طباعة الصفحة

من عيون القضاء الدستوري: القوانين المكملة للدستور وضوابط الاجتهاد الشرعي في أحكام الأحوال الشخصية

يقدم هذا الحكم التاريخي الصادر عن المحكمة الدستورية العليا المصرية (جلسة 15 مايو 1993) نموذجًا فريدًا للقضاء التأصيلي الذي يجمع بين صرامة التكييف الدستوري وعمق النظر الفقهي المقاصدي. فمن خلال معالجة الطعن في قانون الأحوال الشخصية (رقم 100 لسنة 1985)، أرست المحكمة معايير واضحة لضبط مفهوم «القوانين المكملة للدستور»، كما كرّست الضوابط الأصولية للتفرقة بين الأحكام الشرعية القطعية والظنية إعمالًا للمادة الثانية من الدستور، لتصل من خلالها إلى الفلسفة التشريعية الحاكمة لمصلحة المحضون، والمتعة، وشغل مسكن الزوجية.

 

باسم الشعب

المحكمة الدستورية العليا

بالجلسة العلنية المنعقدة يوم السبت 15 مايو سنة 1993م الموافق 23 ذو القعدة سنة 1413هــ.

برئاسة السيد المستشار الدكتور/ عوض محمد عوض المر              رئيس المحكمة

وعضوية السادة المستشارين: الدكتور/ محمد إبراهيم أبو العينين وفاروق عبد الرحيم غنيم وعبد الرحمن نصير والدكتور/ عبد المجيد فياض ومحمد على سيف الدين ومحمد عبد القادر عبد الله           أعضاء

وحضور السيد المستشار/ محمد خيرى طه عبد المطلب          رئيس هيئة المفوضين

وحضور السيد/ رأفت محمد عبد الواحد                              أمين السر

أصدرت الحكم الآتي

في القضية المقيدة بجدول المحكمة الدستورية العليا برقم 7 لسنة 8 قضائية "دستورية "*.

 

المقامة من

السيد/ أحمد أمين احمد العطار

ضد

1 - السيد/ رئيس الجمهورية

2 - السيد/ رئيس الوزراء

3 - السيد/ المستشار وزير العدل

4 - أميمة محمد زكريا محمد السيد

 

"الإجراءات"

بتاريخ 18 مارس سنة 1986 أودع المدعي صحيفة هذه الدعوى قلم كتاب المحكمة طالبًا الحكم بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1985 برمته شكلًا، وفى الموضوع الحكم بعدم دستورية مواد هذا القانون خاصة مادته الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية، وكذلك ما أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هى المواد (5 مكررًا) في فقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(18 مكررًا ثالثًا) و(23 مكررًا) في فقرتيها الثانية والثالثة.

قدمت هيئة قضايا الدولة مذكرة، دفعت فيها بعدم قبول الدعوى، كما طلبت رفضها وبعد تحضير الدعوى، أودعت هيئة المفوضين تقريرًا برأيها.

ونُظرت الدعوى على الوجه المبين بمحضر الجلسة، وقررت المحكمة إصدار الحكم فيها بجلسة اليوم.

 

"المحكمة"

بعد الاطلاع على الأوراق، والمداولة.

حيث إن الوقائع- على ما يبين من صحيفة الدعوى وسائر الأوراق- تتحصل في أن المدعي عليها الرابعة كانت قد أقامت الدعوى رقم 1141 لسنة 1985 شرعي كلى الجيزة ضد المدعي بطلب تمكينها من الاستقلال بمسكن الزوجية المبين بالأوراق لحضانتها ابنها منه "هيثم"، ومنع تعرضه لها في ذلك. كما كانت المدعي عليها نفسها قد أقامت الدعوى رقم 1140 لسنة 1985 شرعي كلى الجيزة بطلب الحكم لها قبل المدعي بمتعة تعادل نفقة عشر سنين. وإذ دفع المدعي - في الدعوى الماثلة - أمام محكمة الموضوع في هاتين الدعويين كلتيهما بعدم دستورية القانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية، وكانت محكمة الموضوع قد صرحت له برفع الدعوى الدستورية - بعد أن قدرت جدية دفعه- فقد أقام الدعوى الماثلة.

وحيث إنه بجلسة 4 من يوليه سنة 1992 حضر الأستاذ/ أمين صفوت المحامي وطلب قبول تدخله منضمًا إلى المدعي في طلباته في شأن المادة (18 مكررًا ثالثًا) المتعلقة باستقلال الصغار وحاضنتهم بمسكن الزوجية.

وحيث إن المدعي ينعى على القانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليه - صدوره بالمخالفة للأوضاع الشكلية التي تطلبتها المادة (194) من الدستور، على أساس أن مجلس الشورى وفقًا لحكمها يختص بدراسة واقتراح ما يراه كفيلًا بالحفاظ على المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا وتندرج تحتها الأسرة التي نص الدستور في مادته التاسعة على أنها أساس المجتمع، وأن قوامها الدين والأخلاق والوطنية بما مؤداه: أن إغفال عرض القانون رقم 100 لسنة 1985 المشار إليه على مجلس الشورى قبل تقديمه إلى السلطة التشريعية لإقراره، إنما ينحل إلى إهدار لشكليه جوهرية لا يقوم هذا القانون سويًا على قدميه بتخلفها.

وحيث إن الباب السابع من الدستور- المضاف بعد تعديله في 22 مايو سنة 1980- تضمن أحكامًا جديدة خص الدستور بها مجلسًا وليدًا أنشأه لأول مرة هو مجلس الشورى، وأفرده بها، وبوجه خاص فيما يتعلق باختصاصاته، وكيفية تشكيله، ومدة عضويته، ومدى مسئولية رئيس مجلس الوزراء ونوابه والوزراء أمامه، وشروط حله، وقد حدد الدستور اختصاص هذا المجلس في مادتين هما المادتان (194، 195) منه، وبهما أخرج الدستور من ولايته ممارسة الوظيفة التشريعية التي ينعقد الاختصاص بها لمجلس الشعب دون غيره، وقصر مهمته على مسائل بذاتها يؤخذ رأيه فيها، وأخرى يتولى دراستها مبديًا وجهة نظره في شأنها، وفى هاتين الحالتين كلتيهما، عين الدستور هذه المسائل تعيينًا دقيقًا، وحددها حصرًا مما مؤداه: امتناع الإضافة إليها أو التبديل فيها أو القياس عليها.

