يُعد كتاب "مصادر الحق في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة بالفقه الغربي الحديث" لمؤلفه العلامة الدكتور عبد الرزاق السنهوري صرحًا قانونيًا وفقهيًا شاملًا يجمع بين كنوز الشريعة الإسلامية وأحدث النظريات القانونية الغربية. يتألف الكتاب من ستة أجزاء رئيسية، وقد جُمعت في طبعة مميزة على مجلدين؛ يضم المجلد الأول الأجزاء الثلاثة الأولى، بينما يحتوي المجلد الثاني على الأجزاء الرابع والخامس والسادس.
تعود أصول هذا العمل إلى سلسلة محاضرات ألقاها الدكتور السنهوري على طلبة قسم الدراسات القانونية في مصر خلال العامين الدراسيين 1953 - 1954م. ويهدف المؤلف من خلاله إلى تقديم دراسة معمقة لـ نظرية الحق، متناولًا الحقوق الشخصية والعينية والمالية، ومقارنتها بما استقر عليه الفقه الغربي الحديث، خاصة الفقه اللاتيني والجرماني.
يغطي الكتاب موضوعات قانونية وفقهية في غاية الدقة والأهمية، حيث تناول في أجزائه المختلفة نظرية العقد وصيغته، ويبحث في نظرية السبب ونظرية البطلان. كما فصل في عيوب الإرادة مثل الغلط والتدليس والإكراه، مقدمًا رؤية تحليلية نقدية توازن بين المذاهب الفقهية الأربعة (الحنفية، والمالكية، والشافعية، والحنبلية) وبين القوانين المدنية الحديثة.
تكمن القيمة العلمية لهذا الكتاب في سعي السنهوري الجاد لتأصيل المفاهيم القانونية المعاصرة من نبع الفقه الإسلامي، مبينًا أوجه الاتفاق والاختلاف بينهما. وقد سعى من خلال هذا المنهج المقارن إلى إثبات مرونة الشريعة الإسلامية وقدرتها على استيعاب التطورات القانونية الحديثة، مما جعل هذا المؤلف مرجعًا لا غنى عنه للباحثين في القانون والقضاء والدراسات الإسلامية.
يُعد "الجزء الأول" من الكتاب حجر الأساس في هذه الموسوعة القانونية، حيث خُصص هذا الجزء لبحث مقدمة عامة حول نظرية الحق وتفصيل صيغة العقد، حيث بيَّن السنهوري أن مصادر الحق هي الأسباب التي تنشئ الحق قانونًا، وأن هذه المصادر ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ الذمة المالية وما يترتب عليها من حقوق شخصية وعينية. ثم انتقل المؤلف بعد ذلك ليفصل في التفرقة الجوهرية بين الحق الشخصي (الالتزام) والحق العيني، موضحًا أن الحق الشخصي هو رابطة قانونية بين دائن ومدين يطالب بمقتضاها الدائن مدينه بنقل حق عيني أو القيام بعمل أو الامتناع عن عمل؛ بينما يمثل الحق العيني سلطة مباشرة يمنحها القانون لشخص معين على عين بالذات. وقسم السنهوري الالتزامات في الفقه الإسلامي إلى أربعة أنواع رئيسية تشمل الالتزام بالدين، والالتزام بالعين، والالتزام بالعمل، والالتزام بالتوثيق. ووضح أن الفقه الإسلامي، رغم استخدامه لمصطلحات مغايرة أحيانًا للفقه الغربي، قد أحاط بكافة صور الالتزام هذه في تطبيقاته الفقهية الواسعة.
كما بحث السنهوري بعمق في نظرية الذمة، معتبرًا إياها وعاءً قانونيًا يضم ما للشخص من حقوق وما عليه من التزامات مالية حاضرة ومستقبلة. ويقارن في هذا الجزء بين مفهوم الذمة في الفقه الإسلامي وبين نظرية الذمة المالية في القانون المدني الحديث، خاصة في قضايا الديون والتركات، مبينًا أن الفقه الإسلامي يربط الذمة بالشخصية القانونية التي تؤهل الفرد لكسب الحقوق وترتيب الالتزامات. وتطرق أيضًا إلى الحقوق العينية الأصلية كحق الملكية التامة وحق الرقبة وحقوق الارتفاق، والحقوق العينية التبعية مثل حق الرهن وحق الحبس، مبينًا كيفية تدرج هذه الحقوق في الفقه الإسلامي من حيث تعلقها بالعين أو بالذمة.
