
(1978-1891)
يُعد الشيخ علي الخفيف من أبرز الفقهاء المجددين في العصر الحديث، حيث تميز بتقديم اجتهادات فقهية تتناسب مع تطورات العصر دون الإخلال بأصول الشريعة. جمع بين دراسة الفقه التقليدي والمعرفة القانونية الحديثة، مما أهّله لتقديم رؤى مبتكرة في قضايا معاصرة مثل المعاملات المالية والتأمين. شغل مناصب أكاديمية وتشريعية مهمة، وترك خلفه إرثًا علميًا واسعًا وشاملًا يظل مرجعًا للأجيال القادمة، حيث ترك خلفه العديد من الكتب والمقالات والأبحاث التي ما زالت تُعد مرجعًا مهمًا في الدراسات الفقهية والقانونية. اهتم بنشر العلم والمعرفة، سواء من خلال التدريس أم الكتابة أم المشاركة في المؤتمرات العلمية. كما كان نموذجًا للعالم المجدد، وكان يعتقد أن الفقه الإسلامي قادر على مواكبة كل جديد، شريطة أن يُعاد النظر في بعض المسائل وفقًا لمقاصد الشريعة ومتطلبات العصر. كان لحكمته وأخلاقه دور كبير في التأثير على تلاميذه وزملائه، وظل مرجعًا في الفقه المقارن والدراسات الإسلامية.
النشأة والتكوين العلمي:
وُلد الشيخ علي محمد الخفيف في قرية الشهداء بمحافظة المنوفية بمصر عام 1891. نشأ في أسرة محافظة اهتمت بتعليمه العلوم الدينية منذ صغره. التحق بكتّاب القرية حيث حفظ القرآن الكريم وتعلم مبادئ العلوم العربية والدينية.
بعد إتمام حفظ القرآن، التحق بالأزهر الشريف في القاهرة عام 1904. كانت هذه الفترة قبل الإصلاحات الحديثة في الأزهر، حيث كانت الدراسة تعتمد بشكل كبير على حلقات التعليم، وتركز بشكل أساسي على العلوم الشرعية واللغة العربية، وبحلول عام 1907، انتقل إلى معهد الإسكندرية الديني الذي أُسس بتوجيهات الإمام محمد عبده، وكان هذا المعهد يجمع بين التعليم التقليدي والتحديث في المناهج والأساليب التعليمية، ودرس الشيخ الخفيف فيه لفترة قصيرة قبل أن ينتقل إلى مدرسة القضاء الشرعي التي أُنشئت في العام نفسه.
دراسته في مدرسة القضاء الشرعي:
كان التحاق الشيخ علي الخفيف بمدرسة القضاء الشرعي نقطة تحول في مسيرته العلمية، إذ كانت تلك المدرسة تعتبر من أرقى المؤسسات التعليمية في ذلك الوقت، حيث جمعت بين التعليم الشرعي والدراسات القانونية الحديثة وفيها تلقى الشيخ الخفيف تعليمًا مميزًا على يد نخبة من العلماء والأساتذة في الشريعة والعلوم العصرية، منهم: الشيخ أحمد إبراهيم، والشيخ فرج السنهوري، والشيخ محمد الخضري، والشيخ محمد عبد المطلب، وكان من بين زملائه في الدراسة الشيخ عبد الوهاب خلاف، والدكتور أمين الخولي، والشيخ محمد فرج السنهوري. وقد استمر الشيخ الخفيف في المدرسة لمدة ثماني سنوات، حتى تخرج منها عام 1915 بشهادة تؤهله للعمل في القضاء والمحاماة والتدريس.
المناصب التي شغلها:
بعد تخرجه، عُيّن الشيخ علي الخفيف أستاذًا في مدرسة القضاء الشرعي، حيث درس الفقه الإسلامي، كما تولى مناصب أكاديمية وتشريعية متعددة طوال حياته، فشغل منصب قاضٍ شرعي في المحاكم الشرعية المصرية عام 1921، وكان له دور كبير في تنظيم وإصلاح القضاء الشرعي في مصر.
