موقع حوارات

موقع حوارات

يُعتبر مشروع تقنين الشريعة الإسلامية الذي أعدته لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب المصري واحدًا من أهم المحاولات المؤسسية في العصر الحديث لتحويل أحكام الفقه الإسلامي إلى مواد مقننة. بدأ هذا المشروع في عهد الرئيس الراحل محمد أنور السادات، وتحديدًا في يوم 4 نوفمبر 1978، حين أعلن الدكتور صوفي أبو طالب[1] -في بيانه بعد انتخابه رئيسًا لمجلس الشعب مباشرة- أنه: "قد آن الأوان لإعمال نص المادة الثانية من الدستور التي تقضي بأن مبادئ الشريعة الإسلامية مصدر رئيسي للتشريع، بحيث لا يقتصر الأمر على عدم إصدار تشريعات مخالفة لهذا النص، بل يتعداه إلى مراجعة كل قوانيننا السابقة على تاريخ العمل بالدستور وتعديلها بالاعتماد على الشريعة الغراء".

وفي 17 ديسمبر 1978، وافق مجلس الشعب على قرار تشكيل لجنة خاصة تتولى دراسة جميع الاقتراحات بمشروعات قوانين تطبيق الشريعة الإسلامية. عُقد أول اجتماع للجنة في 20 ديسمبر 1978 برئاسة الدكتور صوفي أبو طالب. ضمت اللجنة صفوة من علماء الشريعة والقانون من الأزهر والجامعات المصرية والقضاء ورجال الدين المسيحي لضمان قبول التشريع من فئات المجتمع المختلفة.

وقد بدأت اللجنة، تيسيرًا للعمل ورغبة في الإسراع في إنجاز مهمتها، بتشكيل سبع لجان فرعية، هي لجان التقاضي، والقوانين الاجتماعية، والمعاملات المالية والاقتصادية، والقانون المدني، والعقوبات، والتجارة، والتجارة البحرية. وقررت اللجنة الخاصة عرض ما تنجزه اللجان أولا بأول على الأزهر الشريف وأساتذة كلية الحقوق، فبعثت إليها بهذه الأعمال لإبداء الرأي في شأنها، وقد روجعت بعض المشروعات المقترحة في ضوء ما انتهى إليه من رأي أو اقتراحات من تلك اللجان.

استمرت اللجان في عملها ما يقارب الأربع سنوات إلى أن عقد مجلس الشعب في أول يوليو 1982م جلسة تاريخية بمعنى الكلمة، أعلن فيها إنجاز تلك المشروعات، واستهلها رئيس المجلس أ. د. صوفي أبو طالب -رحمه الله- بأن ألقى بيانًا مهمًّا حول الملامح الأساسية للمشروعات التي تم إنجازها على مدى أربع سنوات، مع الإشارة إلى الجهود الكبيرة التي بذلت في هذا الشأن مع الإشارة إلى متطلبات المرحلة المقبلة كي يتم إعداد المجتمع لتطبيق تلك القوانين بعد إصدارها، ثم طلب من رؤساء اللجان عرض الملامح الرئيسية لكل مشروع على حدة، ثم فتح الباب لبقية الأعضاء للحديث حول هذا الإنجاز، فتكلم بعضهم وأشادوا به إشادة كبيرة.

ومما جاء في بيان رئيس المجلس:

"وأهم الملامح الأساسية للتقنينات الجديدة تظهر فيما يأتي:

1) إن هذه التقنينات مأخوذة من الشريعة الإسلامية نصًّا أو مخرجة على حكم شرعي أو أصل من أصولها، وذلك دون التقيد بمذهب فقهي معين، ومن هنا استنبطت الأحكام من آراء الفقهاء التي تتفق وظروف المجتمع. ولست في حاجة إلى أن أذكر لحضراتكم أن الأحكام الشرعية تنقسم الى قسمين:

النوع الأول: أحكام قطعيةُ الثبوت والدلالة ولا مجال للاجتهاد فيها.

النوع الثاني: أحكام اجتهادية؛ إما لأنها ظنية الثبوت، وإما لكونها ظنية الدلالة، ومن المسلَّم بالنسبة للأحكام الاجتهادية أنها تتغير بتغيير الزمان والمكان، الأمر الذي أدى إلى تعدد المذاهب الإسلامية بل والآراء داخل المذهب الواحد وهو ما أعطى للفقه الإسلامي مرونة وحيوية أمكن معها القول بأن الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان.

2) حرصت اللجان الفنية التي تولّت إعداد هذه التشريعات على بيان الأصل الشرعي لكل نص من النصوص أو الأصل أو المبدأ الذي خرجت الحكم عليه حتى يكون الرجوع في التفسير والتأويل إلى مراجع الفقه الإسلامي بدلًا من الالتجاء دائما إلى الفقه الأجنبي.

3) أما بالنسبة للعلاقات الاجتماعية والمعاملات المالية الجديدة التي استحدثت ولم يتطرق لها فقهاء الشريعة اجتهدت اللجان في استنباط الأحكام التي تتفق وظروف المجتمع وروح العصر بشرط مطابقتها لروح الشريعة الإسلامية وأصولها، ومن أمثلة ذلك معاملات البنوك والتأمينات وطرق استثمار المال... إلخ.

4) إنه في سبيل الحفاظ على التراث الفقهي المصري ومبادئ القضاء التي استقرت طوال القرن الماضي فقد حرصت اللجان على الأخذ بالمصطلحات القانونية المألوفة ولم تخرج عليها في الصياغة إلا إذا اقتضت الضرورة ذلك، أما المضمون والمعاني فهما مطابقان للفقه الإسلامي.

والتشريعات التي تم إنجازها هي:

1) مشروع قانون المعاملات المدنية ويقع في (1136 مادة).

2) مشروع قانون الإثبات ويقع في (181 مادة)، ومشروع قانون التقاضي ويقع في (513 مادة).

3) مشروع قانون العقوبات: القسم العام والحدود والتعزيرات ويقع في (630 مادة).

4) مشروع قانون التجارة البحرية ويقع في (443 مادة).

5) مشروع قانون التجارة ويقع في (772 مادة)".

وقد انتهت الجلسة بموافقة أعضاء مجلس الشعب بالإجماع على إحالة مقترحات مشروعات القوانين جميعها إلى اللجنة الدستورية والتشريعية تمهيدًا لاستكمال إجراءات إصدارها، إلا أن هذه المشروعات لم تصدر، بل جرى تجاهلها وكأنها لم تكن!

 

الأسباب وراء توقف المشروع:

رغم الإنجاز الكبير والموافقة البرلمانية، توقف المشروع عن التطبيق لأسباب متعددة أوضحها الدكتور صوفي أبو طالب في لقاءاته اللاحقة:

  1. التغيير السياسي: أو "الظروف السياسية" (كما عبر عنها الدكتور رفعت المحجوب رئيس مجلس الشعب لاحقًا)، والتي كان أبرزها اغتيال الرئيس السادات في أكتوبر 1981، حيث أدى ذلك إلى تغيير في التوجهات السياسية، فقد ترددت القيادة السياسية الجديدة، أو بالأحرى لم ترغب في إتمام إجراءات إصدار مشروعات القوانين.
  2. الثورة الإيرانية (1979)تهديدات إيران بتصدير الثورة خلق مخاوف من أن تطبيق الشريعة قد يحول مصر إلى إمارة إسلامية على النمط الإيراني.
  3. التجربة السودانية: تطبيق جعفر النميري للشريعة في السودان بطريقة متطرفة خلق أجواء من الحذر والخوف من مفهوم تطبيق الشريعة بشكل عام.

 

التأثير والاستفادة:

يُمثل مشروع قوانين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة الذي أعدته لجنة تقنين الشريعة الإسلامية بمجلس الشعب المصري تحت قيادة الدكتور صوفي أبو طالب وبمشاركة علماء أجلاء، مثل الإمام الأكبر جاد الحق علي جاد الحق (شيخ الأزهر)، إنجازًا علميًا وفقهيًا متميزًا يشهد على إمكانية تطبيق الشريعة الإسلامية في العصر الحديث. رغم توقف تطبيق هذا المشروع لأسباب سياسية وإقليمية، فإنه يبقى مرجعًا مهمًا للباحثين والمهتمين بتقنين الشريعة، ونموذجًا يُحتذى به في الجمع بين الأصالة الإسلامية والمعاصرة القانونية. يُعتبر هذا المشروع من أهم جهود تقنين الشريعة الإسلامية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين. يصنفه الباحثون مع مجلة الأحكام العدلية العثمانية ومجموعة محمد قدري باشا كأحد أبرز المحاولات التاريخية لتقنين الفقه الإسلامي. إن هذا المشروع، الذي استغرق إعداده حوالي أربع سنوات وأنتج أكثر من 3000 مادة قانونية موثقة ومدروسة، يُعتبر شاهدًا على "لحظة صدق للدولة المصرية مع نفسها ونزعتها الأصيلة كي تتطابق مع إرادة مجتمعها وتتصالح مع أصل أصول هويتها". ويبقى الأمل قائمًا في أن تأتي "أقرب فرصة: لتشهد تطبيق هذا الإرث العلمي الثمين الذي يجمع بين حكمة الشريعة الإسلامية ومتطلبات العصر الحديث".

وقد استفادت دول عربية وإسلامية أخرى من هذا العمل المصري. على سبيل المثال، أكد الدكتور خالد المذكور رئيس اللجنة العليا لاستكمال تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية على استفادة اللجنة من تلك المشاريع حيث ذكر ما يأتي: "استفدنا كثيرًا من التجربة المصرية هذه لما كانت تتمتع به من ثراء وتنوع".

 

تقييم التجربة:

ذكر د. حازم علي ماهر في كتابه "تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية" العديد من الدلالات الإيجابية وغير الإيجابية لتك التجربة، وننقل عنه بعض ما أورده بشأن تلك الدلالات:

من الدلالات الإيجابية:

"1) إن الطابع الاحتفالي الذي شهدته المناقشات وترحيب جميع من تحدث من فيها بإنجاز مشروعات التقنين المستمدة من الشريعة الإسلامية، سواء كانوا مسلمين أو مسيحيين، ينتمون إلى الحكومة أو إلى المعارضة... إلخ، هو أمر مهم يعطي مؤشرًا على مدى إجماع نواب مجلس الشعب -في تلك الجلسة- على استكمال قوانين الشريعة الإسلامية، وتفعيل المادة الثانية من الدستور، بغض النظر عن حقيقة بواعث هذا الإجماع.

2) إن تشكيل اللجان كان جامعًا لرجال الفقه الإسلامي والقانون الوضعي وهو أمر يدحض الطبيعة الصراعية بين المجالين، ويوضح أن المسافات بينهما ليست بعيدة كثيرًا كما يتصور البعض، وهو أمر ثبت من قبل كثيرًا؛ فإنه كلما ابتعدت الموانع والخلافات السياسية وعمل الفقهاء من الجانبين معًا في صمت لاستعادة مصدرية الشريعة للنظام القانوني كانت النتيجة مبهرة وناجحة.

3) من الملاحظ أن تكوين اللجان التي وضعت مشروعات التقنين لم يكن قائمًا على أساس سياسي أو أيديولوجي، بل كان فنيًّا يعتمد على كفاءة الأعضاء وخبراتهم من الناحية العلمية وإلى حد ما العملية، ويظهر ذلك بالاطلاع على أسماء المشاركين في تلك اللجان والتي سلف ذكرها من قبل، وهذا أفضل من الناحيتين العلمية والسياسية باعتبار أن العمل لن يكون منسوبًا لجهة ما أو جماعة سياسية معينة، بل منسوبًا للأمة ككل، وهو أمر يصب في إعادة الاعتبار للجانب الثقافي في قضية تطبيق الشريعة الإسلامية على حساب الجانب السياسي الذي تضخم كثيرًا وكان معيقًا للتطبيق أكثر منه ممهدًا له ومعاونًا.

4) من الواضح أن القائمين على أمر تلك المشروعات كانوا مدركين تمامًا لفكرة أن تطبيق الشريعة الإسلامية لا تنحصر فقط في استبدال مواد مطابقة للشريعة بأخرى مخالفة لها، بل إن الأهم من ذلك هو أن تكون مرجعية التشريع (أو مصدريته) هي للشريعة الإسلامية، ويظهر ذلك -على سبيل المثال- مما جاء في بيان السيد رئيس مجلس الشعب من أن اللجان الفنية التي تولت إعداد هذه التشريعات حرصت على بيان الأصل الشرعي لكل نص من النصوص أو الأصل أو المبدأ الذي خرجت الحكم عليه حتى يكون الرجوع في التفسير والتأويل إلى مراجع الفقه الإسلامي بدلا من الالتجاء دائمًا إلى الفقه الأجنبي.

5) إن اللجان اعتمدت التفرقة بالنسبة للشريعة الإسلامية، بين نصوصها قطعية الثبوت والدلالة التي أقرت بأنها لا مجال للاجتهاد فيها واعتبرتها من النظام العام الذي لا يجوز الخروج عليه، وأحكامها الاجتهادية ظنية الثبوت أو الدلالة أو الاثنين معًا... وفي هذا إدراك جيد لطبيعة أحكام الشريعة الإسلامية التي تشتمل على أحكام قطعية لا يجوز الخروج عليها بأي حال من الأحوال، وتلك الأحكام الاجتهادية التي تتغير بتغير الأزمنة والأمكنة والأشخاص والأحوال وفق ضوابط الاجتهاد وبما يحقق مصالح العباد التي لا تتعارض مع ثوابت الشرع، غير أن هناك تحفظًا مهمًّا في قصْرها أحكام الشريعة القطعية على النصوص قطعية الورود والدلالة سنورده تفصيلًا عند نقد موقف المحكمة الدستورية العليا التي تبنت الرأي نفسه واستقرت عليه في أحكامها.

6) إن اللجان راعت كذلك الحفاظ على التراثين: الفقهي والقانوني، ومبادئ القضاء التي استقرت منذ إقصاء الشريعة الإسلامية عن التطبيق في نهايات القرن التاسع عشر، وراعت كذلك ألا تقوم بإلغاء تلك القوانين جملة واحدة كما كان يطالب البعض، بل حرصت فقط على تنقيتها مما يخالف الشريعة الإسلامية، وردها إلى الأصول الشرعية بالقدر المتاح، وهو اختيار موفق يمنع من اهتزاز النظام القانوني المستقر في الدولة منذ أكثر من قرن من الزمان.

7) إن اللجان لم تقتصر فقط على عملية "أسلمة" القوانين -بالمعنى الضيق المنغلق- بل إنها سعت إلى هدف آخر يتمثل في إصلاح ما أثبته الواقع العملي من قصور في بعض نصوصها، حتى إن رئيس لجنة المعاملات المدنية -على سبيل المثال- ذكر أن اللجنة قد أخذت في الاعتبار بصفة عامة عند وضع نصوص المشروع "كل ما أبداه الفقه من ملاحظات على النصوص الحالية، وكل ما كشف عنه التطبيق العملي من نقص أو قصور في هذه النصوص، بحيث يعتبر هذا العمل في حد ذاته تنقيحًا للتقنين الحالي"، وهو أمر يؤكد مدى الاستيعاب لمفهوم الأسلمة نفسه، من حيث إنه يهدف إلى تحقيق مصالح الناس التي أقرها الشرع أو على الأقل لم يعارضها، وهو ما يتحقق بتطوير التشريعات التي يخضعون لها بما يراعي المستجدات في تعاملاتهم، وكذلك سد النقص في القوانين الذي كشف عنه تطبيقها في الواقع العملي.

8) إن اللجان الفنية قد برهنت على إدراكها لأهمية تضييق الفجوة بين القانون والأخلاق، وظهر ذلك من كلمة رئيس لجنة المعاملات المدنية كذلك حين أكد أن مشروع القانون رفع "العديد من الواجبات الخلقية الدينية إلى مستوى الواجبات القانونية، وذلك حرصًا على التضييق من مسافة الخلف بين القانون والأخلاق"، وهو أمر مهم يدل على وعي أعضاء تلك اللجان بالاختلاف بين خصائص الشريعة الإسلامية وخصائص القانون الوضعي، شرط عدم التوسع في الإلزام بالقواعد الخلقية عن طريق سلطة الدولة وتقنيناتها، حتى لا يكون عبئًا على حريات المواطنين وخياراتهم، مما قد يجعلهم يضيقون بتلك القواعد، وقد تؤدي إلى عكس مقصودها، بأن تشيع صفات سلبية بين الناس، كالنفاق، والرياء، وغيرهما، والأولى تركها للمجتمع، أو ما يسمى بآلية الضبط الاجتماعي.

9) إن فكرة الاستفادة من الفكر القانوني الإنساني المتقدم، والأخذ منه ما يتناسب مع مجتمعاتنا بما لا يخالف مبادئ شريعتنا، لم تكن غائبة كذلك عن اللجان التي وضعت تلك المشروعات، بل على العكس من ذلك، فإنهم تحدثوا صراحة عن ترحيبهم بذلك ومراعاته في مشروعات القوانين التي أنجزوها، ومنهم رئيس لجنة المعاملات المدنية كذلك، الذي قال في كلمته: "وروعي في ذلك [أي في عملية التقنين التي قامت بها اللجنة] ما خضع له علم القانون من تطور وما أصابه من تقدم، وذلك في ضوء تطور المجتمع الإسلامي وتقدم الفكر الإنساني"، وما أكده كذلك كل من رئيس لجنة قانون التجارة البحرية، ورئيس لجنة القانون التجاري من مواكبة أحدث الاتجاهات في مجال التشريعات التجارية، مع مراعاة المعاهدات والاتفاقات الدولية التي انضمت إليها مصر".

