يسر موقعنا »حوارات الشريعة والقانون« أن يقدم لقرائه الأفاضل هذا النص التفريغي المحرَّر والموجز لمحاضرة الفقيه الأستاذ الدكتور محمد كمال إمام** (رحمه الله)، والتي تناول فيها إحدى أكثر القضايا محورية في الفكر الفقهي والقانوني المعاصر: »السياسة الشرعية ومقاصد الشريعة«. وتكمن أهمية هذه المحاضرة في تقديمها لرؤية ضابطة تجمع بين جلال النظر المقاصدي ومتطلبات الإدارة العمرانية والتطبيق القانوني السليم، مؤكدًا على التمييز الدقيق بين التكليف التعبدي والتنظيم الاجتماعي الدنيوي.
نضع بين أيديكم هذا التفريغ مقسَّمًا إلى محاوره وعناوينه الرئيسية؛ ليكون مدخلاً مركزًا يستجلي الضوابط المنهجية للتعامل مع النصوص والوقائع، ويكشف عن التكامل بين عمل الفقيه وأهل الاختصاص في تشخيص الواقع، فضلاً عن تأصيل قيود السلطة ومبدأ الفصل بين الوظائف في التجربة الإسلامية. نأمل أن يشكل هذا النص مادة علمية تُمكّن الباحثين وتُثري النقاش المعاصر حول تجسير الفجوة بين النص والتطبيق.
مقدمة وتمهيد:
«بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على محمد نبي العالمين. شكرًا لحكومة الشارقة وللقائمين على هذا المنتدى الإسلامي الرفيع المستوى فكرًا وحضورًا وأداءً. إن الموضوع الذي أُنِيطَ بي أن يكون موضوعًا لهذه المحاضرة هو استكمال وامتداد لما عرضه شيخي وأستاذي المستشار طارق البشري؛ فموضوع المحاضرة عن "السياسة الشرعية والمقاصد الشرعية"، والأمر يحتاج إلى ضبط بعض الموضوعات التي أرى أن في ضبطها ما يضيء الطريق، ويحدد الموضوع، ويبلور المنهج ويجعله واضحًا.»
المحور الأول: الضوابط الأربعة لتأسيس العلاقة بين المقاصد والسياسة الشرعية
تحدد المحاضرة أربعة ضوابط منهجية رئيسية لضبط العلاقة بين المنظومتين:
١. المنظور الدنيوي الاجتماعي للسياسة الشرعية
حينما نتحدث عن السياسة الشرعية، فإننا ننظر إليها من المنظور الدنيوي الاجتماعي؛ أي في إطار المجتمع والتنظيم الإنساني، ولا ننظر إليها في إطار علاقة الإنسان الفردية بربه (التعبد المحض)، ولا في إطار موضوع الآخرة؛ لأن القران الكريم قد حدد أن الإنسان يعود إلى خالقه فردًا: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرَدًّا﴾.
٢. البعد التشريعي للمقاصد وتمايز القانون عن الأخلاق
إن النظر إلى المقاصد الشرعية هنا يكون في بعدها التشريعي القانوني وليس باعتبارها مجرد جزء من منظومة القيم الأخلاقية الوجدانية؛ فالقانون أضيق نطاقًا من الأخلاق:
٣. تدرج دوائر التعامل مع النص الشرعي
إن دوائر التعامل مع النص الشرعي في ضوء السياسة الشرعية ليست متساوقة بل تتدرج في الاتساع:
٤. التفرقة بين الحكم التكليفي والحكم الوضعي (المعنى الأصولي vs المعنى الفقهي)
ينطلق الحكم الشرعي هنا من نوعيه (التكليفي والوضعي):
المحور الثاني: مفهوما السياسة الشرعية ودور أهل الاختصاص
تتحرك السياسة الشرعية بين دائرتين:
الدائرة الأولى (المفهوم العام): تشمل أوامر الحكام وقواعد الفقه الإسلامي؛ فهي علم تدبير المجتمع في كافة شؤونه.
الدائرة الثانية (المفهوم الخاص): سلطة ولي الأمر في ملء "المساحات الشاغرة" والتنظيم عند عدم وجود نصوص مباشرة.
