موقع حوارات

موقع حوارات

لم تقتصر عناية العلماء على توثيق المرويات فحسب، بل اعتنوا بفهمها وفقهها، فعمدوا إلى وضع معالم وضوابط لحسن فهم السنة، ومن تلك المعالم اعتبار المقاصد الشرعية العامة والخاصة في فهمها، وهو ضرورة لا غنى عنها في فهم السنة، غير أن إعمال المقاصد يعد مركباً عسيراً وطريقاً وعرة، وقع فيه إفراط وتفريط؛ بين الإهمال التام له والاقتصار على الفهم الحرفي لحديث، وبين الفهم المفرط في اعتبار المقاصد إلى درجة إهمال الأصول المعتبرة في الاسلام، فتجلية لهذا الأمر، ووضعه في نصابه المعتبر، كان هذا البحث الموسوم: ” إعمالُ المقاصِد في فهم السُّنة بين الأصَالة والتَّجديد”، وانتظم بعد المقدمة في أربعة مباحث: المبحث الأول: المراد بالمقاصد المرعية في فهم السنة. المبحث الثاني: أهمية اعتبار المقاصد في فهم السنة وضرورته. المبحث الثالث: الأصالة في إعمال المقاصد. المبحث الرابع: التجديد في إعمال المقاصد بين المشروع والممنوع. والله أسأل التوفيق والقبول.

يمكنك تحميل البحث من هنا

أصدرت الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت “قاموس مصطلحات الوقف”، في أربعة أجزاء، صدر الجزء الأول منها عام 2017، بينما صدر الجزء الرابع عام 2022، وجاري العمل على إصدار الجزء الخامس والأخير.

وفيما يلي مقدمة فريق العمل للجزء الرابع، ننشرها كاملة لأهميتها:

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد خاتم الأنبياء والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد:
فالإسلام بشريعته السامية، ومبادئه الخالدة، قد عالج ما حوله من مشاكل بحلول علمية عملية، ونظم تشريعية، ليحقق العيش الأكرم، والمستقبل الأفضل، من خلال قضائه على مشاكل الأمم من الفقر والجهل والمرض والبطالة، بوسائل إيجابية متكاملة، بما يحقق للفرد سعادته، وللأسرة كفايتها، وللمجتمع سلامته، وللدولة ولايتها، بالعدل الشامل الداعي إلى الألفة، والباعث على الطاعة، بما تعمر به الأرض، وتثمر به الأموال.
ولما كان الوقف من أجلِّ أبواب القرَب الكثيرة الثواب، النافعة لصاحبها يوم المرجع والمآب، فقد عُدَّ من أعظم مسالك البر وأنفعها، فكم شيّد من مساجد ورُبط ومعاهد، وأنار من بيوت ومشافٍ، للأفراد والجماعات.
ومن المباحث الجليلة المتعلقة بمسائل الأوقاف، معرفة المصطلحات التي استخدمت في الكتب والمصنفات، وشرح ألفاظ الواقفين، والتي تختلف أحكامها، وتكثر فيها شكوك الناس وأوهامهم، فكثرت التآليف، واتسعت التصانيف، واشتغل بأحكام الوقف المتقدمون، وجاء كل منهم في عمله بما يقر العيون، ويزيل الشجون، والحمد لله الذي جعل الخير موصولاً في هذه الأمة إلى يوم الدين.
وتعدّ التعريفات وشروح المصطلحات المدخلَ الرئيس لأي بحث في أيٍّ من مجالات المعرفة، وقد يتباين المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي الذي يمكن استخراجه من كتب اللغة، فكانت الحاجة ماسة إلى قاموس يضم مصطلحات الوقف، لتتم معرفة المعنى الاصطلاحي المراد، فيوفّر على الباحثين والمهتمين بعلوم الوقف مرجعاً موحداً في معرفة مصطلحات الوقف، يتوفّر من خلال هذا القاموس المعنى اللغوي ابتداء، ثم الاصطلاحي، فالاقتصادي، فالقانوني.
ولتحقيق أكبر فائدة ممكنة من هذا القاموس، ولكون علم الوقف غير مقتصر على علوم الفقه، ولأن الباحثين في مجالات الوقف ليسوا فقط من المتخصصين في المجالات الشرعية والدينية فحسب، بل في كافة التخصصات وشتى المجالات، ويشهد على ذلك رسائل الماجستير والدكتوراه في الوقف من ذوي الاختصاصات العلمية، كالطب والهندسة والعمارة وغيرها، ومن ذوي الاختصاصات الاجتماعية، كالسياسة والتاريخ وعلم الاجتماع وسواها، ليس ذلك فحسب، بل إن البحث في هذه الموضوعات لم يقتصر على العرب والمسلمين، بل امتد الاهتمام به لغيرهم من مختلف الجنسيات والديانات؛ لكل ذلك كان لزاماً علينا عدم قصر مجال القاموس وتضييق الاستفادة منه بذكر المصطلحات الشرعية، بل امتد ليغطي اهتمامات وموضوعات مختلف الباحثين في مجالات هذا الاختصاص المتشعب الجوانب والصلات حتى تتم الفائدة، وحتى يكون للباحث في مجال الوقف والعمل الخيري (أياً كان اختصاصه) معجم واحد يعتمد عليه، ويسهل له الوصول إلى كافة المعاني الممكنة التي ترِد عليه أثناء اطلاعه، ويوفر عليه الوقت والجهد، بدلاً من التنقل بين العديد من المعاجم والقواميس وغيرها من المصادر، والتي قد لا تفي بالغرض في بعض الأحيان.
لذا فإن عملية تحديد المصطلحات واستقاء معانيها – وفق المنهجية الموضوعة للقاموس – تعتمد على مجموعة ضخمة من المصادر والمراجع، لا تشمل المعاجم والقواميس فحسب، بل تعتمد في المقام الأول على أدبيات الأوقاف باختلاف أشكالها، مع التركيز على الحجج والوثائق الوقفية، باعتبارها المصدر الأهم والأساس للمصطلحات، باختلاف استخدامها الزماني والمكاني، خاصة وأن هذه النوعية من المصادر تشتمل على الكثير من المصطلحات الغريبة الاستعمال لدينا، والكثير منها لا يبدو له علاقة بالوقف للوهلة الأولى، فمنها ما هو محلي، ومنها ما هو عامي، ومنها ما اقتصر استخدامه على معنى بعينه، في مكان معيّن، وزمن محدد.
وقد وضع في الاعتبار عند التغطية أن كثيراً مما وقف عدم فهم المصطلحات الواردة ببعض الوثائق، حائلاً دون فهم فحوى الوثيقة برمتها، وعلى سبيل المثال: فإن الباحث من خارج منطقة الخليج إذا تناول حجة وقف كويتية لدراستها، ووجد أن ما تم وقفه بالحجة هو: “حظرة” مثلاً، فلا سبيل له لمعرفة معنى هذه الكلمة، لعدم وجودها في معظم المعاجم اللغوية، وبالتالي فلن يتمكن الباحث من معرفة موضوع الوثيقة أو فحواها بالكامل، لأن المصطلح يعبر عن الشيء الموقوف، والذي يمثل أساس الحجة، وأحد أهم أركانها، لذا كانت شمولية التغطية – قدر المستطاع – هدفاً أساسياً لإثراء القاموس، ومن ثم نجاح المشروع في تحقيق الأهداف التي وضعت من أجله.
إلا أن ذلك لا يعني شمولية هذا القاموس لكافة مصطلحات المجال، لعدم توفّر شروح بعض المصطلحات، فيتم إغفالها، أو لعدم وضع فريق العمل يده على كافة المصطلحات، خاصة وأن الحجج الوقفية – التي هي أهم أدبيات الأوقاف التي تحتاج إلى شرح ما فيها من مصطلحات – تختلف من زمان لآخر، ومن مكان لآخر، وأن تغطيتها والإحاطة بها أمر شبه مستحيل تحقيقه، فالكمال لله وحده، وكم ترك الأولون للآخرين.
 وهذا المشروع الذي يهتم بجمع وتعريف المصطلحات المتعلقة بمجالات الوقف والعمل الخيري في نسخته التجريبية، يمثل دوراً كبيراً للأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت، لتسهيل كل صعب، وتقريب كل بعيد، وتوضيح كل مشكل في المصطلحات المتعلقة بالوقف والتعريف بها.
وقد قامت الأمانة العامة للأوقاف بدولة الكويت بتشكيل فريق من ذوي الاختصاصات (اللغوية، والشرعية، والاقتصادية، والقانونية، والمكتبية، والمعلوماتية) للقيام بهذه المهمة، والتي رأت إخراج هذا القاموس في نسخة تجريبية في جزأين، يحتوي الجزء الأول على حرف الألف فقط، ويحتوي الجزء الثاني على حروف الباء والتاء والثاء، من أجل إعطاء فرصة للمختصين بإبداء الرأي والملحوظات حول هذا الإصدار، مما سيتم استدراكه لاحقاً في الحروف الباقية، إلى أن يتم الإصدار النهائي للقاموس.
 