 

ومن الدلالات غير الإيجابية بحسب د. حازم:

  • تشكيل اللجان اقتصر -في أغلبه- على المختصين بالقانون والشريعة دون غيرهم من أهل الخبرة والاختصاص.
  • التقنينات المنتقاة خلت من القوانين المتعلقة بنظام الحكم وحماية حقوق الإنسان وحرياته.
  • المناقشات والتقنينات وقعت في الخلط بين مصطلح الفقه الإسلامي ومفهوم الشريعة الإسلامية.
  • لم تحدد التقنينات معيارًا لتحديد المخالفات الشرعية ومنهج التعامل معها.

 

ويجدر التنويه في الختام إلى أن النسخة المتداولة بين أيدينا هي طبعة صادرة سنة 2013م عن دار ابن رجب بالمنصورة ودار الفوائد بالقاهرة، بتقديم الشيخ وحيد عبد السلام بالي[2]. غير أنّ هذه الطبعة لا تشمل جميع مشروعات التقنين، إذ خلت من ملف مشروع قانون التجارة البحرية ومذكرته الإيضاحية، وقد قمنا بالحصول على نصوص هذا المشروع ومذكرته الإيضاحية وأتحناهما للتحميل على الشبكة لأول مرة -حصريًا- رفق الأجزاء الخمسة المطبوعة المحتوية على بقية المشروعات.

إن نشر كافة هذه المشروعات والتعريف بها يُعدّ استكمالًا لجهودنا الرامية إلى إبراز المحاولات المهمة التي جرت لتفعيل العلاقة بين الشريعة والقانون من منظور علمي وثقافي بعيدًا -إلى حد كبير- عن أي تحيزات أو إملاءات أو أيديولوجيات سياسية.

 

الجلسات التمهيدية

1) مشروع قانون المعاملات المدنية.

2) مشروع قانون الإثبات، ومشروع قانون التقاضي.

3) مشروع قانون العقوبات: القسم العام والحدود والتعزيرات.

4) مشروع قانون التجارة البحرية.

5) مشروع قانون التجارة.


____

المصادر:

  1. صوفي أبوطالب لـ «البيان»: ثورة إيران وتجربة السودان ساعدتنا بتأجيل تطبيق الشريعة، البيان، 1 يونيو 2002، https://www.albayan.ae/one-world/2002-06-02-1.1314366
  2. محمد شافعي مفتاح، تقنين الأحكام الفقهية في القرنين الرابع عشر والخامس عشر الهجريين: دراسة لثلاثة نماذج، دار المنظومة، https://search.mandumah.com/Record/1310238
  3. إبراهيم البيومي، ثورة 1919: جدليات الشريعة والهوية والاستقلال والحرية، إضاءات، 17 مارس 2019، https://www.ida2at.com/revolution-1919-arguments-sharia-identity-independence-freedom/
  4. حازم علي ماهر، تطبيق الشريعة الإسلامية والنصوص الدستورية، دار النهضة العربية- القاهرة، ودار النهضة العلمية- الإمارات، عام 2018م.
  5. إسلام هلال، تقنين الشريعة الإسلامية بين الجهد العلمي والسلطة السياسية، سبل، 5 أكتوبر 2022، https://subulmagazine.com/?p=1325
  6. أسرار التجربة المصرية في تقنين وتطبيق الشريعة الإسلامية، الوطن الكويتية، 12 سبتمبر 2013، https://alwatan.kuwait.tt/articledetails.aspx?id=303844&yearquarter=20133
  7. جمال الدين عطية، تاريخ تقنين الشريعة الإسلامية، المسلم المعاصر، https://2u.pw/5YKb5.

 

[1] أ. د. صوفي حسن أبو طالب (27 يناير 1925 – 21 فبراير 2008) أستاذ قانون ومؤرخ قانون مصري من مركز طامية بمحافظة الفيوم؛ تخرج من كلية الحقوق بجامعة القاهرة وحصل على دراسات عليا من جامعات باريس وروما، وتدرّج أكاديميًا حتى شغل مناصب قيادية في جامعة القاهرة ثم انتقل إلى العمل البرلماني فانتُخب رئيسًا لمجلس الشعب (أواخر 1978–أواخر 1983)، وتولّى رئاسة الجمهورية مؤقتًا بعد اغتيال الرئيس محمد أنور السادات في الفترة 6–14 أكتوبر 1981؛ عرف عنه الجمع بين السيرة الأكاديمية والحياة العامة وتلقى عدة تكريمات وطنية ودولية قبل أن يتوفى عام 2008.

[2] لجنة تقنين الشريعة الإسلامية، مشروعات تقنين الشريعة الإسلامية على المذاهب الأربعة، تحقيق وتقديم: وحيد عبد السلام بالي، دار ابن رجب بالمنصورة، ودار الفوائد بالقاهرة، 2013م.

أعلنت الأمم المتحدة رسميًا وقوع مجاعة في قطاع غزة، ووصفت الوضع القائم بأنّه «كارثة من صنع الإنسان»، محذِّرة من أنّ ما يقارب نصف مليون شخص يواجهون خطر الجوع الكارثي. ويكتسب هذا الإعلان أبعادًا قانونية وإنسانية وسياسية بالغة الأهمية؛ إذ يُذكّر صراحةً بالقاعدة المستقرة في القانون الدولي الإنساني التي تحظر استخدام التجويع كوسيلة من وسائل الحرب، وتُلزم قوة الاحتلال بضمان توفير الإمدادات الأساسية والضرورية لسكان الأراضي المحتلة. وبذلك، فإن الإعلان لا يقتصر على كونه توصيفًا لحالة إنسانية حرجة، بل يُمثل كذلك مؤشرًا قانونيًا ومعياريًا يمكن أن يشكّل منطلقًا لتفعيل آليات المساءلة الدولية وإعادة توجيه الاهتمام السياسي والحقوقي نحو حماية المدنيين وإنقاذ حياتهم.

الوقائع والسياق:

يشير الإعلان الأممي عن المجاعة في قطاع غزة إلى وجود نقص حاد في الغذاء والمواد الأساسية، بما يهدّد بصورة مباشرة حياة المدنيين، مع تقديرات تفيد بأن ما يقارب نصف مليون شخص معرّضون لمرحلة جوع كارثي. وفي هذا الإطار، صرّح الأمين العام للأمم المتحدة واصفًا الوضع القائم بأنّه «كارثة من صنع الإنسان»، في إشارة واضحة إلى الطابع غير الطبيعي للأزمة وإلى مسؤولية بشرية في تفاقمها.

ومن منظور القانون الدولي، يرى عدد من الخبراء أنّ هذا الإعلان لا يقتصر على كونه توصيفًا لحالة إنسانية بالغة الخطورة، بل يرقى إلى مرتبة تُحوّل الأزمة من مجرد مأساة إنسانية إلى توصيف ذي آثار قانونية، يمكن أن يُفضي إلى مساءلة جنائية دولية. كما يُعدّ الإعلان مدخلًا لإطلاق إجراءات سياسية ودبلوماسية ضد الجهة أو الجهات المتورطة في عرقلة وصول المساعدات الإنسانية، بما يضع أساسًا لإعمال قواعد القانون الدولي الإنساني وآلياته ذات الصلة بالمساءلة.

 

الإطار القانوني ذي الصلة

 

أ. مبادئ القانون الدولي الإنساني (IHL)

حظر التجويع كسلاح حرب: ينص القانون الدولي الإنساني على تحريم استخدام التجويع ضد السكان المدنيين أو عرقلة وصول الإمدادات الأساسية (البروتوكول الإضافي الأول لاتفاقيات جنيف 1977، المادة 54). كما أكدت اتفاقية جنيف الرابعة على أن تدمير المواد الضرورية لبقاء المدنيين أو منعها عنهم يشكل انتهاكًا جسيمًا (اتفاقية جنيف الرابعة 1949، المادة 33 وما بعدها).

التزامات القوة القائمة بالاحتلال: تفرض اتفاقية جنيف الرابعة على القوة المحتلة التزامًا بضمان توفير الغذاء والدواء للسكان، وتأمين مرور المساعدات الإنسانية دون عوائق (اتفاقية جنيف الرابعة 1949، المواد 55–59). والإخلال بهذه الالتزامات يُعد انتهاكًا جسيمًا يمكن أن يرقى إلى جريمة حرب.

 

ب. القانون الجنائي الدولي (نظام روما الأساسي)

جرائم الحرب: نص نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية على أن "استخدام تجويع المدنيين كأسلوب من أساليب الحرب، بحرمانهم من المواد التي لا غنى عنها لبقائهم، بما في ذلك عرقلة الإمدادات" يُعد جريمة حرب (نظام روما الأساسي 1998، المادة 8(2)(ب)(xxv)). ويُرتب ذلك مسؤولية جنائية مباشرة على القادة السياسيين والعسكريين متى ثبت توافر القصد أو الإهمال الجسيم.

 

ج. مبادئ مسؤولية الدول وحماية المجتمع الدولي

مسؤولية الحماية (R2P): اعتمد مؤتمر القمة العالمي للأمم المتحدة عام 2005 مبدأ "مسؤولية الحماية" الذي يوجب على المجتمع الدولي التدخل (بالوسائل السلمية أولًا، ثم بوسائل أخرى إذا فشلت) عندما تفشل الدولة أو السلطة القائمة بالاحتلال في حماية السكان من الجرائم الفظيعة مثل الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية (وثيقة نتائج القمة العالمية 2005، الفقرة 138–139).

 

البُعد التقني لتعريف «المجاعة» ودلالته القانونية:

تَصدُر اعتبارات إعلان المجاعة عن مؤشرات فنية موحَّدة (مثل تصنيفات IPC والبيانات التغذوية ومعدلات الوفيات المرتبطة بسوء التغذية) التي تعتمدها وكالات الأمم المتحدة المتخصّصة. وعندما تُعلِن جهات أممية أن مؤشرات معيَّنة قد بلغت حدود المجاعة، تصبح تلك الوثائق دليلًا فنيًا مُعتَمدًا يُستخدم في تقييم مستوى الخطر الإنساني، كما تُعدّ مؤشرًا مرجعيًا أمام آليات المساءلة. ومن ثَمّ، فإن الأثر القانوني للإعلان لا يقتصر على مجرد وصف إعلامي، بل يمتد ليشكّل وثيقة تقنية مُؤسِّسة لمعايير تقدير الضرر ولبيان الامتناع عن توفير الإغاثة.

وتكمن قيمة الإعلان كأداة لتيسير المساءلة في أن توثيق الأمم المتحدة لحالة مجاعة يكتسب حجية إثباتية ويوفّر قاعدة مرجعية راسخة للتحقيقات، إذ تعتمد الجهات القضائية والتحقيقية على البيانات الميدانية والمقاييس التغذوية والتقارير المؤسسية لتحديد نطاق النتائج وربطها بالسياسات والإجراءات. وفي هذا السياق، تُنشئ المعلومة الأممية قرينة قانونية تقلّل من مساحة الجدل حول ثبوت النتيجة الكارثية، وتتيح للمحققين تركيز جهدهم على تحديد العلاقة السببية بين النتيجة وبين السياسات أو الإجراءات المسؤولة عنها.

أمّا عن مسارات المساءلة المتوفِّرة ضمن النظام الدولي، فتُشير مصادر أممية إلى أنّها قد تسلك مسارات متوازية:
(أ) تحقيقات جنائية أمام آليات مختصّة عند توفّر الاختصاص والأدلّة (وقد تفضي في بعض الحالات إلى ملاحقات جنائية دولية)،
(ب) دعاوى ومسارات للمسؤوليّة الدولية أمام محاكم أو محافل دولية لمعالجة خروقات الالتزامات المعاهدية،
(ج) آليات أممية مستقلّة للتحقيق والتوثيق تُهيّئ ملفات قابلة للاستخدام لاحقًا من قِبل جهات إنفاذ القانون أو آليات العدالة الانتقالية.

ويُعزِّز الإعلان الأممي عن المجاعة عمليًا إمكانيّة فتح تلك المسارات عبر توفير معطيات فنية وشرعية صالحة لانطلاق عملٍ تحقيقِي موثوق.

أمّا عن صعوبات الإثبات والقيود العملية التي تعترض التحرك القضائي، فعلى الرغم من قوة البعد التقني لإعلان المجاعة، تبقى مسائل الإثبات المتصلة بـ «العنصر المعنوي» (النية أو القصد) وتحديد المسؤولين عن السياسات أو الأوامر التي أفضت إلى النتيجة، عوامل حاسمة لنجاح أي ملاحقات جنائية. كما تُشير جهات أممية إلى تحدّيات ميدانية ملموسة، من أبرزها: صعوبة الوصول الآمن لجمع الأدلة، ضرورة حماية الشهود، وضمان الحفاظ على سلاسل حفظ الأدلة الطبية والإحصائية في مناطق النزاع. لذلك، فإنّ الإعلان الأممي يُعدّ خطوة تأسيسية مهمّة، غير أنّه لا يُغني عن عمل توثيقي منهجي ومعمّق يُشكّل أساسًا متينًا لإسناد دعاوى قانونية ناجعة.

 

الآثار القانونية المترتبة على إعلان المجاعة:

  1. تشكيل قاعدة أدلة رسمية: إعلان الأمم المتحدة له قيمة وثائقية قوية، يستخدمها المدّعون أو لجان التحقيق كعنصر إثباتي في إبراز خطورة الوضع وتوافر دلائل على نتائجه الكارثية.
  2. تحريك آليات المساءلة الدولية: الإعلان يمكن أن يدفع نحو:
  • إحالات أو ضغوط على محكمة الجنايات الدولية لفتح تحقيق أو توسيع نطاق تحقيق قائم.
  • تشكيل لجان تقصّي حقائق أممية أو تحقيقات دولية مستقلة لتوثيق الانتهاكات.
  1. مسؤولية القادة: إذا ثبت التعمّد أو الإهمال الجسيم في عرقلة وصول المساعدات أو استخدام التجويع كأداة ضغط، تقع المسؤولية الجنائية على صانعي القرار العسكريين والسياسيين وفق مبادئ القانون الجنائي الدولي.

 

يُعدّ إعلان الأمم المتحدة عن المجاعة في غزة نقطة تحوّل ذات دلالة قانونية ومعيارية عميقة، إذ لا يقتصر أثره على توصيف حالة الطوارئ الإنسانية، بل يتجاوز ذلك ليقدّم مرجعًا فنيًا معتمدًا يمكن الاستناد إليه في عمليات التوثيق، وفي تعزيز الضغوط الدولية باتجاه تحرّك إنساني وقانوني منسّق. غير أنّ القيمة القانونية للإعلان، وإن كانت راسخة في بعدها التوثيقي، تظل مشروطة بقدرة الفاعلين المعنيين على استكمالها بأدلة ميدانية رصينة تُثبت العلاقة السببية بين السياسات والممارسات من جهة، والنتائج الكارثية المترتبة من جهة أخرى، فضلًا عن ضرورة إظهار القصد الجنائي أو الإهمال الجسيم لدى صانعي القرار السياسي والعسكري. ومن ثمّ، فإن الإعلان يُوفّر أرضية صلبة للشروع في مسارات المساءلة، لكنه لا يغني عن بناء ملف إثباتي متكامل قائم على منهجية دقيقة في جمع البيانات، وحماية الشهادات، وصون سلاسل حفظ الأدلة. وفي ضوء ما تقدّم، فإن الأولوية العملية في المرحلة الراهنة تتمثّل في ضمان إنقاذ الأرواح عبر إيصال المساعدات الإنسانية العاجلة وصون المرافق والخدمات الأساسية، على أن يُنظر إلى جهود التوثيق الممنهج باعتبارها استثمارًا استراتيجيًا يمهّد لإمكان مساءلة قانونية عادلة وفعّالة في المستقبل.

_______

المصادر:

  1. Famine in Gaza: ‘A failure of humanity itself’, says UN chief, UN, 22 August 2025, https://bit.ly/4oOoYlL
  2. UN experts declare famine has spread throughout Gaza strip, UN, 09 July 2024, https://bit.ly/479v0a7
  3. UNRIC Library Backgrounder: Food Insecurity, UN, https://bit.ly/45RQki3
  4. ما هو مفهوم ومعايير المجاعة في القانون الدولي؟، مونت كالو الدولية، 4 مارس 2024، https://bit.ly/4fWJrRl
  5. "المجاعة في غزة" تُعلن رسمياً.. ماذا يعني ذلك بالقانون الدولي؟، 24 الإماراتية، 22 أغسطس 2025، https://bit.ly/3Jr0EpT
  6. خبراء يعددون لـ«العين الإخبارية» الآثار القانونية لإعلان المجاعة في غزة، العين الإخبارية، 22 أغسطس 2025، https://bit.ly/3HIjdW0

 

باسم الشعب

محكمة النقض

الدائرة العمالية

برئاسة السيد القاضي/ إسماعيل عبد السميع - نائب رئيس المحكمة

 

وعضوية السادة القضاة/ سمير عبد المنعم، الدسوقي الخولي، خالد مدكور، وطارق تميرك

نواب رئيس المحكمة

 

ورئيس النيابة السيد / أحمد غازي.

وأمين السر السيد / محمد إسماعيل.

 

في الجلسة العلنية المنعقدة بمقر المحكمة بدار القضاء العالي بمدينة القاهرة.

في يوم الأربعاء ۲۰ من ذو الحجة سنة ١٤٤٥هـ الموافق ٢٦ من يونية سنة ٢٠٢٤م.

أصدرت الحكم الآتي:

في الطعن المقيد في جدول المحكمة ٣٤١١٨ لسنة ٩٣ القضائية.

