلك القنوات عن الواقع السياسي والاجتماعي، وإذا ضاقت القنوات الشرعية عن استيعاب التطلع المشروع للمشاركة في الحكم من جانب القوى والأحزاب المختلفة لجأ الناس إلى قنوات غير شرعية أو غير مخصصة للتعبير السياسي، وهو أمر تسأل عنه الحكومات في المقام الأول ويدل عليه الانتشار الواسع لظاهرة اشتغال النقابات بالعمل السياسي أكثر من اشتغالها بالنشاط النقابي والمهني.

(2) أما القضاء الجالس، فإن القضايا الموضوعية المتصلة بأدائه لمهمته القضائية، وتدخل بعض القضاة من خلال نواديهم المختلفة وعبر ما يكتبونه في الصحف وما يعلنونه في القنوات التلفزيونية الفضائية وغير الفضائية مشاركة منهم في الحياة السياسية، هذه القضايا اختلفت في شأنها الآراء بين عامة الباحثين من رجال القانون وبين القضاة أنفسهم، والكلام فيها يحتاج إلى دراسة مستقلة نرجو أن نعود إليها في بحث قريب، على أن هناك موضوعًا واحدًا نرى أن الحديث فيه من جانب القضاة متاح ومباح، سواء وقع التعبير عن الرأي فيه على نحو فردي أو من خلال أندية القضاة أو مجالس القضاء الرسمية .. وذلك يشمل كل ما يتعلق باستقلال السلطة القضائية واستقلال القضاة … أما ما عدا ذلك فالأصل فيه أن يعبر القاضي عن رأيه وفكره من خلال ما يصدر عن منصة القضاء من أحكام وأوامر تحكمها المعايير والضوابط القانونية، حتى يرتفع القضاء كله فوق انفعالات السياسة وما تجر إليه من انقسام بين القضاة، وإغراء بعض الناس بالتطاول عليهم، مما ينال -أردنا أم لم نرد- من هيبتهم واستقلالهم، ويفتح أبوابًا عديدة للتدخل في شؤون العدالة خلافًا لما يقرره الدستور.

ولا يقل خطورة عن هذا التجاوز، أن يتعرض القضاة لضغوط من جانب بعض مؤسسات الدولة التنفيذية والشعبية تطويعًا لهم أو سعيًا -غير جائز- للتأثير على قضائهم… إن ذلك إذا وقع يقتل الثقة فيهم وفي قضائهم وفي سيادة القانون في المجتمع، وبغير هذه الثقة يهتز اطمئنان أفراد الشعب على حقوقهم وحرياتهم، وهو اهتزاز لا رجعة عنه إلا بالكف عن السعي بطريقة أو أخرى لتسييس القضاء والأحكام، ويدخل في هذا الترغيب غير المقبول فيما نرى قيام بعض السادة القضاة بالعمل مستشارين للوزراء والمحافظين مع استمرارهم حال انتدابهم للجلوس في منصة القضاء، وأعرف أن أعدادًا كبيرة من السادة القضاة والمستشارين يشغلهم النظر في هذا الأمر بجوانبه المتعددة، وقد يختلفون حوله ولكن الذي أميل إليه بشدة ألا يجمع القاضي بين وظيفة تقديم المشورة للوزراء والمحافظين مرتبطًا عضويًا وإداريًا بمكاتبهم وبين الجلوس على منصة القضاء فهذا عالم وذاك عالم آخر، ولكل منهما طقوسه ونوع علاقاته، والجمع بينهما شديد الصعوبة، ومن شأنه أن يضع القاضي في حرج بالغ لا مهرب منه.

ولعل الظروف المعيشية الصعبة التي يمر بها المجتمع تكون أحد أسباب الترخص في هذا الأمر وقبوله من جانب عدد كبير من السادة القضاة. وفي تاريخ القضاء العربي أن الخليفة العباسي المأمون جعل مرتبات القضاة من عصره أعلى مرتبات في الدولة، فلما كلم في ذلك قال: “أردت أن أعصمهم من السؤال والرشا”؛ وهي حجة صحيحة وحكيمة تحفظ الكرامة، وتعين على النزاهة، وتسد أبواب الإغراء بكل ما لا ينبغي أن يتعرض له حراس العدالة والمؤتمنون على رعاية الحقوق والحريات، وتحقيق سيادة القانون.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 27 تشرين1/أكتوير 2023 16:51

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.