هذا الكتاب يقدم بحثًا مختصرًا في التشريع الجنائي الإسلامي المقارن بالقوانين الوضعية مع بيان ميزة الشريعة في تشريعاتها، لما لها من أهمية كبرى، تتمثل في أنها عنوان تحقيق العدالة ونشر السعادة بين البشر.
ولما كانت للقوانين الوضعية يد دخيلة مزاحمة للشريعة الإسلامية في المرجعية التشريعية للغالبية العظمى من البلدان الإسلامية، سعى الباحث إلى أن يرمي بسهم في بيان قصور تلك القوانين، وعدم كفاءتها عبر مقارنتها بأحكام الشريعة الإسلامية والفقه الآخذ عنها... لكي يظهر ويتجلى أمام البصائر أيهما أفضل وأقوم سبيلا، وأجدر بالتطبيق في مجال التشريع. واعتمد الباحث في ذلك -حسبما ذكر- على مؤلفات من سبقه من كبار علماء العصر الحديث كالشهيد: عبد القادر عودة، والأستاذ: محمد أبو زهرة، ومحمد فتحي بهنسي،...
ومما جاء في مقدمة الباحث:
"جاء الاسلام فغير مجرى التاريخ وسير الأمة وأسلوب الحياة - لتنظيم البشرية في سيرها في طريق واحد وعلى منوال دستور واحد هو "القرآن الكريم"، وقد جعل الله في هذا الدستور العظيم نظام الأمة متكاملًا شاملًا لكل متطلباتها في الحياة {ما فرطنا في الكتاب من شيء}، فلم يترك شيئًا فيه مصلحة للأمة وضمان لسعادتها إلا وضمنه هنا الكتاب العظيم، أو بينه على لسان نبيه محمد صلى الله عليه وسلم الذي لم يدع خيرًا إلا وأرشد الأمة إليه ولا شرًا إلا وحذرها منه عن طريق الكتاب والسنه وهذا ما اقتضته حكمة الله في إرساله نبيه محمدًا صلى الله عليه وسلم خاتمًا للنبيين ورحمة للعالمين {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين}.
وقد أكمل الله دينه ليكون مستقلًا بذاته ... مستغنيًا عن غيره من آراء البشر وأوضاعهم القاصرة التي تستند على العقل البشري القاصر عن إدراك مصالح العباد ومفاسدهم ... قال تعالى {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا} ... وقد جاءتنا جاهليات ضالة مضله تستميل الناس باسم التقدم والحضارة والمدنية لترمي بهم في مغاور التيه وبين اشراك الضلال والانحلال فاعتدت على سلطان الله في الأرض بتغيير أحكامه، ووضع أحكام جديدة من عند أنفسها مبنية على الهوى {ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله} وضعت باسم التجديد في التشريع نظمًا وقوانين ما أنزل الله بها من سلطان تريد بها أن تصلح منهاج الأمة وتكفل لأفرادها السعادة الدنيوية ضاربة بشرع الله القويم عرض الحائط... إنها الجاهلية الجهلاء {أفحكم الجاهلية يبغون ومن أحسن من الله حكمًا لقوم يوقنون}.
وقد شرع في تطبيق هذه القوانين على اختلافها من نهاية القرن التاسع عشر الميلادي حتى الآن ولا تزال تتخبط في ضلالها بين موادها التي ما إن بمر عليها ولو زمن يسير .. إلا وكانت قابلة للتحويل سهلة التغيير - فيعد لونها متى أرادوا، ويستبدلون بعض موادها بغيرها متى شاءوا. وقد كانت قوانينهم في كثير من موادها على طرفي نقيض مع حكم الله {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون} فهاهم يكفرون لمخالفتهم شرع الله ونبذه والاعتداء عليه، وظلموا أنفسهم أيضًا بهذا الإعراض الفاحش والإهمال الكبير في نبذهم كتاب الله وسنة رسوله خلفهم ظهريًا دونما خوف ولا مبالاة ولا تحفظ، وظلموا الناس أيضًا بتعطيل تحكيم شريعة الله عليهم في الحياة لهذا قال تعالى: {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الظالمون}، ويعتبر حكمهم بغير ما أنزل الله خروجًا عن الطاعة وخرقًا للنظام العادل الحكيم لذلك قال الله تعالى {ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الفاسقون}.
وهذه الشريعة السمحة قد سنها الله لتنظيم حياة البشر .. فيجب علينا ألا نحيد عنها لأنها ما وضعت هملًا ولا اعتباطًا وإنما وضعت بناءً على معرفة أحوال العباد ونفسياتهم وجميع متطلباتهم في الحياة ... كيف وواضعها هو الله العليم بأحوال عباده الحكيم، {إن الحكم إلا لله أمر ألا تعبدوا إلا إياه}... ذلك الدين القيم ... فما بال مدعي الحضارة والتقدم ينهجون -في الحياة- خلاف النهج القويم الذي تتمثل فيه سعادة الإنسانية وحريتها الكاملة من عبودية العباد إلى عبودية رب العباد وخالق الكون العظيم {أفغير دين الله يبغون وله أسلم من في السماوات والأرض طوعًا وكرها وإليه يرجعون}.
