يتطلب الإخلاص الحق للأفكار والمبادئ الدمقراطية دراسة خير الوسائل لانتخاب ممثلين يعبرون عن رأي الأمة أصدق التعبير. وهذا الموضوع الذي يثير اهتمام الرأي العام المصري في هذه الآونة، ويتصل بمستقبل الحياة الدمقراطية في بلادنا هو الذي يبحثه هذا المقال بحثًا فقهيًا جديدًا يلائم ما بلغنا من الرقي الفكري والاجتماعي.
الدمقراطية والدكتاتورية
يتصل النظام الانتخابي اتصالًا وثيقًا بالحكم الدمقراطي. وتعاني الدمقراطية في الوقت الحاضر أزمة عصيبة، يتوجس المتشائمون من عواقبها، حتى ذهب البعض إلى أن الحكم الدمقراطي سيعلن إفلاسه قريبًا، ويحل محله الحكم الدكتاتوري في ناحيتيه المتطرفتين: البلشفية أو الفاشية.
على أنه لا ينبغي أن يفل هذا التشاؤم من عزائم الأنصار المخلصين للدمقراطية، فلا يزال الحكم الدمقراطي هو خير أسلوب للحكم عرفه البشر حتى اليوم. وإذا كانت للدمقراطية عيوب أحدثها تطور النظم الاقتصادية، وانتشار سلطان المال، فإن هذه العيوب ليست موجبة لليأس، بل إن هناك مجالًا واسعًا لبذل جهود منتجة في علاج هذه العيوب.
وعندي أن المعيار الصحيح للدمقراطية السليمة ليس هو في ضمان الحرية والمساواة للأفراد، فقد علمت الناس بعد تجارب قاسية أن الحرية والمساواة أمر إذا أمكن تحقيقه من الناحية القانونية، فهو مستحيل التحقيق من الناحية الفعلية. وليس المعيار الصحيح هو في حكم الشعب لنفسه، فإن أفراد الشعب يستحيل عليهم عملًا أن يشتركوا جميعًا في الحكم. وأرى أن الدمقراطية لا تأبى أن يحكم الشعب قادة مختارون من صفوة رجال الأمة، هم الذين يقومون بتوجيه الرأي العام توجيهًا صحيحًا، بل يقومون بتكوين هذا الرأي إذا كان لا يزال في مرحلة التكوين.
ولكن الدمقراطية غير الدكتاتورية. فالدكتاتورية تقوم على حكم فرد قوي يستولي على أزمة الأمور، ولا يقبل أن تقوم في الدولة هيئة معارضة تكون رقيبًا عليه. أما الدمقراطية فتقوم على حكم صفوة من الأفراد تستولي هي أيضًا على أزمة الأمور، ولكنها تسلم بوجود هيئة معارضة تكون رقيبًا عليها، بل تشجع هذه الهيئة إذا كانت لا تزال ضعيفة، أو تخلقها إذا كانت غير موجودة. فوجود المعارضة القوية، التي لا تبغي إلا المصلحة العامة، هو إذن لب الدمقراطية وقوامها. أما الدكتاتورية، صالحة كانت أو فاسدة، فلا تقوم إلا من وراء إخماد صوت المعارضة والقضاء عليها.
والدمقراطية المصرية لا تزال دمقراطية ناشئة، أشد ما تكون حاجة إلى من يتعهدها بالرعاية، وينقيها من العيوب. ومهما يكن من مساوئ الحكم البرلماني في مصر، فلا شك في أن هذا الحكم هو خير نوع ممكن في الوقت الحاضر. وينبغي أن يؤمن المصريون جميعًا بهذه الحقيقة. وينبغي إلى جانب ذلك - تمكينًا للحكم البرلماني الصحيح - أن نبحث عن خير السبل للتعبير عن رأي الأمة فنسلكه، حتى يكون البرلمان صدى لهذا الرأي.
وهناك وسائل شتى للتعبير عن رأي الأمة، من أهمها الصحافة الحرة النزيهة، ثم ما تجمع عليه الهيئات المتنوعة والطبقات المختلفة في الأمة من آراء وأحكام. ولكن أهم الوسائل في التعبير عن رأي الأمة، وأبعدها أثرًا، هو التنظيم الحزبي ونظام الانتخاب.
