الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الشرعية: دراسة فقهية قانونية*

By د. إسماعيل البريشي، د. معاوية النابلسي كانون1/ديسمبر 23, 2025 294 0

تتناول هذه الدراسة، التي أعدها الدكتور إسماعيل البريشي** والدكتور معاوية النابلسي***، موضوعًا حيويًا في القضاء الشرعي الأردني، وهو "الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الشرعية". تهدف الدراسة إلى تأصيل مشروعية نقض الأحكام القضائية من المنظور الفقهي الإسلامي، وبيان الطبيعة القانونية للمحكمة العليا الشرعية التي استُحدثت حديثًا كأعلى هيئة قضائية في هذا المرفق. ويركز البحث على توضيح أن وظيفة هذه المحكمة تنحصر في تدقيق الأحكام الاستئنافية من حيث سلامة التطبيق القانوني دون الخوض في الوقائع إلا في استثناءات محددة، مما يرسخ مبدأ التقاضي على درجتين ويضمن توحيد الاجتهادات القضائية واستقرار الأحكام.

أولًا: مفهوم الطعن ونقض الأحكام (الإطار المفاهيمي)

استهلت الدراسة بضبط المصطلحات، حيث يُقصد بنقض الحكم في الفقه الإسلامي تبيّن حقيقته وإبطاله واعتباره كأن لم يكن إذا خالف أصوله المشروعة، وهو ما أكدته المذاهب الفقهية الأربعة؛ فالحنفية يرون رد الحكم إذا خالف النص المفسر أو الإجماع، والمالكية بفسخ الخطأ الصراح، والشافعية برد الحكم المبني على اجتهاد خاطئ خالف نصًا أو إجماعًا، والحنابلة بعدم نفاذه في الحالة ذاتها. أما قانونيًا، فالطعن هو الوسيلة الاختيارية التي يسلكها الخصم المتضرر للاعتراض على الحكم بقصد إلغائه أو تعديله.

وعرضت الدراسة طرق الطعن في قانون أصول المحاكمات الشرعية، مميزة بين الطرق العادية وغير العادية:

  • الاعتراض على الحكم الغيابي: وهو طريق عادي لتمكين المحكوم عليه غيابيًا من الدفاع عن نفسه أمام نفس المحكمة.
  • الاستئناف: وهو طريق عادي ينقل الدعوى لمحكمة الدرجة الثانية (الاستئناف) للنظر في موضوعها وفسخ الحكم أو تعديله.
  • إعادة المحاكمة: طريق غير عادي يُقدم لنفس المحكمة عند ظهور مسوغات قانونية محددة.
  • اعتراض الغير: طريق غير عادي لمن لم يكن طرفًا في الدعوى ومس الحكم حقوقه.
  • الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا: وهو محور الدراسة، ويُعد طريقًا غير عادي للطعن في الأحكام الاستئنافية القطعية لمحاكمتها من حيث سلامة التطبيق القانوني.

ثانيًا: مشروعية نقض الأحكام القضائية

ناقش البحث الأدلة الشرعية من المنقول والمعقول التي توجب نقض الحكم إذا خالف نصًا قاطعًا أو إجماعًا، مستدلًا بقوله تعالى {وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ}، وبكتاب عمر بن الخطاب الشهير "مراجعة الحق خير من التمادي في الباطل". وأكد الباحثان أن الحكم المبني على خطأ يعتبر باطلًا لمخالفته مقصود الشارع.

وقد فصَّلت الدراسة حكم النقض في الفقه إلى ثلاث حالات:

  1. حكم خالف نصًا قاطعًا أو إجماعًا: يجب نقضه بإجماع الفقهاء.
  2. حكم في محل الاجتهاد ووافق الأصول: لا يجوز نقضه ويكون نافذًا.
  3. حكم في محل الاجتهاد لم يخالف الأصول (تغير الاجتهاد): أجمع الفقهاء على أن الاجتهاد لا يُنقض بمثله، فلا ينقض قاضٍ حكم غيره لمجرد اختلاف الاجتهاد حفاظًا على استقرار الأحكام، وكذلك لا ينقض القاضي حكم نفسه عند الجمهور، مع وجود رأي للمالكية يجيز ذلك في غير الأموال.

ثالثًا: المحكمة العليا الشرعية (المفهوم والنشأة)

تعد المحكمة العليا محكمة قانون وليست درجة ثالثة للتقاضي -كأصل عام-، فمهمتها مراقبة صحة تطبيق القانون وحسن سير الإجراءات دون التدخل في الوقائع أو تقدير البينات. ومع ذلك، قد تنعقد كمحكمة موضوع استثناءً في حالتين: إذا كان موضوع الدعوى صالحًا للحكم واستنفدت المحكمة سبل البحث، أو عند إصرار محكمة الاستئناف على حكمها المنقوض.