وفيما يخص نظرية التصرف القانوني، بحث السنهوري في كيفية نشوء الالتزام عن طريق الإرادة المنفردة أو عن طريق العقد. ووضح أن الإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي تعد مصدرًا للالتزام في حالات محددة، ويقارن ذلك بما استقر عليه الفقه الغربي الحديث. كما فصل في أنواع الأعمال القانونية، مفرقًا بين الفعل المادي والتصرف القانوني، ويبحث في نظرية الضمان (المسؤولية المدنية) الناتجة عن الإتلاف أو الجناية على النفس وما دونها، مبينًا كيف أن الفقه الإسلامي وضع قواعد دقيقة لتعويض الأضرار المالية والمعنوية.
اختتم السنهوري هذا الجزء بالبحث المستفيض في صيغة العقد وتوافق الإرادتين، مركزًا على ركن التراضي باعتباره جوهر العقد. وفصل في طرق التعبير عن الإرادة، سواء كانت باللفظ باستخدام صيغة الماضي (وهي الأصل في انعقاد العقود شرعًا) أو صيغة المضارع، أو عن طريق الكتابة والإشارة المفهومة. كما تناول مفهوم التعاطي أو المعاطاة في العقود، وهو إبرام العقد عن طريق الفعل والمبادلة الفعلية دون استخدام الألفاظ، وبحث في أثر السكوت ومدى اعتباره تعبيرًا عن الرضا في حالات محددة، ليقدم بذلك رؤية متكاملة لصيغة العقد في المذاهب الفقهية الأربعة مقارنة بالنظريات القانونية الحديثة.
ركز "الجزء الثاني" من موسوعة السنهوري على ركن جوهري في النظرية العامة للالتزام، وهو توافق الإرادتين وصحة التراضي، حيث بحث هذا الجزء بعمق في كيفية انعقاد العقد وتلاقي الإرادات في مجلس العقد، مع تسليط الضوء على عيوب الإرادة وخيارات العقد في المذاهب الفقهية المختلفة مقارنة بالقانون المدني الحديث. استهل المؤلف هذا الجزء بدراسة مجلس العقد، موضحًا كيف ينعقد العقد بتطابق الإيجاب والقبول، ويبحث في مسائل دقيقة مثل التعاقد بين غائبين (عن طريق المراسلة أو الرسول) وأثر الموت أو فقد الأهلية قبل قبول الإيجاب، مبينًا الفروق بين الفقهاء المسلمين الذين يركزون على اتحاد المجلس وبين النظريات الغربية التي قد تكتفي بصدور القبول.
واستفاض السنهوري في تحليل حالات خاصة من التعاقد مثل عقد المزاد وعقد الإذعان والعربون؛ ففي عقد المزاد، بحث في تكييف "الإيجاب والقبول" وكيف أن العطاء يعد إيجابًا يسقط بعطاء أكبر، مستشهدًا بآراء الفقهاء في "بيع من يزيد". أما في عقود الإذعان، فتناول المؤلف دور القاضي في حماية الطرف الضعيف من الشروط التعسفية التي يفرضها المحتكر، مبينًا أن الفقه الإسلامي وضع قواعد صارمة لمواجهة الاحتكار وحماية المستهلكين. كما فصل في "العربون" مفرقًا بين القانون الذي يعتبره أداة للعدول عن العقد، وبين الفقه (خاصة الحنبلية) الذي يرى فيه جزءًا من الثمن في حال نفاذ العقد.
انتقل بعد ذلك إلى الركن الثاني في هذا الجزء وهو صحة التراضي وعيوب الإرادة، حيث حلل السنهوري -بالتفصيل- نظرية الغلط، مفرقًا بين الغلط في الشيء والغلط في الشخص. وضَّح المؤلف أن الغلط في الفقه الإسلامي يرتبط ارتباطًا وثيقًا بـ "الوصف المرغوب فيه"، فإذا وقع الغلط في صفة جوهرية للشيء (مثل شراء إناء على أنه فضة فتبين أنه برونز)، فإن العقد قد يكون باطلًا أو قابلًا للإبطال حسب جسامة الغلط. وقارن هنا بين المعايير الموضوعية في الفقه الإسلامي والمعايير الذاتية في الفقه الغربي، موضحًا كيف سعى الفقهاء المسلمون لتحقيق استقرار التعاملات مع الحفاظ على رضا المتعاقدين.