وحيث إن البين من هاتين المادتين أن أولاهما تتناول ولاية مجلس الشورى في شأن المسائل الكفيلة بالحفاظ على ثورتي 23 يوليو سنة 1952 و 15 مايو سنة 1971، وكذلك تلك المتعلقة بدعم الوحدة الوطنية وصون السلام الاجتماعي وحماية قوى الشعب العاملة في تحالفها ومكاسبها الاشتراكية، وإرساء المقومات الأساسية للمجتمع وقيمه العليا، وضمان حقوق المواطن وحرياته وأدائه لواجباته العامة، وتعميق النظام الاشتراكي الديموقراطي وتوسيع مجالاته. وتقتصر مهمة المجلس في شأن هذه المسائل جميعها على دراستها وقوفًا على جوانبها، واستظهارًا لوجهات النظر المتباينة في مجالها، وعرضها معززة بأدلتها مقرونة بما يراه صائبًا منها محققًا للمصالح التي قصد الدستور إلى حمايتها، ولا تعدو مهمته بالتالي - في نطاق دراسته للمسائل التي عينتها المادة (194) من الدستور- مجرد معاونة الدولة - من خلال سلطاتها المختلفة وتنظيماتها المتعددة - على أن تتخذ قراراتها في شأن هذه المسائل محيطة بشتى زواياها، واعية بآثارها الإيجابية وانعكاساتها السلبية، وذلك كله في إطار من الموضوعية المنزهة عن الميل، أو الانحياز لوجهة نظر بذاتها لا تعززها الحقائق العلمية، ومن ثم تنحل الدراسة التي يجريها مجلس الشورى للمسائل التي حددتها المادة (194) من الدستور، إلى غوص في أعماقها تجلية لجوانبها المختلفة بلوغًا لغاية الأمر فيها، وهى بعد دراسة يقوم بها المجلس غالبًا بمبادرة من جانبه. وليس ثمة التزام على أية جهة بطلبها منه، وهو يقرر كذلك أولوياته في مجالها ويستقل بتقدير ما يراه ملحًا منها. وقيمتها العملية لا خفاء فيها. لأنها تتناول مسائل لها خطرها بقصد اقتحام مشكلاتها، والتوصل إلى حلول واقعية لها توطئة للعمل بها كلما كان ذلك ممكنًا ومفيدًا. وبالتالي لا يعتبر عرض أي  موضوع مما يندرج تحتها على هذا المجلس التزاما مترتبًا بحكم الدستور، وآية ذلك أن الدستور حرص على أن يفصل بصورة قاطعة بين مهمة المجلس وفقًا لنص المادة (194) من ناحية، وبين الولاية التي يباشرها في إطار المادة (195) منه من ناحية أخرى، مما مؤداه: أن هاتين المادتين لا تختلطان ببعضهما، ولا يجوز القول بامتزاجهما، إذ لو صح ذلك لأدمجهما الدستور في مادة واحدة يكون اختصاص مجلس الشورى في شأن المسائل التي تندرج تحتها محيطًا بها جميعًا، أيًا كان نطاق هذا الاختصاص أو الأغراض التي يتوخاها، وهو ما قام الدليل على نقيضه، ذلك أن المادة (195) من الدستور قوامها أن يؤخذ رأى مجلس الشورى وجوبًا في مسائل بذواتها غير التي حددتها المادة (194) منه، ولها من الأهمية والخطر ما يقتضى أن يكون عرضها عليه كي  يقول كلمته فيها، أمرًا محتومًا. وتنحصر هذه المسائل في كل اقتراح يكون متعلقًا بتعديل مادته أو أكثر من مواد الدستور، وكذلك كل مشروع لقانون يكون مكملًا للدستور، وكل معاهدة يكون موضوعها صلحًا أو تحالفًا أو متعلقًا بحقوق السيادة أو من شأنها التعديل في النطاق الإقليمي للدولة، وكل مشروع يتناول الخطة العامة للدولة في مجال التنمية الاجتماعية والاقتصادية، وكل مشروع قانون يحيله إليه رئيس الجمهورية، بالإضافة إلى أية موضوعات يحيلها رئيس الجمهورية إليه وتتصل بالسياسة العامة للدولة أو بسياستها في الشئون العربية أو الخارجية. وهذه المسائل التي حددتها المادة (195) من الدستور، يجمعها أن الدستور قدر حيوية المصالح المرتبطة بها، وأن اتخاذ قرار فيها قبل أن يدلى مجلس الشورى برأيه في نطاقها بعد عرضها عليه تكتنفه محاذير واضحة مرجعها رجحان أن يصدر هذا القرار متسرعًا أو مبتسرًا. ومن ثم كان عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها وجوبيًا باعتبار أن ذلك شكلية جوهرية لا يجوز إهمالها أو التجاوز عنها، بالنظر إلى دقة المسائل التي عينتها المادة (195) وما يقتضيه بحثها من تعمق، وبوجه خاص في جوانبها المتعلقة بالتنمية في مجالاتها المختلفة، وبالحدود الإقليمية للدولة التي تمتد إليها سيادتها، وبالشرعية الدستورية التي ترسى الدولة عليها دعائمها.

متى كان ما تقدم، وكانت مشروعات القوانين المكملة للدستور من بين المسائل التي يتعين عرضها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية الأصلية ممثلة في مجلس الشعب، فإن إقرار السلطة التشريعية لقانون مكمل للدستور دون اتباع هذا الإجراء لن يقيله من عثرة مخالفته للأوضاع الشكلية التي تطلبتها المادة (195) من الدستور، ولن يرده بالتالي إلى دائرة المشروعية الدستورية في جوانبها الإجرائية، إذ يعتبر القانون الصادر على خلافها مفتقرًا إلى مقوماتها كإطار لقواعد قانونية اكتمل تكوينها، ويقع من ثم مشوبًا بالبطلان.

