Print this page

تحريم الربا ... تنظيم اقتصادي

By تأليف: الشيخ محمد أبو زهرة كانون2/يناير 04, 2024 1588 0

صدرت الطبعة الثانية من هذا الكتاب عن الدار السعودية للنشر والتوزيع في عام 1405ه/1985م، ومؤلفه هو فضيلة المرحوم الأستاذ الشيخ "محمد أبو زهرة"، وهو علم من أعلام الفكر الإسلامي المعاصر، ورائد من رواد الفقه الإسلامي في العصر الحديث، فقد أسهم في هذا الميدان بجهود مشكورة وبحوث وفيرة مثمرة كان لها أثرها في إثراء التشريع الإسلامي، وتجلية مناحي الأصالة والتطور فيه، ولا تزال آثاره فعالة في جامعات العالم الإسلامي ومعاهده وبين تلامذته، تشهد له باليد الطولى في علمه. وللتعرف على سيرته العطره وجهود العلمية والشرعية يمكنكم مراجعة كتاب: "محمد أبو زهرة..إمام الفقهاء المعاصرين والمدافع الجريء عن حقائق الدين" للدكتور محمد عثمان شبير.

وفي هذا المؤلف يقدم الشيخ "محمد أبو زهرة" تأصيلا لأضرار تلك الآفة الاجتماعية والاقتصادية وتاريخ المعاملات الربوية عبر الملل والعصور وموقف الشريعة الإسلامية منها، وتصوره عن نظام اقتصادي لا ربا فيه، وكيف يمكن التعامل مع المصارف القائمة.

ومما جاء في مقدمة الشيخ أبو زهرة لكتابه:

۱ - روى الإمام أحمد عن النبي ﷺ أنه قال : «يأتي على الناس زمان يأكلون فيه الربا قيل: الناس كلهم يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: «من لم يأكله ناله غباره».

تلك نبوءة النبي ﷺ ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى (٣) إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى (٤) عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى (٥)﴾ وقد تحققت تلك النبوءة في عصرنا الحاضر، فالناس يأكلون الربا ومن لم يأكله ناله غباره، حتى صار الربا بلاء هذا العصر، وظنه الناس عرفًا حسنًا لا تجوز مخالفته، وحقًا لا تسوغ مقاومته، وأثَّر ذلك في تفكير الكثيرين، حتى لقد وجدنا بعض الذين يتسمون بسمة الدين يجيئون إلى النصوص القرآنية فيؤولونها ليخضعوها لذلك العرف الذي اشتهر، وينسون أن الأديان حاكمة على الأعراف، وليست بمحكومة لها تتبعها تبعية الخاضع المحكوم.

٢ - على أن المتتبع للأحداث، ليحكم عليها حكمًا مجردًا، غير مأخوذ باتباع الكثرة الكاثرة في مجموعها، يجد أن الربا آفة اجتماعية، فإذا كان عرفًا شائعًا فهو عرف فاسد تجب مقاومته، ويجب تجريد كل القوى لمحاربته، وإذا كان البناء الاقتصادي في كثير من الدول يقوم عليه، وجب العمل على وضع أسس جديدة ليوجد بناء صالح كامل فاضل، لا يقوم على الكسب الذي فيه مبادلة بأي نوع من أنواع المبادلة الحرة التي يتحمل فيها المعطي تبعات الكسب والخسارة!

وأن هذه الآفة تظهر آثارها جلية واضحة في الشره الذي يخيم على نفوس المرابين، ويجعلهم يستغلون كل قوى غيرهم وإنتاجه في كسب يعود عليهم، فإن من السهل على من عنده عشرة آلاف جنيه أن يقرضها بفائدة خمسة في المائة أو ستة في المائة، فيجيء إليه وهو جالس في عقر داره خمسمائة جنيه كل عام، من غير جهد ولا عمل، ومن غير أن يتعرض لخسارة، إلا أن تجتاح المقترض جائحة تأكل الأخضر واليابس ولا تبقي ولا تذر، وقد يكون سببها تضاعف الفائدة أضعافًا كثيرة، مع كساد السوق، وضعف قوة الشراء، وفي غالب الأحيان يكون قد احتاط الدائن لماله فينقض عند نكبة المدين على ما عساه يكون قد بقي من ماله انقضاض البازي على فريسته.

وأن ذلك الكسل الذي يكون فيه الدائن، ليس هو الكسل المريح، بل هو الكسل الذي يصحبه الوسواس الدائم، والاضطراب المستمر، لأنه وقد أودع ثروته بين أيدي الناس، يراقبهم ويتتبعهم، لا ليشركهم في خسارتهم ومغارمهم كما يشركهم في كسبهم ومغانمهم، بل يترقبهم ليحافظ على ماله وفائدته التي تتضاعف عامًا بعد عام، ولذلك وصف الله سبحانه وتعالى الذين يأكلون الربا بقوله تعالت حكمته ﴿الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ﴾.