وفي عام 1939، تم تعيينه أستاذًا مساعدًا للشريعة الإسلامية في كلية الحقوق بجامعة القاهرة، حيث قام بتدريس مواد مثل: الفقه الجنائي، المعاملات المالية، والأحوال الشخصية.
شغل الشيخ علي الخفيف كذلك مناصب أخرى، مثل محامي شرعي في وزارة الأوقاف ومدير شؤون المساجد في الوزارة.
دوره في التشريع وتجديد الفقه:
كان الشيخ علي الخفيف واحدًا من الفقهاء المجددين الذين سعوا إلى تطوير الفقه الإسلامي بما يتناسب مع متغيرات العصر، فكان يدعو إلى مراجعة الفقه الموروث وتحديثه استنادًا إلى النصوص الشرعية ومقاصد الشريعة الإسلامية، وقد تأثر بفكره العديد من طلابه. وكان يرفض الجمود الفقهي ويدعو إلى الاجتهاد في المسائل الفقهية المعاصرة. وقد تبنى منهجًا علميًا دقيقًا في التعامل مع النصوص الشرعية، محاولًا تقديم حلول فقهية تتوافق مع روح العصر دون الإخلال بالأسس الشرعية.
كما أصبح الشيخ مرجعًا مهمًا في الفقه المقارن بين الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي، وكانت أعماله البحثية تحلل القوانين الوضعية وتقارنها مع الأحكام الشرعية، مع تقديم مقترحات لتطوير الفقه في ضوء التغيرات المجتمعية.
أخلاقه وشخصيته:
عُرف الشيخ علي الخفيف بتواضعه وإنكاره لذاته، وكان يتمتع بحكمة ووقار جلبا له احترام الجميع. ولم يكن يدخل في خصومات مع الآخرين، وكان يتسم بالصبر والتروي في إصدار الأحكام، ولذا كان يحظى بتقدير كبير من زملائه وطلابه، وكان يعتبر من العلماء الذين يجمعون بين العلم والعمل الصالح. لم يكن فقط فقيهًا متميزًا، بل أيضًا رجلًا ذا أخلاق رفيعة، يتعامل مع الجميع بحسن الخُلق والرفق.
مساهماته في اللجان العلمية والمجالس التشريعية:
كان الشيخ علي الخفيف عضوًا مؤسسًا في العديد من الهيئات العلمية مثل موسوعة الفقه الإسلامي، ومجمع البحوث الإسلامية، ومجمع اللغة العربية. كما شارك في إعداد العديد من مشروعات القوانين التي تتعلق بالأحوال الشخصية في مصر.
وقدم أبحاثًا علمية مهمة في المؤتمرات الإسلامية والعربية التي تناولت قضايا معاصرة مثل التأمين، والملكية، والفكر التشريعي الإسلامي.
كما كانت أبحاثه تُعد مرجعًا مهمًا للمؤسسات الأكاديمية والقانونية في مختلف الدول الإسلامية، كما كانت تسهم في تطوير الفقه الإسلامي لمواكبة التحديات المعاصرة.
دوره في المجامع العلمية والتشريعية:
- مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر: كان الشيخ علي الخفيف عضوًا فعالًا في مجمع البحوث الإسلامية، حيث قدّم عدة أبحاث مهمة. من أبرزها بحثه حول "الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام"، وبحثه عن "التأمين" الذي قدمه في مؤتمر المجمع الثاني، وكذلك بحثه حول "مكانة السنة النبوية في بيان الأحكام الإسلامية". هذه الأبحاث ساهمت في توجيه النقاشات الفقهية نحو موضوعات معاصرة وأثبتت مرونة الفقه الإسلامي في مواجهة القضايا الحديثة.
- مجمع اللغة العربية: تم اختياره عضوًا في مجمع اللغة العربية في القاهرة عام 1969 تقديرًا لمكانته العلمية وإسهاماته في مجال اللغة والفقه. ساهم في أعمال المجمع، خاصة في لجان المصطلحات الفقهية والقانونية، حيث قدّم مساهمات فعالة في تطوير المصطلحات الفقهية والقانونية بما يتناسب مع تطورات العصر.