 

المرفوع من

السيد / رئيس مجلس الإدارة والعضو المنتدب لشركة الإسكندرية للصيانة البترولية بترومنت.

ضد

١ - السيدة/

- السيد/ ممثل الشئون القانونية لشركة إسكندرية للصيانة البترولية.

 

الوقائع

في يوم 15/11/2023 طعن بطريق النقض في حكم محكمة استئناف "الإسكندرية" مأمورية استئناف الإسكندرية، الصادر بتاريخ 19/9/2023م في الاستئناف رقم ۱۳۸۱ لسنة ۷۹ ق وذلك بصحيفة طلبت فيها الطاعنة الحكم بقبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع بنقض الحكم المطعون فيه.

وفي اليوم نفسه أودعت الطاعنة مذكرة شارحة وحافظة بالمستندات.

ثم أودعت النيابة مذكرتها وطلبت فيها قبول الطعن شكلًا، وفي الموضوع برفضه.

وبجلسة 24/4/2024م عرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة فرأت أنه جدير بالنظر فحددت لنظره جلسة للمرافعة وبها سمعت الدعوى أمام هذه الدائرة على ما هو مبين بمحضر الجلسة -حيث صمم محامي الطاعنة والنيابة على ما جاء بمذكرتهما- والمحكمة أصدرت الحكم بجلسة اليوم.

 

المحكمة

بعد الاطلاع على الأوراق وسماع التقرير الذي تلاه السيد القاضي المقرر.

نائب رئيس المحكمة " والمرافعة وبعد المداولة.

حيث إن الطعن استوفى أوضاعه الشكلية.

وحيث إن الوقائع - على ما يبين من الحكم المطعون فيه وسائر الأوراق - تتحصل في أن الطاعنة - شركة الإسكندرية للصيانة البترولية "بترومنت" وبعد أن لجأت إلى مكتب العمل أقامت الدعوى رقم ١٨٥٠ لسنة ۲۰۲۲ عمال الإسكندرية الابتدائية على المطعون ضدها بطلب الحكم بفصلها من العمل لديها، وقالت بيانًا لها أن المطعون ضدها خرجت على مقتضى الواجب الوظيفي والسلوك اللائقة ولم تحافظ على كرامة الوظيفة في تأدية عملها بأن نشرت مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي من داخل مقر عملها وخارجه وهى ترتدي ملابس غير لائقة تتضمن إيحاءات جنسية وألفاظ خادشة للحياء فأوقفتها عن العمل بالقرار رقم ۷۹۲ لسنة ۲۰۲۲ اعتبارًا من 12/10/2022 ثم أقامت الدعوى بطلبها سالف البيان، ادعت المطعون ضدها فرعيًا قبل الطاعنة والمطعون ضده الثاني بطلب الحكم بإلغاء قرار وقفها عن العمل وإعادتها لعملها وصرف كامل أجرها والزام الطاعنة أن تؤدي إليها مليون جنيه بالإضافة إلى التعويض المنصوص عليه بالمادة ۱۲۲ من قانون العمل تعويضًا عن فصلها من العمل والإساءة إلى سمعتها، وتعويضًا عن عدم مراعاة مهلة الإخطار والأرباح المستحقة لها عن السنة ۲۰۲۲ ، والمقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة، وبتاريخ 27/11/2023  حكمت المحكمة في موضوع الدعوى الأصلية بفصل المطعون ضدها وفي موضوع الدعوى الفرعية برفضها، استأنفت المطعون ضدها الأولى هذا الحكم بالاستئناف رقم ۱۳۸۱ لسنة ۷۹ ق الإسكندرية، وبتاريخ 19/9/2023 حكمت المحكمة بإلغاء الحكم المستأنف فيما قضى به في الدعوى الأصلية والقضاء برفض طلب الفصل وباستمرار المطعون ضدها الأولى في عملها، والزام الطاعنة بأن تؤدي لها ما لم يصرف لها من مستحقات، وفي موضوع الدعوى الفرعية بتعديل الحكم المستأنف فيما قضى به من رفض طلبي إلغاء قرار الوقف والعودة إلى العمل إلى عدم قبول الطلبين ورفض المقابل النقدي لرصيد الإجازات إلى عدم قبوله لرفعه قبل الأوان، والتأييد فيما عدا ذلك، طعنت الطاعنة في هذا الحكم بطريق النقض، وقدمت النيابة مذكرة أبدت فيها الرأي برفض الطعن عرض الطعن على المحكمة في غرفة مشورة فحددت جلسة لنظره، وفيها التزمت النيابة رأيها.

وحيث إن مما تنعاه الطاعنة على الحكم المطعون فيه الخطأ في تطبيق القانون والفساد في الاستدلال، وفي بيان ذلك تقول أنها استندت في طلبها بفصل المطعون ضدها إلى التحقيقات الإدارية التي أجرتها معها والتي ثبت منها قيامها من داخل مقر عملها وخارجه بتصوير ونشر مقاطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعي وهي ترتدي ملابس غير لائقة تتضمن إيحاءات جنسية وألفاظ خادشة للحياء وهو ما يعتبر خروجًا منها عن السلوك اللائق والنظام العام والآداب واعتداء على كرامة الوظيفة حتى ولو كانت هذه المشاهد تم تصويرها خارج دائرة العمل ويبرر لها طلب فصلها من العمل لديها، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى برفض الدعوى لمجرد القول بعدم ثبوت تصوير ونشر هذه المشاهد من داخل مقر العمل، فإنه يكون معيبًا بما يستوجب نقضه.

وحيث إن هذا النعي في محله، ذلك أن النص في المادة ٥٦ من قانون العمل الصادر بالقانون رقم ١٢ لسنة ۲۰۰۳ على أنه "يجب على العامل (أ) أن يؤدي بنفسه الواجبات المنوطة به بدقة وأمانة وذلك وفقًا لما هو محدد بالقانون ولوائح العمل وعقود العمل الفردية والجماعية ....... (ب) ....... (ج) ...... (د) ...... (هـ) ..... (و) ...... (ز) أن يحافظ على كرامة العمل وأن يسلك المسلك اللائق به"، يدل على أن العامل يقع عليه الالتزام بالتحلي بالسلوك اللائق داخل دائرة العمل وخارجها، وإن إخلاله بهذا الالتزام يفقده شرط حسن السمعة وهو من شروط شغل الوظائف والاستمرار في شغلها ويبرر لصاحب العمل إنهاء خدمته بالإرادة المنفردة اعمالًا للحق المخول له بموجب المادة ۱۱۰ من قانون العمل المشار إليه أو اللجوء إلى المحكمة العمالية بطلب مجازاته بجزاء الفصل اعمالًا للمادة ٦٨ من ذات القانون. لما كان ذلك، وكان الثابت من التحقيقات التي أجرتها الطاعنة مع المطعون ضدها ثبوت قيامها بنشر مقاطع فيديو على صفحتها على مواقع التواصل الاجتماعي وهي ترتدي ملابس غير لائقة تتضمن إيحاءات جنسية وألفاظ خادشة للحياء، فإنه وبفرض صحة أنها لم تصور هذه المشاهد داخل مقر العمل وإنما من داخل مسكنها الخاص فإن تصويرها ونشرها لهذه المقاطع واتاحتها للمتابعين لمثل هذه المواقع يعتبر مسلكًا غير لائق منها وخروج عن الآداب العامة يفقدها شرط حسن السمعة اللازم لاستمرارها في شغل وظيفتها ويبرر لجهة عملها -الشركة الطاعنة- طلب مجازاتها بجزاء الفصل، وإذ خالف الحكم المطعون فيه هذا النظر وقضى برفض دعوى الطاعنة لمجرد القول بأن هذه المشاهد لم يثبت تصويرها ونشرها من مقر عملها لدى الطاعنة فإنه يكون فضلًا عما شابه معه فساد في الاستدلال قد خالف القانون وأخطأ في تطبيقه بما يوجب نقضه في هذا الخصوص.

وحيث إن الموضوع صالح للفصل فيه، وكان مفاد المادة 125 من قانون المرافعات أنه يشترط القبول الطلبات العارضة من المدعى عليه في الدعوى الأصلية أن يكون من شأن قبولها عدم إجابة المدعى لطلباته كلها أو أن تكون الطلبات متصلة بالدعوى الأصلية اتصالًا لا يقبل التجزئة أو متعلقة بطلب المقاصة القضائية أو التعويض عن ضرر لحقه من الدعوى الأصلية أو ما تأخذ المحكمة بتقديمه من طلبات شريطه أن تكون مرتبطة بالطلبات في الدعوى الأصلية، ومن ثم فإنه وإن كان الطلب العارض للمطعون ضدها بطلب إلغاء قرار وقفها عن العمل وإعادتها إلى عملها وتعويضها عن الفصل ومهلة الإخطار والإساءة إلى سمعتها من الطلبات المتصلة بطلب الطاعنة في دعواها الأصلية بطلب فصلها من العمل لديها وإجابتها إليها يترتب عليه عدم إجابة الطاعنة إلى طلبها في الدعوى الأصلية بفصلها من العمل لديها، كما أن الحكم بفصلها يترتب عليه القضاء برفض هذه الطلبات إلا أن طلبها بالمقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة ونصيبها في أرباح سنة ۲۰۲۲ لا تندرج ضمن الطلبات التي عددتها المادة 125 من قانون المرافعات سالفة البيان لكونه طلب مستقل بذاته عن الطلبات في الدعوى الأصلية ومن ثم يكون غير مقبول، ولما تقدم يتعين الحكم في الاستئناف رقم ۱۳۸۱ لسنة ۷۹ ق الإسكندرية بتعديل الحكم المستأنف بشأن ما قضى به من رفض طلب المطعون ضدها بالمقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة ونصيبها في أرباح سنة ۲۰۲۲ إلى القضاء بعدم قبول هذا الطلب وتأييده فيما عدا ذلك.

لذلك نقضت المحكمة: الحكم المطعون فيه، وحكمت في الاستئناف رقم ۱۳۸۱ لسنة ۷۹ ق الإسكندرية بتعديل الحكم المستأنف بشأن ما قضى به من رفض طلب المطعون ضدها المقابل النقدي عن إجازاتها السنوية غير المستنفدة ونصيبها في أرباح سنة ۲۰۲۲ إلى القضاء بعدم قبول هذا الطلب وتأييده فيما قضى به من فصل المطعون ضدها من العمل لدى الطاعنة ورفض الدعوى الفرعية في شقها المتعلق بطلب المطعون ضدها بإلغاء قرار وقفها عن العمل وإعادتها لعملها وصرف الأجر والتعويض عن الفصل ومهلة الأخطار والإساءة إلى سمعتها، وألزمتها بمصروفات الطعن ودرجتي التقاضي، ومبلغ ثلاثمائة خمسة وسبعين جنيهًا مقابل أتعاب المحاماة، وأعفتها من الرسوم القضائية.

 

لتحميل ملف الحكم

هذا العدد الخاص من دورية «نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية» بعنوان "المذاهب الفقهية؛ جذور النشأة المبكرة- بحوث منتخبة من أعمال الندوتين العلميتين الأولى والثانية ضمن سلسلة ندوات (المعارف الإسلامية: رؤية سياقية متعددة)" ثمرة تعاون أكاديمي بين مركز نماء للبحوث والدراسات وجامعة مونستر الألمانية، يربط بين مؤسسات عربية وأوروبية لتعميق دراسة التاريخ المبكر للفكر الفقهي الإسلامي.

يعتمد هذا الإصدار مقاربة تحليلية نقدية تتجاوز القراءة السلبية للتاريخ، من خلال دراسات تركز على البنى المنهجية والاجتهادية الداخلية التي أسست للمذاهب الفقهية في نشأتها، بالإضافة إلى استكشاف الأبعاد السياسية والاجتماعية المحيطة التي أثرت على تطورها.

تُثرِي بحوث هذا العدد المكتبةَ العربية الإسلامية بتنوع منهجي يجمع بين التاريخيّ والتحليليّ والنقديّ، ويغطي مدارس فقهية متعددة تُظهر طيف الاجتهاد الإسلامي في مراحله الأولى. كما تسعى الدراسات إلى استقصاء العوامل العلمية والاجتماعية والسياسية التي صاغت معالم كل مذهب، مما يعزز الحوار الأكاديمي المتخصص حول تطور الأفكار الفقهية ومنهجية الاجتهاد.

تولّت لجنة تنسيقية مكوّنة من الدكتور عبد الرحمن زعتري والدكتور محمد الريوش والدكتورة فاطمة خليل مهمة الإشراف على التنظيم العلمي والإداري لهذا العدد، فسهّلت التواصل بين الباحثين وضمنت جودة الأبحاث وتنسيق فعاليات الندوتين.

يمثّل هذا الإصدار نموذجًا للتعاون العلمي الدولي ويُسهم في تقديم فهم معمق لتشكّل المذاهب الفقهية الإسلامية في مراحلها المبكرة. ندعو الباحثين والمهتمين للمشاركة في الفعاليات القادمة ضمن برنامج «المعارف الإسلامية»، لتعميق البحث وإثراء المعرفة الإنسانية بتاريخ الفكر الإسلامي وتطوّره.

 

البحوث المنشورة في العدد

الاتجاهات المنهجية في المذهب المالكي

يقدم الدكتور سلمان الصمدي بحثًا مهمًا بعنوان "ابن القاسم وخصومه: نشأة الاتجاهات المنهجية داخل المذهب المالكي". يروم هذا البحث إعطاء صورة واضحة لأبرز الاتجاهات المنهجية التي ظهرت في المذهب المالكي في الفترة المبكرة، والإضاءة على عوامل نشأتها واختياراتها المنهجية ومظاهر تفاعلها وتدافعها لإثبات الوجود وما اكتنف ذلك من مظاهر الخصومة والعصبية. يستثمر البحث مصادر تاريخ المذهب المتنوعة، وفي مقدمتها نص من أقدم النصوص التي أشارت إلى هذا التنوع بشكل واضح، وهو كتاب "التسمية والحكايات لنظراء مالك وأصحابه وأصحاب أصحابه" للفقيه والمؤرخ الأندلسي أبي العباس الوليد بن بكر السرقسطي العمري (ت 392هـ). يُعد هذا الرصد ذا أهمية قصوى على مستوى التأريخ للدرس المالكي وتفسير قضاياه وظواهره اللاحقة ونقد كثير من التصورات العالقة به. خلص البحث إلى الوقوف بوضوح على الجذور الأولى التي أسهمت في تشكل منهج المدرسة المالكية العراقية والمدرسة المالكية المغربية بفروعها، وإلى رؤية أوضح عن تشكل مفهوم المذهب، والذي كان سابقًا عما يعتقده معظم الدارسين من تأخره إلى فترات لاحقة.

 

تطور مقاصد الشريعة في المدرسة الخراسانية

يسلط الدكتور حمزة مشوقة الضوء على موضوع "نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية". تهدف هذه الدراسة إلى دراسة الأسباب التي أدت إلى نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية، وقد تم تقسيمها إلى مقدمة وتمهيد ومبحثين يتناولان التعريف بالمدرسة الخراسانية الشافعية والبيئة العلمية التي نشأت فيها والمنهج العلمي للمدرسة الخراسانية. تجيب الدراسة عن عدة تساؤلات مهمة، منها: ما الأسباب التي أدت إلى نشأة مقاصد الشريعة عند المدرسة الخراسانية الشافعية؟ وهل أثرت البيئة العلمية التي احتوت المدرسة الخراسانية الشافعية في نشأة مقاصد الشريعة؟ وهل كان للمنهج العلمي الذي تميزت به المدرسة الخراسانية الشافعية أثر في تأسيس مقاصد الشريعة؟ خلصت الدراسة إلى وجود عدد من المسببات منها: البيئة العلمية للمدرسة الخراسانية، والمنهج العلمي عند المدرسة، وأصول مذهب الإمام الشافعي الذي أخذ بالمصلحة المعتبرة في أصول الشرع؛ ولذلك اهتم علماء المذهب باستقراء الكليات الشرعية التي بُنيت عليها الأحكام الجزئية.

 

نقد الرؤى الحداثية لنشأة الفقه

يقدم الدكتور محمد عبيدة مراجعة نقدية لتفسير جورج طرابيشي لنشأة الفقه والسنة من خلال تحليل بعض النقاشات الفقهية المبكرة. تُعد كتابات جورج طرابيشي من الكتابات الحداثية العربية البارزة، وهو في تفسيره لنشأة الفقه ينطلق من أساس ماركسي، حيث يربط ظهور السنة بالتقاء مصالح الطبقة الحاكمة بسبب حركة الفتوحات ورغبتها في إدارة المجتمعات المفتوحة برغبة الطبقات المثقفة المنحدرة من الشعوب المفتوحة (الموالي). يهدف هذا البحث إلى تقديم نقد لهذا التصور في ضوء بعض مبادئ السوسيولوجيا التأويلية، وإبراز ضعف مقاربة طرابيشي التي تهمل أدوار الفاعلين الاجتماعيين وتركز على العوامل السياسية والإيديولوجية والطبقية في تحليل الظواهر الاجتماعية وتفسيرها. توصل البحث إلى أن تفسير طرابيشي لنشأة الفقه الإسلامي قد أغفل دور الصحابة، كما عجز عن تفسير الجهد الذي بذله المحدثون في جمع السنة ونقدها.