الأهداف:
1-التعريف بالمصطلحات المتعلقة بالوقف والعمل الخيري.
2-إيجاد أداة مرجعية تحصر المصطلحات المتعلقة بعلوم الوقف والعمل الخيري، وتقديم معانيها المستعملة في المجال.
3-استكمال منظومة التعبير اللفظي مع مكنز علوم الوقف([1]).
4-مساعدة الباحثين في مجال الوقف والعمل الخيري على إعداد بحوثهم وأعمالهم دون مشقة، مع الحفاظ على الأسلوب العلمي في تناول المصطلحات.
5-  مساعدة الباحثين في المجالات البحثية الأخرى غير الوقف، ممن يعتمدون على الحجج الوقفية كمصادر أساسية للدراسة في أبحاثهم ودراساتهم.
6- مساعدة الهيئات القضائية والقانوينة (وكذلك الأفراد) على فهم المفردات الغريبة الواردة في الوثائق الوقفية التي تعُرض على القضاء. وكذلك النظار القائمين على الأوقاف القديمة منها والحديث.
7- توثيق وتثبيت معاني المصطلحات المتداولة في الماضي والحاضر، لإفادة الأجيال القادمة عند اندثار استخدام أي من هذه المصطلحات.
8- المساهمة في تحقيق الأهداف المناطة بدولة الكويت – ممثلة في الأمانة العامة للأوقاف – لكونها دولةً منسقة لملف العمل الوقفي بين الدول الإسلامية.
 
الصعوبات:
1- تناثر المصطلحات في مؤلفات كثيرة وعلوم مختلفة، مما لها صلة بالوقف أو العمل الخيري.
2- اختلاف استعمال الألفاظ والمعاني بحسب الزمان والمكان.
3-صعوبة تفسير مصطلحات الواقفين في الحجج الوقفية، لاختلاف الأعراف.
4-              ظهور ألفاظ معاصرة في أدبيات الوقف، بحاجة إلى تأصيل وتفسير.
5-              وجود مصطلحات دون تعريفات علمية لها، أو وجود التعريفات في غير مظانّها المناسبة، كوجود معنى اقتصادي في مصدر أو مرجع قانوني.
6-تنوع المعنى الاصطلاحي من شرعي إلى تاريخي ومعماري وعرفي.
7-ندرة المختصين في المجال الوقفي.
 
المنهج:
1- ذكر المصطلحات حسب ما هو متداول في أدبيات الوقف([2]) والعمل الخيري والاستعمال اللفظي، لا بحسب جذر المصطلح.
2- استخراج التعريفات من مصادرها ومراجعها التراثية والمعاصرة، وتقع المسؤولية العلمية على عاتق المصدر أو المرجع المنقول منه طالما حافظنا على العزو.
3-  حقائق المصطلحات يمكن أن تكون بالحدّ، أو بالرسم، أو بالمثال.
4-ذكر التعريف اللغوي، ثم الاصطلاحي فالاقتصادي فالقانوني إن وُجدوا.
5- المصطلح (أو الجزء منه) والذي لا أصل له في لغة العرب لكونه فارسياً أو تركياً أو معرّباً أو مصطلحاً مهنياً، إن وجدنا له معاني في المعاجم اللغوية ذكرناها مع أصل المادة اللغوية إذا توفّرت، وإن لم نجد له معنى ذكرنا عبارة “لم نجد له أصلاً في اللغة”.
6-              وضع المعاني اللغوية – وإن تباينت – متتالية دون الفصل بينها.
7-              في حال توافق المعنى الاصطلاحي مع أحد المعاني اللغوية، يشار في “اصطلاحاً” بعبارة “المعنى السابق الوارد في اللغة” في بداية التعريفات، وإذا لم يخرج المعنى الاصطلاحي عن اللغوي يكتفى بالإشارة إلى ذلك بعبارة “لا يخرج عن المعنى اللغوي”، أما في حال وجود تعريف اصطلاحي أشمل من التعريف اللغوي أو أوضح، أو كان مشتملاً على فائدة، ذكرناه في الاصطلاح.
8-عند ورود لفظ سبق شرحه لغوياً ضمن مصطلح سابق، تتم الإحالة إلى السابق باستخدام عبارة “تقدم تعريفه …”.
9- يعاد ذكر التعريف اللغوي للمصطلح الذي تقدم تعريفه في مصطلح سابق في الحالات التالية:
‌أ.  وجود عبارة “لا يخرج عن المعنى اللغوي”.
‌ب. وجود عبارة “المعنى السابق الوارد في اللغة”.
‌ج.  إذا كان التعريف اللغوي السابق لا يخدم المصطلح الحالي واتضحت الحاجة لتقديم معان أخرى أو المزيد من التعريفات.
10- في حال وجود أكثر من معنى للمصطلح في المصادر أو المراجع -اللغوية أو الاصطلاحية أو الاقتصادية أو القانونية – يُختار ما يتعلق منها بمجالات الوقف، والعمل الخيري، والتطوعي، دون غيرها من المعاني.
11-التعريف الاصطلاحي يشمل المعنى الشرعي والمعماري والتاريخي والعرفي، كلٌّ في محِلِّه ومكانه، وغالباً ما يُذكر التعريف في عمومه ضمن أدبيات الوقف والعمل الخيري.
12-  ذكر المعاني إذا تباينت التعريفات في معانيها، رغبةً في تيسير فهم المعنى المراد من المصطلح من جهة، وفي اطلاع القارئ على أكثر من تعريف يرد لذلك المصطلح من جهة أخرى.
13- الاكتفاء بذكر تعريفٍ واحدٍ جامعٍ مانعٍ عند تشابه التعريفات من عدة مصادر، مع الإحالة عليها لاحقاً.
14-  سرد التعريفات من غير ترجيح بينها.
15- عدم الإشارة إلى المذاهب في تعريف المصطلحات إلا إذا استدعت الحاجة.
16-  مراعاة استعمال المصطلح بحسب زمانه ومكانه إذا احتيج لذلك.
17- لا يقتصر القاموس على الألفاظ الفصحى، وإنما يدرج الألفاظ العامية أيضاً ذات الصلة بالموضوع لأهميتها، وأهمية تقديم معانيها.
18- اعتماد صيغة المصدر المفرد في المصطلحات في الغالب الأعم، إلا إذا اشتهرت صيغة الجمع، أو اختلف المعنيان بين المفرد والجمع، فيذكران جميعاً.
19-  في حال تغاير معنى صيغة المفرد عن الجمع، يشار إلى كلٍّ منهما في موضعه ( مصطلح أوقاف في حرف الهمزة، ومصطلح وقف في حرف الواو).
20-  عند وجود صيغ للجمع ضمن الاستخدام الاصطلاحي ولم نجدها في معاجم اللغة، ذكرناها في الاصطلاح، على سبيل المثال: “بنيقة” جمعها في اللغة “بنائق”، وفي الاصطلاح “بوانيق”.
21-عند اللزوم نضع بعد المصطلح – بين قوسين – ما يلزم من المرادفات، أو الصور الأخرى للهجاء (حروفاً أو ضبطاً)، أو المصطلحات الأخرى المشروحة تحت المصطلح، من مثل: ترست (استئمان أهلي – استئمان خيري – أمانة وقفية – أمانة مؤقتة – أمانة طويلة الأمد أو دائمة – اتحاد شركات – Trust)
22- تضاف لفظة “وقف” أو اشتقاقاتها إلى المصطلح في حال عدم استقامة المعنى إلا بأسبقية هذه اللفظة.
23- ضبط شكل ما يوهم الالتباس من الألفاظ والكلمات.
24-  ترتيب المصطلحات ألفبائياً، بحسب الحرف الأول، ثم الحرف الثاني.
25- إسقاط أل التعريف من المصطلحات في ترتيب المواد.
26-  اعتبار الألف الممدودة ألفين (آجام قبل أب).
27- اعتبار الهمزة حرفاً سابقاً للألف، سواء كانت على ألف أو واو أو ياء (ائتمان قبل آبدار).
28- اعتبار التاء المربوطة [ة] تاءً (إجارة قبل إجارتان).
29- اعتبار الحرف المشدد حرفاً واحداً، دون فكّ إدغامه.
30-  في المصطلحات المركبة من أكثر من لفظ واحد، يسبق الشق الأول وتوابعه المصطلحات التي تحتوي على الشق اللفظي باعتباره جزءاً منه ( بنو الأخياف تأتي قبل بنو الأعيان، وكلاهما يسبق البهرج).
31- بعد الانتهاء من كل مصطلح تذكر مراجعه في متن القاموس، بذكر عنوان المرجع فقط، إلا إذا التبس بغيره فيذكر اسم المؤلف للمرجع الأقل استعمالاً في القاموس.
32-  فهرس المراجع تذكر فيه جميع البيانات الببليوجرافية، مرتبة حسب اسم الكتاب، ثم اسم المؤلف، ثم بيانات الطبعة والناشر.
33-  تكتب الآيات القرآنية بالرسم العثماني، مع كتابة اسم السورة ورقم الآية بعدها.
34-  تخرّج الأحاديث النبوية من مظانّها، بذكر من خرّجها في كتب السنة النبوية.
35- تأجيل المصطلحات التي لم يتوفر تعريفات علمية مناسبة لها في المصادر المتاحة، إلى حين إصدار النسخة النهائية من القاموس.
36-  إرجاء ذكر المرادفات والإحالات إلى حين الانتهاء من القاموس كاملاً.
 