(1) التنظيم الحزبي
أما التنظيم الحزبي فليس وسيلة للتعبير عن رأي الأمة فحسب، بل هو أيضًا من أكبر العوامل في تكوين هذا الرأي. والواقع من الأمر أن الأمة لا يمكن أن يكون لها رأي عام منظم في شئونها الاجتماعية والاقتصادية والسياسية إلا إذا كان التنظيم الحزبي فيها قويًا. وكلنا يعلم أن نظام الأحزاب عندنا قد قام على اعتبارات ترجع إلى ضرورات الجهاد الوطني والسعي لتحرير البلاد من سلطان الأجنبي. ثم ضعفت هذه الاعتبارات كثيرًا بعد إبرام المعاهدة المصرية الإنجليزية. ولكن النظام الذي قام عليها بقي كما هو دون تعديل. والواجب أن يدخل تعديل أساسي في نظام أحزابنا، فتقوم هذه الأحزاب على برامج معينة تعمل على تحقيقها.
ولست أرى أن يرتجل كل حزب برنامجه، أو أن يستخلص المبادئ التي يقوم عليها من بطون المؤلفات، أو أن يحاكي الأحزاب الأوربية فيقلدها فيما تنادي به من نظم اجتماعية واقتصادية وسياسية، فإن عملًا كهذا لا تكون له قيمة عملية. وعندي أن خير وسيلة للأحزاب في وضع برامج عملية تعمل على تحقيقها هو أن تستخلص هذه البرامج من الحياة المصرية نفسها، وأن تتلمس مبادئها في نواحي النشاط المختلفة التي ستجتازها في السنوات المقبلة. سيدعى البرلمان للانعقاد بعد قليل، وستمثل فيه الأحزاب بنسب مختلفة، وستعيش هذه الأحزاب جنبًا إلى جنب المدة التي يقدرها الدستور للدورة البرلمانية وهي خمس سنوات، وسيعرض عليها في هذه المدة الطويلة جميع المسائل العامة التي تهم الأمة.
فهناك الشئون الداخلية والشئون الخارجية، وتتضمن الشئون الداخلية شئونًا اجتماعية تتصل بالمرأة والدين والعامل والفلاح والأسرة والملكية، وشئونًا اقتصادية تتصل بمرافق البلاد من زراعة وصناعة وتجارة، وشئونًا سياسية تتصل بنظم الحكم وتثبيت دعائم الدمقراطية، وشئونًا إدارية وقضائية تتصل بالموظفين والضرائب واستقلال القضاء وتوحيده، وشئونًا تعليمية تتصل بمحاربة الأمية وتوحيد التعليم ونشر التعليم الفني وإصلاح التعليم الجامعي. أما الشئون الخارجية فأهمها شئون الدفاع الوطني، وتنظيم العلاقات السياسية بين مصر وإنجلترا، وبين مصر والغرب، وتوثيق الروابط ما بين مصر والبلاد العربية بوجه خاص والبلاد الشرقية بوجه عام.
هذه هي أهم المسائل التي ستعرض على الأحزاب في البرلمان طوال الدورة البرلمانية القادمة. فينبغي أن يعنى كل حزب بدراسة هذه المسائل دراسة عميقة، يتغلغل منها إلى صميم الحياة المصرية، ثم يتخذ بعد ذلك لنفسه موقفًا معينًا في كل مسألة، مستهديًا بالروح الذي يلهمه إن كانت تغلب عليه نزعة المحافظة أو نزعة الإصلاح أو نزعة التطرف. فإذا سجل الحزب لنفسه مواقفه في مجموع هذه المسائل، فإنه يستطيع بعد ذلك أن يتقدم إلى الأمة بمبادئ عملية استخلصها من الحياة نفسها، لا عن تقليد ومحاكاة، بل عن مراس وتجربة. وعند ذلك يستطيع أن يتقدم إلى الأمة في الانتخابات التالية لهذه الانتخابات ببرنامج عملي، وتستطيع الأمة أن تقف من الحزب موقف المؤيد لمبادئ لا لأشخاص.
ولو قامت الأحزاب جميعها بواجباتها في هذا الصدد، لوجهت الرأي العام في الأمة أحسن توجيه، ثم استطاعت بعد ذلك أن تعبر عن هذا الرأي خير تعبير.