 

الفقه الجعفري وظروف التكوين

يتناول الدكتور حيدر حب الله موضوع "الفقه الإمامي الجعفري وظروف النشأة في القرن الثاني الهجري". يهدف هذا البحث إلى دراسة ظروف تكون ما يُعرف اليوم بالمدرسة الفقهية الإمامية أو المذهب الجعفري أو فقه أهل البيت بالمصطلح الإمامي للكلمة، ويركز على اللحظة الزمنية لولادة الفقه الإمامي (الجعفري). يسعى البحث للإجابة عن تساؤلات مهمة مثل: لماذا تكون هذا الفقه مع الإمامين الباقرين وليس قبلهما ولا بعدهما؟ وما ظروف الانفصال عن فقه الجمهور؟ وما ظاهرة الالتباس في مرحلة التكون، أو لماذا ولد هذا الفقه ملتبسًا بعض الشيء؟ بالإضافة إلى بحث علاقة الفقه الجعفري وموقفه من مدرستي الحديث والرأي، وأتباعه الأوائل بين النص والاجتهاد. خلص البحث إلى أنه لا يمكن فصل نشوء الفقه الجعفري عن ظهور الفقهاء والقضاة الأوائل، ثم نشوء المدارس الفقهية بعدهم، فقد خط هذا الفقه تاريخيًا مسيرة مدارس الفقه الإسلامي، فولد على شكل توجيهات وأفكار فقهية حملها نخبة من تلامذة الأئمة، ثم تحول بالتدريج إلى مدرسة متكاملة بمرور الوقت.

 

الفقه الزيدي في العصر الكلاسيكي

يقدم الدكتور محمد الحسيني بحثًا بعنوان "الفقه الزيدي وأصوله في العصر الكلاسيكي: ملاحظات تمهيدية". قدم البحث فيما سماه الباحث "ملاحظات تمهيدية" صورة لملامح الفقه الزيدي وأصوله، أسهمت في موضعته في سياقه من المعارف الإسلامية في الحقبة قيد البحث؛ إذ أجاب عن الأسئلة الرئيسة المتعلقة بهذين العلمين. سلك الباحث لبناء عرضه التاريخي مسلك الوصف والاستقراء والتحليل باستنطاق المصادر الزيدية وإظهار ما تفصح عنه بنحو مباشر وغير مباشر. تكون البحث من مقدمة وثمانية عناوين، ثلاثة منها رئيسة وخمسة فرعية، تناولت مرحلة النصوص المؤسسة ونشوء المدارس الفقهية في الحقبة التكوينية المتأخرة، ومرحلة النصوص المؤسسة الثانية وتطور العلاقات مع الآخر. خلص البحث إلى أن الفقه الزيدي وأصوله قد مرا، لعوامل تاريخية وسياسية وثقافية وجغرافية، بعدة أدوار تنوع المشهد فيها تبعًا لذلك، أفرزت العديد من مدونات الفقهاء والأصوليين في مجالي الفقه وأصول الفقه.

 

نقد منهج المستشرقين في دراسة الفقه المبكر

يُسهم الدكتور مروان الحبشي بدراسة نقدية لمنهج هارالد موتسكي في إثبات صحة الرواية الفقهية للمذهب المكي المبكر. يهدف هذا البحث إلى تغطية فترة مبكرة في تاريخ تطور المدرسة الفقهية المكية أغفل المستشرق الألماني هارالد موتسكي التطرق إليها في عمله الموسوم بـ "بدايات الفقه الإسلامي وتطوره في مكة حتى منتصف القرن الهجري الثاني/الميلادي الثامن". يعود البحث إلى الفترة التي نشط فيها مؤسس المدرسة عبد الله بن عباس ودراسة مجهوداته التي ساهمت في قيام المدرسة المكية. وقد تطرق البحث لعرض أسباب اختيار موتسكي مصنف عبد الرزاق نصًا لتطبيق منهجه، دراسة السند والمتن معًا عليه، وبيان المعايير التي استند عليها في الوصول إلى نتيجة أن روايتي ابن جريج عن عطاء بن أبي رباح وعن عمرو بن دينار صحيحتان. توصل البحث إلى أن تغطية فترة ابن عباس تضع الباحث أمام البدايات الفعلية الأولى للمدرسة الفقهية المكية وكيف تشكل النقاش الفقهي آنذاك.

 

الفكر الفقهي للماوردي

يقدم الدكتور محمد المعلم من جامعة جورج تاون دراسة معمقة بعنوان "الفكر الفقهي للماوردي (ت 450هـ/1058م) في الإسلام الكلاسيكي: نظام متكامل وتفاعلي للاجتهاد والتقليد". تسعى هذه الدراسة إلى إعادة النظر في رواية الانحدار التي تصور نشوء المدارس القانونية كعامل أساسي في تراجع الفقه، خصوصًا في القرن الرابع/العاشر وما بعده، حيث هيمنت ثقافة التقليد (اتباع السلطة القانونية) على الاجتهاد (التفكير القانوني المستقل). تحلل الدراسة العلاقة بين مفاهيم الاجتهاد والتقليد وإجراءاتهما في مؤلفات الماوردي، الفقيه الشافعي البارز، مع التركيز على عمله "الحاوي الكبير". بدلًا من تقديم الاجتهاد والتقليد كمراحل تاريخية متعارضة أو متعاقبة. تؤكد الدراسة أن الفكر الفقهي للماوردي يدمج هذين الإجراءين كأدوات تكاملية تلبي متطلبات منهجية واجتماعية وسياسية متميزة. تُعاين الدراسة معاني الاجتهاد والتقليد ووظائفهما كما وردت في مؤلفات الماوردي، مبرزة كيف أسهم التقليد في تحقيق الاستقرار خلال فترات التشرذم السياسي، بينما عزز الاجتهاد استقلال القضاء وتحدى التأويلات الباطنية. إن هذا الدمج بين الاجتهاد والتقليد كعناصر مستدامة ومتفاعلة ضمن الفقه الإسلامي يفند التأويلات التي تضع الماوردي ضمن سردية الانحدار التبسيطية.

 

لتحميل عدد المجلة

 

* صدر هذا العدد الخاص من دورية نماء لعلوم الوحي والدراسات الإنسانية في المجلد التاسع، العدد الثاني، المقرر صدوره في يونيو 2025. تحمل المجلة الرقم الدولي المعياري للنشر الإلكتروني (ISSN: 2785-9746) والرقم الدولي للنشر الورقي (ISSN: 2785-9738). تأسست المجلة عام 2016 وتصدر عن مركز نماء للبحوث والدراسات، وهي مجلة علمية محكمة تنشر الأبحاث بالعربية والإنجليزية والفرنسية، وقد أفدنا من تقديم العدد ومن ملخصات الأبحاث في إعداد هذا التقرير.

يُستخلص من المعاجم اللغوية أن السيادة تنطوي على معنى الرفعة والمكانة العليا؛ فهي في اللغة "تدل على رفعة القدر وشرف المنزلة… وهي مفهوم يدل على الغلبة والقوة". وهذا يعكس صورة الشخص أو الجهة التي تنفرد بالسيطرة أو المقدرة على غيرها، وعليه يطلق لقب «سيد» على من يُقدم على الناس شرفًا وقدرة.

أما في الاصطلاح فتعُرّف السيادة بطرق متعددة حسب المنظور القانوني والسياسي. في الفكر القانوني الغربي، يعتبر مصطلحًا حديث النشأة [مُترجمًا عن الفرنسية (Souveraineté) المشتقة من اللاتينية (superanus) بمعنى «الأعلى»] يرتبط أساسًا بفكرة «السلطة العليا للدولة». ويعكس هذا الطابع الحديث اهتمام فلاسفة العصور الوسطى وأوائل العصر الحديث، حيث كان جان بودان (Jean Bodin) أول من وضع أسس نظرية السيادة في القرن السادس عشر. فعرف بودان السيادة بأنها «السلطة العليا المطلقة الأبدية التي يخضع لها الأفراد رضاءً أو كرهًا»، مقرًا بأنها غير خاضعة لأي قانون سوى القانون الإلهي أو الطبيعي. ووضع بذلك إطارًا للدولة ذات الشخصية القانونية المستقلة.

على ضوء هذا التقليد، يُعرّف بعض علماء القانون السيادة بأنها «السلطة العليا التي لا تعلوها سلطة أخرى في النظام»، أو بصيغ أخرى مثل «سلطة أصلية مطلقة غير محددة تهيمن على الأفراد والجماعات»، أو بـ«سند الحكم الذي يكسب القانون أو الرئيس حق الطاعة». تركز هذه التعريفات على هيمنة الدولة (أو الأمة) في إطارها الداخلي ومع ناخبيتِها بشكل مطلق، لا تخضع لجهة عليا سوى ذاتها. وفي المقابل، ركّز فلاسفة الاجتماع السياسي على مصدر السيادة. فمثلًا، أكد جان جاك روسو أن الإرادة العامة للشعب هي مرادفة لسيادته؛ وعلّق بأن "السيادة ليست سوى ممارسة للإدارة العامة" أي إن مصدرها هو الإرادة الجماعية للمواطنين. وعلى النمط نفسه، عرّف فلاسفة القانون الوضعي مثل جون أوستن السيادة بأنها «السلطة المطلقة للدولة في تنظيم شؤونها»، حيث تكون سلطة التشريع العليا هي مصدر كل القوانين والأوامر.

من منظور مدارس الفكر المختلفة، تُلخّص المفاهيم السابقة وجهتي نظر رئيسيتين: الأولى تؤكد سيادة القانون (أو الدستور) كقاعدة عليا في الدولة، والثانية ترى سيادة الشعب كمصدر للسلطة. ففي التقليد المستمد من مدارس الكونستيتوشنالية والليبرالية، تُنسب السيادة إلى الأمة أو الشعب بشكل كامل (سيادة الشعب)، بينما يرى التوجه التقليدي المطلق (بما في ذلك بودان وهوبز) أن السيادة تقتضي سلطة مُركّزة عليا للدولة لا تحدّها قواعد تشريعية خارجية. وهناك تيارات أخرى (كالماركسية مثلًا) رفضت مفهوم السيادة على أساس أن انقسام العالم الحديث وإقامة المنظمات الدولية تجعل مفهوم السيادة المطلقة قابلًا للنقد.

بصفة عامة، يجمع المحللون على أن السيادة تعني في جوهرها السلطة العليا المستقلة، لكنها تحتمل صيغًا مختلفة بحسب النظرية السياسية: فبينما يعتمد مفكرون كبودان وهوبز على فكرة «السلطة العليا غير المقيدة»، يرى روسو وآخرون ديمقراطيون أن «السيادة للشعب» بمعنى أن السلطة الفعلية في النهاية تعود إلى مجموع المواطنين من خلال مؤسساتهم.

 

نشأة وتطور السيادة في الفكر القانوني الغربي

ظهر مفهوم السيادة بمعناه الحديث في أوروبا نسبيًا متأخرًا، إذ ارتبط بفكرة الدولة الحديثة. فقبل عصر النهضة كان يُنظر إلى «الملك» أو «السلطان» كمصدر أحادي للسلطة، ثم تبنّت الكنيسة فكرة شرعية السلطة المطلقة للمؤسسة الدينية. ثم ما لبث الفكر الفرنسي في القرن السادس عشر (خلال صراعات السلطة مع الإمبراطور والبابا) أن بلور نظرية السيادة الحديثة للدولة، وأسسها بودان في كتابه «الكتب الستة للجمهورية» سنة 1577. بعد ذلك، شهدت القرون التالية تحولات هامة: فقد نص إعلان حقوق الإنسان الفرنسي (1879م) على أن «السيادة للأمة، وغير قابلة للتقسيم ولا للتنازل»، فأصبح مفهوم السيادة الوطنية أو الشعبية راسخًا في الفكر الدستوري الحديث. وفي النصف الثاني من القرن العشرين، كرّس ميثاق الأمم المتحدة مبدأ تكافؤ السيادة بين الدول، واستُبدِل لفظ «استقلال الدول» عادةً في القانون الدولي الحديث بلفظ "السيادة" حفاظًا على المساواة القانونية.

إذًا، فقد شهدت السيادة الغربية انتقالًا من حق ملكي مطلق في العصور الوسطى إلى مفهوم حديث يجمع بين سيادة الأمة (أو الشعب) وتحكيم الدستور. يشير ذلك إلى أن النظرة الغربية تطورت نحو الفصل بين الحكومة الدائمة والسلطة السيادية ذاتها، وجعلت التعبير الدستوري (الدستور) هو القاعدة العُليا التي تحكم هذه السيادة.

العلاقة بين السيادة والدستور والسلطات الثلاث

في النظم الدستورية الحديثة، يصبح الدستور النص القانوني الأعلى الذي يستمد منه المشرع ومؤسسات الدولة شرعيتهم. بمعنى آخر، يكتسب الحاكم وحكوماته سلطاتهم من الدستور الذي يجسّد إرادة الشعب وحفظ حقوقه. ولهذا، اهتمت الفلسفة السياسية بآلية توزيع هذه السلطة لتفادي الاستبداد، فظهرت نظرية فصل السلطات. فقد أكد كتاب ودساتير الثورة الفرنسية عام 1791 مبدأ عزلة كل سلطة عن الأخرى لضمان مراقبتها المتبادلة؛ فأصبحت السلطة التنفيذية والتشريعية والقضائية مستقلة كل في مجال اختصاصها، لا يسلّم فيها أي حكم أو قانون لموافقة الحاكم وحده. ويترتب على ذلك أن السيادة في الدولة الدستورية هي في نهاية الأمر للشعب أو الأمة باعتباره مصدر السلطات جميعًا، لكن يُمارَسُها ممثّلون منتخبون وفق قواعد دستورية.

وبذلك، لا تتجسّد السيادة بشكل مباشر لدى أي شخص بعينه بل عبر إطار تشريعي ومؤسسات يُلزَمُ الجميع بالامتثال لها. فالسلطة التشريعية تُولِّد القوانين باسم الأمة (السياسية)، والسلطة التنفيذية تنفّذها، والقضاء يُراقب التزام الجميع بهذه القوانين. أي إن السيادة في القانون الوضعي تستمد قوتها من التوزيع المنظّم للسلطات وفق الدستور، وهي إنما تظهر في الضمانات والحريات التي يكفلها هذا الدستور. وعليه، فإن العلاقة بين السيادة والدستور في النظم الوضعية علاقة تكاملية: فالدستور يحدّد نطاق السيادة ويقيّدها بقاعدة عليا ملزمة، كما يؤدي مبدأ فصل السلطات إلى توزيع هذه السيادة على هيئات متعددة متزاحمة رقابيًا، بما يمنع تركزها وإساءة استعمالها.

السيادة الوطنية مقابل السيادة الشعبية

يُميّز فقهاء القانون بين مفهومَي السيادة الوطنية والسيادة الشعبية في الفكر السياسي المعاصر. فمفهوم السيادة الوطنية يرى أن السلطة العليا قائمة للدولة أو الأمة ككيان جامع، وهي غير قابلة للتجزئة أو التنازل. فوفق هذا المفهوم «السيادة الوطنية» تمثل في الدولة مجتمعة، إذ تكون «الدولة هي الحاملة الأولى للسلطة، وهي الضامن لوحدة البلاد وسلامة أراضيها». في هذه الحالة تُمارس السيادة باسم الأمة أو الدولة عبر مؤسساتها؛ وتُتخذ القرارات الكبيرة (كالدفاع عن الوطن أو تغيير الدستور) في إطار الحفاظ على وحدة الكيان وشعبه.

أما مفهوم السيادة الشعبية فيركّز على أن المصدر الأصلي للسلطة هو الشعب ذاته. فبمقتضى هذا المفهوم، لا تنفصل السيادة عن إرادة المواطنين: «السيادة الشعبية» هي السلطة التي يمتلكها الأفراد مجتمعين، وتمارس إما مباشرة عبر صناديق الاقتراع أو عبر ممثليهم المنتخبين. وبذلك، فإن الحق في وضع القوانين وتقرير السياسات يُنسب إلى إرادة الناس، وتُعتبر الأمة مأمورة بخدمة مصالحها وتطبيق ما تلتئم عليه من قرارات.

يمكن تبيين الفروق العملية بينهما كالتالي:

  • مصدر السلطة: في السيادة الوطنية يكون مصدرها «الدولة/الأمة»، بينما في السيادة الشعبية يكون «الشعب» مصدر السلطة.
  • ممارسة القرار: في الأولى تتخذ الدولة القرارات القومية بتوجيه من قيادتها أو مؤسساتها، أما في الثانية فالقرار يرتبط بمشاركة المواطنين المباشرة (كممارسة الديمقراطية أو الاستفتاء).
  • العلاقة بين الحاكم والمحكوم: في السيادة الوطنية تكون السيادة منحصرة في كيان الدولة الذي يمثل الأمة، أما في السيادة الشعبية فالحكام موظفون لخدمة الشعب ويخضعون لإرادته.

هذه التمييزات تجلّت عمليًا بعد الثورة الفرنسية؛ فقد نصت أغلب الأنظمة الحديثة على أن الأمة أو الشعب «هو مصدر السلطات جميعًا»، ثم وضعت آليات دستورية لممارسة تلك السيادة. وفي خضم النقاشات الفقهية، احتدم الجدل أيضًا حول ما إذا كانت سيادة الأمة تؤول للدولة الجامدة أو للشعب ككل.