وحيث إن "القوانين المكملة للدستور" وأن نص الدستور على حتمية عرض مشروعاتها على مجلس الشورى لأخذ رأيه فيها، إلا أن إيراد الدستور لهذه العبارة لم يقترن بما يعين على إيضاح معناها بما لا خفاء فيه، فحق على هذه المحكمة أن تبين المقصود بها قطعًا لكل جدل حولها، ولضمان إرساء العلاقة بين مجلس الشعب- ومجلس الشورى على أسس ثابتة تكفل مباشرة كل منهما لولايته في الحدود التي رسمها الدستور لهما- فلا يجور أحدهما على الآخر مفتئتا على اختصاصاته الدستورية، مقتحمًا تخومها، وكان لا مقابل لعبارة "القوانين المكملة للدستور" في الدساتير المصرية السابقة على الدستور القائم، وليس ثمة أعمال تحضيرية يمكن الارتكان إليها في تجلية معناها، ولا شبهة كذلك في أن انبهامها آل إلى غموض المعايير التي قيل بها ضبطًا لفحواها وتحريًا لدلالتها، وكان المشرع لا زال عازفًا عن التدخل في هذا المجال سواء باعتناق معيار منها أو بإبدالها بمعيار من عنده يمزج بينهما أو يقوم على أنقاضها، إلا أن ذلك كله لا يجوز أن يحول بين هذه المحكمة وبين مباشرة ولايتها في مجال إعمال النصوص الدستورية، إذ هى التي يقوم من خلال تفسيرها على ربطها ببعض على ضوء المقاصد الحقيقية التي ابتغاها الدستور منها، وبما يرد عنها الغموض، بما مؤداه: أن النصوص الدستورية جميعها غير مستعصية على التحديد من ناحية، وأنه يتعين من ناحية أخرى أن يكون لكل منها مجال يعمل فيه، متكاملًا في ذلك مع غيره من النصوص. ومن المحقق، فإن عبارة "القوانين المكملة للدستور" وإن كانت جديدة كل الجدة، فريدة في بابها، ولا تعرفها الدساتير المقارنة، إلا أنها تحمل في أعطافها ضوابط تحديد معناها، ذلك أن الدستور من ناحية قد ينص في مادة أو أكثر من مواده على أن موضوعًا معينًا، يتعين تنظيمه بقانون، أو وفقًا للقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون. بيد أن صدور قانون في هذا النطاق لا يدل بالضرورة - ومن ناحية أخرى - على أن أحكامه مكملة للدستور، ذلك أن الموضوع الذى أحال الدستور في تنظيمه إلى القانون، قد لا تكون له طبيعة القواعد الدستورية، وليس له من صلة بها، بل يعتبر غريبًا عنها وخارجًا بطبيعته عن إطارها. ومن ثم لا يكفى لاعتبار تنظيم قانوني معين مكملًا للدستور أن يصدر إعمالًا لنص في الدستور، بل يتعين -فوق هذا- أن تكون أحكامه مرتبطة بقاعدة كلية مما تتضمنها الوثائق الدستورية عادة كتلك المتعلقة بصون استقلال السلطة القضائية بما يكفل مباشرتها لشئون العدالة دون تدخل من أية جهة. فالقاعدة المتقدمة - وما يجرى على منوالها- مما تحرص الدساتير المختلفة على إدراجها في صلبها، باعتبار أن خلوها منها يجردها من كل قيمة، فإذا اتصل بها تنظيم تشريعي قرر الدستور صدوره بقانون، أو وفقًا للقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون، دل ذلك على أن هذا التنظيم مكمل للدستور. ولا كذلك النصوص التشريعية التي لا تربطها صلة عضوية بتلك القواعد الكلية، كالقانون الذى يصدر إعمالًا لنص المادة (14) من الدستور محددًا أحوال فصل العاملين بغير الطريق التأديبي، والقانون الصادر في شأن العفو الشامل على ما تقضى به المادة (149) من الدستور أو في شأن تنظيم التعبئة العامة وفقًا لنص المادة (181) منه، فالتنظيم التشريعي الصادر في الحدود المتقدمة، ليس مرتبطًا بأية قاعدة من القواعد الدستورية بمعنى الكلمة، بل يفتقر هذا التنظيم إلى العنصر الموضوعي الذى يدخل القانون الصادر به في عداد القوانين المكملة للدستور، ولازم ذلك أن شرطين يتعين اجتماعهما معًا لاعتبار مشروع قانون معين مكملًا للدستور، أولهما: أن يكون الدستور ابتداء قد نص صراحة في مسألة عينها على أن يكون تنظيمها بقانون، أو وفقًا لقانون، أو في الحدود التي يبينها القانون، أو طبقًا للأوضاع التي يقررها، فإن هو فعل، دل ذلك على أن هذا التنظيم بلغ في تقديره درجة من الأهمية والثقل لا يجوز معها أن يعهد به إلى أداة أدنى. ثانيهما: أن يكون هذا التنظيم متصلًا بقاعدة كلية مما جرت الوثائق الدستورية على احتوائها وإدراجها تحت نصوصها وتلك هى القواعد الدستورية بطبيعتها التي لا تخلو منها في الأعم أية وثيقة دستورية، والتي يتعين كي  يكون التنظيم التشريعي  مكملًا لها أن يكون محددًا لمضمونها مفصلًا لحكمها مبينًا لحدودها، بما مؤداه: أن الشرط الأول وإن كان لازمًا كأمر مبدئي يتعين التحقق من توافره قبل الفصل في أي  نزاع حول ما إذا كان مشروع القانون المعروض يعد أو لا يعد مكملًا للدستور، إلا أنه ليس شرطًا كافيًا، بل يتعين لاعتبار المشروع كذلك، أن يقوم الشرطان معًا متضافرين، استبعادًا لكل مشروع قانون لا تربطه أية صلة بالقواعد الدستورية الأصلية، بل يكون غريبًا عنها مقحمًا عليها. ودلالة اجتماع هذين الشرطين أن معيار تحديد القوانين المكملة للدستور، والتي يتعين أن يؤخذ فيها رأى مجلس الشورى قبل تقديمها إلى السلطة التشريعية، لا يجوز أن يكون شكليًا صرفًا، ولا موضوعيًا بحتًا، بل قوامه مزاوجة بين ملامح شكلية، وما ينبغي أن يتصل بها من العناصر الموضوعية، على النحو المتقدم بيانه.