الخطوات:
1- الاطلاع على المجهودات السابقة للمشروع والإفادة منها، مع الإضافة عليها.
2- المسح الأولي لمكنز علوم الوقف، وأخذ المصطلحات منه، لاحتواء المكنز على العديد من مصطلحات الوقف.
3-  إضافة مصطلحات لم يتضمنها المكنز من خلال البحث والحصر.
4- وضع منهجية خاصة بالتعريفات.
5-   الاستعانة بالمختصين في علوم الوقف لإطلاعهم على ما تم حصره من المصطلحات، إضافة إلى المنهجية والتنفيذ.
6- اعتماد قواميس ذات علاقة بالوقف والعمل الخيري، لاستخلاص التعريفات من مظانّها، إضافة إلى أدبيات الوقف، كالبحوث، والرسائل الجامعية، وأوراق المؤتمرات، وغيرها من الدراسات.
وبهذا تم الجزء الرابع في نسخته التجريبية المشتمل على حروف (س حتى ل) حيث منّ الله علينا بالانتهاء من جمع مصطلحاته وتعريفاته وإخراجه بحلته التي بين يدي القارئ الكريم، والله نسأل أن يسدد خطانا في إكمال هذا المشروع، خدمة للباحثين وطلاب العلم، وللأمة الإسلامية جمعاء.
 
           فريق عمل  مشروع قاموس مصطلحات الوقف

رابط مباشر لتحميل الأجزاء الأربعة للقاموس

يقول الباحث عمر بن سكا:

الهدف الرئيس من هذا المقال هو الكشف عن الرؤية “الجديدة” التي طرحها فيلسوف الأخلاق المغربي طه عبد الرحمان من أجل تجديد مباحث الدرس المقاصدي، بغية تجاوز ما أسماه بــــــــ”الثغرات” التي خلفها الأصوليون والرواد الأوائل لعلم المقاصد؟ لقد دخل الدكتور طه عبد الرحمان مبحث المقاصد من باب الاهتمام بقضية التجديد المنهجي في تقويم التراث الإسلامي، وكان منطلقه الأول في الدعوة إلى تجديد مبحث المقاصد هو صياغة تعريف ومفهوم جديدين لعلم المقاصد يقترن بدلالات ثلاث هي: المقصود (المضمون الدلالي)، القصْد(النية)، والغاية أو الحكمة. أما منطلقه الثاني فيرتكز على النظر إلى علم المقاصد باعتباره علما أخلاقيا غايته ومنتهاه تحقيق صلاح الإنسان، وبالتالي تحقيق العبودية لله تعالى. وباختصار شديد، وقبل الخوض في معالم التجديد في مقاصد الشريعة عند طه عبد الرحمان، تجدر الإشارة إلى أن مشروعه الأخلاقي ذاك يتأسس على ثلاث نظريات يكمل بعضها البعض أطلق عليها تباعا: “نظرية القيم (الغايات)”، “نظرية النيات”، “نظرية الأفعال (الوسائل)”. حيث تتبوأ “نظرية القيم” أعلى مرتبة، تليها “نظرية النيات”، ثم “نظرية الأفعال”.

طالع البحث كاملًا من هنا

أنهى الإمام الشاطبي مرحلة التقعيد والتنظير لعلم المقاصد بنهاية القرن الثامن الهجري، ليخلو الزمان من البحث في المقاصد ويتوقف تطور علم المقاصد فترة ستة قرون، إلى أن يظهر الإمام المجدد محمد الطاهر بن عاشور فاتحا عهدا جديدا في تطور علم المقاصد بدعوته إلى تأسيس علم المقاصد وفصله عن علم الأصول. ولم يعرف تطورا في مكوناته الأساسية من الجوانب النظرية أو التطبيقية، فبقي علم المقاصد دهرا طويلا من الزمن لم يتجرأ عليه العلماء بالتجديد لا في الجزئيات و لا في الكليات، حتى بعث الله إمام المقاصد في العصر الحديث الشيخ الطاهر بن عاشور ليفتح باب الاجتهاد في دراسة علم المقاصد من جديد فانطلقت البحوث العلمية والأكاديمية في الجامعات المتخصصة، فتناوله الباحثون بالبحث والدراسة وفق المناهج العلمية الحديثة، وقد ساهم الكثير في وضع أسسه و قواعده و تطبيقاته، لينتقل من مباحث متفرقة في أصول الفقه إلى علم متكامل مستقل.

طالع الورقة كاملة من هنا

يعد محمد كامل مرسي باشا من أبرز المحامين والقانونيين البارزين في القرن الماضي، لما له من بصمات واضحة في القضاء والمحاماة، فكان أول من أدخل نظام “القضاء الإداري” إلى مصر، وأول رئيس لمجلس الدولة، ومدير جامعة فؤاد، وأول رئيس تحرير لمجلة (القانون والاقتصاد).

ولد محمد كامل مرسي باشا فى مطلع 1889 بمدينة طهطا السوهاجية، واختار لنفسه دراسة القانون، فحصل عن اقتدار على ليسانس الحقوق عام 1910. بعدها أوفدته الحكومة المصرية في بعثة لدراسة القانون بجامعة ديجون الفرنسية، لينال منها درجة الدكتوراه ويعود إلى مصر عام 1914 .

تتفق المصادر على أن رحلة كامل مرسي بدأت بالمحاماة أولا قبل أن ينتقل إلى العمل بالنيابة العامة عام 1915 فى قنا. ولكن المحطات الفارقة في مسيرته كانت بدايتها عام 1920، عندما عين أستاذًا في مدرسة الحقوق، وهناك أسهم في تعريب عملية التدريس، التي كانت تقوم أساسًا على الإنجليزية دون غيرها.

مناصب عديدة تنقل بينها، وأهمها ما كان من تدرجه في المناصب الدبلوماسية، ممثلا لمصر فى لندن، ولاهاي، وتركيا. ويعود بعد ذلك إلى كلية الحقوق، حيث تولى عمادة الكلية بين عامي 1928 و1936. ومن أهم المحطات اللاحقة، كان عمله ضمن لجان تعديل القوانين المصرية بعد إلغاء “الامتيازات الأجنبية”، والالتزام بقانون موحد يطبق على الجميع. المحطة التالية كانت بقرار تعيينه وزيرًا للعدل في فبراير 1946، وهنا كانت ذروة الدور الذي انتخبته من أجله الأقدار. فقد كان وراء إعداد “قانون مجلس الدولة”، وإدخال نظام “القضاء الإداري” إلى مصر لأول مرة [وهو القضاء الذي يشبه قضاء المظالم في النظام القضائي الإسلامي]. ولأن الرجل كان صاحب نظرة ثاقبة، فإنه أطلق حملة لمخاطبة الرأي العام وتوعيته بأهمية “القضاء الإداري” للفصل في النزاعات وحماية المواطنين من تعسف ما قد يقع عليهم من جانب الجهات الإدارية.

وبجانب نظرته الثاقبة، كان كامل مرسي صاحب مواقف حاسمة، فقد حاول مجلس الوزراء وقتها إرجاء تمرير “قانون مجلس الدولة”، دافعًا بضرورة الانتظار لدورة برلمانية جديدة بخلاف تلك التي كانت أوشكت على الانقضاء، فدافع هو عن القانون الجديد دفاعًا مستميتًا بلغ حد تقديم استقالته من وزارة العدل، فاستجابت الحكومة، وتم إقرار المشروع (قانون مجلس الدولة).

وفى 12 سبتمبر 1946، عُين الدكتور محمد كامل مرسى كأول رئيس لمجلس الدولة، ووقتها علق إسماعيل صدقي باشا، رئيس الوزراء في حينها، على خروج القانوني الفذ من منصبه وزيرًا، بأن “كامل باشا قد رقى إلى وظيفة أعلى وأسمى”.