 

مفهوم السيادة في الشريعة الإسلامية

السيادة لله: المفهوم العقدي والسياسي

في الفكر الإسلامي، يُؤكَد في العقيدة أن السيادة المطلقة لله تعالى. فمركزية التشريع والأمر في الإسلام تعود لله وحده ــــ كمُشرّعٍ أعظم ومشرّفٍ ــــ ولا تكون للإنسان سلطة تشريعية مستقلة من جانبها؛ فالرسول ﷺ نفسه قال إنّه «سَيِّدُ وَلَدِ آدَمَ يَومَ الْقِيَامَةِ»، والدين الإسلامي يبشّر بأن «الحكم لله» (مستندًا لآيات قرآنية مثل "قُلِ اللَّهُ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ” وغيرها". غير أن هذه السيادة الإلهية ليست نُصًّا وراثيًا ولا ذريعةً لجبرية طاغية: فقد أوضح علماء المسلمين أن فكرة أن ينصب الحاكم نفسه من عند الله دون رضا الأمة «فكرة غريبة كل الغرابة عن التصور الإسلامي». فقد رفض الخلفاء الراشدون تسمية أنفسهم «خلفاء لله»، وقال أبو بكر الصديق مثلًا «أنا خليفة رسول الله»، ولم يدخل مفهوم الحق الملكي المطلق إلا مع بعض الخلفاء العباسيين الذين ادّعوا أنهم يحكمون بتفويض من الله (كما في قول المنصور العباسي: «إنما أنا سلطان الله في أرضه»).

من الناحية العقدية، يؤكد الإسلام أن لا سلطان مطلقًا للبشر على خلق الله، وأن السلطات التي يحوزها الحاكم هي إذن من الأمة تُمارَس في نطاق شريعة الله. ولذلك يرفض الفقه السني العام فكرة «الوصاية الإلهية المطلقة» على الحاكم، بل يعتبر الإمامة (الحكم) مصلحة مَرْسَلَة من الله: أي هو تكليف يشرّعه الله لحفظ حياة الناس بإقامة حدود الشريعة، على أن تُمارَس هذه الصلاحيات بقبول الشعب وتراضيه. وبالتالي، فإن القول التقليدي «الحكم لله وحده» يعني أن المبادئ والقوانين العليا من عند الله عزّ وجل؛ لكن التطبيق الفعلي للسلطة التنفيذية في مجتمع المسلمين لا يكون تلقائيًا من السماء، بل عبر اختيار الأمة لمن تُبايعهم وتوليهم (شورى أهل الحل والعقد)، مع التقيد بنصوص الشريعة كأساس التشريع ومقياس قبولهم.

 

العلاقة بين الحاكمية والشريعة

حَا كَميّةُ الله في الإسلام تعني بالتالي أن الشرع الإلهي هو المصدر الأعلى للتشريع، وأن أي سلطة بشرية مرخّصة يجب أن تظلّ مُقيّدة بما جاء به القرآن والسنة. فالحاكم في النظرة الإسلامية ليس مبدعًا للقانون، بل مُطبّق لمنهج الله. وبناءً عليه، يذهب بعض العلماء إلى أن مجرد تطبيق القوانين الوضعية من دون مرجعية شرعية «لا يحقق العبودية التامة لله». فقد بيّنوا أن الخضوع التشريعي والقانوني وحده لا يكفي ما لم يصاحبه رضًا تامّ وولاء داخلي لشرع الله. بمعنى آخر، لا تتحقق حَاكَمِيّةُ الصراع السياسي إلا إذا كان الناس "يحكمون ويتحاكمون" إلى أحكام الله طوعًا، لا قهرًا. ولهذا، لا يمكن فصل مبدأ السيادة –أي ممارسة الإرادة- عن مقوله التحكيم الشرعي: فالسلطة السياسية ــ من منظور إسلامي ــ لا تزال مُقيَّدة بالشرع، ويُعتبر الحكم بغير شرع الله انحرافًا وشذوذًا.

وفي الواقع التاريخي، كان لهذا المبدأ أثره في العلاقة بين الحاكم والمحكوم: يُؤكد القرآن والسنة أن لولايـة الله في التشريع مطلقة، وأن الحاكم يُكلَّف بتنفيذ شريعة الله (كما في «وأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ»). كما بيّنت الآيات أن المسلمين يُلزَمون بأنْ «يَحْكُمُوا» ويُحَكَّموا إلى شرع الله، وتحذرهم من التحاكم إلى الطواغيت. وتتلمّس النصوص العلاقة المتبادلة: فبقدر ما يُحكّم الحاكم في الناس بما أنزل الله، يجب على الناس أن يسلموا سيادتهم لإرادة الله وحكمه، دون استعجال أو إكراه، بل عن إيمان وقناعة. وهذه المعاني تعني ضمنيًا أن الدولة والمؤسسات تُشرّع وتحكم وفقًا لشريعة الله، ليست بدونها أو تجاورها، وبذلك تظل كلمـة الله العليا هي الحاكمة في المجتمع.

 

تطبيقات السيادة في نماذج الحكم الإسلامي التاريخية

تجسّد مفهوم السيادة في الشريعة الإسلامية تاريخيًا عبر نماذج الحكم الإسلامي التي قامت بعد عهد النبوة. أبرزها الخلافة الراشدة حيث بُني النظام على مبدأ المشـورة و«البيعة»؛ فقد كان اختيار الخلفاء بمبايعة من الأمة، فمبايعة أبي بكر الصديق مثلًا (في سقيفة بني ساعدة) كانت انعكاسًا لاختيار جماعة المسلمين لوكيلهم في الحكم، ولم يترك القانون الإسلامي نصًا يمنح الخليفة حقًا إلهيًا خاصًا فوق الجماعة. وكما أشار الباحث أبو يعرب المرزوقي، إن "الخلافة في السياسة لا تستند شرعيتها إلى النبوة بل إلى إجماع الجماعة التي تبايع الشخص"؛ فالرسول ﷺ طلب البيعة من الأنصار بعد هجرته إلى المدينة ليُوضّح أن شرعية الحاكمية تُستمد من رضا الأمة. وأكد المرزوقي أيضًا أنه لو كان القرآن مصدر السلطة السياسية لما طالب بالبيعة ولم يطلب من المسلمين أن يبايعوه، كما صار مع الخليفة الراشد. فالدولة الإسلامية الأولى كانت إذًا موكلة إلى الخليفة من الشعب، ومحمية من أعظم شريعة.

ومع توسع الخلافة وظهور نظم ملكية لاحقة، فرض بعض الخلفاء مَركَزة أقوى على السلطة، لكن حتى في عهود الأمويين والعباسيين ظل الخطاب الرسمي يشير إلى أن حكم الإمبراطور إنما هو مِن الله بمشيئة الأمة. إلا أن مظاهر التمايز ظهرت؛ فقد حدث مثلًا أن بعض الخلفاء العباسيين زعموا أنهم «حكماء بقرار ربّاني»، كما في مقولة أبي جعفر المنصور العباسي: «إنما أنا سلطان الله في أرضه». وكان تأثر نظرية السيادة بالنظرة الدينية متفاوتًا عبر العصور، حيث أدخلت بعض الفروق الثقافية والمذاهب الى مفاهيم السلطة.

وعلى النقيض من المفهوم الإلٰهي في بعض الأنظمة، ظهرت أيضًا دعوات للفلسفة السياسية الإسلامية تعبّر عن السيادة الشعبية. فقد اعتبرت المدارس الفقهية أن الخليفة وولاة الأمر في النهاية وكلاء الأمة، «تولِّيهم ينبع من الأمة ويعود إليها حق عزلهم». وبناءً على ذلك، رأت بعض الحركات المعاصرة (مثل الإخوان المسلمين وحزب التحرير) أن الخلافة هي «نظام حكم» يمكن إحياؤه وتعديل مفهوم السيادة فيه لتوافق الإرادة الشعبية مع الشرعية الدينية، لكن الاختلاف بقي على كنه الكيفية. وهناك الذين يقترحون أن «سيادة الأمة» تُراعى في إطار دستوري إسلامي بحيث تكون شرعية الدستور منبثقة من توافقه مع الشريعة، كما هو سائد في كون معظم دساتير الدول الإسلامية تنص على أن الشريعة هي مصدر رئيس للتشريع.

 

مقارنة تحليلية بين السيادة في القانون الوضعي والسيادة في الشريعة الإسلامية

تظهر المقارنة بين المفهومين عدة فروق منهجية رئيسية:

  • مصدر السيادة ومرجعيتها: في القانون الوضعي المعاصر تُنسب السيادة غالبًا إلى الأمة أو الشعب كوحدة سياسية، فتتحول إلى قاعدة دستورية (أي إرادة الأفراد التي «بحكم الدستور»)، ويمكن تعديل القوانين بتوافق شعبي أو عبر الهيئات المنتخبة. أما في النظرة الإسلامية، فمصدر التشريع والخطاب الملزم هو الله سبحانه وتعالى، ولا يُشرع قانون إلا بما يتوافق مع شريعته. وبذلك، تصبح الإرادة الشعبية مرهونة بالضوابط الشرعية؛ فلا يمنح الإسلام أي فئة بشرية سلطات تشريعية مطلقة خارج حدود الشريعة. وهذا يعني أن الشعب أو الأمة في الإسلام ليسوا أسيادًا مطلقين لسن القوانين، بل عباد لله ملزمين بأمره ومنتهين عن نواهيه سبحانه، كما جاء في الآية: «أَمْ لَهُم سُلْطَانٌ يَنطِقُونَ بِهِ» (الشورى: 21).
  • طبيعة التشريع والحقوق: يقر النظام الوضعي أن الإنسان مصدر الحقوق ويحمل السيادة، مما يدعم فكرة الحرية الفردية والمشاركة السياسية (مؤسسة على حقوق الناس ومصالحهم). في المقابل، يستمد الإسلام نصوصه التشريعية من الوحي، وتُعتبر الحقوق والواجبات في النهاية منحة إلهية (كحق الحياة والأمن والعدالة)، وليس من حق البشر إصدارها على هواهم. ومن ثمّ، يفرض الإسلام على أي قانون أن «يتوافق مع الشريعة»، خلافًا للقوانين الوضعية القابلة للتغير والنقاش دون إسناد ديني صريح.
  • تنظيم توزيع السلطة: تتجلى السيادة في القانون الوضعي من خلال المؤسسات الدستورية وأدوات الرقابة (فصل السلطات، انتخابات، برلمانات، محاكم دستورية، وهكذا). أما في الفكر الإسلامي، فمفهوم الحاكمية القانونية مقترن بتحكيم الشرع؛ إذ لا تكفي شرعية إجراءات الحكم إن لم تكن ضمن أحكام الله طوعًا. ولهذا يتعارض فصل الدين عن السياسة (كما في العلمانية) مع مفهوم الحاكمية الشرعية، لذا لا يمكن فصل الديمقراطية وسيادة الشعب عن مسألة الحاكمية؛ فحكم الشعب يعني رعاية مصالحه التي هي في نظر الإسلام خضوع له ثم للمصلحة العامة.
  • السيادة الوطنية مقابل الشعبية: يتيح القانون الوضعي التوفيق (نظريًا) بين مفهومي السيادة الوطنية والشعبية بأن الدولة تأخذ شرعية سيادتها من الشعب (كما في الديمقراطيات البرلمانية)، بينما يؤطرها الدستور. أما في الفكر الإسلامي، فالأساس العقدي يضع السيادة النهائية لله، ولكن عمليًا يقرّ بعض الفقهاء أن الأمة هي «مصدر السلطات» في دولة إسلامية بشرط التقيّد بضوابط الشريعة. لذلك، يبرز التباين في سؤال «لمن تُخوّل شرعية سنّ قانون جديد؟»؛ فالقانون الوضعي يجيز ذلك للشعب أو ممثليه طبقًا لإرادته وطرحه الدستوري، بينما يرد الإسلام بأن شرعية القانون مرتبطة بتوافقها مع الشريعة الإسلامية (برضا الأغلبية المنضبطة بها).

باختصار، يمكن القول إن السيادة في القانون الوضعي قائمة على فكرة السيادة الإنسانية (للشعب/الدولة) المحدودة بدستوريات الوضع، أما السيادة في المنظومة الإسلامية فتقوم على السيادة الإلهية التي تفرض على البشر طاعة ضوابط السماء. إلا أن هناك محاولة تحليلية تبحث عن نقاط التلاقي: فقد لاحظ بعض المحدثين أن الإسلام لا ينكر مشاركة الأمة في الحكم، لكنه يشترط أن تكون كل ممارسة للسلطة ملتزمة بالشرع. من هذا المنطلق، يرى بعض المختصين أن شرعية أي سلطة سياسية في المجتمع المسلم تعود بالأصل إلى الشعب في إطار «الدستور الأعظم» وهو القرآن؛ فالأنظمة السياسية الإسلامية «لا تأخذ شرعيتها إلا بمدى تطابقها مع الدستور الأعلى (القرآن)».

إن مفهوم السيادة يحمل في طياته أبعادًا مشتركة وخاصة في كلٍّ من النظامين الوضعي والإسلامي. فلغويًا واصطلاحيًا يشترك النموذجان في الإقرار بوجود «سلطة عليا» ذات مبادئ تميّزها عن باقي السلطات الأخرى؛ لكنهما اختلفا في المَنْبَت العقدي لهذه السلطة وكيفية ممارستها. في القانون الوضعي، هيبة الدولة أو الأمة تعلو فوق الأفراد، ويُنتزع من الحاكم التفويض عبر شرعية ديمقراطية دستورية، ما يعني أن الشعب/الدولة، ببرلماناتها ودساتيرها، هو صاحب السيادة النهائي. أما في الشريعة الإسلامية، فمصدر هذه الهيبة الحقيقية هو الله، وشريعته تمثل «الدستور الأعظم»، الذي لا تتعداه سلطة بشرية. ومع ذلك، وجدت مقولات فقهية تؤكد دور الأمة في وضع الحاكم (بيعة أهل الحل والعقد)، وهذا يضع الأساس لرؤية إسلامية يمكن أن توازن بين سلطة الله المطلقة ومسؤولية البشر.

أما في ضوء الواقع المعاصر، فالحوار حول السيادة يجري بين مدرستين: إحداهما تنادي بفصل الدين عن السياسة لصالح سيادة الأمة (كما في النظم العلمانية)، والأخرى تؤكد ارتباط الحكم بالمرجعية الدينية (كما تبلور في فكر الحركات الإسلامية وبعض النظريات الفقهية الحديثة). ورغم هذه التباينات، ثمة اتجاهات تؤيد إمكانية صياغة أنظمة سياسية إسلامية دستورية توافقية: بحيث تُعبر الصيغ الدستورية عن هوية الأمة الإسلامية وعقيدتها، ويُحافظ في الوقت نفسه على سلطة الأمة كمصدر للتفويض السياسي. فثمة من يرى أن الدساتير التي تؤكد السيادة الشعبية مع تقدير الشريعة «حاضرة في أعرق الدول التي اعترفت بالإسلام».

ختامًا، تُظهر المقارنة أن التوفيق بين النظامين يحتاج إلى رؤية توافقية تجعل إرادة الشعوب الإسلامية تندمج مع التزام الشريعة، لا أن تتقاطع معه. بمعنى آخر، لا تكمن المصالحة في إسقاط مفهوم إلهي أو شعبي على الآخر، بل في بناء إطار دستوري يظلّ الشارع الإسلامي هو المعيار النهائي (الذي يتناول حياة الناس ومصالحهم)، بينما تُمثل مؤسسات الأمة سلطة منوط بها التنفيذ والإدارة.

 

_________

المصادر:

  1. حنان عماد زهران، تشريح مفهوم السيادة، المركز الديمقراطي العربي، 27 مارس 2019، https://bit.ly/3TdOMJp
  2. سلام المقداد، السيادة بين المفهوم والعوائق، محكمة، 3 مارس 2025، https://bit.ly/447UF0T
  3. نجم الأحمد، مبدأ فصل السلطات، الموسوعة القانونية المتخصصة، https://bit.ly/3I6eNbh
  4. محمد المقدمي، السيادة والحاكميّة في الأنظمة الديمقراطيّة، الجزيرة نت، 9 مايو 2017، https://bit.ly/3InlB48
  5. نظام الحكم الأمثل للمسلمين.. الخلافة أم نموذج الدولة الحديثة؟، الجزيرة نت، https://shorturl.at/xwIvV
  6. عبد الله الكيلاني، وظائف الدولة في ضوء الفكر السياسي للإمام الجويني، إسلام ويب، https://shorturl.at/FI51Z
  7. مصطفي كمال وصفي، الشريعة الإسلامية وسيادة القانون، المسلم المعاصر، 1 أبريل 1975، https://shorturl.at/vLIIw

 

الجريدة الرسمية - العدد ۲۳ (مكرر) في ١٠ يونية سنة ٢٠٢٥

قانون رقم ٨٦ لسنة ٢٠٢٥

بتنظيم إصدار الفتوي الشرعية

باسم الشعب

رئيس الجمهورية

قرر مجلس النواب القانون الآتي نصه، وقد أصدرناه:

مادة (1)

تسري أحكام هذا القانون في شأن تنظيم إصدار الفتوى الشرعية والمختصين بمهام الإفتاء الشرعي، وذلك دون الإخلال بالإرشاد الديني والاجتهادات الفقهية في مجال الأبحاث والدراسات العلمية والشرعية.

 

مادة (٢)

يقصد في تطبيق أحكام هذا القانون بالعبارات التالية المعنى المبين قرين كل منها: الفتوى الشرعية: إبداء الحكم الشرعي في فتوى شرعية عامة أو خاصة.

الفتوى الشرعية العامة: إبداء الحكم الشرعي في شأن عام متعلق بالنوازل التي تؤثر على المجتمع في مختلف المجالات.

الفتوى الشرعية الخاصة: إبداء الحكم الشرعي في شأن خاص متعلق بمسائل الأفراد في أمر مسئول عنه شرعا وتوضيحه للسائل.

الإرشاد الديني: استخدام الأحكام والقيم والمفاهيم الدينية والخلقية في توجيه سلوك المجتمع والأفراد وتوعيتهم بها ووقايتهم من الأفكار المنحرفة والمفاهيم. الخاطئة تمسكا بالثوابت الإسلامية.

 

مادة (3)

يختص بالفتوى الشرعية العامة كل من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أو مجمع البحوث الإسلامية، أو دار الإفتاء المصرية.