وحيث إنه متى كان ذلك، وكان قانون الأحوال الشخصية المطعون عليه، لا يتناول موضوعًا نص الدستور على أن يكون تنظيمه بقانون، فإنه أيًا كان وجه الرأي في شأن اتصال النصوص التشريعية التي تضمنها قانون الأحوال الشخصية بقاعدة دستورية بطبيعتها أو انفكاكها عنها، فإن مراعاة الشكلية المنصوص عليها في المادة (195) من الدستور لا يكون واجبًا من زاوية دستورية، إذ يتعين دومًا لاعتبار نص تشريعي  مكملًا للدستور- وعلى ما سلف بيانه - أن يكون قد تناول مسألة يعتبر موضوعها متعلقًا بقاعدة دستورية بطبيعتها متى نص الدستور على أن يكون تنظيمها بقانون، وهو ما تخلف في واقعة النزاع الماثل، الأمر الذى يكون معه النعي على القانون محل الطعن - من هذا الوجه - مفتقرًا إلى الدعامة التي يستند عليها حريا بالرفض.

وحيث إن المدعي يقرر كذلك أن الأحكام التي انتظمها القانون رقم 100 لسنة 1985 في مادته الثالثة المعدلة للفقرة الأولى من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929- المشار إليه- وكذلك ما أضافته مادته الأولى إلى ذلك المرسوم بقانون من نصوص هى المواد (5 مكررًا) في فقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(18 مكررًا) و(18 مكررًا ثالثًا) و(23 مكررًا) في فقرتيها الثانية والثالثة - جميعها معيبة بما يبطلها لمخالفتها المادتين الثانية والتاسعة من الدستور، بالإضافة إلى خروجها على قاعدة عرفية استقر عليها العمل حاصلها أن المسلمين لا يخضعون في أحوالهم الشخصية لغير شريعتهم.

وحيث إن قضاء المحكمة قد جرى على أن المصلحة الشخصية المباشرة تعد شرطًا لقبول الدعوى الدستورية، وأن مناطها أن يكون ثمة ارتباط بينها وبين المصلحة القائمة في الدعوى الموضوعية، وذلك بأن يكون الحكم الصادر في الدعوى الدستورية لازمًا للفصل في مسألة كلية أو فرعية تدور حولها الخصومة - بأكملها أو في شق منها- في الدعوى الموضوعية، فإذا لم يكن له بها من صلة، كانت الدعوى الدستورية غير مقبولة. ومن ثم لا يكون لقيام المصلحة الشخصية المباشرة التي تعتبر شرطًا لقبول الدعوى الدستورية، أن يكون النص التشريعي المطعون عليه مخالفًا في ذاته للدستور، بل يتعين أن يكون هذا النص- بتطبيقه على المدعي - قد أخل بأحد الحقوق التي كفلها على نحو ألحق به ضررًا مباشرًا. إذ كان ذلك، فإن شرط المصلحة الشخصية المباشرة يغدو متصلًا بالحق في الدعوى، ومرتبطًا بالخصم الذى أثار المسألة الدستورية، وليس بهذه المسألة في ذاتها منظورًا إليها بصفة مجردة، وهو بذلك يعتبر محددًا لفكرة الخصومة في الدعوى الدستورية مبلورًا نطاق المسألة الدستورية التي تدعى هذه المحكمة للفصل فيها، ومؤكدًا ضرورة أن تكون المنفعة التي يقرها القانون هى محصلتها النهائية، ومن فصلًا دومًا عن مطابقة النص التشريعي  المطعون عليه للدستور أو مخالفته لقيوده ونواهيه، ومستلزمًا أبدًا أن يكون الفصل في المسألة الدستورية موطئًا للفصل في الطلبات الموضوعية المرتبطة بها والمطروحة أمام محكمة الموضوع.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان المدعي ينعى على المواد (5 مكررًا) بفقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(23 مكررًا) بفقرتيها الثانية والثالثة التي أضافتها المادة الأولى من القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 مخالفتها للدستور، وكانت دعويا الموضوع المقامتان من المدعي عليها الرابعة ضد المدعي - واللتانَ أثير فيهما الدفع بعدم الدستورية - قد توخيتا الحكم باستقلالها وصغيرها منه بمسكن الزوجية حتى تنقضي حضانتها له بالإضافة إلى القضاء لها قبله بمتعة تماثل نفقة مدة حددتها- فإن الفصل في دستورية المواد (5 مكررًا) بفقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(23 مكررًا) بفقرتيها الثانية والثالثة لن يكون لازمًا للفصل في الطلبات الموضوعية المطروحة أمام محكمة الموضوع، إذ ليس لهذه المواد من صلة بتلك الطلبات، بما مؤداه : انتفاء ارتباطها بالمصلحة الشخصية المباشرة - وهى شرط قبول الدعوى الدستورية ومناطها- وآية ذلك أن أولى هذه المواد تقرر التزام المطلق بأن يوثق إشهار طلاقه، وتحدد الآثار المترتبة على الطلاق وتاريخ سريانها، أما ثانيتها فغايتها ضمان إعلام كل زوجه على العصمة بالزواج الجديد وتقرير حقها في طلب التطليق من زوجها، وكذلك ضوابط حق الزوجة الجديدة في طلبه، وتبين ثالثتها العقوبة الجنائية التي يتعين توقيعها على المطلق عند مخالفته الأحكام المنصوص عليها في المادة (5 مكررًا) المشار إليها، متى كان ذلك، فإن المصلحة في الطعن على المواد السالف بيانها، تكون متخلفة.

وحيث إن المدعي ينعى على الفقرة الأولى من المادة (20) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 بعد تعديلها بالقانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليهما- مخالفتها للدستور، وذلك فيما تنص عليه من أن "ينتهى حق حضانة النساء ببلوغ الصغير سن العاشرة وبلوغ الصغيرة سن اثنتي عشرة سنة، ويجوز للقاضي بعد هذه السن إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة حتى تتزوج في يد الحاضنة دون أجر حضانة إذا تبين أن مصلحتهما تقتضى ذلك".