وعقب إحالته إلى المعاش، عاد د. كامل مرسي إلى ممارسة المحاماة، ثم عين رئيسًا لجامعة فؤاد الأول ما بين نوفمبر 1949، ومايو 1951، وفي العام التالي عاد إلى وزارة العدل وزيرا، ولكن جاءت ثورة 23 يوليو لتعيده إلى المحاماة، بعد أن مكث في الوزارة 24 ساعة، ثم رجع أيضا إلى المحاماة سنة 1953، كما عاد وتولى بعدها منصب مدير جامعة القاهرة في 9 سبتمبر 1954، ورئاسة مجلس الجامعات الثلاث (1954 – 1957)، وعضوية المجمع العلمي المصري.

وقد أسس مجلة “القانون والاقتصاد” وكان أول رئيس تحرير لها، ونائب رئيس تحرير مجلة الاقتصاد السياسي والإحصاء والتشريع، ورئيس تحرير مجلة “l’Egypte contemporaine”.

مؤلفاته:

له 15 كتابًا مطبوعًا، منها:

  1. المجموعة المدنية المصرية.
  2. الملكية العقارية في مصر وتطورها التاريخي من عهد الفراعنة حتى الآن.
  3. التأمينات الشخصية والعينية.
  4. الملكية والحقوق العينية (أربعة أجزاء) .
  5. شرح قانون العقوبات.
  6. أصول القوانين.
  7. الشفعة، في القانون الأهلي والمختلط وفي الشريعة الإسلامية.
  8. العقود المدنية الصغيرة.
  9. الملكية والحقوق العينية (أربعة أجزاء).
  10. قوانين المحاكم المختلطة.
  11. شرح القانون المدني الجديد كبير.
  12. الأموال.

وفاته:

توفي في 21 ديسمبر 1957. ومُنح الدكتوراه الفخرية من جامعة القاهرة في العام ذاته ثم وسام الجمهورية من الطبقة الأولى في يناير 1958.

على قناتنا باليوتيوب: أول رئيس لمجلس الدولة المصري: د. محمد كامل مرسي

_________________________

المراجع:

– محمد كامل مرسي، موسوعة معرفة، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/kEvKlqu.

– أشرف زهران، محمد كامل مرسي.. المحامي الذي أدخل نظام القضاء الإداري في مصر لأول مرة وأول رئيس لمجلس الدولة وعين وزيرا للعدل، نقابة المحامين المصرية، 19 ديسمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/HoDW2xs. – في ذكرى وفاته الـ 63… عزيمة كامل مرسى واكتمال ولادة مجلس الدولة، جريدة الأهرام، 19 ديسمبر 2020، متاح عبر الرابط التالي: https://2u.pw/zZfFGVO.

بحث منشور للدكتور محمد سليم العوا في مجلة المسلم المعاصر عام 1975، بعنوان “بين الاجتهاد والتقليد”، بدأ فيها بتمهيد عن دعوة الإسلام لتحرير العقول من الخرافات، وكيف تعلم الصحابة من سيرة النبي صلى الله عليه وسلم وسلوكه كيف يكون التدبر العاقل والتفكير الحر، ثم تناول بعد ذلك النقاط الآتية:

  • الاجتهاد مصدر غير المنصوص عليه من الأحكام
  • نشأة التقليد
  • موقف الفقهاء من التقليد
  • تقدير الرأيين
  • خاتمة في الاجتهاد في هذا العصر

يمكن تحميل البحث كاملًا من هنا

يقول الدكتور عوض محمد عوض الأستاذ المتفرغ في قسم القانون الجنائي بكلية الحقوق في جامعة الاسكندرية في بداية دراسته التي نُشرت في مقدمة كتاب “أخطاء القضاة.. دراسة مقارنة بين التشريع الإسلامي والقوانين الوضعية”:

الكتاب الذي نُقدِّم له اليوم عُرِّب أو تُرِجم من اللغة الفرنسية إلى اللغة العربية للمرة الأولى منذ نيف ومئة سنة، وعلى وجه التحديد في عام 1333هـ الموافق 1914م، وذكر القائمون على ترجمته أنها كانت بناء على توصية من جانب المستر إيموس ناظر مدرسة الحقوق الخديوية منذ كان مستشارًا بمحكمة الاستئناف الأهلية تعميمًا لنفعه بعد أن استشار مؤلفه، ورأوا أن هذا الكتاب جدير بأن تتناوله أيدي من يهمهم شأن القضاء من قضاة ومحامين وخبراء ومتقاضين من الناطقين بالضاد. وأشاروا إلى أن مؤلف الكتاب تحرى في تدوين فصوله المعززة بالشواهد والاستنتاجات الرجيحة انتقاد عيوب إذا كانت فاشية في بلد كفرنسا عرفت بأنها مبعث العلوم القضائية، فهي في بلد كمصر لم يتجاوز نظامه القضائي -وقت ترجمة الكتاب- أربعة عقود أكثر فشوًّا وأشد ضررًا بالمتقاضين.

طالع الدراسة كاملة من هنا

ورقة بحثية للدكتور علي أحمد علي مرعي، جاءت بعنوان “من تاريخ التشريع الإسلامي: المنزلة التشريعية للسنة”، يتحدث فيها عن معنى السنة ومدى حجيتها ومنزلتها من القرآن الكريم.

حمّل الورقة من هنا

دراسة قام بترجمتها الباحث محمود عبد العزيز ونشرها مركز نهوض للدراسات والأبحاث من تأليف الدكتور أحمد عاطف الأستاذ بجامعة كاليفورنيا، يستعرض فيها تاريخ أصول الفقه في أسلوب حكائي قصصي، وكأن أصول الفقه شخص يتحدث عن نفسه ويستعرض خصائصه وأهم مراحله وأبرز معالمه المنهجية وأعلامه المؤسسين والمطورين.

يمكنك تحميل البحث كاملًا من هنا

ورقة للدكتور محمد سليم العوَّا، نُشرت كتاب “مقصد العدل في القرآن الكريم”، طبعة مؤسسة الفرقان للتراث الإسلامي، مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، لندن، ص 17 -46.

