Print this page

مشروع الأزهر لقانون الأسرة... اعتراضات وردود

By إعداد: أ.د. عباس شومان أيار 31, 2026 22 0

  في خضم الجدل الدائر حاليًا حول مشروع قانون الأحوال الشخصية في مصر، رأينا في موقع "حوارات الشريعة والقانون أنه من المهم إعادة نشر كتاب "مشروع الأزهر لقانون الأسرة... اعتراضات وردود"*، إعداد الأستاذ الدكتور عباس شومان (وكيل الأزهر الشريف السابق)، والذي تضمن نصوص مواد المقترح بمشروع قانون للأسرة، ثم أتبعها ببيان الاعتراضات التي أثيرت حول مواد هذا المقترح والردود عليه بقلم الشيخ شومان.

  يعد هذا المقترح مبادرة تشريعية لافتة قام بها الأزهر؛ إذ شكّل لجنة من كبار علمائه وخبرائه لصياغة مشروع متكامل لقانون الأسرة، بقرار من شيخ الأزهر في: ١٨/ ١٠/ ۲۰۱۷م، واستمر عملها لأكثر من ثلاثين جلسة، ثم نوقشت مواد المشروع من قبل هيئة كبار العلماء على مدى أكثر من عَشْرِ جَلَسات طارئة متتابعة، بدءًا من ديسمبر 2018 حتى أبريل 2019م. وبعد مراجعة هيئة كبار العلماء برئاسة الإمام الأكبر، خرج المشروع في صورته النهائية مؤلفًا من مئة واثنتي وتسعين (192) مادة، موزعة هيكليًا على ثمانية أقسام رئيسة تضم عددًا من الأبواب التفصيلية. يختص القسم الأول بالزواج، ويشمل خمسة أبواب هي: الخطبة، عقد الزواج، المحرمات، الأهلية والولاية، وآثار الزواج وأحكامه [416، 417]. أما القسم الثاني فيتناول إنهاء الزواج عبر خمسة أبواب أيضًا: الطلاق، التطليق والفسخ، الخلع، المفقود، وآثار إنهاء الزواج. استكملت بقية الأقسام الجوانب الرعوية والمالية للأسرة، حيث خصص المشروع القسم الثالث للنسب، والرابع لنفقة الفروع والأصول، والخامس للحضانة، والسادس للولاية على المال. بينما تناول القسم السابع موضوع الوصاية (تعيين الأوصياء وواجباتهم وانتهائها)، واختتم المشروع بـالقسم الثامن الذي يعالج الحجر والمساعدة القضائية والغائب، متبوعًا بفصل للجزاءات وأحكام عامة.

ومن أبرز الموضوعات التي عالجها هذا المقترح بقانون:

أولًا: إنهاء العلاقة الزوجية (الخلع والفسخ): أثار تنظيم المشروع لإنهاء العلاقة الزوجية نقاشات واسعة، لاسيما في التفريق بين الخلع والفسخ:

  • الخلع: نص المشروع في المادة (69) على أن الخلع يقع فسخًا وليس طلاقًا، ويتم بتراضي الزوجين أو بحكم القاضي إذا تنازلت الزوجة عن حقوقها المالية وردت الصداق. وأكد الأزهر أن الخلع لا يجوز أن يتضمن إسقاط حضانة الصغار أو نفقتهم.
  • الفسخ: عرّفه المشروع بأنه إنهاء لعقد الزواج بغير طلاق، ولا يكون إلا بحكم قضائي. ومن الحالات التي تثير إشكالًا حق الولي في طلب الفسخ قبل الدخول إذا زوجت المرأة نفسها من غير كفء أو دون مهر المثل. كما أجاز المشروع الفسخ لوجود عيوب مستحكمة في أحد الزوجين لا يمكن الشفاء منها (المواد 64-68).

ثانيًا: منظومة الحضانة (الترتيب والمدة): تعد مواد الحضانة من أكثر المواد التي شهدت تعديلات جوهرية ومعارضة في آن واحد:

  • ترتيب الحاضنين: أحدث المشروع تغييرًا لافتًا بتصعيد ترتيب الأب إلى المرتبة السادسة بدلًا من المرتبة السادسة عشرة في القانون الحالي، مسبوقًا بالأم ثم أمهاتها ثم الخالات ثم أم الأب (المادة 99). ويهدف هذا التعديل إلى تقريب الأب من دائرة رعاية المحضون عند فقدان الحواضن اللواتي يسبقنه.
  • مدة الحضانة: حددت المادة (100) انتهاء الحضانة ببلوغ الصغير خمس عشرة سنة ميلادية، ليُخيّر بعدها بين البقاء مع الحاضن أو الانتقال للطرف الآخر، أما البنت فتنتهي حضانتها بزواجها.