وحيث إن البين من المذكرة الإيضاحية لهذا النص أن تتبع المنازعات الدائرة في شأن الصغار يدل على أن المصلحة هى في استقرارهم حتى يتوافر لهم الأمان والاطمئنان وتهدأ نفوسهم فلا ينزعوا من يد حاضنتهم، وأنه لا يجوز للقاضي مد فترة الحضانة إلا أن تكون مصلحة الصغير أو الصغيرة في بقاء الحضانة بيد النساء وذلك مع التزام الأب بنفقة المحضون الذاتية من طعام وكساء ومسَكن وغير ذلك إلى جانب ما يقضى به العرف أو ما يقوم مقامه، مع حرمان الحاضنة من أجر الحضانة في المدة التي تمتد إليها بإذن القاضي، وبمراعاة أن الغاية التي توخاها المشرع بالفقرة الأولى من المادة (20)- المشار إليها- هى منع الخلاف بين الأب والحاضنة على نزع الحضانة في سن غير مناسبة بقصد النكاية دون رعاية لصالح الصغار، وما يقتضيه الاستقرار النفسي اللازم لسلامة نموهم وحسن تربيتهم، وأن السند الشرعي لهذه الأحكام هو مذهب الإمام مالك.

وحيث إن النعي بمخالفة الفقرة الأولى من المادة (20) -المشار إليها- للدستور غير سديد، ذلك أن ما نص عليه الدستور في مادته الثانية بعد تعديلها- وعلى ما جرى به قضاء هذه المحكمة - من سريان حكمها على التشريعات الصادرة بعد العمل به- ومن بينها أحكام القانون رقم 100 لسنة 1985- مؤداه: أنه لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوتها ودلالتها، فهذه الأحكام وحدها هى التي لا يجوز الاجتهاد فيها، وهى تمثل من الشريعة الإسلامية مبادئها الكلية، وأصولها الثابتة التي لا تحتمل تأويلًا أو تبديلًا. ومن غير المتصور بالتالي أن يتغير مفهومها تبعًا لتغير الزمان والمكان، إذ هى عصية على التعديل ولا يجوز الخروج عليها. وتقتصر ولاية المحكمة الدستورية العليا في شأنها على مراقبة التقيد بها، وتغليبها على كل قاعدة قانونية تعارضها، ذلك أن المادة الثانية من الدستور تقدم على هذه القواعد، أحكام الشريعة الإسلامية في أصولها ومبادئها الكلية، إذ هى إطارها العام وركائزها الثابتة التي تفرض متطلباتها دومًا بما يحول دون إقرار أية قاعدة قانونية على خلافها، وإلا اعتبر ذلك تشهيًا وإهدارًا لما علم من الدين بالضرورة. وعلى خلاف هذا، الأحكام الظنية سواء في ثبوتها أو دلالتها أو فيهما معًا، ذلك أن دائرة الاجتهاد تنحصر فيها ولا تمتد إلى سواها، وهى تتغير بتغير الزمان والم كان لضمان مرونتها وحيويتها ولمواجهة النوازل على اختلافها تنظيمًا لشئون العباد بما يكفل مصالحهم المعتبرة شرعًا. ولا بد أن يكون هذا الاجتهاد واقعًا في إطار الأصول الكلية للشريعة الإسلامية بما لا يجاوزها، مقيمًا الأحكام العملية بالاعتماد في استنباطها على الأدلة الشرعية، متوخيًا من خلالها تحقيق المقاصد العامة للشريعة بما تقوم عليه من صون الدين والنفس والعقل والعرض والمال.