- موسوعة الفقه الإسلامي: كان الشيخ علي الخفيف عضوًا مؤسسًا في موسوعة الفقه الإسلامي التي أنشئت عام 1961. كتب العديد من المصطلحات الفقهية للموسوعة، من بينها مصطلحات مثل "إجارة"، "إسلام"، "إقطاع"، و"دين". كان هدف الموسوعة هو جمع وتوثيق الأحكام الفقهية من مختلف المذاهب الإسلامية وتقديمها بشكل علمي ومنظم. إسهاماته في الموسوعة تُعد من أهم أعماله التي تجمع بين الدقة العلمية والاهتمام بالتفاصيل الفقهية.
- المجلس الأعلى للأزهر: كان عضوًا في المجلس الأعلى للأزهر الذي يتولى رسم السياسات العامة للأزهر الشريف، وهو ما يوضح مدى الثقة التي كانت تُعطى له من قبل المؤسسات الدينية العليا في مصر.
مشاركاته في المؤتمرات العلمية:
شارك الشيخ علي الخفيف في العديد من المؤتمرات العلمية على مستوى العالم العربي والإسلامي، حيث كان يُدعى لتقديم أبحاثه ومساهماته العلمية، على سبيل المثال:
- في أسبوع الفقه الإسلامي الذي انعقد في دمشق عام 1961، قدّم بحثًا عن "الحسبة" وناقش موضوع "التعسف في استعمال الحق".
- في المؤتمر العالمي للاقتصاد الإسلامي الذي انعقد في مكة المكرمة عام 1976، قدّم بحثًا مهمًا حول "التأمين"، وكان لهذا البحث أثر كبير في تبني بعض الدول الإسلامية لنظام التأمين وفقًا للشريعة الإسلامية.
- هذه المشاركات العلمية لم تقتصر على المؤتمرات المحلية، بل شارك أيضًا كأستاذ زائر في عدة جامعات مثل جامعة بغداد وجامعة الخرطوم، حيث قدّم محاضرات لطلبة الدراسات العليا في الفقه الإسلامي والشريعة.
أهم مؤلفاته:
كتب الشيخ علي الخفيف العديد من المؤلفات والأبحاث التي أثرت المكتبة الإسلامية، لما كانت تمتاز به من العمق والدقة في البحث، وتغطي موضوعات متعددة في الفقه وأصوله والمعاملات المالية والشريعة الإسلامية. وفيما يلي قائمة بمؤلفاته:
أولًا - الكتب المطبوعة:
1. "أحكام المعاملات الشرعية": تناول في هذا الكتاب مسائل المعاملات المالية من منظور الشريعة الإسلامية، وقدم دراسات مقارنة مع القوانين الوضعية.
2. "أحكام الوصية": بحوث مقارنة تضمنت شرح قانون الوصية رقم 71 سنة 1946م. يعرض هذا الكتاب الأحكام الشرعية المتعلقة بالوصية مع مقارنة بالتشريعات الحديثة.
3. "أسباب اختلاف الفقهاء": يبحث في الأسباب التي أدت إلى تنوع الآراء الفقهية بين المذاهب المختلفة ويقدم رؤية واضحة لفهم هذه الاختلافات.
4. "البيع في الكتاب والسنة": يركز على شرح أحكام البيع وفقًا للنصوص الشرعية الواردة في القرآن والسنة.
5. "التأمين وحكمه على هدي الشريعة الإسلامية": يناقش في هذا الكتاب مفهوم التأمين ومدى مشروعيته وفقًا للشريعة الإسلامية، ويقارن بين أنواعه المختلفة.
6. "التركة والحقوق المتعلقة بها": يتناول هذا الكتاب أحكام التركة وما يتعلق بها من حقوق، مثل حقوق الورثة والدائنين.
7. "التصرف الانفرادي والإرادة المنفردة": بحث مقارن يعرض مسألة التصرف بالإرادة المنفردة في الفقه الإسلامي، ويقارنها بالقوانين المدنية المعاصرة.
8. "الحق والذمة": دراسة شاملة حول مفهوم الحق في الإسلام، والذمة بمعناها الشرعي والقانوني.