(2) نظام الانتخاب
يأتي بعد ذلك نظام الانتخاب، وهو يلي التنظيم الحزبي في الأهمية. وعندي أنه ينبغي في اختيار نظام للانتخاب أن ندخل في اعتبارنا أمورًا ثلاثة جوهرية:
(الأمر الأول): أن الدمقراطية الصحيحة تقضي بجعل الاقتراع العام المباشر أساسًا لنظام الانتخاب عندنا. هذه هي ثمرة تجارب الأمم الدمقراطية، لا يجوز أن نبتغي عنها بديلًا. وأرى أن الاقتراع العام المباشر كل خمس سنوات هو خير مدرسة لتثقيف جمهور الأمة تثقيفًا سياسيًا ناضجًا، وجعله يعنى بالشئون العامة فيتصل بها عن قرب، ويفهمها موضحة على لسان الأحزاب والمرشحين.
(الأمر الثاني): أن البلاد لا تزال في حال من الأمية والجهل إلى درجة تسترعي النظر، وتدعو إلى التفكير في تضييق الأثر السيئ الذي ينجم عن جهل الغالبية العظمى من طبقات الأمة، بحيث تكون الانتخابات وسيلة صالحة للتعبير عن الناحية المتنورة الرشيدة من الرأي العام.
(الأمر الثالث): أن من أهم دعائم الدمقراطية السليمة هو قيام المعارضة الرشيدة الصادقة التي تقوم بمهمة الرقابة على الهيئة الحاكمة كما قدمنا. لذلك ينبغي أن يراعى في نظام الانتخاب ألا تطغى الأغلبية على الأقلية، حتى تستطيع الاثنتان أن تؤديا مهمتيهما، الأولى للحكم والأخرى للرقابة.
فإذا راعينا هذه الأسس الثلاثة، جاز لنا أن نقترح تعديل نظام الانتخاب في مصر. ولا نقصد بالطبع أن يسري ما سنقترحه من تعديل على الانتخابات الحالية، فهذه يجب أن تجرى طبقًا للنظام الحالي، لأننا نجتاز في الآونة الحاضرة أزمة دقيقة، يزيد في دقتها وحرجها أن نعمد إلى أي عمل استثنائي. ولكننا نطمع أن تكون الانتخابات التالية للانتخابات الحالية معدلة على النظام الآتي:
(أولًا) استبقاء الاقتراع العام المباشر مع نظام تعدد الأصوات/
نستبقي الاقتراع العام المباشر، ولكن نضم إليه نظام تعدد الأصوات. وهو نظام عرفته بلجيكا إلى عهد قريب، وبلجيكا هي البلد الذي أخذنا عنه دستورنا. وكان نظام الانتخاب في بلجيكا يقضي بإعطاء الناخب البالغ من السن خمسًا وعشرين سنة صوتًا واحدًا، وبإعطاء صوت إضافي لكل ناخب بلغ الخامسة والثلاثين وكان له أولاد على أن يكون من دافعي الضرائب، وبإعطاء صوت إضافي كذلك لكل من يملك عقارًا قيمته ألفان من الفرنكات، وبإعطاء صوتين إضافيين لكل حاصل على شهادة عالية أو شهادة ثانوية.
ونحن في حاجة إلى نظام كهذا، يعطى شيئًا من الوزن لأصوات المتعلمين في الأمة، حتى لا تكون الغلبة للجهلة والأميين. وعندي أنه ينبغي أن ترفع سن الناخب إلى الثلاثين، إلا من كان يحمل الشهادة الثانوية أو شهادة معادلة أو شهادة أعلى، فتبقى السن بالنسبة لهؤلاء كما هي إحدى وعشرين، ويكون لكل من هؤلاء المتعلمين صوتان إضافيان كما كان الأمر في بلجيكا، ويعطى للطالب في المدارس العالية حق التصويت مهما كانت سنه. ولا بأس من تحديد نصاب مالي تعطى من أجله أصوات إضافية. وبذلك تكون الغلبة في الانتخابات للمتعلمين وأصحاب المصالح دون أن نغفل شأن غيرهم من طبقات الأمة.