وحيث إن الحضانة - في أصل شرعتها- هى ولاية للتربية، غايتها الاهتمام بالصغير وضمان رعايته والقيام على شئونه في الفترة الأولى من حياته. والأصل فيها هو مصلحة الصغير، وهى تتحقق بأن تضمه الحاضنة - التي لها الحق في تربيته شرعًا- إلى جناحها باعتبارها أحفظ عليه وأحرص على توجيهه وصيانته، ولأن انتزاعه منها - وهى أشفق عليه وأوثق اتصالًا به وأكثر معرفة بما يلزمه وأوفر صبرًا - مضرة به إبان الفترة الدقيقة التي لا يستقل فيها بأموره والتي لا يجوز خلالها أن يعهد به إلى غير مؤتمن يأكل من نفقته، ويطعمه نزرًا، أو ينظر إليه شزرًا. وحين يقرر ولى الأمر حدود هذه المصلحة معرفًا بأبعادها، فذلك لأن الشريعة الإسلامية في مبادئها الكلية - القطعية في ثبوتها ودلالتها - لا تقيم لسن الحضانة تخومًا لا يجوز تجاوزها، انطلاقًا من أن تربية الصغير مسألة لها خطرها، وأن تطرق الخلل إليها- ولو في جوانبها - مدعاة لضياع الولد. ومن ثم تعين أن يتحدد مداها بما يكون لازمًا للقيام على مصلحته، ودفع المضرة عنه، باعتبار أن مدار الحضانة على نفع المحضون، وأن رعايته مقدمة على أية مصلحة لغيره، حتى عند من يقولون بأن الحضانة لا تتمحض عن حق للصغير، وإنما يتداخل فيها حق من ترعاه، ويعهد إليها بأمره. ولولي الأمر بالتالي أن يقدر ما يراه خيرًا للصغير وأصلح له، بمراعاة أن حقه في الحضانة لا يعتبر متوقفًا على طلبها ممن له الحق فيها، وأن ما يصون استقراره النفسي ويحول دون إيذائه، ويكفل تقويمه، من المقاصد الشرعية التي لا يجوز المجادلة فيها، وأن النزول عن الحضانة بعد ثبوتها لا يحول دون العودة إليها. بل إن من المجتهدين من يقول بجواز حمل الحاضنة عليها- بافتراض اجتماع شروطها فيها - كلما كان ذلك ضروريًا لصيانة الصغير وحفظه. وقد دل الفقهاء - باختلافهم في زمن الحضانة - وهى الفترة الواقعة بين بدئها وانتهاء الحق فيها- على أن مصلحة الصغير هى مدار أحكامها، وأنها من المسائل الاجتهادية التي تتباين الآراء حولها، كل من وجهة يعتد فيها بما يراه أكفل لتحصيل الخير للصغير في إطار من الحق والعدل. ولئن كان المتقدمون لا يقدرون للحضانة مدة معينة تنتهى بانتهائها، وإنما يركنون إلى معايير مرنة بطبيعتها ضابطها هو انتهاؤها عند السن التي يبلغها الصغير أو الصغيرة مميزين قادرين على الوفاء بحاجاتهما الأولية مستغنيين تبعًا عن خدمة النساء، وكان آخرون من بعدهم قد حددوا للحضانة سنًا معينة تنتهى ببلوغها قطعًا لكل جدل حولها، إلا أن استقراء أقوال هؤلاء وهؤلاء يدل على أن اجتهاداتهم في شأن واقعة انتهاء الحضانة، مدارها نفع المحضون- صغيرًا كان أم صغيرة - ويتعين بالتالي أن يصار إلى كل ما يصلحه ويكفل وقايته مما يؤذيه، وتربيته إنماء لمداركه ولإعداده للحياة، وبوجه خاص من النواحي النفسية والعقلية، وكان الأصل في حضانة الصغير والصغيرة - على ما تقدم- هو تعهدهما بالرعاية بما يحول دون الإضرار بهما، تعين ألا تكون سن الحضانة محددة بقاعدة جامدة صارمة لا تأخذ في اعتبارها تغير الزمان والمكان، أو تغفل في مجال تطبيقها ما يقتضيه التمييز في نطاق الحضانة بين الصغير والصغيرة بالنظر إلى طبيعة كل منهما، وخصائص تكوينه، ودرجة احتياجه إلى من يقوم على تربيته وتقويمه، وما تتطلبه الذكورة والأنوثة من تنمية ملكاتهما. وفى ذلك قدر من المرونة التي تسعها الشريعة الإسلامية في أحكامها الفرعية المستجيبة دومًا للتطور، توخيًا لربطها بمصالح الناس واحتياجاتهم المتجددة، وأعرافهم المتغيرة، التي لا تصادم حكمًا قطعيًا، وهى مرونة ينافيها أن يتقيد المشرع بآراء بذاتها لا يريم عنها، أو أن يقعد باجتهاده عند لحظة زمنية معينة تكون المصالح المعتبرة شرعًا قد جاوزتها، وتلك هى الشريعة في أصولها ومنابتها، شريعة مرنة غير جامدة يتقيد الاجتهاد فيها- بما يقوم عليه من استفراغ الجهد للوصول إلى حكم فيها لا نص عليه - بضوابطها الكلية وبما لا يعطل مقاصدها. ولئن صح القول بأن أهمية الاجتهاد ولزومه لا يوازيها إلا خطره ودقته، فإن من الصحيح كذلك أن لولى الأمر الاجتهاد في الأحكام الظنية بمراعاة المصلحة الحقيقية التي يقوم برهانها من الأدلة الشرعية، وهو ما نحاه النص التشريعي  المطعون فيه، ذلك أن السن الإلزامية للحضانة التي حددها- وهى عشر سنين للصغير واثنتا عشرة سنة للصغيرة - لا تعدو أن تكون تقريرًا لأحكام عملية في دائرة الاجتهاد بما لا يصادم الشريعة الإسلامية في أصولها الثابتة ومبادئها الكلية، إذ ليس ثمة نص قطعي فيها- في ثبوته ودلالته- يقرر للحضانة سنًا لا يجوز لولى الأمر أن يتخطاها، وإنما مرد الأمر في تعيينها إلى ما يترخص ولى الأمر في تقديره مقيدًا في ذلك بمصلحة المحضون بما يراه أكفل لها وادعى لتحقيقها، وبما يحول دون إعناته. وهو في ذلك لا يصدر عن نظرة تحكمية، بل غايته رفع الحرج وفق أسس موضوعية قدر معها أن مصلحة المحضون لازمها عدم ترويعه بانتزاعه من حاضنته، بما يخل بأمنه واطمئنانه ويهدد استقراره، وأن وجود الولد- ذكرًا كان أو أنثى - في يدها سواء قبل بلوغ السن الإلزامية للحضانة، أو بعد بلوغها- حين يقرر القاضي أن المصلحة تقتضى إبقاء الصغير حتى سن الخامسة عشرة والصغيرة حتى تتزوج- لا يغل يد والدهما عنه ما ولا يحد من ولايته الشرعية عليهما، وكان النص المطعون عليه قد تناول أمورًا تنظيمية، وتقرر لمصلحة مشروعة يستجلبها، وقد قال المالكية بما لا يناقض مضمونه بذهابهم إلى أن حضانة الصغير تنتهى إذا بلغ عاقلًا غير زمن، وأن أمد الحضانة للصغيرة حتى يدخل بها زوجها، وكان النص التشريعي  المطعون عليه قد صدر مستلهمًا مقاصد الشريعة الكلية، غير مناقض لمقوماتها الأساسية، واقعًا في نطاق توجيهاتها العامة التي تحض على الاجتهاد في غير أحكامها القطعية في ثبوتها ودلالتها. إذ كان ذلك، فإن قالة مخالفة هذا النص للمادة الثانية من الدستور لا يكون لها محل.