ويختص بالفتوى الشرعية الخاصة كل من هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، أو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الشريف، أو مركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية، أو دار الإفتاء المصرية، أو اللجان المشتركة المنشأة بموجب أحكام المادة (٤) من هذا القانون، أو أئمة وزارة الأوقاف الذين يتوافر في شأنهم الشروط المنصوص عليها في المادة (٤) من هذا القانون.

 

مادة (٤)

تنشأ بقرار من الوزير المختص بشئون الأوقاف داخل وزارة الأوقاف لجان مشتركة من ممثلي الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف برئاسة ممثل الأزهر الشريف، ويشترط فيمن يلتحق بهذه اللجان أو الاستمرار فيها توافر الشروط والضوابط التي تضعها هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف بالتنسيق مع دار الإفتاء، وأخصها ما يلي:

  1. ألا تقل سنه عن ثلاثين سنة ميلادية.
  2. أن يكون من خريجي إحدى الكليات الشرعية بجامعة الأزهر الشريف.
  3. ألا يكون قد سبق الحكم عليه بعقوبة تأديبية.
  4. أن يكون محمود السيرة وحسن السمعة، معروفا بالورع والتقوى في ماضيه وحاضره.
  5. أن يكون له إنتاج علمي منشور في أحد المذاهب الفقهية.
  6. اجتيازه برامج التدريب والتأهيل التي تعدها هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف، ويتم التصديق على اجتياز هذه البرامج من رئيس هيئة كبار العلماء.

وتضع هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف شروط منح الترخيص وحالات تقييده أو إلغائه، ونوعه، ومدته، ولا يعد الحصول على الترخيص تصريحا بالفتوى عبر الوسائل الصحفية أو الإعلامية أو مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي إلا إذا ذكر ذلك صراحة في الترخيص، وفي حال مخالفة أي من شروط الترخيص يحق لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف إصدار مذكرة بإلغائه يصدق عليها من الهيئة ويصدر بها قرار تنفيذي من السلطة المختصة، بحسب الأحوال، وذلك كله على النحو الذي تحدده اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

ويتم تحديد أماكن ومقرات عمل هذه اللجان بالتنسيق بين الأزهر الشريف ودار الإفتاء المصرية ووزارة الأوقاف.

 

مادة (٥)

في حال عدم اجتياز طالب الترخيص برامج التدريب والتأهيل المشار إليها بالمادة (٤) من هذا القانون لا يحق له التقدم بطلب آخر إلا بعد مرور عام من تاريخ إعلان النتيجة

 

مادة (6)

تعمل اللجان المشتركة المنشأة بالمادة (٤) من هذا القانون على الربط الإلكتروني والهاتفي بمركز الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية ودار الإفتاء المصرية لتقديم الدعم اللازم والمتابعة المستمرة، وذلك على النحو الذي تبينه اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

 

مادة (٧)

لهيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف تشكيل لجان من خلالها للمتابعة المستمرة للتأكد من تحقيق الانضباط الإفتائي والالتزام بشروط وضوابط منح الترخيص..

مادة (٨)

في حال تعارض الفتاوى الشرعية يرجح رأى هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف.

 

مادة (9)

مع مراعاة أحكام القانون رقم ٥١ لسنة ٢٠١٤ بتنظيم ممارسة الخطابة وخطابة والدروس الدينية في المساجد وما في حكمها، يكون للأئمة والوعاظ في الأزهر الشريف والهيئات التي يشملها والمعينين المتخصصين في وزارة الأوقاف، وغيرهم من المصرح لهم قانونا، أداء مهام الإرشاد الديني بما يبين للمسلمين أمور دينهم، ولا يعد ذلك تعرضا للفتوى الشرعية.

 

مادة (١٠)

تلتزم المؤسسات والوسائل الصحفية والإعلامية والمواقع الإلكترونية وحسابات مواقع وتطبيقات التواصل الاجتماعي ومحتوياتها عند نشر أو بث الفتاوى الشرعية أن تكون صادرة عن المختصين وفقا لأحكام هذا القانون، وكذلك عند تنظيم برامج للفتوى الشرعية أو استضافة أشخاص للإفتاء الشرعي أن يكونوا من بين المختصين وفقا للمادة (۳) من هذا القانون، وذلك كله وفقا للضوابط التي تحددها اللائحة التنفيذية لهذا القانون.

 

مادة (١١)

مع عدم الإخلال بأي عقوبة أشد منصوص عليها في أي قانون آخر، ومع عدم الإخلال بقانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام الصادر بالقانون رقم ۱۸۰ لسنة ۲۰۱۸، يعاقب كل من يخالف أحكام المادتين (۱۰۰۳) من هذا القانون بالحبس مدة لا تزيد على ستة أشهر وبغرامة لا تقل عن خمسين ألف جنيه ولا تزيد على مائة ألف جنيه، أو بإحدى هاتين العقوبتين، وفي حالة العود تضاعف العقوبة.

ويعاقب المسئول عن الإدارة الفعلية للشخص الاعتباري بذات العقوبات عن الأفعال التي ترتكب بالمخالفة لأحكام هذا القانون متى ثبت علمه بها وكان إخلاله بواجبات الإدارة قد سهل وقوع الجريمة، ويكون الشخص الاعتباري مسئولا بالتضامن عن الوفاء بما يحكم به من تعويضات إذا كانت المخالفة قد ارتكبت من أحد العاملين لديه وباسم الشخص الاعتباري ولصالحه.

تصدر اللائحة التنفيذية لهذا القانون بقرار من رئيس مجلس الوزراء بناء على عرض الأزهر الشريف وذلك خلال ستة أشهر من تاريخ العمل به.

 

مادة (١٢)

وتعد اللائحة التنفيذية لهذا القانون لجنة تشكلها هيئة كبار العلماء بالأزهر الشريف خلال شهر من تاريخ العمل بهذا القانون تضم في عضويتها كل من وزير الأوقاف. ووكيل الأزهر الشريف، ومفتي الجمهورية.

 

مادة (١٣)

ينشر هذا القانون في الجريدة الرسمية، ويعمل به اعتبارا من اليوم التالي لتاريخ نشره..

 

يبصم هذا القانون بخاتم الدولة، وينفذ كقانون من قوانينها

صدر برئاسة الجمهورية في ١٤ ذي الحجة سنة ١٤٤٦هـ

(الموافق ١٠ يونية سنة ٢٠٢٥م).

 

عبد الفتاح السيسي

 

لتحميل ملف نص القانون 

يُعد الدكتور عبد الحميد متولي (1907 - 1985) أحد أبرز وأعمق الفقهاء الدستوريين في مصر والعالم العربي خلال القرن العشرين، وأحد الروّاد الذين أسسوا لفقه دستوري إسلامي معاصر، حيث ترك إرثًا علميًا ضخمًا وأثرى الحياة الأكاديمية والسياسية بأطروحاته ودراساته.

 

مولده ومحطاته العلمية والعملية البارزة:

ولد الدكتور عبد الحميد متولي عام 1907 في مركز السنطة بمحافظة الغربية بجمهورية مصر العربية، ونشأ في بيئة تؤكد قيمة الحرية. التحق بكلية الحقوق بالقاهرة (مدرسة الحقوق الملكية) فحصل على ليسانس الحقوق (بدرجة الشرف) عام 1923. ثم أكمل دراسته في باريس حيث نال دبلوم الدراسات الإدارية والمالية (كلية الحقوق–جامعة باريس) عام 1926، وحصل على الدكتوراه من جامعة باريس (السوربون) عام 1940 بأطروحة رائدة تحت عنوان "الرقابة على دستورية القوانين في مصر ودول الإسلام" تحت إشراف الفقيه الكبير جورج بوردو أحد عمالقة الفقه الدستوري الفرنسي، والتي نُشرت بعدة لغات وأصبحت مرجعًا أساسيًا.

بعد عودة د. متولي من باريس مباشرة تم تعيينه مدرسًا في كلية الحقوق بجامعة الإسكندرية، حيث تدرج في السلك الأكاديمي ليكون أستاذًا ورئيسًا لقسم القانون العام لسنوات طويلة، ودرّس أجيالًا من القانونيين المصريين والعرب، حيث عمل كذلك أستاذا في جامعة بغداد في فترة الخمسينيات، قبل تعيينه لاحقًا عميدًا لكلية الحقوق لاحقًا، كما شغل منصب رئيس معهد الدراسات العربية التابع لجامعة الدول العربية بالقاهرة، مما وسع دائرة تأثيره الفكري.

شارك بفاعلية كخبير في لجنة صياغة دستور مصر عام 1954 (والذي لم تعتمد السلطة حينها إصداره)، كما أشرف على عدد يصعب حصره من الرسائل العلمية في العديد من كليات الحقوق بالجامعات المصرية والعربية.

 

أهم الإسهامات الفكرية والكتابات:

   يعتبر د. عبد الحميد متولي مؤسس المدرسة المصرية الحديثة في الفقه الدستوري، التي مزجت بين الفقه الدستوري المقارن (خاصة الفرنسي) والواقع السياسي والقانوني المصري والعربي، وأثرت آراؤه النظرية والعملية في النقاشات الدستورية في مصر والوطن العربي. وكان اهتمامه مركزًا على قضايا الشرعية الدستورية وضماناتها، خاصة عبر مؤسسة الرقابة القضائية على دستورية القوانين، ومبدأ الفصل بين السلطات وتوازنها.

سعى بجدية، خاصة في كتاباته عن النظام السياسي الإسلامي، إلى البحث عن جذور للمبادئ الدستورية الحديثة (كالعدل، الشورى، المساواة) في التراث الإسلامي، دون أن يكون ذلك على حساب التحليل العلمي الموضوعي، مما يجعله من أبرز رواد الجمع بين الأصالة والمعاصرة، وكان يُنظر إليه على أنه "شيخ الدستوريين" في مصر الحديثة، حيث وضع اللبنات النظرية والعملية للفقه الدستوري المعاصر. تميزت كتاباته بالدقة المنهجية، والتحليل المقارن العميق، واللغة القانونية الرصينة والواضحة في آن واحد. لا تزال كتبه، وخاصة "الوجيز"، تُدرّس في كليات الحقوق في مصر والعديد من البلدان العربية، وتشكل مراجع أساسية للباحثين والطلاب.

 

باختصار، كان الدكتور عبد الحميد متولي فقيهًا دستوريًا موسوعيًا، جمع بين النظرية والتطبيق، وبين العمق الأكاديمي والإسهام العملي في الحياة الدستورية. ترك تراثًا فكريًا غنيًا ومؤثرًا جعله علامة فارقة في تاريخ الفكر الدستوري المصري والعربي، ومازالت أفكاره تشكل منارة للدارسين في هذا الحقل المعرفي الحيوي.

 

 

من مؤلفاته:

 أولاً: المؤلفات الأساسية في القانون الدستوري والنظم السياسية:

  1. الرقابة على دستورية القوانين

       (أصله أطروحة دكتوراه - السوربون 1940، صدرت بالفرنسية 1942، ثم طبعات عربية متتالية). 

       الناشر: دار النهضة العربية (القاهرة). 

       الكتاب المؤسس لمدرسته الفقهية.

 

  1. الوجيز في النظم السياسية والقانون الدستوري

       (طُبع لأول مرة في الخمسينيات، ثم طبعات منقحة ومزيدة متعددة، آخرها بعنوان "الوجيز في النظم السياسية"). 

       الناشر: دار النهضة العربية (القاهرة). 

       المرجع الجامعي الأشهر، ظل يُدرَّس لأجيال.

 

  1. النظم السياسية: دراسة مقارنة

       (تطور عن "الوجيز"، يغطي النظم الغربية والعربية). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. مبادئ نظام الحكم في الإسلام (1966)

       الناشر: دار النهضة العربية. 

       تطوير لأفكاره عن الدستورية الإسلامية.

 

  1. الأسس العامة للتنظيم السياسي والإداري في الإسلام (1954)

       الناشر: دار الفكر العربي (القاهرة). 

       أول دراسة منهجية معاصرة للحكم الإسلامي من منظور دستوري.

 

  1. دراسات في الدستور المصري

       (تحليل لنصوص دستور 1956/1971 في ضوء المبادئ الدستورية). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

 

 ثانياً: كتب في القانون العام والإداري:

  1. القانون الإداري: التنظيم الإداري

       (يُعد مرجعًا أساسيًا في الكليات). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. القانون الإداري: الأعمال الإدارية

       (تكملة لكتاب التنظيم الإداري). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. السلطة التقديرية للإدارة

       (دراسة رائدة في حدود اختصاصات الإدارة). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

 ثالثاً: دراسات في الفكر السياسي والقانوني

  1. فلسفة الثورة: دراسة في المذاهب السياسية والاجتماعية

       (تحليل نقدي لأيديولوجيات القرن العشرين). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. المذاهب السياسية الكبرى

       (تغطية شاملة للليبرالية، الاشتراكية، الشيوعية، الفاشية). 

       الناشر: دار النهضة العربية.

 

  1. الإسلام والديمقراطية

       (مقالات ومحاضرات حول التوافق بين المبادئ الإسلامية والدستورية الحديثة).

 

 رابعاً: ترجمات وإشراف علمي

  1. ترجمة كتاب: النظم السياسية في الغرب (لمؤلف فرنسي).
  2. الإشراف على ترجمة: موسوعة القانون الدولي العام (مشروع جماعي).
  3. تحرير وتقديم: سلسلة "أبحاث في القانون العام" (بالاشتراك مع أساتذة آخرين).

 

 خامساً: أبحاث ومقالات محورية (مجموعة في كتب لاحقة)

  1. "الشرعية الدستورية" (بحث في مجلة القانون والاقتصاد المصرية).
  2. "السيادة في الفقه الإسلامي والدستوري" (مجلة كلية الحقوق - جامعة الإسكندرية).
  3. "ضمانات استقلال القضاء" (بحث مقدم لمؤتمر القانونيين العرب).
  4. "مكانة القضاء الدستوري في الدولة الحديثة" (مجلة المحاماة المصرية).

       ملاحظة: بعض هذه الأبحاث جُمِعَت لاحقًا في كتب مثل "بحوث في القانون الدستوري والنظم السياسية" (تحرير تلاميذه).

 

 سادساً: كتب جامعية ومحاضرات (غير مطبوعة على نطاق واسع)

  1. محاضرات في القانون الدستوري (مطبوعات جامعة الإسكندرية - كلية الحقوق).
  2. شرح دستور الجمهورية العربية المتحدة (1963 - للطلاب).
  3. مذكرات في القانون الإداري (توزيع داخلي بالكلية).

 

 سابعاً: مؤلفات مفقودة أو قيد النشر (مذكورة في مصادر عنه)

  1. مذكرات شخصية عن الحياة الدستورية في مصر (لم تُنشر، يُشار إليها في كتاب د. محمد كامل ليلة).
  2. تطوير نظام الشورى في العصر الحديث (مخطوط غير مكتمل، ذكره د. فؤاد عبد المنعم أحمد).

 

 

كتب ودراسات عنه:

  1. "عبد الحميد متولي: رائد الفقه الدستوري" (إشراف وتقديم: د. محمد كامل ليلة): (الهيئة المصرية العامة للكتاب - سلسلة "أعلام المصريين"، 1990).
  2. "الفكر الدستوري عند عبد الحميد متولي" (رسائل علمية):

       توجد عدة رسائل ماجستير ودكتوراه في كليات الحقوق (جامعات القاهرة، الإسكندرية، عين شمس، إلخ) تحمل هذا العنوان أو عناوين مشابهة مثل "إسهامات عبد الحميد متولي في الفقه الدستوري".

 

 

وفاته:

توفي الدكتور عبد الحميد متولي في 29 أكتوبر 1985 عن عمر ناهز 78 عامًا، وذلك في مدينة الإسكندرية (مصر)، حيث عاش وعمل أغلب حياته. وشُيِّعت جنازته من مسجد المرسي أبو العباس بالإسكندرية (أشهر مساجد المدينة)، بحضور زملائه وتلاميذه، وممثلي نقابة المحامين ووزارة العدل. ونعته كبرى الصحف المصرية والعربية (مثل الأهرام، الشعب، الجمهورية)، ووصفته بأنه "عميد الفقه الدستوري في العالم العربي". 

وقد أطلقت كلية الحقوق جامعة الإسكندرية اسمه على إحدى قاعاتها الرئيسية تكريمًا له (قاعة "عبد الحميد متولي").

وكان رحيله خسارة فادحة للحياة الفكرية العربية، لكن إنتاجه العلمي ظل حيًا يؤثر في الأجيال الجديدة من الدستوريين.

 

المصادر:

  1. "عبد الحميد متولي: رائد الفقه الدستوري"، إشراف وتقديم: د. محمد كامل ليلة، الهيئة المصرية العامة للكتاب - سلسلة "أعلام المصريين"، 1990.
  2. اشتراك الأستاذ الدكتور عبد الحميد متولي رئيس قسم القانون العام بكلية الحقوق بجامعة الإسكندرية في المؤتمر الدولي للعلوم الإدارية، منشورات قانونية، https://bit.ly/3ZHwsM8
  3. محمد نور فرحات، أخلاقيات مهنة القانون في زمن فات، المصري اليوم، 27 يونيو 2018، https://bit.ly/45BE72l
  4. المفصل في القانون الدستوري، حوارات الشريعة والقانون، 1 أبريل 2024، https://bit.ly/4jspJNm

 

صدر حديثًا -عن دار النهضة العربية بالقاهرة- كتاب "فلسفة القانون" للأستاذ الدكتور السيد عبد الحميد فودة -أستاذ فلسفة القانون وتاريخه ونائب رئيس جامعة بنها لشؤون خدمة المجتمع وتنمية البيئة، في عمل أكاديمي يعدّ من الإسهامات المعاصرة في مجال الفكر القانوني من زاوية فلسفية. ويمثل الكتاب جهدًا علميًا رصينًا يتناول فيه المؤلف الأسس الفلسفية التي يقوم عليها القانون، في محاولة لفهم العلاقة بين القانون والأخلاق، والعدالة، والسلطة، والنظام الاجتماعي، من خلال تحليل نقدي للمذاهب القانونية الكبرى، وتتبع تطور الفكر القانوني منذ العصور القديمة حتى الفكر المعاصر.