  1. عرض الدكتور محمد حسن جبل لمعاني تعبير (العدل) ومشتقاته في القرآن الكريم وانتهى بعد استقراء مواضع الاستعمال القرآني لهذه الكلمة إلى أنها ترد في مواضعها كلها بمعنى العدل الذي هو ضد الظلم، اللهم إلا في أربعة مواضع.[1] ويذكر الدامغاني أن العدل في القرآن الكريم يفسَّر على خمسة أوجه هي: الفداء، الإنصاف، القيمة، شهادة أن لا إله إلا الله، الشرك.[2]
  2. وقد ورد لفظ العدل وما اشتق منه في القرآن الكريم، تسع عشرة مرة، مستعملا بمعاني الحكم بالحق، وضد الجور، والإنصاف، والقسط، والسوية وما إليها، مما سبق ذكره.[3]على أنه ينبغي التنبه دائمًا إلى أن المقاصد القرآنية هي أصل المقاصد الكلية للشريعة الإسلامية. ومقاصد القرآن مبسوطة في الكتاب العزيز كله لا يقتصر البحث عنها على الآيات التي ورد فيها اللفظ الدال عليها أو المؤدي معناها، وإنما يرتحل للوقوف عليها بين دفتي المصحف الشريف، المرة بعد المرة، ليقف الراغب في التعرف على مقاصد القرآن الكريم على طلبته. كيف لا وهو الذي لا يخلق على كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه، ويظل غضًا في فم كل قارئ وقلبه ما أخلص النية في تلاوته، وقصد بها وجه الله تعالى.
  3. فمن ذلك قول الله تعالى في سورة البقرة: ﴿يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمىً فاكتبوه وليكتب بينكم كاتب بالعدل…﴾ وقوله في الآية نفسها ﴿…فإن كان الذي عليه الحق سفيهًا أو ضعيفًا أو لا يستطيع أن يُمِلَّ هو فليملل وليه بالعدل…﴾[البقرة:282]. والمراد بالعدل في هذه الآية، بموضعيها، الحق،[4] بألا يزيد في الدَّيْن ولا ينقص منه بل يتحرى الحق والمعدلة بينهم.[5]
  4. ومن ذلك قول الله تعالى في سورة النساء: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل…﴾[النساء:58].  والخطاب الآمر بالحكم بالعدل في هذه الآية موجه للذين يتولون الحكم بين الناس في الخصومات، والمكلف بالحكم بين المتنازعين – كالقاضي والمحكّم ومن إليهما – عليه العناية بإظهار المحق منهما من المبطل، أو إظهار الحق لأحدهما وأخذ حقه ممن اعتدى عليه. والعدل: مساواة بين الناس في تعيين الأشياء لمستحقيها، وفي تمكين كل ذي حق من حقه. والعدل يدخل في جميع المعاملات، وهو من حسن الفطرة. والعدل في الحكم، وفي أداء الشهادة بالحق هو قوام صلاح المجتمع الإسلامي، والانحراف عن ذلك ولو قِيدَ أنملة يجر إلى فساد متسلسل.[6]  والعدل – في هذه الآية – عند الشوكاني هو فصل الخصومة على ما في كتاب الله وسنة رسوله ﷺ. وليس الحكمُ بالرأي المجردِ من الحقِّ في شيء.[7]
  5. ولا ريب في أن هذا المعنى – لو انفرد – لجعل العدل مقصدًا قرآنيًا عامًا، ذلك أنه لا يختلف اثنان في أن صلاح المجتمع والأمة من أعظم المقاصد التي رعاها الإسلام وحثَّ عليها القرآن الكريم.  ولا ريب في إتيان الشريعة بالنهي عن الفساد كله. والعدل هو الذي يحقق منع الفساد، فهو مقصود لذاته ومقصود لغيره. فأما أنه مقصود لذاته فبيانه أن القرآن والسنة متظاهران على الأمر بإيتاء كل ذي حق حقه، وعلى تحريم العدوان، ورده إن وقع، بإعادة الحق إلى صاحبه أو بتعويضه عما لحقه من ضرر؛ وأما أنه مقصود لغيره فبيانه أن صلاح العالم لا يكون إلا به، وما يقتضيه المقصود الشرعي بحيث لا يتحقق إلا به يكون مقصودًا كذلك وإلا تناقضت أدلة الشرع وتهاترت، وهذا عبث ينزه الشارع – سبحانه وتعالى – عنه في قول المسلمين كافة.[8]
  6. ومن مواضع ذكر (العدل) في القرآن الكريم قوله سبحانه: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي يعظكم لعلكم تذكَرون﴾ [النحل:90].  وقد اختلف في تأويل العدل والإحسان في هذه الآية، فنقل الطبري عن عبد الله بن عباس t أن المراد بالعدل قول لا إله إلا الله، والإحسان أداء الفرائض[9] وأصَّل الطبري ذلك على فهم العدل على أنه «الإنصاف، ومن الإنصاف الإقرار بمن أنعم علينا بنعمته، والشكر له على أفضاله، وأن نولي الحمد أهله… فلزمنا أن نشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له».[10]  ونُقِل عن علي بن أبي طالب t أن العدل هو الإنصاف، والإحسان التفضل. وعن سفيان بن عيينة أن العدل ها هنا استواء السريرة، والإحسان أن تكون السريرة أفضل من العلانية.[11]  واستحسن الشوكاني – بعد ذكره لتلك المعاني – تفسير العدل بمعناه اللغوي وهو التوسط بين طرفي الإفراط والتفريط، فيكون المقصود أن يكون العباد على حالة متوسطة في الدين، ليست بمائلة إلى جانب الإفراط وهو الغُلوّ المذموم في الدين، ولا إلى جانب التفريط وهو الإخلال بشيء مما هو من الدين[12] وذهب ابن عطية إلى أن العدل هو فعل كل مفروض من عقائد وشرائع، وأداء الأمانات وترك الظلم، والإنصاف وإعطاء الحق.[13]
  7. وأولى ما قيل، في معنى العدل هنا، بالصواب هو ما ذهب إليه الشيخ محمد الطاهر بن عاشور[14] من أن العدل كلمة مجملة جامعة فيصار فيها إلى ما هو مقرر بين الناس في أصول الشرائع، وإلى ما رسمته الشريعة من البيان في مواضع الخفاء، إذ مرجع تفاصيل العدل إلى أدلة الشريعة. وحقوق الناس بعضهم على بعض قد أصبحت من العدل بوضع الشريعة الإسلامية. وهو يصف هذه الآية بأنها جامعة أصول التشريع. وأن العدل فيها يعني إعطاء الحق لصاحبه. وهو الأصل الجامع للحقوق الراجعة إلى الضروري والحاجيّ من الحقوق الذاتية وحقوق المعاملات.[15]  وإذا كان العدل أصلا جامعًا للحقوق، على هذا النحو، فلا ريب أنه يمثل مقصدًا عامًا من المقاصد القرآنية التي يتحقق بمراعاتها والنزول عندها مراد الشارع من التشريع بوجه عام.
  8. وقد روي عن الحسن البصري أنه تلا هذه الآية: ﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان﴾ إلى آخرها ثم قال: «إن الله عز وجل جمع لكم الخير كله والشر كله في آية واحدة، فوالله ما ترك العدل والإحسان من طاعة الله شيئًا إلا جمعه، ولا ترك الفحشاء والمنكر والبغي من معصية الله شيئًا إلا جمعه».[16] ورُوي عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «هذه أجمع آية في القرآن لخير يُمتَثَلُ، ولشر يجتنب».[17]
  9. وفي القرآن الكريم أمرٌ لرسول الله ﷺ: ﴿فلذلك فادع واستقم كما أمرت ولا تتبع أهواءهم وقل آمنت بما أنزل الله من كتاب وأمرت لأعدل بينكم﴾ [الشورى:15]. قال الشوكاني: «والظاهر أن الآية عامة في كل شيء»[18]، ونقل الطبري عن قتادة أنه قال: «أُمر نبي الله ﷺ أن يعدل فعدل حتى مات صلوات الله عليه. والعدل ميزان الله في الأرض، به يُأخذ للمظلوم من الظالم، وللضعيف من الشديد، وبالعدل يصدِّق الله الصادق، ويكذِّب الكاذب، وبالعدل يردُّ المعتدي ويوبخه».[19] والمقصود بالعدل هنا هو العدل في جميع الأحوال.[20]
  10. وقد أمر الله بالتزام العدل في الشهادة على الوصية فقال سبحانه: ﴿يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم…﴾[المائدة:106].[21]   وقال تعالى، في الإشهاد على الطلاق:﴿فإذا بلغن أجلهن فأمسكوهن بمعروف أو فارقوهن بمعروف وأشهدوا ذوي عدل منكم وأقيموا الشهادة لله…﴾[الطلاق:2].[22]  ويقول الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «المقصد الشرعي أن تكون الشهادة في الحقوق بينة واضحة، بعيدة عن الاحتمالات والتوهمات».[23]
  11. ولم يأمر القرآن الكريم بالعدل في الحكم والفعل فحسب، بل فرض الله، سبحانه وتعالى، في كتابه، العدل في الكلام المنطوق ﴿وإذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى…﴾[الأنعام:152]. قال الشيخ ابن عاشور: «وهذا جامع كلَّ المعاملات بين الناس [التي تكون] بواسطة الكلام… والعدل في ذلك أن لا يكون في القول شيء من الاعتداء على الحقوق: بإبطالها أو إخفائها… ومنه التزام الصدق في التعديل والتجريح وإبداء النصيحة في المشاورة، وقول الحق في الصلح… وإذا وعد القائل لا يخلف، وإذا أوصى لا يظلم أصحاب حقوق الميراث، ولا يحلف على الباطل، وإذا مدح أحدًا مدحه بما فيه. وأما الشتم فالإمساك عنه واجب ولو كان حقًا فذلك الإمساك هو العدل لأن الله أمر به… والمرء في سعة من السكوت إن خشي قول العدل. وأما أن يقول الظلم والباطل فليس له سبيل إلى ذلك… وجاء طلب الحق بصيغة الأمر بالعدل، دون النهي عن الظلم أو الباطل…».[24] ومرد هذا الفهم الصحيح للآية الكريمة أن كلام الناس يكون حقًا أحيانًا، ويكون باطلاً أحيانًا أخرى، والأمر بالعدل أمر بألا يكون الكلام إلا بالحق، فهذا هو مراد الشارع من الآية. وفي قوله تعالى ﴿ولو كان ذا قربى﴾ نهي عن التعصب لقريب أو التعصب على بعيد، ونهي عن الميل مع صديق أو على عدو، بل الواجب هو التسوية في الحق بين الناس لأن ذلك هو العدل الذي أمر الله به.[25]
  12. ولأن واجب القيام بالعدل، أو بما يوجبه العدل من حق للغير لا يسقط عن المسلم في أي حال كان، ولأن الإنسان قد لا يستطيع القيام بالواجب منه على الوجه الأكمل فإن القرآن الكريم لم يأمر بالعدل الكامل التام في كل حال، بل أمر بما يمكن منه عندما يكون الوصول إلى تحقيقه كاملا غير مستطاع. برهان ذلك قوله تعالى: ﴿ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم فلا تميلوا كل الميل فتذروها كالمعلقة وإن تصلحوا وتتقوا فإن الله كان غفورًا رحيمًا﴾ [النساء:129]. فالعدل الذي تنفي هذه الآية إمكانه هو العدل المطلق الكامل، الذي يسوي فيه الرجل بين زوجاته في الأقوال والأفعال والمحبة والمعاشرة، وغير ذلك من صور التعامل بين الرجل ونسائه.[26] وعبّرت الآية الكريمة بــــ ﴿لن﴾ للمبالغة في نفي إمكان العدل التام، وعلل ذلك ابن عاشور بأن «أمر النساء يغالب النفس، لأن الله جعل حُسْنَ المرأة وخُلُقَها مؤثرًا أشد التأثير، فرب امرأة لبيبة خفيفة الروح، وأخرى ثقيلة حمقاء، فتفاوتهن في ذلك وخلو بعضهن منه يؤثر لا محالة تفاوتًا في محبة الزوج بعض أزواجه، ولو كان حريصًا على إظهار العدل بينهن، فلذلك قال ﴿ولو حرصتم﴾. وأقام الله ميزان العدل بقوله: ﴿فلا تميلوا كل الميل﴾ أي لا يُفْرِطْ أحدكم بإظهار الميل إلى إحداهن حتى يسوء الأخرى بحيث تصير كالمعلقة».[27] وقد نهى الله تعالى عن الميل كل الميل، لأن ترك الجور كل الجور في وسع الرجل، فليكن الميل بقدر، وليتجنب ما يعد منه جورًا تصبح معه إحدى الزوجتين – أو الزوجات – كالمعلقة.[28]
  13. ومع أن العدل الكامل غير مستطاع – بصريح النص القرآني – فإن القدر الممكن منه واجب على الزوج إعمالا لقاعدة التكليف بالوسع.  والعدل في أداء حقوق الزوجة الواحدة – حال عدم التعدد – واجب وجوبه بين الزوجات المجتمعات إذا تعددن. فلا يجوز للرجل أن يميل عن زوجته ميلا يعد ظلمًا لها ولو لم يبلغ بها أن تكون كالمعلقة. فإن من واجب الأزواج البرُ بالزوجات وإحسان الصلة بهن وهذا بعض معنى قول الله تعالى ﴿الرجال قوامون على النساء﴾ [النساء:34]، فإن القوَّام هو القائم على الشيء بما يصلحه. وليس الإصلاح أن يظلمها أو يميل عنها أو يقصر في حقوقها.  فإن «من الحب حظًا هو اختياري، وهو أن يَرُوضَ الزوج نفسَه على الإحسان لامرأته، وتحمل ما لا يلائمه من خَلْقِها أو أخلاقها ما استطاع، وحسن المعاشرة لها، حتى يحصل من الإلف بها والحُنُوَّ عليها، بطول التكرر والتعود، ما يقوم مقام الميل الطبيعي».[29] وهذا أحد المواضع التي استنبطت منها القاعدة القائلة: «ما لا يدرك كله لا يترك جله».
  14. وأمر الله سبحانه أن يكون العدل أساس الحكم في جزاء قتل الصيد عمدًا في الحرم ﴿… فجزاء مثل ما قتل من النعم يحكم به ذوا عدل منكم هديًا بالغ الكعبة…﴾[المائدة:95]. والحكمان من ذوي العدل – في هذا المقام – يجب أن يَجْمعا، إلى العدالة الذاتية، المعرفةَ بقيمةِ الصيد الذي قتله المُحْرِم لأنه ليس كل عدلٍ يعرف ذلك. وما يحكم به الحكمان يكون ملزمًا للمحكوم عليه.[30]