يقوم القاضي أو المشرع بعمليتين أساسيتين:
توصيف الواقعة: ليست عملية فقهية بالدرجة الأولى، بل هي مهمة أهل الاختصاص (من أطباء، واقتصاديين، وعلماء نفس واجتماع)، إعمالاً لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾.
إدراج الواقعة تحت الحكم: وهذه هي المهمة الأصيلة للفقيه والقاضي والمفتي.
السياسة الشرعية في جوهرها هي صناعة المجتمع على عين أحكام الشريعة.
واقعة تاريخية:
أورد المحاضر ما ذكره الشيخ محمد سليمان في كتاب «من أخلاق العلماء»؛ أنه إبان هزيمة جيوش الخديوي إسماعيل في السودان، طلب من علماء الأزهر (برئاسة الشيخ العروسي) الدعاء بالنصر، فدعوا ليل نهار ولم يتغير الحال. فلما سألهم الخديوي عن السبب، سكت العلماء إلا عالمًا شابًا برز وقال له: "هذا منك أنت يا إسماعيل! روينا عن رسول الله ﷺ أنه قال: لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليُسلطن الله عليكم شراركم ثم يدعو خياركم فلا يستجاب لهم... أليس الربا جائزًا بقانون؟ أليس الزنا بتراخيص؟ أليست الخمور مباحة؟".
المغزى: السياسة لا تكون «شرعية» إلا إذا كانت غايتها صياغة المجتمع ومؤسساته وفق مقاصد الشريعة ورعايتها.
المحور الثالث: السياسة الشرعية وتدعيم الإيمان (الدين كمقصد)
تتقاطع السياسة الشرعية مع المقاصد عبر «نظرية الحفظ» (حفظ الدين، النفس، العقل، النسل، والمال)، حيث تفتح المقاصد أمام السياسة الشرعية طريقين رئيسيين لتدعيم الدين:
١. فتح باب الاجتهاد واستيعاب المتغيرات
٢. إغلاق باب التعصب المذهبي وتفعيل أدب الخلاف
المحور الرابع: السياسة الشرعية وتنظيم العمران
استنادًا إلى القاعدة الخلدونية الشهيرة «الظلم مؤذن بخراب العمران»، تعمل السياسة الشرعية في المجال العام لتنظيم العمران عبر مسارين:
١. دفع التهرج والفساد
عن طريق إيجاد أطر مؤسسية وتنظيمية:
٢. منع الظلم والاستبداد
وضعت الشريعة قيودًا ضابطة على سلطة أولياء الأمور، ومن ضمنها مبدأ الفصل بين السلطات؛ حيث أكد المحاضر أن التاريخ الإسلامي مارس الفصل بين السلطات عمليًا (ممارسةً لا نصًا تشريعيًا مجردًا)، حيث كان استقلال القاضي والمفتي تامًا عن السلطة الحاكمة، وأن الشريعة تستوعب كل تجربة إنسانية ترسي الحكم الرشيد وتدرأ الاستبداد.
الخاتمة
«إن السياسة الشرعية تفتح أبوابها لكل خبرة بشرية وتفكير إنساني يجعل الحكم رشيدًا والحاكم عادلاً. وليس في نصوص الشريعة ولا في عمل الصحابة ما يوجب الجمع بين السلطات أو حظر الفصل بينها، وكل ما هنالك أنهم استجابوا لداعي الضرورة فاستحدثوا من النظم ما هدتهم إليه التجربة والممارسة. وإذا كانت الشريعة مبنية على جلب المصالح ودرء المفاسد، فإن الأخذ بهذه الوسائل في العصور التي طغت فيها الأهواء هو عين الحكمة والموافقة لغرض الشارع..
والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.
** فقيه قانوني ومفكر إسلامي مصري، جمع ببراعة بين التخصص في الشريعة والقانون الوضعي، شغل منصب أستاذ ورئيس قسم الشريعة بكلية الحقوق جامعة الإسكندرية، عُرف بمنهجه التجديدي القائم على مقاصد الشريعة، وترك إرثًا علميًا ثريًا.