 

ومما جاء في تقديم الكتاب:

"إذا كانت فلسفة القانون تهدف إلى تحديد الغاية المثلى للقانون، وتوجهه نحو بلوغ هذه الغاية، وتقويم سيره كلما حاد عن الطريق القويم، وتوجيهه وتطويعه في يسر على مر السنين، وكثيرا ما دفعته أمامها دفعات قوية، بلغت حد الثورات العنيفة في بعض الأحيان، فإن دراستها لا تقل أهمية عن دراسة علم القانون، إن لم تفقها. ويكاد يجمع علماء فلسفة القانون على أنها تتناول ثلاثة موضوعات رئيسية، وهي: أساس القانون، وغايته ومنهجه، بالإضافة إلى تاريخ النظريات الفلسفية القانونية، وهذه الموضوعات الثلاثة تكون الهيكل العام لفلسفة القانون وهي وثيقة الصلة بعضها ببعض".

 

ويتضمن الكتاب عدة محاور رئيسة، حيث يفتتحه مؤلفه بمدخل تمهيدي يحدد طبيعة علم القانون وأهدافه، فيبدأ بتعريف فلسفة القانون باعتبارها وضح معالم الرؤية الفلسفية لمسائل التشريع والسلطة والعدالة، ثم يوضح منهج البحث المتبع في دراسته، مبينًا أدوات التحليل الفلسفي والمنهج الاستنباطي والتاريخي والمقارن. ينتقل الكتاب بعد ذلك إلى ترسيم نطاق علم فلسفة القانون وتمييزه عن الفقه القانوني الوظيفي، ويؤكد أهمية الإلمام بهذا العلم لفهم البنية النظرية للنظم القانونية، ويختتم التمهيد بعرض علاقة فلسفة القانون بالعلوم الأخرى، فتتضح الصلات الوثيقة مع الفلسفة النظرية وعلم النفس والأخلاق والاجتماع والقانون والسياسة.

في الباب الأول، يعالج الكتاب أساس القانون بتقسيم الباب إلى ثلاثة فصول، تبدأ بـ«المذاهب الشكلية» التي تصور القانون بوصفه شكلًا وقاعدة مجردة، فتعرض الوضعية القانونية، ومذهب أوستن، ومذاهب الشرح على المتون وهيجل وقلنسو وغيرهم، ثم تُجري تقييمًا نقديًا لهذه الاتجاهات، ثم يشرح الكتاب بعد ذلك «المذاهب الموضوعية»، التي تستند إلى واقع اجتماعي أو فلسفي، فتعرض القانون الطبيعي عبر العصور (اليونانية والرومانية والوسطى والحديثة) وتبدي تطوره، ثم ينتقل الكتاب إلى المذاهب الواقعية كالتاريخي والكفاح والغاية والتضامن الاجتماعي، مع إبراز أسس كل مذهب ونتائجه وتقييمه، وأخيرًا يستعرض «المذاهب المختلطة» كاتجاه جيني والأسس الواقعية والمثالية في الفقه المعاصر، فيجمع بين عناصر متعددة لتحديد جوهر السلطة القانونية.

أما الباب الثاني فيركز على غاية القانون؛ فيعالج أولًا «الأهداف الأيديولوجية» المتمثلة في المذهب الفردي الذي يقر بأولوية الحرية الفردية والمصلحة الخاصة، والمذهب الاجتماعي الذي يركز على المصلحة الجماعية والتضامن، ثم ينتقل إلى كون القيم محورًا لغاية القانون، فيفصل بين ثلاثة مباحث رئيسة: العدالة (تعريفها، مفاهيمها، أركانها وتقسيماتها المتنوعة من شكلية إلى توزيعية وتبادلية واجتماعية)، والأمن القانوني (ماهية هذا المفهوم، علاقته بالعدالة، مقوماته وسبل تحقيقه عبر القواعد والنظم)، والخير العام (التوفيق بين الخير الفردي والجماعي ودور الدولة في ضمانه).

وفي الباب الثالث، يستعرض المؤلف المنهج القانوني باعتباره إطارًا لتحليل القانون وتفسيره فلسفيًا، فيبدأ بـاستعراض «نشأة علم المنهج القانوني»، موضحًا ماهيته وعلاقته بفلسفة التحليل اللغوي من مدارس كامبريدج وأكسفورد وأدوات تحليل المفاهيم القانونية (الرمزي والواقعي والوظيفي)، ثم يتناول اللغة القانونية وأساليب التعريف والتفسير الاصطلاحي. بعد ذلك ينتقل الكتاب إلى بيان "صياغة التشريعات"، مستعرضًا تعريفها وأهميتها وعناصرها ومعاييرها (العمومية والتجريد)، وصور الصياغة (جامدة ومرنة، آمرة ومكملة، مادية ومعنوية)، مع بيان أخطاء وغموض النصوص. ويختتم الباب بـ«تفسير القواعد القانونية»، حيث يعرض تعريف التفسير ونطاقه وأنواعه (تشريعي وقضائي وفقهي)، إضافة إلى مدارس وطرائق التفسير اللفظي والمنطقي، ليقدم بذلك خارطة متكاملة لفهم كيفية بناء وتطبيق وتفسير القانون من منظور فلسفي.

لتحميل فهرس موضوعات الكتاب

 

المولد والنشأة

ولد الشيخ محمد أحمد مصطفى أحمد أبو زهرة في 6 ذي القعدة 1316هـ، الموافق 29 مارس 1898م، بمدينة المحلة الكبرى بمحافظة الغربية في مصر، ونشأ في أسرة معروفة بالعلم والصلاح. التحق منذ صغره بالكتّاب، فأتم حفظ القرآن الكريم، وتعلم مبادئ القراءة والكتابة، ثم انتقل إلى الجامع الأحمدي بمدينة طنطا، أحد أهم معاهد العلم الديني في مصر، حيث تلقى علوم العربية والشرعية على يد كبار العلماء، وكان هذا الجامع يُسمى بــ"الأزهر الثاني" لمكانته العلمية الرفيعة.

 

التعليم والتكوين العلمي

بعد ثلاث سنوات قضاها في الجامع الأحمدي، التحق أبو زهرة بمدرسة القضاء الشرعي عام 1916م، وهي مدرسة أنشأها محمد عاطف بركات لإعداد القضاة الشرعيين للمحاكم المصرية. اجتاز اختبار القبول وكان أصغر المتقدمين سنًا وأكثرهم تفوقًا. مكث في المدرسة ثماني سنوات حتى تخرج عام 1924م (1343هـ) حاصلاً على شهادة "عالمية القضاء الشرعي"، ثم واصل دراسته في كلية دار العلوم بجامعة القاهرة ونال معادلتها عام 1927م (1346هـ)، ليجمع بذلك بين تخصصين قويين في علوم الشريعة واللغة العربية.

 

المسيرة الأكاديمية والوظيفية

بدأ الشيخ أبو زهرة حياته العملية مدرسًا للغة العربية في المدارس الثانوية، ثم عُين عام 1933م (1352هـ) أستاذًا في كلية أصول الدين، حيث درّس مادة الخطابة والجدل، وألف أول كتاب مستقل في الخطابة العربية. بعد ذلك انتقل إلى كلية الحقوق بجامعة القاهرة لتدريس الشريعة الإسلامية، ثم تدرج في مناصبها حتى أصبح رئيسًا لقسم الشريعة ووكيلًا للكلية، كما شغل منصب أستاذ محاضر للدراسات العليا، وعضو المجلس الأعلى للبحوث العلمية، وشارك في تأسيس معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة.

 

مساهمته في تطوير معهد الدراسات الإسلامية

شارك الشيخ محمد أبو زهرة مع نخبة من العلماء في تأسيس معهد الدراسات الإسلامية بالقاهرة، ليكون منارة علمية متخصصة في الدراسات الشرعية واللغوية، ويخدم شريحة من الطلاب الذين لم تتح لهم فرصة الدراسة في الكليات الشرعية التقليدية. كان الهدف من المعهد تعويض هؤلاء الطلاب وتزويدهم بأساس متين من العلوم الإسلامية، مع التركيز على جودة التعليم وعمق التكوين العلمي.

لم يقتصر دور الشيخ أبو زهرة على التأسيس فقط، بل كان من أوائل الأساتذة الذين ألقوا المحاضرات في المعهد، وقدم علمه وجهده دون مقابل مادي، تعبيرًا عن إيمانه برسالة المعهد وأهمية نشر العلم الشرعي. كما شغل منصب وكيل معهد الدراسات الإسلامية، وأسهم في وضع المناهج العلمية وتطويرها، وحرص على أن تجمع بين الأصالة والانفتاح على قضايا العصر.

 

الإنتاج العلمي والفكري

يُعد الشيخ محمد أبو زهرة من أبرز فقهاء القرن العشرين، وتميزت مؤلفاته بغزارتها وعمقها وسعة أفقها واعتدالها، وقد بلغت أكثر من ثلاثين مؤلفًا في الفقه المقارن، أصول الفقه، التفسير، السيرة النبوية، وقضايا المجتمع الإسلامي. وقد تميزت كتبه بالدقة العلمية واللغة السهلة، واعتمد عليها آلاف الطلاب والباحثين في العالم الإسلامي.

ومن أشهر كتب الشيخ محمد أبو زهرة:

  1. "تاريخ المذاهب الإسلامية"
  2. "العقوبة في الفقه الإسلامي"
  3. "الجريمة في الفقه الإسلامي"
  4. "الأحوال الشخصية"
  5. "خاتم النبيين" (سيرة نبوية في ثلاثة مجلدات)
  6. "المعجزة الكبرى – القرآن الكريم".
  7. موسوعة عن أئمة المذاهب: أبو حنيفة، مالك، الشافعي، أحمد بن حنبل، زيد بن علي، جعفر الصادق، ابن حزم، ابن تيمية
  8. "تفسير زهرة التفاسير" (لم يكتمل).

 

مواقفه الإصلاحية والجريئة

كان الشيخ أبو زهرة صاحب فكر إصلاحي، جريئًا في الدفاع عن الشريعة الإسلامية وحقوق الأمة، ووقف ضد محاولات تهميش الأزهر أو تدجينه في عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وشارك بقوة في الدفاع عن جعل الشريعة الإسلامية المصدر الرئيسي للتشريع في الدستور المصري. دعا إلى إصلاح الأزهر من داخل رسالته، ورفض إنشاء كليات غير دينية تحت مظلته، واقترح تثقيف أصحاب المؤهلات العليا دينيًا من خلال الأزهر.

كما كان له موقف حاسم ضد الربا، وبيّن بالأدلة فساد نظريته، ودعا إلى حماية المجتمع من مخاطره. اشتهر بصراحته في مواجهة الاستبداد والسلطة، وحرص على استقلال العلماء وحرية الفكر، وكان يرى أن الشورى هي أساس الحكم في الإسلام، وأن الحاكم يجب أن يُختار من الأمة بحرية.

 

المنهج العلمي والأسلوب

اتسم منهج الشيخ أبو زهرة بالتحليل العميق، والمقارنة بين المذاهب الفقهية، والابتعاد عن التعصب، والاعتماد على الأدلة النقلية والعقلية معًا. كان يحرص على عرض حياة الأئمة وأفكارهم واجتهاداتهم بشكل موضوعي، ويعرض الخلافات الفقهية بروح علمية، ويشجع على الاجتهاد المعاصر المنضبط بأصول الشريعة.

 

تأثيره وتلاميذه

تتلمذ على يديه عدد كبير من العلماء والباحثين، من أشهرهم: الشيخ محمد الغزالي والشيخ محمد الطيب النجار ود. عبد العزيز عامر. وكان للشيخ أبو زهرة أثر بالغ في تطوير الدراسات الفقهية المقارنة في الجامعات المصرية والعربية. بقيت كتبه مرجعًا أساسيًا للباحثين وللمهتمين بالدراسات الإسلامية، وامتد تأثيره إلى خارج مصر، حيث استفاد من علمه وكتبه طلاب العلم في العالم الإسلامي.

 

وفاته:

توفي الشيخ محمد أبو زهرة عام 1974م (1394هـ) بعد حياة حافلة بالعلم والجهاد الفكري، وترك تراثًا علميًا ضخمًا، ومواقف مشهودة في الدفاع عن الشريعة الإسلامية وحقوق الأمة، ليظل اسمه رمزًا للعلم والجرأة والإصلاح في الفكر الإسلامي الحديث.

 

المصادر:

  1. محمد بدران، الإمام محمد أبو زهرة ومعالم فكره التربوي، مجلة التأدب، العدد 8، يناير 2013.
  2. الشيخ محمد أبو زهرة الحق على لسان رجل، إسلام ويب، 22 أكتوبر 2002، https://bit.ly/4kguiee
  3. كتاب “محمد أبو زهرة.. إمام الفقهاء المعاصرين والمدافع الجريء عن حقائق الدين” للدكتور محمد عثمان شبير، حوارات الشريعة والقانون، 11 أكتوبر 2023، https://bit.ly/4dhrXNV
  4. محمد زاهد، العلامة الفقيه المجاهد الحر محمد أبو زهرة، رابطة العلماء السوريين، 12 يناير 2015، https://bit.ly/43w4g1a
  5. فهد النمري، الشيخ محمد أبو زهرة وآراؤه الاعتقادية عرضًا ونقدا، مكتبة الألوكة، 22 نوفمبر 2014، https://bit.ly/4mgs3cM
  6. أحمد الشريف، الشيخ محمد أبو زهرة.. كتب عن الأئمة الأربعة وله أكثر من 30 كتابا، اليوم السابع، 29 مارس 2023، https://bit.ly/3EUbRxf
  7. فاطمة حافظ، الشيخ محمد أبو زهرة والتجديد في فقه الأسرة، إسلام أونلاين، https://bit.ly/4jdjUmY

على مر التاريخ، ظهرت حركات العصيان المدني كوسيلة للتعبير عن الرفض الجماعي للحكومات والنظم السياسية التي تتسم بالظلم والطغيان والقمع. هذا النوع من الاحتجاج لا يعتمد على العنف، بل على أساليب سلمية تُستخدم للضغط من أجل تغيير الأنظمة القائمة وتحقيق العدالة الاجتماعية. وقد أصبح العصيان المدني أحد الأساليب الأساسية في النضال الشعبي ضد الفساد والاستبداد، سواء على الصعيد العالمي أم في المجتمعات المحلية.

 

العصيان المدني لغة واصطلاحًا:

كلمة "العصيان" مشتقة من الجذر (عصى) الذي يشير إلى الرفض وعدم الخضوع أو المعصية. ففي معجم "لسان العرب" يُذكر أن العصيان يعني التمرد على السلطة والامتناع عن الطاعة، وفي معاجم أخرى مثل "القاموس المحيط" يُفسَّر على أنه خروج عن النظام أو عدم الالتزام بالأوامر المفروضة. أما كلمة "المدني" فهي مشتقة من كلمة "مدينة" وتدل على ما يتعلق بالشأن العام والحياة الاجتماعية للمجتمع. وبجمع هذين المعنيين، يُعرَّف "العصيان المدني" لغةً بأنه الامتناع عن طاعة أو تنفيذ أوامر وقوانين تُعتبر ظالمة أو غير مشروعة، وهو ما يُمارس عادة من قبل الأفراد أو الجماعات في إطار الشؤون المدنية دون اللجوء إلى العنف.

أما اصطلاحا فيمكن تعريف العصيان المدني بأنه الرفض الجماعي أو الفردي لتنفيذ أو تطبيق قوانين أو سياسات تُعتبر غير عادلة أو جائرة. وهو نشاط يهدف إلى إثارة الوعي المجتمعي بالمشكلات التي يعاني منها المواطنون، ويهدف إلى دفع النظام السياسي إلى إجراء تغييرات تؤدي إلى إصلاح الوضع القائم. ولعل أحد أهم سمات العصيان المدني هي الالتزام بأساليبه السلمية وعدم اللجوء إلى العنف، مما يجعله وسيلة فعالة للضغط على الجهات الحاكمة دون الإضرار بالبنية الاجتماعية.

 

مكونات العصيان المدني:

تتعدد مكونات العصيان المدني وتشمل عدة عناصر أساسية، وهي:

  1. الوعي السياسي والاجتماعي: يتعين أن يكون لدى الأفراد فهمًا عميقًا للمشكلات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية التي تؤثر على حياتهم. هذا الوعي يُشكل الدافع الأساسي للانخراط في حركات العصيان المدني.
  2. الرفض السلمي: يعتمد العصيان المدني على أساليب سلمية في التعبير عن الرفض، مثل الإضرابات والمقاطعات والاعتصامات والمسيرات. يُعد الابتعاد عن العنف شرطًا أساسيًا يحافظ على شرعية الحركة ومصداقيتها.
  3. التبرير الأخلاقي: يحتفظ العصيان المدني ببُعد أخلاقي رئيسي، حيث يستند إلى مبادئ العدالة والحرية وحقوق الإنسان، فيقوم المشاركون بإيضاح أن رفضهم للقوانين أو السياسات ينبع من ضرورة تصحيح مسارات تخلت عن المبادئ الأخلاقية.
  4. التنظيم الجماعي: تتطلب حركات العصيان المدني تنظيمًا منسقًا يضمن استمرارية الفعل الاحتجاجي وتوجيهه نحو أهداف محددة. يشمل ذلك هيكلة وتحالفات بين مختلف الفاعلين في المجتمع.
  5. التواصل الفعال مع الرأي العام: تُستخدم وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي لنشر الرسالة وتوثيق الأحداث، مما يساهم في إضفاء الشرعية والضغط على الحكومات للتجاوب مع المطالب.