وحيث إنه متى كان ما تقدم، وكان ما قررته المادة (18 مكررًا) ثالثا- التي أضافها القانون رقم 100 لسنة 1985 إلى المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 ببعض أحكام الأحوال الشخصية - من إلزامها الزوج المطلق بأن يهيئ لصغاره من مطلقته ولحاضنتهم مسكنًا مستقلًا مناسبًا، إنما يدور وجودًا وعدمًا مع المدة الإلزامية للحضانة التي قررتها الفقرة الأولى من المادة (20) المطعون عليها، فإن حق الحاضنة في شغل مسكن الزوجية إعمالًا للمادة (18 مكررًا) ثالثًا المشار إليها، يعتبر منقضيًا ببلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتي عشرة سنة. متى كان ذلك، وكان البين من الصورة الرسمية لشهادة ميلاد "هيثم"- ابن المدعي من مطلقته - وهى الشهادة المرفقة بملف الدعوى الموضوعية - أنه ولد في 9 من ديسمبر سنة 1979، فإنه يكون قد جاوز أمد الحضانة الإلزامية، ولم يعد لحاضنته بالتالي أن تستقل مع صغيرها هذا بمسكن الزوجية بعد طلاقها، بما مؤداه: انتفاء مصلحة المدعي في الطعن على الأحكام التي تضمنتها المادة (18 مكررًا) ثالثًا آنفة البيان. ولا ينال مما تقدم قالة أن للقاضي أن يأذن للحاضنة بعد انتهاء المدة الإلزامية للحضانة بإبقاء الصغير في رعايتها حتى الخامسة عشرة، والصغيرة حتى تتزوج إذا تبين أن مصلحتهما تقتضى ذلك، ذلك أن ما يأذن به القاضي على هذا النحو، لا يعتبر امتدادًا لمدة الحضانة الإلزامية، بل منصرفًا إلى مدة استبقاء تقدم الحاضنة خلالها خدماتها متبرعة بها. وليس للحاضنة بالتالي أن تستقل بمسكن الزوجية خلال المدة التي شملها هذا الإذن، ذلك أن مدة الحضانة التي عناها المشرع بنص الفقرتين الأولى والرابعة من المادة (18 مكررًا) ثالثًا- والتي جعل من نهايتها نهاية لحق الحاضنة وصغيرها من مطلقها في شغل مسكن الزوجية - هى المدة الإلزامية للحضانة على ما تقدم، وغايتها بلوغ الصغير سن العاشرة والصغيرة اثنتي عشرة سنة. وببلوغها يسقط حقها في الاستقلال بمسكن الزوجية ليعود إليه الزوج المطلق منفردًا في الانتفاع به إذا كان له ابتداء أن يحتفظ به قانونًا. ولا محاجة في القول بأن مجرد توافر المصلحة عند رفع الدعوى الدستورية يعتبر كافيًا لقبولها ولو قام الدليل على تخلفها قبل الفصل فيها، ذلك أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أن توافر شرط المصلحة في الدعوى عند رفعها، ثم تخلفه قبل أن يصدر حكمها فيها، مؤداه: زوال هذه المصلحة، ذلك أيًا كانت طبيعة المسألة الدستورية التي تدعى المحكمة الدستورية العليا لتقول كلمتها في شأنها.

وحيث إنه عن طلب التدخل الانضمامي، فإنه لما كانت الخصومة في هذا الطلب تعتبر تابعة للخصومة الأصلية، وكان قضاء هذه المحكمة في الدعوى الماثلة قد خلص إلى انتفاء مصلحة المدعي فيها في الطعن بعدم دستورية حكم المادة (18 مكررًا) ثالثًا سالفة البيان- فإن عدم قبول الدعوى الدستورية في هذا الشق منها يستتبع بطريق اللزوم انقضاء طلب التدخل الانضمامي، وهو ما تقضى به المحكمة.

وحيث إن المادة (18 مكررًا) من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المضافة إليه بالقانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليهما- تنص على أن "الزوجة المدخول بها في زواج صحيح إذا طلقها زوجها بدون رضاها ولا بسبب من قبلها، تستحق فوق نفقة عدتها متعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل، وبمراعاة حال المطلق يسرًا وعسرًا وظروف الطلاق ومدة الزوجية، ويجوز أن يرخص للمطلق في سداد هذه المتعة على أقساط".

وحيث إن المدعي ينعى على هذا النص مخالفته أحكام الشريعة الإسلامية على سند من أن المتعة لا تستحق للمطلقة إلا بشروط ثلاثة هى ألا يسبق الاتفاق على مهرها وألا يدخل زوجها بها وألا يختلى بها خلوة صحيحة قبل طلاقها - هذا إلى أن نفقة العدة هى المقصودة بالمتعة. وهى كذلك أجر لزواج محرم هو الزواج الموقوت. فضلًا عن أنها تقيد الحق في الطلاق المعتبر خالصًا للزوج. ولا يعدو تقريرها أن يكون شرطًا جزائيًا مترتبًا على إيقاع الطلاق في ذاته. ولا تعرف الشريعة الإسلامية حدًا أدنى لها.

وحيث إن هذا النعي مردود، ذلك أن أصل تشريع المتعة هو النصوص القرآنية التي تعددت مواضعها، منها قوله تعالى "وللمطلقات متاع بالمعروف حقًا على المتقين" التي نحا الشافعي في أحد قوليه وكذلك الظاهرية إلى وجوبها، وأيدهم في ذلك آخرون باعتبار أن "حقًا" صفة لقوله تعالى "متاعًا" وذلك أدخل لتوكيد الأمر بها. هذا بالإضافة إلى أن عموم خطابها مؤداه: عدم جواز تخصيص حكمها بغير دليل، وسريانه على كل مطلقة سواء كان طلاقها قبل الدخول بها أم بعده، فرض لها مطلقها مهرًا أم كان غير مفروض لها. وجماهير الفقهاء على استحبابها بمقولة افتقارها إلى أمر صريح بها. كذلك فإن تقرير المتعة وجوبًا أظهر في آية أخرى إذ يقول تعالى في المطلقة غير المفروض لها ولا مدخول بها "ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتدر قدره متاعًا بالمعروف حقًا على المحسنين" بمعنى أعطوهن شيئًا يكون متاعًا لهن. والأمر بالإمتاع فيها ظاهر، وإضافة الإمتاع إليهن تمليكًا- عند من يقولون بوجوبها- لا شبهة فيه. وانصرافها إلى المتقين والمحسنين لا يدل على تعلقها بهم دون سواهم، بل هو توكيد لإيجابها باعتبار أن الناس جميعًا ملزمون بالامتثال إلى أمر الله تعالى وعدم الانزلاق في معاصيه.

 وحيث إن البين من استقراء أقوال الفقهاء في شأن دلالة النصوص القرآنية الوارد في شأن "المتعة" أنهم مختلفون في نطاق تطبيقها من ناحية، وفى وجوبها أو استحبابها من ناحية أخرى، وما ذلك إلا لأن هذه النصوص ظنية في دلالتها، غير مقطوع بمراد الله تعالى منها، وجاز لولى الأمر بالتالي الاجتهاد فيها تنظيمًا لأحكامها بنص تشريعي يقرر أصل الحق فيها، ويفصل شروط استحقاقها بما يوحد تطبيقها، ويقيم بنيانها على كلمة سواء ترفع نواحي الخلاف فيها ولا تعارض الشريعة في أصولها الثابتة أو مبادئها الكلية.