كما تناول هذا الجزء التدليس والغبن، مبينًا أن الفقه الإسلامي لا يعتد بالغبن المجرد إلا إذا اقترن بتدليس (تغرير)، وهو ما يعرف بـ "التغرير الفعلي أو القولي". بحث السنهوري في الحالات التي يمنح فيها القانون والفقه الإسلامي الحق في فسخ العقد بسبب الغبن الفاحش، خاصة إذا كان المغبون صبيًا أو محجورًا عليه، أو إذا وقع الغبن نتيجة استغلال الطيش أو الهوى الجامح. ووضح أن الفقه الحنفي والمالكي وضعوا ضوابط دقيقة لتقدير الغبن الفاحش وربطه بسعر السوق السائد وقت التعاقد.
وأفرد السنهوري مساحة واسعة لبحث خيارات العقد، معتبرًا إياها وسائل شرعية لتدارك عيوب الرضا؛ فيبدأ بـ خيار الشرط، مبينًا مشروعيته ومدته التي تختلف فيها المذاهب (بين ثلاثة أيام عند الحنفية والشافعية، ومدد أطول عند المالكية والحنابلة). ثم تناول خيار التعيين، وهو أن يشتري الشخص أحد أشياء محددة على أن يختار واحدًا منها خلال مدة معينة، ويبحث في أثر هلاك أحد هذه الأشياء قبل الاختيار. كما فصَّل في خيار الرؤية، وهو حق يثبت لمن اشترى شيئًا لم يره وقت العقد، مبينًا أن هذا الخيار يمنع لزوم العقد حتى تتم الرؤية الفعلية والموافقة.
اختتم السنهوري هذا الجزء ببحث خيار العيب، وهو من أهم الموضوعات العملية، حيث فصَّل في الشروط الواجب توافرها في العيب ليكون مؤثرًا (أن يكون قديمًا، ومخفيًا، ومؤثرًا في القيمة). ويبحث في كيفية الرد بالخيار وما يسقط هذا الحق، مثل الإجازة الصريحة أو التصرف في المبيع بعد العلم بالعيب. قدَّم السنهوري في هذا الجزء رؤية نقدية متكاملة تثبت أن خيارات العقد في الفقه الإسلامي، رغم قدمها، تقدم حلولًا قانونية متطورة تضاهي بل وتتفوق أحيانًا على نظريات "عيوب الإرادة" في القوانين الوضعية الحديثة من حيث الدقة والعدالة.
يُعد "الجزء الثالث" من موسوعة السنهوري متممًا للأركان الجوهرية في نظرية العقد، حيث خُصص هذا الجزء لبحث "محل الحق" أو ما يُعرف في الاصطلاح القانوني بـ "محل الالتزام" أو "المعقود عليه". يأتي هذا الجزء في الترتيب المنطقي بعد دراسة صيغة العقد (الجزء الأول) وتوافق الإرادتين وصحة التراضي (الجزء الثاني)، ليركز على الجانب الموضوعي للالتزام، وهو الشيء أو العمل الذي يرد عليه التعاقد وتترتب عليه الآثار القانونية.
تناول السنهوري في هذا الجزء تعريف محل الحق، مفرقًا بين أن يكون المحل شيئًا (عينًا) أو عملًا أو امتناعًا عن عمل. ويوضح المؤلف أن الفقه الإسلامي يمتلك رؤية شمولية للأشياء والأعمال التي تصلح أن تكون محلًا للحق، حيث بحث في تصنيفات الأموال والحقوق المالية، مبينًا الفروق الدقيقة بين ما استقر عليه الفقهاء المسلمون في المذاهب الأربعة وبين ما انتهى إليه الفقه الغربي الحديث في تعريف "المحل".
واستفاض السنهوري في بحث الشروط الجوهرية الواجب توافرها في المحل ليكون العقد صحيحًا ومنتجًا لآثاره، وأول هذه الشروط هو الوجود أو الإمكان. ووضح السنهوري أن الأصل في الفقه الإسلامي هو عدم جواز التعاقد على معدوم، إلا أن هناك استثناءات هامة كعقد "السلم" و"الاستصناع"، وبحث المؤلف في كيفية توفيق الفقه بين منع الغرر وبين الحاجات الاقتصادية التي تقتضي التعامل في أشياء مستقبلة، مقارنًا ذلك بنظرية "الشيء المستقبلي" في القوانين المدنية الحديثة.