ثالثًا: الرؤية والاستضافة والولاية التعليمية: واجه المشروع انتقادات بشأن إغفال "الاستضافة"، إلا أن الردود الأكاديمية أوضحت الآتي:

  • الرؤية: نصت المادة (102) على حق غير الحاضن (الأبوين والأجداد) في الرؤية. وفي حال امتناع الحاضن عن تنفيذها دون عذر، يجوز للقاضي نقل الحضانة مؤقتًا لمن يليه في الترتيب.
  • الاستضافة (الاصطحاب): لم ينص المشروع صراحة على الاستضافة بمسماها الدارج، لكنه ترك للقاضي تنظيم الرؤية بما لا يضر الصغير. وأشار الأزهر إلى أن "الاصطحاب" جائز شرعًا متى وُجدت الضوابط التي تمنع استغلاله للإضرار بالحاضن.
  • الولاية التعليمية: جعلها المشروع مشتركة بالتراضي، وعند الخلاف تكون للأب بشرط ألا يقل مستوى التعليم عن نظائر المحضون، بينما تكون الرعاية التعليمية (الإشراف اليومي) للحاضن.

رابعًا: الحقوق المادية (منقولات الزوجية ومسكن الحضانة): عالج المشروع الآثار المالية المترتبة على الطلاق بوضوح:

  • المنقولات الزوجية (الجهاز): أكدت المادة (31) أن الجهاز ملك خالص للزوجة. وللزوجين حق الانتفاع به ما دامت الزوجية قائمة، لكنه يظل ذمة مالية مستقلة للمرأة.
  • مسكن الحضانة: ألزمت المادة (101) المطلق بتهيئة مسكن مستقل ومناسب للمحضونين وحاضنتهم، وإلا أقامت الحاضنة في مسكن الزوجية (إذا كان مملوكًا للزوج) [264، 399]. كما منح المشروع الحاضنة الحق في الاختيار بين السكن الفعلي أو الحصول على أجر مسكن مناسب [264، 399].

خامسًا: مواد إشكالية أخرى:

  • زواج القاصرات: وضع المشروع سنًا أدنى للزواج وهو 18 عامًا، لكنه أجاز للقاضي في حالات الضرورة القصوى والمصلحة المحققة الإذن بالزواج لمن هم دون ذلك، وهو استثناء محكوم بتقدير قضائي لمنع أضرار أكبر مثل ضياع الفتيات اللواتي فقدن العائل.
  • زواج المجنون: أجازت المادة (16) للقاضي الإذن بزواج المجنون أو المعتوه بشرط ثبوت المصلحة الطبية ورضا الطرف الآخر، وذلك مراعاةً للبعد الإنساني وحاجاتهم البشرية.

سادسًا: الفصل في قضايا الأسرة: من أهم المواد في هذا المقترح بقانون المادة 192 (وهي المادة الأخيرة)، والتي نصت على أنه "استثناء من أحكام قانون المرافعات، تُعتبر الدعاوى المرفوعة طبقًا لأحكام هذا القانون من الدعاوى المستعجلة، ويجب الفصل فيها خلال مدة لا تتجاوز ثلاثين يوما من تاريخ رفعها. وتعتبر الأحكام الصادرة فيها واجبة التنفيذ على الفور، حتى لو طُعِنَ عليها، ما لم تأمر محكمة الطعن بإيقاف التنفيذ"؛ حيث إن من شأن إقرار هذه المادة أن تعالج مشكلة تأخير البت في قضايا الأسرة مما يتسبب في كثير من الأزمات والمشكلات الاجتماعية.

 

الاعتراضات والردود:

  بعد ذكر مواد القانون تضمن الكتاب بيانًا بالاعتراضات التي ثارت حول المقترح بمشروع القانون، والردود عليها بقلم د. عباس شومان. وتمحورت تلك الاعتراضات والردود في محورين رئيسين: الأول يتعلق بـ صلاحية الأزهر الدستورية في تقديم مشروعات قوانين، والثاني يتعلق بـ بالمعالجـات الموضـوعية لبعض مـواد المشـروع.