من خلال هذه العناصر، يستمد العصيان المدني قوته من التزامه بالمبادئ التي تجعل من الاحتجاج السلمي أداة فعالة للتغيير الاجتماعي والسياسي.

 

الجذور التاريخية للعصيان المدني:

يمكن القول إن جذور العصيان المدني تمتد إلى عصور قديمة، حينما استخدم الشعوب أساليب مختلفة للتعبير عن رفضهم للحكم الظالم. ومع مرور الزمن، تطورت هذه الوسائل لتصبح أكثر تنظيمًا وشمولية، خاصة مع ظهور الحركات الاحتجاجية التي قادها مفكرون وزعماء سياسيون بارزون. كانت لحركات مثل الاحتجاجات ضد الأنظمة الاستبدادية في القرون الماضية، بداية لتشكيل نظريات سياسية واجتماعية حديثة ترتكز على مفهوم العصيان المدني. ومن الأمثلة الشهيرة في التاريخ الحديث حركات النضال ضد الاستعمار، حيث استخدم الناشطون أساليب العصيان المدني لتحقيق الاستقلال والإصلاح.

وقد مرّ "العصيان المدني" بثلاث محطات رئيسية:

المحطة الأولى:

هي ولادة المصطلح على يد الفيلسوف والشاعر الأميركي هنري ديفد ثورو (1817-1862)، الذي كان من أكبر المناهضين للعبودية في بلاده، وسخّر حياته للدفاع عن العبيد الفارين. ففي عام 1846 سُجن لرفضه دفع الضرائب محتجا بمعارضته للسياسة الأميركية ومنها الحرب ضد المكسيك. وتورو هو أول من استعمل المصطلح ونظَّر له في كتابه الشهير "العصيان المدني" الذي يقول فيه: "لو رفض ألف دفع ضرائبهم، فلن يكون هذا عملا دمويا خلافا للدفع الذي سيمكّن الحكومة من مواصلة الحروب وإراقة الدم البريء. ها قد أصبحت الثورة السلمية ممكنة. وإن سألني جابي الضرائب ماذا أفعل؟ فسأقول له: استقل. وعندما يرفض المواطن الطاعة ويستقيل الموظف فإن الثورة تكون قد نجحت".

المحطة الثانية:

هي تأثرُ الزعيم الهندي المهاتما غاندي بأفكار ديفد ثورو ومحاولته تطبيقها عبر ملاحم مقاومة معروفة، منها مطالبته عام 1906م العمال الهنود في جنوب أفريقيا برفض إعطاء بصماتهم تطبيقا لقانون عنصري. ومن ذلك أيضا دعوته عام 1930م مواطنيه الهنود إلى مقاطعة الملح الذي كانت جبايته مصدرا هاما لخزانة السلطات الاستعمارية البريطانية، فقاد الجماهير نحو البحر ليستخرجوا منه ملحهم، ثم أتبع ذلك بصرخته المعروفة: "غادروا الهند" التي انتقل بها من رفض القوانين الاستعمارية إلى المناهضة السلمية للاستعمار نفسه.

المحطة الثالثة:

هي معركة الحريات المدنية التي قادها الزعيم الأميركي الأسود مارتن لوثر كنغ في ستينيات القرن العشرين برفض الانصياع للقوانين العنصرية للولايات الجنوبية في أميركا.

دوافع متعددة:

تعددت مظاهر وتطبيقات العصيان المدني منذ بداية القرن العشرين في بلدان كثيرة وخاصة في الدول الغربية، ومن بينها فرنسا وإيطاليا وبريطانيا وألمانيا، سواء تعلّق الأمر برفض القوات المتحاربة مواصلة إطلاق النار في الحرب العالمية الأولى، أم في فرنسا حيث دعم البعض استقلال الجزائر، أم في ألمانيا حين منع العصاة المدنيون تحرك النفايات النووية، كما استخدِم في جنوب أفريقيا لمقاومة الفصل العنصري، وانتهجته حركات السلام في أنحاء العالم.

 

العصيان المدني في فلسطين:

تكوّن مفهوم العصيان المدني في المجتمع الفلسطيني عبر تراكم طويل من النضال الشعبي وتجارب يومية وحركات منظمة ضد الاحتلال. لم يكن احتجاجًا عابرًا، بل استجابة جماعية شاملة جمعت بين الرفض السياسي والأبعاد الثقافية والاقتصادية: من الامتناع عن دفع الضرائب ومقاطعة الإدارة المدنية إلى تعزيز الروابط عبر المؤسسات المحلية والحركات النسائية، مما رسّخ الهوية الوطنية والوعي السياسي. حوّلت هذه الممارسات الروتينية إلى أدوات فعّالة للتحدي، فدفعت نحو إعادة توزيع السلطة والمطالبة بإصلاحات سياسية واقتصادية جذرية. بهذا، صار العصيان المدني تجسيدًا للقوة الجماهيرية والالتزام بحق تقرير المصير، كنموذج مقاوم يُحتذى به في مواجهة القمع وتحقيق التغيير الإيجابي.

ظهرت ممارسات العصيان المدني في السياق الفلسطيني كأداة مقاومة سلمية ضد الاحتلال، بدءًا من فترة الانتداب البريطاني، وتجسدت بوضوح في الإضراب العام عام 1936 الذي استمر ستة أشهر، مطالبًا بوقف الهجرة اليهودية ووعد بلفور. شمل الإضراب مقاطعة البضائع البريطانية، ووقف العمل في الموانئ، وامتناع الطلاب عن الذهاب للمدارس. أدى هذا العصيان إلى شل الاقتصاد، وامتد ليتحول إلى ثورة شعبية أسفرت عن استشهاد 1200 فلسطيني، بينهم فرحان السعدي الذي أُعدم أثناء صيامه رمضان.

خلال الانتفاضة الأولى (1987)، برزت تجربة بيت ساحور كأحد أبرز نماذج العصيان المدني المنظم. امتنع الأهالي عن دفع الضرائب للاحتلال الإسرائيلي، وأقاموا تعاونيات محلية للإنتاج الزراعي والصناعي، مثل تعاونية الأبقار لضمان الاكتفاء الذاتي. شكلت لجان شعبية متخصصة (كالتموين، الصحة، التعليم) لتنظيم الحياة اليومية، متحدين الحصار الاقتصادي والقمع العسكري الإسرائيلي الذي حاول كسر إرادتهم عبر فرض غرامات باهظة.

في العصر الحديث، استمر توظيف العصيان المدني كأداة ضغط، كما حدث في مخيم شعفاط عام 2022، حيث فرض الأهالي إغلاقًا شاملًا للمحال التجارية، وقطعوا الطرقات، وامتنعوا عن العمل داخل الأراضي المحتلة عام 1948، مما أجبر الاحتلال على التراجع عن حصاره. كما دعت جهات فلسطينية في أبريل 2025 إلى عصيان مدني شامل نصرةً لغزة، رغم عدم توفر تفاصيل ميدانية عن نتائجه.

تعتمد هذه الأساليب على التنظيم المجتمعي واللاعنف، مستفيدةً من الدروس التاريخية كإضراب 1936، مع تطوير آليات تكيف كالزراعة المنزلية والمقاطعة الاقتصادية.

 

 العصيان المدني في الشريعة الإسلامية

يُشكل العصيان المدني إحدى القضايا الإشكالية في الفقه السياسي الإسلامي، حيث تتقاطع مفاهيم الطاعة الشرعية مع مقتضيات العدالة الاجتماعية، وفي هذا الجزء نستهدف رصد التطور التاريخي لموقف المذاهب الفقهية من القضايا المشابهة للعصيان المدني، مع تحليل الاتجاهات المعاصرة في التعامل مع هذا المفهوم في ضوء المستجدات السياسية.

 

المفهوم الفقهي للعصيان المدني وأصوله الشرعية (التأصيل النصي للمفهوم):

تقوم فكرة العصيان المدني في الإسلام على ثنائية الطاعة في المعروف والعصيان في المنكر، المستمدة من قوله تعالى: "وَلَا تُطِيعُوا أَمْرَ الْمُسْرِفِينَ" (الشعراء: 151). وقد حدد الحديث النبوي الإطار العام بالقول: "السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ" (صحيح البخاري). هذا النص يؤسس لمبدأ التفريق بين الطاعة المطلقة لله والطاعة المشروطة للحكام.

لم يعرف التراث الفقهي مصطلح "العصيان المدني" بمفهومه الحديث، لكنه تناول ظواهر مماثلة تحت عناوين مثل "المناصحة"، "الهجرة السياسية"، و"العزل الجماعي". فقد أشار القرافي المالكي إلى أن "الأمة إذا أعلنت البراءة من حاكمها الظالم جاز لها مقاطعته في المعاملات العامة". هذه الصورة التاريخية تقترب من مفهوم المقاومة السلمية المعاصرة.

 

آراء المذاهب الأربعة في القضايا المشابهة للعصيان المدني:

المذهب الحنفي: التمييز بين أنواع المخالفة

ذهب أبو حنيفة إلى جواز الاعتراض اللفظي على الحاكم الجائر، مع تحريم الخروج المسلح إلا في حالات الكفر البواح. واستدلوا بقول عمر بن الخطاب: "لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق". وقد نص السرخسي في "المبسوط" على أن "للرعية حق النصيحة للحاكم بالطرق السلمية، ومنها الامتناع عن التعاون في الظلم". هذا الموقف يفسر قبول الحنفية للاحتجاجات السلمية كوسيلة ضغط إصلاحية.

 

المذهب المالكي: أولوية درء المفاسد

اعتمد المالكية على قاعدة "ارتكاب أخف الضررين"، حيث أجاز ابن رشد الجد التعبير عن الاعتراض عبر المقاطعة الاقتصادية عند عجز الوسائل الأخرى. وقد ورد في المدونة الكبرى: "إذا أمَر الوالي بمنكر، فالأولى مخالفته عملًا لا قولًا". هذا التوجه يفسر قبول بعض الفقهاء المالكيين للعصيان المدني كبديل عن المواجهة المسلحة.

 

المذهب الشافعي: مراتب إنكار المنكر

قسّم الشافعية وسائل الإصلاح إلى ثلاث درجات: الإنكار القلبي، اللساني، ثم اليدوي. وقد أشار النووي في "روضة الطالبين" إلى أن "الإنكار اليدوي للحاكم الظالم يكون بالامتناع عن تنفيذ أوامره الظالمة دون المواجهة المباشرة". هذا التدرج يفتح الباب أمام أشكال العصيان السلمي كمرحلة متقدمة من النصيحة.

 

المذهب الحنبلي: التوازن بين النصيحة والاستقرار

بالرغم من تشدد المذهب الحنبلي في مسألة الخروج المسلح، إلا أن ابن تيمية أقر بوسائل ضغط غير عنيفة. فقد ذكر في "السياسة الشرعية": "إذا أظهر الحاكم المنكرات، وجب على الرعية تغيير قلوبهم عليه وقطع الولاية عنه بالطرق المشروعة". هذا الرأي يؤسس لشرعية المقاومة المدنية المنظمة.

 

الاتجاهات المعاصرة في فتاوى العصيان المدني:

يعارض التيار السلفي التقليدي فكرة العصيان المدني، مستندًا إلى أحاديث وجوب الصبر على جور الحكام. ويحذر عبد العزيز بن باز من أن "العصيان المدني يضعف هيبة الدولة الشرعية"، مؤكدًا أن "التغيير يجب أن يتم عبر القنوات الرسمية للنصيحة". هذا الرأي يستشهد بتجارب تاريخية حيث أدت الاحتجاجات إلى فتن أشد.

بينما يتبنى عدد من الفقهاء المعاصرين مثل د. يوسف القرضاوي ود. علي جمعة رأيًا مشروطًا بجواز العصيان المدني. يستندون إلى أن "الأمر بالمعروف لا يقتصر على الأفراد بل يشمل المؤسسات"، وأن "الامتناع السلمي عن التعاون مع الظلم صورة من صور النصيحة العملية". وقد أصدروا فتاوى بجواز الاحتجاجات السلمية في حالات الفساد المستشري، شريطة الالتزام بضوابط السلمية وعدم المساس بالمرافق الحيوية.

وميَّز د. طه جابر العلواني بين العصيان ضد الأنظمة العلمانية والأنظمة الإسلامية. ففي الحالة الأولى يُعتبر العصيان وسيلة شرعية لاسترداد الهوية الإسلامية، بينما في الثانية يقتصر على آليات النصيحة الدستورية. يستند هذا التوجه إلى قاعدة "تغير الأحكام بتغير الزمان".

 

إطلالة على الإشكالات المعاصرة وتحديات التأصيل:

يطرح باحثون مثل عبد الوهاب الأفندي إشكالية تطبيق مفاهيم التراث الفقهي على الأنظمة الديمقراطية. حيث إن "الدولة الحديثة تستمد شرعيتها من الشعب لا من البيعة الشرعية"، مما يفتح الباب لإعادة تأصيل مفهوم العصيان في إطار العقد الاجتماعي الإسلامي.

كما أثارت حملات المقاطعة الإلكترونية جدلًا فقهيًا حول مدى انطباق أحكام العصيان المدني على الفضاء الافتراضي. حيث يرى د. محمد سليم العوا أن "المقاطعة الرقمية للشركات الداعمة للظلم تدخل في نطاق الهجرة المعاصرة"، بينما يحذر د. سعد الدين الهلالي من "استخدام المنصات الإلكترونية لبث الفتنة".

 

ومما سبق يتضح تعدّد موقف الفقه الإسلامي من العصيان المدني تبعًا لموازنة دقيقة بين مقاصد الشريعة والحالة الواقعية؛ فالمذاهب التقليدية تؤكّد على أولوية حفظ الاستقرار، بينما فتح الاجتهاد المعاصر المجال للاحتجاج السلمي ضد أنظمة فاسدة بشرط استنفاد كل الوسائل الأخرى أولًا. تقوم صياغة ضوابط العصيان على ثلاثة مرتكزات رئيسية: وضوح الظلم، واستنفاد الطرق السلمية، وضمان عدم الانجرار إلى الفوضى، مع الحفاظ على الثوابت الشرعية.

وترتكز الشريعة في تقييمها للعصيان على قيم العدالة وحفظ كرامة الإنسان، فتعتبر رفض تنفيذ القوانين الظالمة حقًا مشروعًا إذا دعت الضرورة إلى حماية حقوق الفرد والمجتمع. ويُنظر إلى الاعتراض السلمي ليس كخرقٍ للسلطة، بل كواجبٍ ديني حين يخالف النظام الحاكم المبادئ الأخلاقية والإنسانية.

يواجه الفقهاء تحديًا مستمرًا في تحقيق التوازن بين حفظ النظام العام والالتزام بمبدأ الإنصاف، فالعصيان المدني يصبح وسيلةً لتصحيح المسار السياسي والاجتماعي فقط عند تهديد حقوق الإنسان بشكل جسيم وغياب السبل الإصلاحية الأخرى. ومع التطورات السياسية والاجتماعية الراهنة، يبرز دور الاجتهاد المؤسّسي في تقديم نموذج متوازن للعصيان يحقق الإصلاح دون الإخلال بالقانون أو الثوابت الشرعية.

بهذه المعايير، يتضح أن العصيان المدني في الشريعة الإسلامية ليس احتجاجًا عفويًا، بل ممارسة مقيدةٌ بضوابطٍ شرعية تهدف إلى إقامة نظامٍ عادل يحفظ حقوق الناس ويضمن الاستقرار العام في آن واحد.

 

المصادر:

_________________

  1. ماذا يعني العصيان المدني؟، الجزيرة نت، 9 يونيو 2019، https://bit.ly/43NzUrH
  2. محمد على فقيه، هنري ثورو.. منظّر "العصيان المدني"، الميادين، 24 مارس 2023، https://bit.ly/4j8dOoH
  3. أكرم كساب، العصيان المدني رؤية شرعية، الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، 23 يونيو 2015، https://bit.ly/3EeHD7L
  4. أحمد عز الدين، بلاد على أهبة الفجر: العصيان المدني والحياة اليومية في بيت ساحور، المركز العربي، 26 ديسمبر 2021، https://bit.ly/42v4K63
  5. د. سعود العجمي، العصيان المدني وعلاجه في ضوء القرآن الكريم، مجلة كلية دار العلوم، العدد 36، ص: 989-1023.
  6. ابن جبرين، كتاب شرح أصول السنة للإمام أحمد، حكم الخروج على ولاة الأمر، ج 2، ص 2.
  7. حكم الخروج على الحاكم، إسلام ويب، https://bit.ly/4lQvV4a
  8. خالد أبو الفضل، التمرد والعنف في الفقه الإسلامي، المركز العربي للأبحاث ودراسات السياسيات، 2 فبراير 2025، https://bit.ly/4cNUp9X
  9. حسين عمر، العصيان المدني، عمون، 8 سبتمبر 2019، https://bit.ly/4iBGlBQ
  10. أحمد أسعد، شهادات من الانتفاضة: العصيان واللجان والشبكات والقيادة والتنظيم الشعبي، 18 أغسطس 2023، https://bit.ly/3GuzsEZ