أما الشرط الثاني الذي فصَّل فيه هذا الجزء فهو التعيين، حيث يجب أن يكون المحل معينًا بذاته أو قابلًا للتعيين. بحث السنهوري في طرق التعيين في الفقه الإسلامي، سواء كان المحل عينًا معينة بالوصف أو بالإشارة، أو كان دينًا في الذمة، موضحًا أثر الجهالة الفاحشة التي تؤدي إلى بطلان العقد، والجهالة اليسيرة التي يمكن التسامح فيها. ويقارن هنا بين دقة الفقهاء المسلمين في تحديد مواصفات المبيع وبين المعايير القانونية الحديثة في التعيين.
وأفرد السنهوري مساحة واسعة لبحث الشرط الثالث وهو المشروعية أو صلاحية المحل للتعامل. بحث هذا القسم في مفهوم "المال المتقوم" في الفقه الإسلامي، مبينًا أن بعض الأشياء قد تخرج عن دائرة التعامل إما بطبيعتها (مثل الهواء والشمس) أو بحكم الشرع (مثل المحرمات كالخمر والخنزير بالنسبة للمسلم). ويوضح المؤلف كيف أن الفقه الإسلامي يربط بين مشروعية المحل وبين "النظام العام والآداب" في القانون الحديث، مؤكدًا على مرونة الشريعة في استيعاب التطورات المالية المعاصرة مع الحفاظ على ضوابط الحلال والحرام.
اختتم السنهوري هذا الجزء برؤية نقدية تبرز منهج الفقه الإسلامي في التعامل مع محل الحق، مؤكدًا أن هذا الفقه لا يكتفي بالنظر إلى الجوانب المادية للمحل، بل يربطها بالبواعث والمقاصد الشرعية.
في "الجزء الرابع" من موسوعته الفقهية القانونية كرسه السنهوري لبحث ركنين من أدق وأخطر أركان ونظريات الالتزام، وهما "نظرية السبب" و"نظرية البطلان"، مقدمًا دراسة مقارنة تاريخية وتحليلية بين الفقه الغربي (اللاتيني والجرماني) والمذاهب الفقهية الأربعة. تبرز أهمية هذا الجزء في محاولة المؤلف ضبط مفهوم "السبب" الذي يربط بين إرادة المتعاقدين والمقصد القانوني والشرعي من العقد، مبينًا كيف تطور هذا المفهوم من الشكلية الرومانية القديمة وصولًا إلى النظريات الحديثة التي توازن بين استقرار التعاملات وحماية الأخلاق والنظام العام.
استهل السنهوري بحثه في نظرية السبب بتتبع تطورها التاريخي، موضحًا الفوارق الجوهرية بين النظرية التقليدية التي ترى السبب كعنصر داخل العقد وبين النظرية الحديثة التي تعتد بـ "الباعث الدافع" للتعاقد. واستفاض المؤلف في بيان موقف الفقه الإسلامي من هذا الركن، مشيرًا إلى أن الفقهاء المسلمين قد سبقوا القوانين الحديثة في الاعتداد بالبواعث والمقاصد. ووضَّح أن المذاهب الفقهية تباينت في هذا الجانب؛ فبينما يميل الحنفية والشافعية إلى استقرار العقود والاعتداد بالصيغة الظاهرة (نزعة موضوعية)، نجد المالكية والحنابلة يتوسعون في البحث عن النوايا والمقاصد لإبطال العقود التي تهدف إلى غايات غير مشروعة، وهو ما يتماشى مع الاتجاهات القانونية المعاصرة في حماية مشروعية المحل والسبب.
أما القسم الثاني من هذا الجزء، فخصصه السنهوري لـ نظرية البطلان، وهي النظرية التي تبحث في جزاء اختلال ركن من أركان العقد أو شرط من شروط صحته. فصل المؤلف في مراتب البطلان، مفرقًا بين النظام القانوني الغربي الذي يقسمه إلى بطلان مطلق وبطلان نسبي، وبين الفقه الإسلامي الذي أوجد تفرقة دقيقة بين العقد الباطل (الذي لا وجود له شرعًا) والعقد الفاسد (الذي شرع بأصله لا بوصفه). وبيَّن السنهوري كيف أن هذه التفرقة الإسلامية، وخاصة عند الحنفية، تمنح مرونة عالية في التعامل مع العقود التي شابتها عيوب معينة، مما يسمح أحيانًا بتصحيحها أو ترتيب آثار قانونية عليها بدلًا من إعدامها كليًا.