أولًا: الاعتراضات من حيث الشكل (الاختصاص الدستوري):

اعترض البعض على قيام الأزهر بإعداد المشروع بحجة أن المادة (١٢٢) من الدستور حصرت حق اقتراح القوانين في جهات محددة ليس من بينها الأزهر.

  • الرد: أوضح الأزهر أنه لم يمارس "التشريع"، بل قدم مقترحًا برأي شرعي صِيغ في قالب قانوني بناءً على طلب جهات الاختصاص، وهو حق مكفول دستوريًا لكل مواطن ومؤسسة بموجب المادة (٧٧). كما أن المادة السابعة من الدستور تجعل الأزهر المرجع الأساسي في الشئون الإسلامية، مما يمنحه اختصاصًا أصيلًا في إبداء الرأي في قوانين الأسرة المستمدة من الشريعة.

ثانيًا: الاعتراضات الموضوعية والردود عليها:

 ١. زواج القاصرات (المادة ١٥): قيل إنه يفتح الباب لتزويج من هم دون ١٨ عامًا.

  • الرد: المشروع جعل السن الأصلية ١٨ عامًا، والاستثناء يكون بـ إذن القاضي للضرورة القصوى (مثل حالات الهلاك أو الستر) لدرء مفسدة أكبر، وهو استثناء محكوم بتقدير قضائي دقيق.

  ٢. ترتيب الأب في الحضانة (المادة ٩٩): اعترض البعض على جعله في المرتبة السادسة بدلًا من الثانية.

  • الرد: هذا تعديل إيجابي حيث صعد بالأب من المرتبة ١٦ في القانون الحالي إلى السادسة، مع مراعاة أن النساء (جهة الأم) هن الأقدر على رعاية الصغير في سنواته الأولى وفق التوجه الفقهي الغالب.

  ٣. انفراد الرجل بالطلاق (المادة ٥١): رأى البعض فيه ظلمًا للمرأة.

  • الرد: هذا حكم الشرع وليس مقترحًا مستحدثًا؛ فالشرع جعل الطلاق بيد الزوج، وفي المقابل أعطى الزوجة حق الخلع حال كراهية البقاء في الزوجية.

  ٤. الولاية التعليمية (المادة ١٠٣): ادعي أنها تسلب الأم حقوقها.

  • الرد: الولاية مشتركة بالتراضي؛ فإذا اختلفا، كان للأب اختيار "نوع التعليم" (شرط ألا يقل عن نظراء المحضون)، بينما تكون الرعاية اليومية والإشراف للحاضن، مما يحقق توازنًا بين الطرفين.

  ٥. مدة الحضانة (المادة ١٠٠): زُعم أن المشروع خفضها لـ ٧ أو ٩ سنوات.

  • الرد: هذا ادعاء غير صحيح؛ فالمشروع رفع السن إلى ١٥ سنة ميلادية كاملة، ثم يخير الصغير بعدها.

  ٦. حبس الزوج في النفقة (المواد ٩٤-٩٧): قيل إنه يعطل قدرته على الكسب.

  • الرد: الحبس في الديون قاعدة قانونية عامة لمواجهة المماطلة، وإلغاؤه يضيع حقوق الأطفال والنساء، خاصة لمن ليس له راتب ثابت يُخصم منه.

  ٧. زواج المجنون والمعتوه (المادة ١٦): استُنكر إجازة زواج فاقد الأهلية.

  • الرد: المادة تراعي البعد الإنساني وحاجات البشر، واشترطت رضا الطرف الآخر وصدور تقرير طبي يثبت مصلحة المجنون وعدم خطورته.

  وفي الختام، أكد الأزهر أن مشروعه ليس "نصًا مقدسًا"، بل هو رؤية اجتهادية تهدف لجمع شتات القوانين في نسق واحد يحقق السلم المجتمعي، ويرحب بأي حوار يثري هذه المعالجات.

 

لتحميل ملف الكتاب (هنا)

 

* مشروع الأزهر للأسرة: اعتراضات... وردود، إعداد أ.د. عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف الأسبق، منشور رفق مجلة الأزهر، عدد ربيع الآخر ١٤٤١هـ.

 

             

 

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الأحد, 31 أيار 2026 10:15