  15. وفرض الله – تبارك اسمه – القيام بالعدل بين المسلمين وأعدائهم ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على ألا تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى واتقوا الله إن الله خبير بما تعملون﴾[المائدة:8]. والشنآن هو البغض، أو شدته، فنهى الله تبارك وتعالى عن ترك العدل الواجب على المؤمنين بسبب البغضاء بينهم وبين غيرهم. ثم أكد سبحانه وجوب العدل في كل حال بجملة ﴿اعدلوا هو أقرب للتقوى﴾، أي أقرب لأن تتقوا الله، أو لأن تتقوا النار.[31]
  16. وقد جمع القرآن الكريم بين الأمر بالعدل الخاص والأمر بالعدل العام في آية واحدة هي قوله تعالى في شأن قتال البغاة من المسلمين: ﴿وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله فإن فاءت فأصلحوا بينهما بالعدل وأقسطوا إن الله يحب المقسطين﴾ [الحجرات:9]. فبعد أن تبغي إحدى الطائفتين على الأخرى يأتي الأمر بالإصلاح بينهما بالعدل. والمراد به العدل الخاص في شأن الخسائر التي لحقت بكل فريق إذ تفاوتها يوجب النظر الذي يراعي تحقيق العدالة لكل منهما. والفئة التي خضعت للقوة وألقت السلاح تكون شاعرة بانتصار الفئة الأخرى عليها، كسيرة الخاطر لهزيمتها، فأوجب الله تعالى على المسلمين أن يستعيدوها إلى الجماعة ويشعروها بأخوة الإسلام لئلا يورث القتال بينها وبين الطائفة الأخرى بغضاء ذميمة، أو شحناء مستكنة، يستثيرها أدنى مثير فينشب القتال من جديد.
  17. ثم بعد هذا العدل الخاص أمر ربنا – تبارك اسمه – بالعدل العام بقوله ﴿وأقسطوا﴾ ومؤداه أن يعدل المسلمون في كل أمورهم، وزاد الترغيب فيه بقوله ﴿إن الله يحب المقسطين﴾. فالعدل العام واجب في كل حال، والعدل الخاص واجب عند وقوع ما يقتضيه، فلا تنفك الأمة، أو الجماعة المسلمة، عن أن تكون على حال في العدل دائمة لا يسوغ لها التحلل منها أو التغاضي عن النزول على حكمها.[32]
  18. ويلفت النظر في الآيتين الكريمتين، من سورة المائدة وسورة الحجرات، أن القرآن الكريم قدم في إحداهما ذكر القسط على العدل، وقدم في الثانية ذكر العدل على القسط. وقد يلوح للمتأمل أن المغايرة في الصيغة يترتب عليها مغايرة في المعنى ولابد. لكن الصحيح أن اللفظين بمعنى واحد في كلام العرب وفي الاستعمال القرآني، وما التقديم والتأخير في النظم القرآني إلا أداة من أدوات البلاغة المعجزة لهذا الكتاب العزيز.
  19. وقد ورد لفظ القسط ومشتقاته منفردًا مرادًا به العدل في واحد وعشرين موضعًا من القرآن الكريم. فمن ذلك قوله تعالى: ﴿شهد الله أنه لا إله إلا هو الملائكة وأولو العلم قائمًا بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم﴾[آل عمران: 18]. وأهل التفسير متفقون على أن ﴿بالقسط﴾ تعني بالعدل.[33]  قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور «والقسط: العدل… وقد أقام الله القسط في تكوين العوالم على نظمها، وفي تقدير بقاء الأنواع، وإيداع أسباب المدافعة في نفوس الموجودات، وفيما شرع للبشر من الشرائع في الاعتقاد والعمل: لدفع ظلم بعضهم بعضًا، وظلمهم أنفسهم، فهو القائم بالعدل سبحانه، وعدل الناس مقتبس من محاكاة عدله».[34]
  20. وذهب الشيخ ابن عاشور في تفسير قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا كونوا قوامين بالقسط شهداء لله…﴾[النساء:135]، إلى أن القسط هو العدل، غير أن القسط كلمة معربة أدخلت في كلام العرب لدلالتها في اللغة المنقولة منها على العدل في الحكم، وأما لفظ العدل فأعم من ذلك.[35]ومقصود الآية أمر المؤمنين بالشهادة بالحق – وهو العدل – على أنفسهم بحقوق الغير، وعلى والديهم أو الأقربين بما يلزم أيًا منهم من حقوق لغيره، وذكر الأبوين لأنهما أحب الخلق، في العادة، إلى الإنسان، وذكر الأقربين لأنهم مظنة المودة والتعصب، فإذا  شهد المرء بما على نفسه وبما على هؤلاء المقربين إليه من حقوق للغير كان أحرى أن يشهد على الأجنبي من الناس حيث ينتفي داعي كتمان الشهادة أو تغيير وجه الحق فيها.[36]
  21. ومن تلك الآيات الكريمة قوله تعالى: ﴿… وأوفوا الكيل والميزان بالقسط لا نكلف نفسًا إلا وسعها﴾[الأنعام:152]. ومثله قوله سبحانه في سورة هود ﴿وأوفوا الكيل والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين﴾[هود:85]، ومثل ذلك في الآية (35) من سورة الإسراء، وفي الآيتين (181) و(182) من سورة الشعراء، وفي الآية (9) من سورة الرحمن. ودلالة هذه الآيات، في تكرارها، على أهمية العدل في العلاقات التجارية، من بيع وشراء ونحوها لا تخفى، إذ في مثل ذلك يكثر الطمع والتغابن والتطفيف، فنبه الله – تبارك اسمه – على خطورة ذلك وعلى أهمية اتباع العدل في تلك المعاملات ونظائرها، وفاءً بالحقوق لأصحابها وتوقيًا لأكل مال الناس بالباطل الذي تَفسدُ به الدنيا، وتُمحقُ به البركة، وهذا كله مخالف لمقصود الله تعالى في إحقاق الحق وإبطال الباطل.
  22. ولعل أجمع آية في وجوب حمل الناس على العدل هي قوله تعالى ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز﴾ [الحديد:25].  قال شيخ الإسلام ابن تيمية: «فالمقصود من إرسال الرسل وإنزال الكتب أن يقوم الناس بالقسط في حقوق الله تعالى وحقوق خلقه. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب﴾ فمن عَدَلَ عن الكتاب قوِّم بالحديد، ولهذا كان قوام الدين بالمصحف والسيف. وقد رُوي عن جابر بن عبد الله t أنه قال: «أمرنا رسول الله أن نضرب بهذا – يعني السيف – من عَدَل عن هذا – يعني المصحف -».[37]  ومذهب بعض أهل التفسير في هذه الآية أنها خبر عن إرسال الرسل وإنزال الكتب وشَرْعِ العدل (=القسط) وتعليم صناعة السلاح ليحاربَ به من عاند، ولم يهتد بهديْ الله، فلم يبق له عذر.[38] والقسط في هذه الآية هو العدل في جميع الأمور، فهو أعم من الميزان المذكور، لأن القسط يقتضي إجراء أمور الناس كلها على ما يقتضيه الحق، فهو عدل عام. أما العدل الذي يقتضيه ذكر الميزان فهو مختص بالفصل بين متنازعيْن في كل منازعة على حدة.[39]
  23. والآية رقم (25) من سورة الحديد، مثلها مثل الآية رقم (9) من سورة الحجرات، تذكر كل منهما عدلين: عدلا عامًا وعدلا خاصًا، في تنبيه، لا يخطؤه النظر، من القرآن الكريم على وجوب العدل في كل حال وتحريم الجور في كل مجال. ولذلك قال الشيخ محمد الطاهر بن عاشور: «أنبأنا استقراء الشريعة من أقوالها وتصرفاتها بأن مقصدها أن يكون للأمة ولاة يسوسون مصالحها، ويقيمون العدل فيها وينفذون أحكام الشريعة بينها… وقد أشار إلى هذا قوله ﴿لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط…﴾ [الحديد:25]… ومقصد الشريعة من نظام هيئة القضاء كلها على الجملة أن يشتمل على ما فيه إعانة على إظهار الحقوق وقمع الباطل الظاهر والخفي… وقد ظهر أن مقصد الشريعة من القاضي إبلاغه الحقوق إلى طالبيها، وذلك يعتمد أمورًا: أصالة الرأي، والعلم، والسلامة من نفوذ غيره عليه، والعدالة» وهي «الوازع عن الجور في الحكم والتقصير في تقصِّي النظر في حجج الخصوم؛ فإن القضاء أمانة ولذلك قرنه الله بالأمانات في قوله: ﴿إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل﴾[النساء:58]».[40]
  24. وقد نصت الآيات المذكورة آنفًا على العدل في جميع مجالات الحياة، جليلها وصغيرها، ليتبين أولو الألباب أن العدل – باعتباره مقصدًا قرآنيًا – يجب تحقيقه في كل علاقة بين طرفين، نُصَّ عليها في القرآن الكريم أم لم ينص؛ فوجوبه بين الرجل وأهله، وبين الحاكم والمحكومين، وفي كتابة الديون والإشهاد على الوصية، والإشهاد على الطلاق، ووجوبُه في القول وجوبَه في العمل… كل ذلك دليل يقاس به ما لم يُنَصَّ عليه من أفعال الناس وأقوالهم وعلاقاتهم وتصرفاتهم، من حيث وجوب العدل فيه، على ما نص عليه القرآن بخصوصه.
  25. وينبغي التنبه إلى أن الاحتفاء بمفهوم العدل في القرآن الكريم لا يتبين من تتبع مواضع ورود الألفاظ الدالة عليه وحدها، ففي القرآن الكريم آيات كثيرة دالة على وجوب العدل دون أن تكون متضمنة كلمة (العدل) أو (القسط)، أي إن هذه الآيات تدل على مقصد العدل، وكونه من مقاصد القرآن الكريم، بطريق الإشارة أو الإيماء دون طريق العبارة الصريحة اللفظ. مما يقتضي تأمل القرآن الكريم كله، فإن كثيرا من آياته التي لا تتضمن تلك الألفاظ تدل بمؤداها على كون العدل مقصدًا قرآنيا أساسيًا. تأمل، إن شئت، قول الله تعالى ﴿وكذلك جعلناكم أمة وسطًا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدًأ﴾[البقرة:143]. والوسط: السواء والعدل والنصف.[41]
  26. ومن أمر القرآن الكريم بالعدل، دون إيراد لفظه أو لفظ مرادف له، ما جاء في قوله تعالى: ﴿وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافًا خافوا عليهم فليتقوا الله وليقولوا قولا سديدًا﴾ [النساء:9]. ودون خوض في تأويلات المفسرين، من القدامى والمحدثين، لمعنى هذه الآية، فإن الذي يعنينا منها هو تفسير القول السديد. قال الطبري: «والسديد من الكلام هو العدل والصواب»[42] وكذلك قال القرطبي، ثم قال: «وقيل المعنى قولوا للميت قولا عدلا»،[43] أي في حال احتضاره.
  27. وأحكام الميراث مبناها كلها على العدل في قسمة المال الموروث بين مستحقيه، وهو عدلٌ لو أنفق أهل الأرض فيه أعمارهم ما هم ببالغيه، وكفى دليلا لصحة ذلك قول الله تعالى: ﴿آباؤكم وأبناؤكم لا تدرون أيهم أقرب لكم نفعًا فريضة من الله إن الله كان عليمًا حكيمًا﴾[النساء:11]. وذهب الطبري إلى أن معنى هذه الآية الكريمة أن الله تعالى «لم يزل ذا حكمة في تدبيره، وهو كذلك فيما يقسم لبعضكم من ميراث بعض، وفيما يقضي عليه من مواضع المصلحة في البدء والعاقبة».[44]
  28. ومن هذه الآيات قوله سبحانه في شأن النساء ﴿ولا تمسكوهن ضرارًا لتعتدوا﴾[البقرة:231]. وقوله: ﴿وإذا طلقتم النساء فبلغن أجلهن فلا تعضلوهن أن ينكحن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف﴾ [البقرة:232]. وقوله: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا يحل لكم أن ترثوا النساء كَرهًا ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن﴾ [النساء:19]. وقوله: ﴿وإن أردتم استبدال زوج مكان زوج وآتيتم إحداهن قنطارًا فلا تأخذوا منه شيئًا أتأخذونه بهتانًا وإثمًا مبينًا﴾[النساء:20].
  29. وتأمل، كذلك، الآيات الكريمة الدالة على التوسط في الأمور المذكورة فيها، من مثل قوله تعالى: ﴿ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسُطها كل البسط فتقعد ملومًأ محسورًا﴾ [الإسراء:29]، وقوله ﴿وابتغ فيما آتاك الله الدار الآخرة ولا تنْسَ نصيبك من الدنيا﴾[القصص:77]، وقوله سبحانه ﴿والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما﴾ [الفرقان:67]. فهذه الآيات، ونظائرها، تدل على معنى العدل وإن لم يرد فيها لفظه أو لفظ مرادف له.[45]
  30. ونظائر هذه الآيات الكريمة كثيرة جدًا في القرآن الكريم، وهي مفرقة في مجالات متعددة، الأمر الذي يدل على أن مقصد العدل مقصد محيط، في التشريع القرآني، بأحكام العلاقات الإنسانية كافة. ولينظر من شاء في أحكام الزواج والطلاق والميراث والوصية، والبيع والشراء، والحدود والقصاص فإنه يجد مدار الأمر فيها على العدل ومناط النهي فيها هو الظلم. وهذا قاطع في اعتبار العدل مقصدًا قرآنيًا يُتحرى ويُتبع ويُؤمر به ويُنهى عن ضده، وهو الظلم، في أي نوع من أنواع العلاقات الإنسانية.[46]