واستفاض السنهوري في بحث آثار البطلان وكيفية إعادة المتعاقدين إلى الحالة التي كانوا عليها قبل التعاقد، متناولًا قضايا في غاية الدقة مثل "تحول العقد" و"انتقاص العقد". ووضَّح السنهوري أن العقد الباطل في الفقه الإسلامي قد ينتج أحيانًا آثارًا مادية أو واقعية (كواقعة مادية لا كتصرف شرعي)، كما بحث في كيفية انتقال الضمان في هذه الحالات. كما تناول أحكام العقد الموقوف، وهو العقد الذي ينعقد صحيحًا ولكن يتوقف نفاذه على إجازة صاحب الحق (مثل بيع الفضولي أو تصرفات الصبي المميز)، مبينًا الفروق بين المذاهب في مدة التوقف وكيفية الإجازة أو الرد.
اختتم السنهوري هذا الجزء ببحث "الخيارات" و"العقد غير اللازم"، معتبرًا أن الفقه الإسلامي قد أرسى قواعد فريدة لحماية الإرادة من خلال خيار الشرط، وخيار الرؤية، وخيار العيب، وخيار التعيين. وتناول المؤلف خيار العيب كأداة شرعية لضمان سلامة المبيع وعدالة التعامل، مبينًا الشروط الواجب توافرها لسقوط الخيار أو الرد به.
ركز "الجزء الخامس" من موسوعة السنهوري لبحث مرحلة حيوية في حياة الالتزام، وهي مرحلة "آثار العقد"، حيث انتقل من دراسة أركان الانعقاد وشروط الصحة (التي تناولها في الأجزاء السابقة) إلى دراسة النتائج القانونية والشرعية التي تترتب على العقد بمجرد إبرامه. ركز المؤلف في هذا الجزء على كيفية سريان العقد وتأثيره في ذمم المتعاقدين، مفرقًا بين القوة الملزمة للعقد في مواجهة أطرافه وبين أثره بالنسبة للغير، معتمدًا منهجه المقارن المعتاد بين القوانين المدنية الحديثة (كالقانون المصري والفرنسي) وبين المذاهب الفقهية الأربعة.
استهل السنهوري هذا الجزء بتأصيل التفرقة الدقيقة في الفقه الإسلامي بين "العقد النافذ" و"العقد الموقوف"، وهي تفرقة تبرز عبقرية الفقهاء المسلمين (خاصة الحنفية والمالكية) في التمييز بين ركن العقد وبين "الولاية" أو السلطة على محله. يوضح المؤلف أن العقد قد ينعقد صحيحًا ومستوفيًا لأركانه، ولكنه يبقى موقوفًا (غير منتج لآثاره فورًا) إذا شابه عيب في "الولاية"، مثل تصرف الفضولي في مال غيره أو تصرفات الصبي المميز التي تدور بين النفع والضرر. وبحث السنهوري في كيفية تحول هذا العقد من حالة "التوقف" إلى حالة "النفاذ" عن طريق الإجازة، مبينًا أن الإجازة في الفقه الإسلامي لها أثر رجعي يستند إلى وقت إبرام العقد.
وحلل السنهوري بالتفصيل ظاهرة "النيابة في التعاقد" وتطبيقاتها، حيث درس مفهوم النيابة القانونية والاتفاقية مقارنة بنظام "الوكالة" و"تصرف الفضولي" في الفقه الإسلامي. ووضَّح السنهوري أن الفضولي هو من يقوم بعمل لغيره دون توكيل أو نيابة. كما بحث في الحالات التي يُلزم فيها الفقه صاحب الحق بتصرفات الفضولي إذا أجازها، مبينًا الفوارق بين الفقه الذي يرى في الفضولي وسيلة مرنة لقضاء مصالح الناس وبين القوانين الغربية التي كانت تضيق في هذا المجال قبل تأثرها بالنزعات الاجتماعية الحديثة. كما تناول الجزء الخامس أحكام الولاية على المال، مفرقًا بين ولاية الأب والجد والوصي والقاضي، وكيفية نفاذ تصرفات كل منهم في حق القاصر أو المحجور عليه.