9. "حكم على شهادات الاستثمار بأنواعها الثلاثة": يناقش هذا الكتاب حكم الشريعة الإسلامية على شهادات الاستثمار، وتطبيق القواعد الفقهية على المعاملات المالية الحديثة.
10. "الخلافة": يناقش فيه مفهوم الخلافة في الإسلام وأحكامها، ودورها في النظام السياسي الإسلامي.
11. "الدَين": يُعد هذا الكتاب دراسة متعمقة حول الدين في الإسلام وأحكامه، وخصوصًا في المعاملات المالية.
12. "الديات والأروش": يتناول أحكام الديات والأروش في الفقه الإسلامي، مع مقارنة بالقوانين الحديثة.
13. "الرهن": دراسة حول الرهن في الفقه الإسلامي وأحكامه المختلفة.
14. "الشركات في الفقه الإسلامي": يقدم رؤية شاملة حول أحكام الشركات في الشريعة الإسلامية، ويقارنها بالقوانين المدنية.
15. "الضمان في الفقه الإسلامي": يتناول موضوع الضمان وأحكامه في الشريعة الإسلامية، ويقدم دراسات مقارنة بالقوانين الوضعية.
16. "فرق الزواج في المذاهب الإسلامية": يبحث في أنواع الفرق بين الزوجين وأسبابها وفقًا للمذاهب الإسلامية المختلفة.
17. "الكفالة": يتناول هذا الكتاب أحكام الكفالة في الشريعة الإسلامية.
18. "مختصر المعاملات الشرعية": يقدم خلاصة لأهم أحكام المعاملات في الفقه الإسلامي بأسلوب مختصر.
19. "مذكرة في السياسة الشرعية": مذكرات لطلبة تخصص القضاء الشرعي، تُركز على السياسة الشرعية وأحكامها.
20. "مكانة السنة في بيان الأحكام الإسلامية": دراسة تتناول أهمية السنة النبوية في تحديد الأحكام الشرعية والرد على الشبهات حول حجيتها.
21. "الملكية في الشريعة الإسلامية مع مقارنتها بالقوانين العربية": يقدم دراسة شاملة حول مفهوم الملكية في الفقه الإسلامي مع مقارنة بالقوانين الوضعية في الدول العربية.
22. "المواريث": يتناول أحكام المواريث في الشريعة الإسلامية بطريقة مفصلة.
23. "نظام الحكم": يناقش نظام الحكم في الإسلام وأحكامه الشرعية.
24. "النيابة عن الغير في التصرف": يبحث في مسألة النيابة في التصرفات الشرعية وأحكامها.
ثانيًا - الأبحاث والمقالات المنشورة:
25. الاستصحاب.
26. الأسس التي قام عليها التشريع الإسلامي.
27. تأثير الموت في حقوق الإنسان والتزاماته.
28. "تعقيب على التعسف في استعمال الحق) بحث مقدم في أسبوع الفقه الإسلامي.
29. تقديم كتاب" تحفة الفقهاء للسمرقندي"، بتحقيق محمد زكي عبد البر، ١٩٥٨م.
30. الجعالة والوعد بجائزة.
31. جوابه على الاستفتاء المقدم من السيد عبد الرحمن عبد العزيز القاسم بشأن تقنين الأحكام الشرعية في البلاد السعودية، مطبعة المدني - القاهرة، ١٩٦٦م.
32. الحسبة.
33. "الحكومة الإسلامية الأولى" بحث منشور بمجلة الرسالة المصرية، عدد (٢٤٦) مارس (۱۹۳۸م).
34. رعاية المصلحة في الشريعة.
35. الشفعة.
36. الفكر التشريعي واختلافه باختلاف الشرائع.
37. كلمة في وداع الدكتور أمين الخولي في حفل استقبال الشيخ علي الخفيف في مجمع اللغة، مجلة المجمع (٢١٤/٢٥).
38. كلمة في تأبين الشيخ عبد الرحمن تاج في مجمع اللغة العربية مجلة المجمع (٢٢٣/٣٦).
39. مدى تعلق الحقوق بالتركة.
40. الملكية الفردية وتحديدها في الإسلام.
41. المنافع في الشريعة الإسلامية.