وحيث إن النص التشريعي المطعون فيه شرط لاستحقاق المتعة شرطين، أولهما: أن تكون المرأة التي طلقها زوجها مدخولًا بها في زواج صحيح. وثانيهما: ألا يكون الطلاق برضاها أو من جهتها، وهما شرطان لا ينافيان الشريعة الإسلامية سواء في ركائزها أو مقاصدها، ذلك أن تشريع المتعة يتوخى جبر خاطر المطلقة تطبيبًا لنفسها ولمواجهة إيحاشها بالطلاق، ولأن مواساتها من المروءة التي تتطلبها الشريعة الإسلامية، والتي دل العمل على تراخيها لاسيما بين زوجين انقطع حبل المودة بينهما. ولا كذلك المرأة التي تختار الطلاق أو تسعى إليه، كالمختلعة والمبارئة، أو التي يكون الطلاق من قبلها بما يدل على أنه ناجم عن إساءتها أو عائد إلى ظلمها وسوء تصرفها، إذ لا يتصور- وقد تقررت المتعة إزاء غم الطلاق- أن يكون إمتاعها- في طلاق تم برضاها أو وقع بسبب من قبلها- تطبيبًا لخاطرها، ولا أن يصلها زوجها بمعونة مالية تزيد على نفقة العدة تخفيفًا لآلامها الناجمة عن الفراق. وما قرره المدعي من أن المتعة لا تستحق إلا للمرأة غير المدخول بها قبل طلاقها، مردود بأن الله تعالى ناط بعباده المتقين الذين يلتزمون بالتعاليم التي فرضها صونًا لأنفسهم عن مخالفته، بأن يقدموا لكل مطلقة متاعًا يتمحض معروفًا بما مؤداه: استحقاقها الإمتاع، ولو كان ذلك بعد الدخول بها، كذلك فإن أمهات المؤمنين المدخول بهن، هن اللاتي عنتهن الآية الكريمة التي يقول فيها سبحانه (يا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن الحياة الدنيا وزينتها فتعالين أمتعكن وأسرحكن سراحًا جميلًا). وما قرره النص التشريعي  المطعون عليه من أن المتعة تقدر بنفقة سنتين على الأقل وبمراعاة حال المطلق يسرًا وعسرًا وعلى ضوء ظروف الطلاق ومدة الزوجية مستلهمًا بذلك في أسس تقديرها قوله تعالى "ومتعوهن على الموسع قدره وعلى المقتر قدره"، ومستبعدًا الآراء التي تقيسها على المهر وتراعى فيها حال الزوجة بالتالي، ومقررًا حدًا أدنى لها في إطار التكافل الاجتماعي لضمان ألا يقل ما يعود على المرأة منها عما قدره ولى الأمر لازمًا لتمتيعها بعد طلاقها دون رضاها، ومن غير جهتها، ذلك أن غربتها بالطلاق تؤلمها وتمزق سكينتها، وقد تعرضها لمخاطر تفوق طاقة احتما لها، وغالبًا ما يقترن طلاقها بالتناحر والتباغض وانقطاع المودة، فحق ألا يكون أدناها متناهيًا في ضآلته صونًا للحكمة من تشريعها لاسيما أن من الفقهاء من حدد أدنى ما يجزئ فيها، ومنهم من حدد أرفعها وأوسطها. وليس في النصوص القرآنية ما يفيد أن الله تعالى قد قدرها أو حددها، بما مؤداه: جواز تنظيمها بما يحقق للناس مصالحهم المعتبرة شرعًا. ولئن كان النص التشريعي المطعون عليه لا يورد حدًا أقصى لتلك المعونة المالية التي يقدمها الرجل لمن طلقها، إلا أن ذلك أدخل إلى الملاءمة التي لا تمتد إليها الرقابة الدستورية، ولا يجوز أن تخوض فيها، لاسيما أن من الفقهاء من يقول بأنه ليس للمتعة عندهم حد معروف لا في قليلها أو كثيرها. كذلك فإن أمر تقديرها فيما يجاوز حدها الأدنى موكول إلى المحكمة المختصة تجيل فيه بصرها معتمدة في تحديد مبلغها على أسس موضوعية لا تفرضها تحكمًا أو إعناتًا، من بينها أن يكون هذا التحديد دائرًا مع حال مطلقها يسرًا وعسرًا، إذ هي متاع تقرر معروفًا ولمصلحة لها اعتبارها. والمتقون الممتثلون إلى الله تعالى الطامعون في مرضاته مدعوون إليها، بل ومطالبون بها، باعتبارها أكفل للمودة، وأدعى لنبذ الشقاق وإقامة العلائق البشرية على أساس من الحق والعدل. كذلك فإن اعتداد النص التشريعي بمدة الزوجية وظروف الطلاق في مجال تقدير المتعة الواجبة، لا يتوخى فرض قيود غير مبررة على الحق في الطلاق، وإنما قصد المشرع- بإضافة هذين العنصرين إلى حال المطلق يسرًا وعسرًا - أن تكون المعونة المالية التي تتبلور المتعة في مبلغها، واقعية قدر الإمكان بما لا إفراط فيه أو تفريط، وهو ما يدخل في نطاق السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق بما لا يناقض أحكام الدستور أو يخل بضوابطه.

 

فلهذه الأسباب

حكمت المحكمة:

أولًا: بعدم قبول الدعوى بالنسبة إلى الطعن بعدم دستورية نصوص المواد (5 مكررًا) بفقرتيها الأولى والثالثة و(11 مكررًا) و(18 مكررًا) ثالثًا و(23 مكررًا) بفقرتيها الثانية والثالثة من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 الخاص ببعض أحكام الأحوال الشخصية المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985 بتعديل بعض أحكام قوانين الأحوال الشخصية.

ثانيًا: برفض الدعوى بالنسبة إلى الطعن على المادتين (18 مكررًا) و(20) فقرة أولى من المرسوم بقانون رقم 25 لسنة 1929 المعدل بالقانون رقم 100 لسنة 1985- المشار إليهما- وبمصادرة الكفالة، وألزمت المدعي المصروفات، ومبلغ مائة جنيه مقابل أتعاب المحاماة.

 

 

 

* حكم منشور بموقع المحكمة الدستورية العليا، متاح الاطلاع عليه عبر هذا الرابط: https://www.sccourt.gov.eg/SCC/faces/Rules_Html/520_8_7_1_2.html?timestamp=1708756913118

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الخميس, 23 يوليو 2026 10:41
موقع حوارات