أما فيما يخص نطاق أثر العقد، فبحث السنهوري في مبدأ "نسبية أثر العقد"، أي أن العقد لا يضر ولا ينفع إلا أطرافه، ولكنه يستعرض الاستثناءات الهامة التي تعتد بها القوانين الحديثة والفقه الإسلامي، مثل "التعهد عن الغير" و"الاشتراط لمصلحة الغير". ووضَّح المؤلف كيف أن الفقه الإسلامي، من خلال قواعد "الحقوق المتعلقة بالعين" ونظريات "الخلافة العامة والخاصة"، قد وضع ضوابط دقيقة لكيفية انتقال آثار العقد إلى الورثة أو الخلف الخاص، مما يضمن استقرار التعاملات المالية وحماية حقوق الدائنين.
واختتم السنهوري هذا الجزء ببحث "تفسير العقد" و"تنفيذه"، مركزًا على الأمانة في تنفيذ الالتزامات وما تفرضه قواعد العدالة والنيات المشروعة، وبيَّن أن العقد في الفقه الإسلامي لا يقتصر على ما ورد في ألفاظه فحسب، بل يمتد ليشمل ما هو من مستلزماته وفقًا للشرع والعرف وطبيعة المعاملة.
يُعتبر "الجزء السادس" والأخير من موسوعة "مصادر الحق في الفقه الإسلامي" للدكتور عبد الرزاق السنهوري الخاتمة المنطقية والتطبيقية لهذه الدراسة المقارنة الضخمة، حيث خُصص لبحث "انحلال العقد"، وهو المرحلة التي تلي انعقاد العقد وترتيب آثاره، ليبحث في الكيفية التي ينتهي بها الالتزام العقدي. انطلق السنهوري في هذا الجزء من تفرقة جوهرية بين زوال العقد بسبب عيب في تكوينه (وهو ما بحثه في نظرية البطلان بالجزء الرابع) وبين زواله بسبب وقائع تطرأ بعد إبرامه صحيحًا، وهو ما يُعرف بالانحلال الذي يشمل الفسخ، والانفساخ، والإقالة.
استفاض السنهوري في تحليل نظرية الفسخ باعتبارها جزاءً يترتب على عدم تنفيذ أحد المتعاقدين لالتزامه في العقود الملزمة للجانبين. ووضَّح المؤلف الفرق الدقيق بين الفسخ الذي يتم بحكم القاضي وبين "الانفساخ" الذي يقع بقوة القانون أو بحكم الطبيعة عند استحالة التنفيذ لسبب أجنبي لا يد للمتعاقد فيه. وقارن هنا بين موقف الفقهاء المسلمين الذين توسعوا في أحكام "خيار العيب" و"استحقاق المبيع" كصور للفسخ، وبين القوانين المدنية الحديثة (كالقانون المصري والفرنسي) التي وضعت قواعد عامة للفسخ القضائي والاتفاقي، مبينًا كيف أن الفقه الإسلامي يميل دائمًا إلى استقرار العقود مع الحفاظ على توازن الالتزامات.
وتطرق في هذا الجزء إلى مفهوم "الإقالة" أو التقايل، والتي يُسميها الفقه الغربي "الفسخ الاتفاقي". بحث السنهوري في الطبيعة القانونية للإقالة في المذاهب الأربعة، مفرقًا بين من يعتبرها "فسخًا" في حق المتعاقدين و"بيعًا جديدًا" في حق الغير، وبين من يعتبرها فسخًا مطلقًا. وأبرز السنهوري من خلال هذا البحث مرونة الشريعة الإسلامية في السماح للمتعاقدين بإنهاء الرابطة العقدية بإرادتهما المشتركة، مع وضع ضوابط تضمن عدم الإضرار بحقوق الدائنين أو الخلف الخاص.