42. الوقف الأهلي: نشأته، مشروعيته، عيوبه، حله، إصلاحه.
ثالثًا - المصطلحات الفقهية التي كتبها لموسوعة الفقه الإسلامي - مصر:
43. إجارة (۲/ ۱۹۹ - ۳۳۰).
44. ادعاء (٤ / ١٦٢ - ١٨٧).
45. إذن (٢٢١/٤ - ٢٤٦).
46. ارتفاق (٢٧٤/٤ - ٢٧٨).
47. أرش (٨٣/٥-١٠٧).
48. استبدال (۱۷۷/۵ - ۱۸۲).
49. استنابة (۹۲/۸).
50. استناد (٩٢/٨-٩٤).
51. استیلاء (٢٠٧/٨ - ٢١٤).
52. إسلام (٩ / ٢٧٥ - ٢٩٣).
53. اعتصار (١٦ / ١٠٠ - ١٠٢).
54. اعتقال (١٠٣/١٦ - ١٠٥).
55. اقتصار (۲۳۲/۲۱ - ۲۳۳).
56. إقطاع (٦/٢٣ - ١٨).
57. انقراض، لم تطبع بعد.
58. إيمان، لم تطبع بعد.
59. أمير وإمارة، لم تطبع بعد.
60. أهل الحل والعقد لم تطبع بعد.
61. دين، طبع ضمن طبعة الموسوعة النموذج.
وفاته:
توفي الشيخ علي الخفيف في القاهرة يوم 7 نوفمبر 1978 بعد حياة حافلة بالعطاء العلمي والفقهي. حظي بتكريم كبير من قبل زملائه وتلاميذه، وأقيم له حفل تأبين في مجمع اللغة العربية بالقاهرة يوم 8 نوفمبر 1978.
____________
المصدر: مستل من كتاب: د. محمد عثمان شبير، الشيخ على الخفيف الفقيه المجدد، دار القلم، دمشق: 2002 (بتصرف واختصار).
مفهوم الدولة الدينية يشير إلى نظام حكم يكون فيه لرجال الدين السلطة العليا في إدارة شؤون الدولة وسن القوانين. يُعرف هذا النظام بالثيوقراطية، وهي كلمة مشتقة من كلمتين يونانيتين: “ثيو” وتعني الإله، و"قراطية" وتعني الحكم، مما يعني أنها الدولة التي يحكم فيها شخص أو أكثر أو مؤسسة معينة (الكنيسة في العصور الوسطى في أوروبا مثلا) باسم الله أو بتفويض من الله أو بشرع الله، وتفرض على رعاياه حق الطاعة والتقديس بأمر الله.
وبنظرة أعمق إلى مفهوم الحكم والدولة الثيوقراطيين لدى علماء السياسة؛ فإن الثيوقراطية نظرية سياسية تقوم على أن شرعية الحكم والحاكم تتأسس على كون من يمتلكها ويمارسها يفعل ذلك انطلاقا من حق إلهي، وأنه في تصرفه وممارسته السياسية يصدر عن تفويض من الإرادة الإلهيّة. إن الحكم الثيوقراطي تبعا لذلك هو بطبيعته حكم مطلَق، يجعل للسيادة مصدرا واحدا هو الحاكم بأمر الله وباسمه.
والحكم الثيوقراطي يوظِّف نظرية "الحق الإلهي" من أجل ممارسة حكم وضعي مطلق، يمنع أي نوع من أنواع المساءلة أو الرقابة، ويصادر سيادة الشعب وسلطته وحقه الأصلي في تفويض الحاكم في تدبير شؤونه، بناء على تعاقد اجتماعي محدَّد المعالم، واضح الواجبات والمسؤوليات. والحاكم في النظرية الثيوقراطية هو فوق المساءلة والمحاسبة، إذ إنّه ليس منتخَبا، ولا يمكن عزله أو إسقاطه لسقوط شرعيته أو نقصانها بسبب إخلاله بمقتضيات العقد الاجتماعي، لأنه هو صاحب السيادة المطلقة وليس الشعب، فهو غير مسؤول أمام أي إنسان آخر ولا أي مجلس ولا أمام الشعب نفسه، وهو فوق القانون، ولا يقبل النقد والاعتراض والنصح، لأنّه يحكم بإرادة إلهيّة.