[1] محمد حسن جبل، المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم، مكتبة الآداب، القاهرة 2010، ج3 ص 1423. والمواضع التي أريد بها غير المعني المذكور هي: ﴿ولا يؤخذ منها عدل﴾[البقرة 48 و123]، فالمراد هنا الفدية؛ ﴿أو عدل ذلك صيامًا﴾[المائدة:95]، والآية فيمن قتل الصيد وهو محرم والمراد صيام أيامٍ تساوي قيمة الصيد المقتول، وللعلماء في تحديد تلك الأيام أقوال عدة، انظر: ابن عطية، المحرر الوجيز، ط دار ابن حزم، بيروت 1423هــ / 2002م عند تفسير الآية؛ ﴿وإن تعدل كل عدل لا يؤخذ منها﴾[الأنعام:70]، أي إن تَفْدِ النفسُ الكافرةُ يوم القيامة بكل فداء لا يقبل منها؛ ﴿ثم الذين كفروا بربهم يعدلون﴾[الأنعام:1]، أي يشركون بأن يُسووا بين الله تعالى وبعض خلقه. ومما يخرج عن معنى العدل الذي هو ضد الظلم -ولم يذكره- قوله تعالى ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك[الانفطار:7]، فمعناه جعلك أيها الإنسان معتدلا سَوي الخلْق.