3- وأن الربا في ذاته يسهل على الناس أن يدخلوا في مغامرات لا قبل لهم باحتمال نتائجها، فالتاجر بدل أن يتجر في قدر من المال يتكافأ مع قدرته المالية على السداد، يأخذ مالًا بفائدة ليزيد في متجره، وقد يكسب من ذلك بلا ريب ولكن العاقبة غير محمودة إن نزلت البضائع، فإنه لا يكون في قدرته البيع في الوقت الذي يريد، إذ إن الفائدة التي تلاحقه، والديون التي تركبه تضطره للبيع في الوقت الذي لا يناسبه فتكون الخسارة الفادحة، أو يكون الإفلاس المدمر، والديون تحيط بذمته، كما تحيط الأغلال بعنقه.

وقد ثبت أن الأزمات الجائحة التي تعتري الاقتصاد العالمي تكون من الديون التي تركب الشركات المقلة، فإن عجزها عن السداد عند الكساد يدفعها إلى الخروج عن بضاعتها بأقل الأثمان إن وجدت من يشتري، ولذلك كانت تعالج هذه الأزمات الجائحة بتقليل الديون بطرق مختلفة، كإحداث تضخم مالي من شأنه أن يضعف قيمة النقد فيقل الدين تبعًا لذلك، كما فعلت أمريكا في سنة ١٩٣٤، أو بتنقيص الديون مباشرة كما فعلت مصر في التسويات العقارية.

4- وأن تسهيل القرض بفائدة شجع الكثيرين على الإسراف وعدم الادخار، فإنه إذا كان يشجع على الادخار الآثم عند بعض الناس، فهو يشجع على الادخار عند آخرين، لأنه إذا كان المسرف يرى من يقرضه بالفائدة في أي وقت، فإنه لا يرعوي، ولا يحسب حساب المستقبل بحيث يدخر في حاضره ما يحتاج إليه في قابله، وإن اضطرته حاجته يجد المصرف الذي يقرضه بفائدة، ويجد الضامن الذي يضمنه. ولذا نرى موظفين كبارًا لهم مرتبات ضخمة تكفي حاجتهم الحاضرة، ويمكنهم أن يدخروا منها لحاجتهم القابلة، ولكنهم لا يفعلون لسهولة الاقتراض في أي وقت يشاءون بالفائدة، وفي مرتبهم ومرتب بعض زملائهم الضمان الكافي للمصرف.

ولقد وجد الناس بعض المرابين يذهبون إلى نوادي القمار ويجلسون بجانب المقامرين ليمدوهم بالمال اللازم للاستمرار في قمارهم، وربما لا يكتفون بالفائدة التي يبيحها القانون، بل يتجاوزونها مسرفين في المجاوزة، فيكون المرابي قد تحمل آثامًا، إثم أكل مال الناس بالباطل، والإثم القانوني، وإثم التشجيع على جريمة هي من أخبث خبائث هذا العصر.

ه - وأنه يثبت مما ذكرنا وغيره أن التعامل بالربا يوجد اضطرابًا نفسيًا مستمرًا بالنسبة لأكل الربا ومؤكله على السواء، وأنه فوق ما يحدثه من اضطراب في النظام الاقتصادي يوجد قلقاً نفسيًا مستمرًا للمتعاملين، وهو بالنسبة لأكله ينبعث من جشع أساسه الكسب من مجهود غيره وبالنسبة للآخر المستغل ينبعث من جشع في كسب ليس في مقدوره، والجشع من طبيعته أن يحدث اضطرابًا مستمرًا في قلب الجشع، وأحاسيسه ومشاعره، ولذلك قرر بعض الأطباء المتدينين أن كثرة الأمراض التي تصيب القلب، فيكون من مظاهرها ضغط الدم المستمر، أو الذبحة الصدرية، أو الجلطة الدموية، أو النزيف بالمخ، أو الموت المفاجئ، سببها ذلك الاضطراب الاقتصادي الذي ولد جشعًا لا تتوافر أسبابه الممكنة، ولقد قرر عميد الطب الباطني في عصره المرحوم الدكتور عبد العزيز اسماعيل في كتابه الإسلام والطب الحديث أن الربا هو السبب في كثرة أمراض القلب.

وأنه لو استبدل بذلك النظام الاقتصادي - الذي يجعل المقرض أكلًا دائمًا، والمقترض مأكولًا غارمًا في أكثر الأحوال أو في كثير منها- نظام اقتصادي أساسه التعاون بين المقرض والمقترض في المغنم والمغرم معًا لكان أجلب للاطمئنان، وأعدل وأقوم، وأهدى سبيلًا".

 

أما فهرس موضوعات الكتاب فجاء كالتالي:

  • مقدمة عن الربا
  • الربا في اليهودية والنصرانية
  • الربا في نظر الفلاسفة
  • الربا في الإسلام
  • الربا في القرون الأخيرة
  • علماء المسلمين والربا
  • الربا لا مصلحة فيه ولا ضرورة تدعو إليه
  • نظام لا ربا فيه
  • مآل المصارف القائمة

رابط تحميل الكتاب

Rate this item
(0 votes)