وبذلك تكون الثيوقراطية -التي تعني التصرف السياسي وفق تفويض أو حق إلهي- أكثر تعارضا مع روح الدين ومقاصده العامة من أشد العلمانيات تطرفا.
أصل فكرة الدولة الدينية:
تعود أصول فكرة الدولة الدينية إلى الفيلسوف اليوناني جوزيفوس فلافيوس، الذي قارن بين أشكال الحكم المختلفة في اليونان، مثل الأرستقراطية والملكية والفوضوية. تطورت الفكرة بشكل كبير خلال عصر النهضة الألمانية، حيث عارضها العديد من الفلاسفة مثل هيجل. وهناك عدة أنماط من النظريات الثيوقراطية، نذكر منها: النظرية القائلة بالطبيعة الإلهيّة للحكّام، ويعود ظهورها إلى الحضارات القديمة في روما وإيران ومصر والصين واليابان. وتتلخّص النظرية في تقديس الإمبراطور أو الملِك باعتباره الإلهَ نفسَه أو مَظهراً للإلهِ أو ابنَه أو ربيبَه، ولأنه صاحب سيادة وسلطة مطلقتين.
ثم جاءت النظرية القائلة بالحقّ الإلهي المباشر والتي ظهرت بعد المسيحية؛ فلم تعد للحاكم طبيعة إلهية، بل إنّه إنسان لكن الله اختاره واصطفاه ومنحه السيادة والسلطة على البشر. وبذلك فهو صاحب سلطة مطلقة أيضاً، لأنّه يحكم بإرادة إلهية ويستمدّ سلطته من الله مباشرة. وقد اعتنقت الكنيسة المسيحية هذه الفكرة، واستطاعت من خلالها بسط نفوذها وسلطتها على أوروبا، وإن كان الإمبراطور والملِك أو الأمير هو الذي يحكم في الظاهر. وبهذا الشأن يقول القديس بوسيه المعاصر كما قال ملك فرنسا لويس الرابع عشر: "إن الله هو الذي يعيّن الملك ويضعه على العرش"، وبعض ملوك أوروبا: "إننا لم نتلقَّ التاج إلاّ من الله، ولنا وحدنا سلطة القوانين ولا نخضع في عملنا لأحد".
ثم هناك نظرية الحقّ الإلهي غير المباشر، وقد ظهرت في أعقاب الصراع بين الكنيسة المسيحية وملوك أوروبا، وهو ما دفع مفكّرين سياسيّين -من أبرزهم القديس توما الأكويني- إلى القول بأنّ الله تعالى يختار الحاكم بواسطة الشعب. أي أن الإرادة الإلهيّة تتدخّل لتختار الإمبراطور أو الملك، ولكن ليس بشكل مباشر، بل من خلال اختيار الشعب له بتوجيه إلهي. وهذه النظرية تتمسّك بالفكرة العامّة للثيوقراطية، ولكنّها تحاول أن تعطي لنفسها مظهراً ديمقراطيا.
أشكال الحكم الديني عبر التاريخ:
عرفت الإنسانية أشكالًا مختلفة من الحكم الديني في عدة دول. على سبيل المثال، كانت الصين في عهد مملكة شانغ تُحكم من قبل حكام كانوا أشبه برجال الدين. كذلك، شهدت الإمبراطورية البيزنطية أشكالًا من الحكم الديني، وكذلك حكم مقاطعة فلورانسا في إيطاليا في عهد الراهب جيرولامو سافونارولا.
وفي اليونان القديمة: كان الفيلسوف جوزيفوس فلافيوس أول من استخدم مصطلح “ثيوقراطية” لوصف الحكومة القائمة عند اليهود. في ذلك الوقت، كانت الثيوقراطية تُعتبر نوعًا فريدًا من الحكم لا يندرج تحت أي من الأنظمة المعروفة مثل الملكية أو الأرستقراطية.