 

[2] الدامغاني، السابق، الموضع نفسه. وهو يرى أن العدل في قوله تعالى:﴿إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى… ﴾[النحل:90]، يعني شهادة أن لا إله إلا الله، وهي كلمة التوحيد، ص 80.

 

[3] هذا العدد لا يشمل مواضع ورود لفظ (العدل) ومشتقاته حيث قصد به معنى آخر.

 

[4] محمد الطاهر بن عاشور، التحرير والتنوير، دار سحنون، تونس 1997، ج3 ص 101 و105.

 

[5] الشوكاني، فتح القدير الجامع بين فنيَّ الرواية والدراية من علم التفسير، دار ابن حزم ودار الورّاق، بيروت 2000، ص 255؛ وابن عطية، المحرر الوجيز، دار ابن حزم، بيروت 2002، ص 259.

 

[6] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 93-95، وص 224 في تفسير الآية 135 من سورة النساء.

 

[7] الشوكاني، فتح القدير، السابق، ص 391.

 

[8] راجع، في تقريب هذا المعني، كتابيْ الأخ العلامة الدكتور أحمد الريسوني: مقاصد المقاصد، الشبكة العربية للأبحاث والنشر بيروت، ومركز المقاصد للدراسات والبحوث، الرباط، الطبعة الثالثة 2014؛ والذريعة إلى مقاصد الشريعة، دار الكلمة، القاهرة 2015.

 

[9] الطبري، جامع البيان عن تأويل آي القرآن، تحقيق عبد الله التركي، دار عالم الكتب، الرياض 1434هــ / 2013، ج14 ص 334.

 

[10] المصدر نفسه.

 

[11] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، دار الكتاب العربي، القاهرة 1387هـــ / 1967م (مصورة عن طبعة دار الكتب المصرية)، ج10 ص 160.

 

[12] فتح القدير، السابق، ص 969.

 

[13] ابن عطية، السابق، ص 111.

 

[14] ابن عاشور، التحرير والتنوير، السابق، ج 14 ص 255.

 

[15] المصدر نفسه، ص 254.

 

[16] الشوكاني، السابق، ص 971.

 

[17] القرطبي، السابق، ص 165.

 

[18] فتح القدير، السابق، ص 1585,

 

[19] تفسير الطبري، ج20، ص 486.

 

[20] تفسير القرطبي، ج 16 ص 13.

 

[21] انظر تفسير الآية في: ابن عاشور، السابق.

 

[22] ابن عاشور، السابق، ج28 ص 309 وفي مقتضى صيغة الأمر: هل هو للوجوب أم للندب، وهل يشمل الفراق والرجعة أم يقتصر على الرجعة وحدها؟ خلاف فقهي لخّصه ابن عاشور في هذ الموضع.

 

[23] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 114، في تفسيره لآية سورة البقرة 282.

 

[24] ابن عاشور، السابق، ج8، ص 166-168. وكلامه نفيس فراجعه.

 

[25] الشوكاني، السابق، ص 556.

 

[26] ابن عطية، السابق، ص 487.

 

[27] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 218. والمعلقة التي ليست أيمًا ولا ذات زوج.

 

[28] الشوكاني، السابق، ص 421. والقصد بعبارة «ترك الجور كل الجور في وسع الرجل» هو أن بعض الجور ملازم لعدم استطاعة العدل الكامل بين النساء، فكانت الرخصة فيما لا يمكن التخلص منه مما لا تصبح مضارة المرأة معه كاملة أو مؤذية لها بمثل إيذاء المعلقة.

 

[29] ابن عاشور، المصدر نفسه، الموضع نفسه.

 

[30] ابن عاشور، السابق، ج7 ص 47؛ الشوكاني، السابق، ص 493.

 

[31] ابن عطية، السابق، ص 508؛ الشوكاني، السابق، ص 450.

 

[32] ابن عاشور، السابق، ج26 ص 240؛ الشوكاني، السابق، ص 1662.

 

[33] ابن الجوزي، زاد المسير، المكتب الإسلامي، بيروت، 1384هــ / 1964م، ج1 ص 362؛ الشوكاني، السابق، ص 274؛ ابن عطية، السابق، ص 284.

 

[34] ابن عاشور، السابق، ج3 ص 187.

 

[35] ابن عاشور، السابق، ج5 ص 225. والمقصود بأنها كلمة معربة أنها نقلت إلى العربية من كلمة just الإنجليزية ونظيراتها في اللغات الأوروبية الأخرى. وتأمل ما ذكرناه في الحاشية رقم 53 الآتية.

 

[36] الشوكاني، السابق، ص 422.

 

[37] ابن تيمية، السياسة الشرعية، دار الشعب، القاهرة 1969، ص 26؛ وقرب: الشيخ محمود شلتوت، الإسلام عقيدة وشريعة، دار القلم، القاهرة 1964، ص 466. وحديث جابر رواه سعيد بن منصور في سننه، القسم الثاني من المجلد الثالث، تحقيق حبيب الرحمن الأعظمي، دار الكتب العلمية، بيروت د.ت، رقم 2935 ص 335 وقد أورده ابن تيمية بصيغة التمريض (رُوي) إشارة إلى ضعفه عنده. والصواب أن الكلام ليس لجابر t ولكنه لرجل ممن كانوا خرجوا على عثمان t قاله يسوِّغُ به خروجه. وهو هكذا في المستدرك يرويه جابر عن هذا الخارج على عثمان t وصحح الحاكم رواية جابر وتابعه الذهبي. راجع المستدرك، الحديث 5939، ط دار الفكر، تحقيق دكتور محمود مطرجي، بيروت 1422 / 2002، ج4 ص 151.

 

[38] ابن عطية، السابق، ص 1828.

 

[39] ابن عاشور، السابق، ج27 ص 415. وقارن ما نقلناه عنه في تفسير الآية (135) من سورة النساء في الفقرة رقم (27) من هذا البحث. فقد ذهب هناك إلى خصوص القسط وعموم العدل، وهو هنا يقول بالعكس، أو هكذا يبدو والله تعالى أعلم.

 

[40] باختصار في مواضع النقط من: محمد الطاهر بن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية، تحقيق محمد الطاهر الميساوي، السابق، ص 495-503. وهو في الطبعة التي حققها الشيخ محمد الحبيب بن الخوجة ج3 ص 518-529.

 

[41] الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، تحقيق صفوان داوودي، دار القلم، دمشق 1423ه / 2002م، ص 869.

 

[42] الطبري، جامع البيان، ج6 ص 453.

 

[43] القرطبي، الجامع لأحكام القرآن، ج 5 ص 52 و53، وهذا القول الثاني المراد به أن يقال ذلك عند احتضار الشخص فتكون تسميته «ميتًا» بحسب المآل، وشرح القرطبي القول العدل بأنه تلقين الميت «لا إله إلا الله» بأن يقولها الحاضر عنده بحيث يسمعه إياها ولكن لا يأمره بقولها. وفي الآية أقوال أخرى لكن ما نقلناه عن الطبري والقرطبي هو الصواب إن شاء الله.

 

[44] الطبري، السابق، ص 473؛ وانظر: القرطبي، السابق، ص 75.

 

[45] لفتني إلى هذه الآيات ودلالتها سؤال أوردته الابنة الأستاذة أمل العشماوي في أثناء تعليقات المشاركين في الدورة الثانية لمقاصد القرآن الكريم بعد تقديم هذه الدراسة.

 

[46] راجع: دكتور علي الزوبي، السابق، ص 67.

© 2018 Your Company. All Rights Reserved. Designed By Tripples