إن اخلاص العبودية لله وحده لا شريك له وتحكيم شريعته في هذه الحياة ... هو عنوان الحضارة الانسانية التي تتمثل فيها كرامة الانسان المطلقة وسعادته التامة .. لا في تلك الحضارة المزعومة المبنية على الأهواء المتناقضة، والنعرات الجاهلية التي تهدف من تشريعها في الغالب إلى مصلحة الدولة الخاصة... إنها الأنانية التي لا تراعي فيها القيم والأخلاق الانسانية.
ونحن أمام هذا الواقع المتلاطم لابد أن نعترف بما يسمى بـ "القوانين الوضعية". واعترافنا بها لا يتم عن اقتناعنا بما فيها من نظم مخالفة لشريعة الله في الحياة -وإنما نعترف بما لأنها أصبحت نظامًا واقعًا لا واقعيًا- مطبقًا في أكثر الدول التي تدعى أنها إسلامية. فليس لنا إلا أن نعترف بهذا: التشريع الجاهلي، لنقارن بينه وبين التشريع الإسلامي، في التحكيم ومما لا شك فيه أن الفرق كبير والبون شاسع بين التشريعين بل إنهما في الغالب على طرفي نقيض وشتان بين مشرق .. ومغرب.
وميزة الشريعة الإسلامية تتجلى أولًا في أنها من عند الله العليم الحكيم ... العليم بنفسيات الخلق وأحوالهم في كل زمان ومكان. فهو سبحانه لم يرض لنا الاسلام دينا إلا لعلمه أزلا أنه صالح لنا في جميع أحوالنا، وصالح لغيرنا من الأمم التي قبلنا والتي بعدنا، وهو الحكيم لوضعه الأمور الكونية والقدرية وجميع ما تقتضيه مصالح العباد في الدارين من تشريع وتدبير - كل شيء بحسبه– في موضعه المناسب له. وتمتاز الشريعة أيضًا بأنها سابقة - في مجال التشريع لهذه القوانين الوضعية المتأخرة فإن رأينا من مواد هذه القوانين ما يتفق مع أحكام الشريعة فليس ذلك بشيء جديد اخترعوه من عند أنفسهم وإنما الفضل للشريعة في ذلك.. ومهما وضعوا من نظم وقوانين فلن يحققوا نزرًا يسيرًا مما حققته ويحققه الاسلام من سعادة البشرية وصلاحها في الدنيا والآخرة.
وتتجلى ميزة الشريعة أيضًا في كما لها وإدراكها وإحاطتها لما تتطلبه الخليقة في هذه الحياة لأن الله أكملها منذ أكثر من ثلاثة عشر قرنًا حيث قال {اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الاسلام دينا}. وأمام هذا الكمال يبرز ما في القوانين من قصور وما فيها من نقط ضعف وعدم إدراك المتطلبات البشرية... إضافة إلى التناقض الكبير بين موادها ونظمها، وخضوعها للتبديل في كل زمان ومكان بينما نرى الدوام والصلاحية العامة متوفرة في الشريعة الإسلامية لأن الله أراد لها ذلك، وكفل لها البقاء بحفظ دستورها العظيم وإنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون، ولسنا بصدد التقصي في الكلام عن ميزة الشريعة وأفضليتها... فالحديث عن ذلك يطول ويتطلب وقتًا واسعًا، ومجلدات كبيره.. فلنقتصر على بعض هذه الميزات الظاهرة..
وبعد، فالأمة بحاجة ماسة إلى الاستقرار والسعادة وتحقيق مصالحها في هذه الحياة على أساس من العدالة الحكيمة .. ولن يتحقق ذلك إلا بالرجوع إلى كتاب الله عبادة وتوحيدًا وتشريعًا ... وأسلوب حياة ... ففيه ما يكفل لهم ذلك، ويحقق سعادتهم في الدارين.
وفي: تشريع الجنايات وعقوباتها، صراع كبير بين الحق والباطل لابد - طال الزمان أم قصر -أن ينتصر فيه الحق- مع ما أثبته في هذا المجال من تفوق، وما حققه من انتصارات عظيمة تشهد له بها السيرة والتاريخ منذ بدء الإسلام إلى وقتنا الحاضر وإلى أن تقوم الساعة. وفي هذا الموضوع الهام الذين اخترته ليكون موضوع بحثي هذا العام، لأهميته .. سنرى مدى ما حققته الشريعة في تشريعاتها الحكيمة من خير وسعادة .. في حين أن القوانين الوضعية قصرت في ذلك .. وقصرت عنه لعدم وجود المقومات الحيوية، والأسس الكافية لتحقيق ذلك . . فنسأل الله التوفيق والسداد في عملنا هذا وفي جميع الأعمال وأن تكون خالصة لوجهه تعالى نافعة للأمة وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبته وسلم".
وقد جاءت محتويات البحث على النحو الآتي:






________________
* عبد الله بن سالم الحميد، التشريع الجنائي الإسلامي "دراسات في التشريع الجنائي الإسلامي المقارن بالقوانين الوضعية"، أشرف عليه وصححه الشيخ مناع خليل قطان، الناشر: المؤلف نفسه، الطبعة الثانية، 1981.