على أن نظام تعدد الأصوات هذا يجب أن يكون نظامًا مؤقتًا، نأخذ به مدة عشرين سنة مقبلة أو نحو ذلك، إلى أن تزول الأمية وينتشر التعليم، فعندئذ لا نعود في حاجة إليه، فنلغيه كما ألغته بلجيكا في سنة 1919.
(ثانيًا) الانتخاب النسبي بطريق القائمة
يكون الانتخاب نسبيًا بطريق القائمة. ويتلخص هذا النظام في أن كل حزب يعد قائمة بأسماء مرشحيه، ويطلب من كل ناخب أن يصوت للحزب الذي يختاره، وتجمع الأصوات التي نالها كل حزب، فيعطى من مقاعد البرلمان بنسبة هذه الأصوات. وفي هذا ضمان كبير لأحزاب الأقلية؛ إذ ينال كل حزب نصيبًا عادلًا من مقاعد النيابة، كان لا يناله في النظام الحالي القائم على تحديد الدوائر الانتخابية. وبذلك يكفل للأحزاب جميعها أن تكون ممثلة تمثيلًا صحيحًا في البرلمان، فلا تطغى الأغلبية على الأقلية، ويتسنى للمعارضة أن تقوم بمهمتها على خير وجه.
ولا يعترض على هذا النظام بأن البلد لا يفهم حتى اليوم النظام الحزبي، فيطلب من الناخبين أن يصوتوا للأحزاب دون الأشخاص، وأن الأحزاب في مصر غير منظمة تنظيمًا كافيًا حتى ينجح فيها هذا النظام، فقد قدمنا أن الأحزاب ينبغي أن تنظم نفسها تنظيمًا قويًا، وأن تضع برامجها العملية في مدة خمس السنوات المقبلة، وأن المتعلمين الذين يفهمون معنى الأحزاب والمبادئ، ستكون لهم كلمة عالية في الانتخاب. على أن كل حزب سيتقدم إلى الأمة بمرشحيه، فالناخبون لا يصوتون للحزب وحده، بل للحزب والمرشحين معًا.
وإذا قيل إن هذا النظام يبعد النواب عن تمثيل المصالح المحلية، قلنا إن هذا هو الذي نبغيه، إذ لا ينبغي أن يشغل نواب الأمة أنفسهم بالمصالح المحلية، بل يجب أن يتركوا ذلك لمجالس المديريات والمجالس البلدية، وأن يتعرضوا للشئون العامة التي تهم المصريين جميعًا.
وقد يكون من شأن هذا النظام ألا يعطى أي حزب أغلبية مطلقة. ولا نرى في هذا ضررًا. فإن ائتلاف حزبين أو أكثر لتأليف الهيئة الحاكمة، أمر ميسور، بل هو أمر مرغوب فيه، حتى لا يطغى حزب الأغلبية على سائر الأحزاب.
ومن فوائد هذا النظام التي لا تنكر أن أمر اختيار النواب بأشخاصهم يترك للأحزاب لا للناخبين. فلا تضطر الأحزاب في هذا الاختيار أن تراعي الاعتبارات التي تراعيها في النظام الحاضر، ولا تجبرها الاعتبارات المحلية على أن تترك العلم والكفاية إلى العصبية والمال، وذلك على حساب المصلحة العامة.
بقي أن نعرض لنظام مجلس الشيوخ وما يجب أن يتوافر فيه من ضمانات، ونترك ذلك إلى فرصة أخرى.
لتحميل ملف المقال (هنا)
* عبد الرزاق أحمد السنهوري، «التعبير عن رأي الأمة: خير الوسائل لتحقيقه»، جريدة الأهرام، القاهرة، عدد مارس 1938م. وقد جاء هذا المقال قبيل الانتخابات البرلمانية المصرية التي أُجريت في أبريل 1938م إبان أزمة حل البرلمان وتشكيل حكومة محمد محمود باشا، وبعد توقيع المعاهدة المصرية - الإنجليزية عام 1936م (والتي أشار إليها السنهوري صراحة في المقال). المحرر.
** عميد كلية الحقوق سابقًا والقاضي بالمحاكم المختلطة.
يرجى إدخال جميع البيانات المطلوبة والمشار إليها بعلامة (*)، ولا يُسمح باستخدام أكواد HTML.