وقد بينت الدراسة أن إنشاء هذه المحكمة عام 2016 جاء لضرورات ملحة، أهمها: توحيد الاجتهادات القضائية المتناقضة التي نتجت عن تعدد محاكم الاستئناف، وترسيخ درجات التقاضي، وضمان استقرار الأحكام القانونية، واستنباط المبادئ القضائية. وتتمتع قرارات هذه المحكمة بحجية مطلقة، فهي أحكام باتة وملزمة للكافة ولا يجوز الطعن فيها، إلا أنه يجوز للمحكمة ذاتها الرجوع عن قرارها الشكلي إذا تبين خطؤه، أو العدول عن مبدأ سابق من خلال هيئتها العامة.

رابعًا: الأحكام القابلة للطعن أمام المحكمة العليا

أوضحت الدراسة أن الطعن يُقبل فقط في الأحكام الفاصلة القطعية الصادرة بصفتها الاستئنافية. وقسم الباحثان هذه الأحكام إلى نوعين رئيسين:

  1. أحكام قابلة للطعن مباشرة: وهي أحكام حُددت بنص القانون لأهميتها القيمية أو النوعية، وتشمل:
  • الدعاوى التي تكون قيمة المطالبة فيها سبعة آلاف دينار فأكثر.
  • دعاوى النفقات (زوجة/عدة) إذا زادت عن 200 دينار، ونفقات الأولاد والأقارب إذا زادت عن 100 دينار.
  • الأحكام المتعلقة بالوقف (إنشاء، استبدال، نزاع).
  • أنواع محددة من التفريق بين الزوجين (الردة، إباء الإسلام، الفقد، فساد العقد، بطلان العقد).
  • دعاوى الهبة في مرض الموت والوصايا، ونفي النسب، وتصحيح التخارج وإبطاله، والحجر للسفه والغفلة.
  • الأحكام التي أُعيدت إلى الاستئناف منقوضة.
  1. أحكام قابلة للطعن بعد الحصول على إذن: في غير الحالات السابقة، يجب الحصول على إذن من رئيس المحكمة العليا، ويُمنح الإذن إذا تضمنت الدعوى نقطة قانونية مستحدثة، أو معقدة، أو ذات أهمية عامة.

وحددت الدراسة إجراءات الطعن بأن يقدم خلال 30 يومًا للأحكام القابلة للطعن مباشرة، وخلال 10 أيام لطلب الإذن. كما منحت النيابة العامة الشرعية حق الطعن لمصلحة القانون في الأحكام التي لا يجوز للخصوم الطعن فيها لتوحيد المبادئ القضائية.

خامسًا: الأسباب القانونية المسوغة للطعن

بينت الدراسة أن الطعن بالنقض طريق استثنائي، لذا يجب أن يؤسس حصرًا على واحد أو أكثر من الأسباب القانونية التالية:

  1. مخالفة القانون أو الخطأ في تطبيقه أو تأويله: ويشمل ذلك مخالفة نص صريح، أو تطبيق قاعدة قانونية على واقعة لا تنطبق عليها (خطأ في التطبيق)، أو تفسير النص على غير معناه الصحيح (خطأ في التأويل).
  2. بطلان الحكم أو بطلان الإجراءات المؤثر فيه: مثل صدور الحكم من هيئة غير مكتملة النصاب أو قاضٍ ممنوع من النظر، أو وجود خلل في إجراءات التبليغ والخصومة مما يؤثر في صحة الحكم.
  3. تجاوز قوة القضية المقضية: وذلك بصدور حكم نهائي مناقض لحكم سابق صدر بين نفس الخصوم وفي نفس الموضوع والسبب.
  4. القصور في التسبيب (عدم البناء على أساس قانوني): ويتحقق عندما يخلو الحكم من العلل والأسباب والنصوص المستند إليها، أو يهمل الرد على الدفوع الجوهرية، مما يمنع المحكمة العليا من بسط رقابتها.
  5. مخالفة حدود الطلبات: كأن يغفل الحكم الفصل في أحد المطالب، أو يحكم بشيء لم يطلبه الخصوم أو بأكثر مما طلبوه، باستثناء القضايا المتعلقة بحقوق الله والنظام العام ومصلحة المحضون.

 

الخاتمة

انتهت الدراسة إلى التأكيد على أن الطعن بالنقض حق مشروع لضمان العدالة، ولكنه مقيد بأسباب حصرية للحفاظ على استقرار الأحكام. وأوصى الباحثان بإخضاع بعض الأحكام الاستئنافية المهمة لرقابة المحكمة العليا وجوبيًا حتى لو لم يطعن بها الخصوم، والنص على قابلية الطعن في أي حكم يخالف مبادئ المحكمة العليا المستقرة.

 

لتحميل ملف الدراسة (هنا)

 

* إسماعيل محمد البريشي، معاوية حسان النابلسي، الطعن بالنقض أمام المحكمة العليا الشرعية: دراسة فقهية قانونية. المجلة الأردنية في الدراسات الإسلامية، 2021، المجلد 17، العدد 4، ص ص 387-417.

** أستاذ الفقه وأصوله- كلية الشريعة- الجامعة الأردنية.

*** قاضي شرعي لدى دائرة قاضي القضاة، دكتوراه في القضاء والسياسة الشرعية/الجامعة الأردنية.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الثلاثاء, 23 كانون1/ديسمبر 2025 17:05

Leave a comment

Make sure you enter all the required information, indicated by an asterisk (*). HTML code is not allowed.