كما بحث الجزء السادس بعمق في آثار انحلال العقد، خاصة ما يُعرف بـ "الأثر الرجعي"، حيث يترتب على الفسخ أو الإقالة عودة المتعاقدين إلى الحالة التي كانا عليها قبل التعاقد. وحلل السنهوري المشكلات العملية الناتجة عن هذا الأثر؛ مثل كيفية رد الأعيان، وأثر الانحلال على العقود المستمرة (كعقد الإيجار) التي لا يُتصور فيها الأثر الرجعي، مبينًا الفروق بين المعايير الموضوعية في الفقه الإسلامي والمعايير الذاتية في الفقه اللاتيني. وشرح المؤلف كيف أن الفقه الإسلامي يربط بين "الضمان" وبين "القبض"، موضحًا كيف ينتقل ضمان الهلاك من عهدة بائع إلى عهدة مشترٍ في حالات فسخ العقد.
اختتم السنهوري هذا الجزء برؤية تأصيلية شاملة تربط بين أجزاء الكتاب الستة، مؤكدًا أن نظام انحلال العقد في الفقه الإسلامي يمثل قمة التطور الفقهي، حيث يجمع بين "العدالة العقدية" وبين "استقرار التعامل". وبذلك، تجلى ما سعى السنهوري في إثباته من أن الشريعة الإسلامية لم تترك جانبًا من جوانب حياة الحق والالتزام إلا ووضعت له قواعد دقيقة تضاهي بل وتتفوق على أدق النظريات القانونية الغربية الحديثة، مما يجعل هذا الجزء مسك الختام لهذه الموسوعة التاريخية التي أصبحت مرجعًا أساسيًا للقضاء والتشريع في العالم العربي.
وختامًا، فإنه على الرغم من القيمة العلمية الاستثنائية لعمل عبد الرزاق السنهوري، وما تميز به من عمق تأصيلي ومنهج مقارن رصين، فإن قراءة معاصرة لهذا المشروع تكشف عن جملة من الملاحظات النقدية التي لا تنتقص من قدره، بقدر ما تفتح آفاقًا لتطويره والبناء عليه.
فأول ما يُلاحظ أن السنهوري -في سعيه المشروع لإبراز مرونة الفقه الإسلامي- قد مال في بعض المواضع إلى نزعة توفيقية تجعله يُقارب بين المفاهيم الفقهية الإسلامية والنظريات الغربية الحديثة أحيانًا على حساب الفوارق المنهجية العميقة بينهما؛ إذ إن الفقه الإسلامي ليس مجرد "نظام قانوني" بالمعنى الوضعي، بل هو جزء من منظومة معيارية أوسع تتداخل فيها الأحكام التكليفية مع القيم الأخلاقية والمقاصدية، وهو ما قد لا تستوعبه بالكامل أدوات المقارنة القانونية التقليدية.
ومن زاوية أخرى، فإن المشروع السنهوري -برغم عنايته الدقيقة بالبنية النظرية للفقه- ظل في جانب منه نخبويّ الطابع، موجهًا إلى القاضي والمشرّع والباحث، أكثر من توجيهه إلى بناء فقه تطبيقي حيّ قادر على التفاعل المباشر مع تحولات الأسواق والمؤسسات المالية المعاصرة، وهو ما يدعو إلى استكمال هذا المشروع بجهد مؤسسي جماعي يتجاوز الإطار الفردي.
وعليه، فإن القيمة الحقيقية لكتاب "مصادر الحق" لا تكمن فقط في نتائجه، بل في كونه مشروعًا مفتوحًا يدعو الأجيال اللاحقة إلى استئنافه، عبر تطوير أدوات المقارنة، وتوسيع مجالات التطبيق، وتعميق الربط بين الفقه وأصوله المقاصدية من جهة، ومتطلبات الواقع القانوني والاقتصادي من جهة أخرى.
وبذلك، يمكن القول إن السنهوري لم يقدّم الإجابة النهائية، بل وضع الأساس المنهجي لسؤال لا يزال مطروحًا: كيف نبني نظرية قانونية معاصرة تستمد روحها من الشريعة، دون أن تنفصل عن تعقيدات العالم الحديث؟
رابط مباشر لتحميل مصادر الحق في الفقه الإسلامي المجلد الأول
رابط مباشر لتحميل مصادر الحق في الفقه الإسلامي المجلد الثاني
[1] عبد الرزاق أحمد السنهوري، مصادر الحق في الفقه الإسلامي: دراسة مقارنة بالفقه الغربي الحديث، بيروت: دار إحياء التراث العربي، الطبعة الأولى، 1417هـ/1997م.