وخلال العصور الوسطى كانت الكنيسة الكاثوليكية في أوروبا تتمتع بنفوذ كبير في الشؤون السياسية. كان الباباوات والأساقفة يمتلكون سلطة كبيرة، وكانوا يتدخلون في تعيين الملوك والأمراء، مما جعل الحكم الديني جزءًا لا يتجزأ من الحياة السياسية في أوروبا.
أما في عصر النهضة فقد بدأت فكرة الثيوقراطية تأخذ دلالة سلبية بشكل كبير، خصوصًا على أيدي الفيلسوف الألماني هيجل، وشهد هذا العصر تحولًا نحو العلمانية وفصل الدين عن الدولة، مما أدى إلى تراجع نفوذ الحكم الديني في أوروبا.
وفي العصر الحديث لا تزال بعض الدول المعاصرة تحتفظ بسمات الحكم الثيوقراطي. على سبيل المثال، الفاتيكان يُعتبر دولة ثيوقراطية حيث يكون البابا هو رأس الدولة. كذلك، هناك دول أخرى تعتمد على الشريعة الإسلامية كأساس للحكم، مما يجعلها تحمل سمات الحكم الديني.
مفهوم الدولة الدينية في الإسلام:
لم يعرف تاريخ المسلمين الدولة الثيوقراطية ضمن نطاق واسع في تجاربها ولم يكن له أي أصل ضمن الشريعة الإسلامية، فقد عرف المسلمون أساليب الحكم المدنية التي ارتقت بالدولة الإسلامية. في فترة الخلافة الراشدة، كان المسلمون يبايعون رجلًا من عامة الناس لما يتمتع به من صفات العدالة والنزاهة، وليس بالضرورة أن يكون رجل دين. في هذا النظام، تكون الحكمة والسياسة عناصر مهمة في أسلوب الحكم، ويكون هناك مجال للاجتهاد الإنساني والحكم المدني بما لا يتعارض مع الشريعة.
فالدولة في الإسلام دولة أقرب إلى مفهوم الدولة المدنية لكن بمرجعية إسلامية، لأن الشرعية فيها ومصدر السلطات هو البيعة (بيعة الجمهور): أي العقد رضائي بين الطرفين (الحاكم والمحكوم) وليس للحاكم حق التشريع، فالرسول صلى الله عليه وسلم وقد كان نبيا رسول ليس في غير دائرة ما يوحى اليه، فتصرفات الرسول صلى الله عليه وسلم كإمام (حاكم) غير ملزمة للجمهور (المحكوم)، مثلا يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من أحيا أرضا ميتة فهي له"، بعض العلماء قالوا أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يتحدث بصفته رسولا بل بصفته إماما، وهذا ما يزكي طرح أن الدولة الاسلامية هي دولة مدنية وليست بدولة دينية حيث أن اجتهادات الرسول صلى الله عليه وسلم الدنيوية كلها اجتهادات من غير مصدر الوحي.
كانت شرعية الرسول صلى الله عليه وسلم كحاكم تستند على البيعة كأساس للإمامة، وتعتبر بيعة العقبة الثانية هي ذلك العقد الاجتماعي الذي أعطى لنبي صلى الله عليه وسلم المشروعية كحاكم وقائد سياسي، عكس بيعة العقبة الأولى التي استندت على أساس عقدي (ايديولوجي )، ومن هنا يمكن القول أن بيعة العقبة الثانية كانت بمثابة عقد اجتماعي ينظم العلاقة بين الرسول الحاكم والقائد السياسي والجمهور (الأنصار) أو موطني دولة المدينة بشكل عام (المهاجرين والأنصار)، وبعد الهجرة سيقوم الرسول صلى الله عليه وسلم (القائد السياسي) بتأطير قانوني (إعلان دستوري) لدولة المدينة بصحيفة المدينة (دستور المدينة)، والتي جاءت لتنظم العلاقة بين غير المبايعين (المعارضين: المنافقين واليهود) والمبايعين (الجمهور من المهاجرين والأنصار) والنظام السياسي الحالي (الإمام صلى الله عليه وسلم) ويضمن لهم حقوقهم الدينية والثقافية والاجتماعية والاقتصادية.
وبالعودة إلي مفهوم الدولة الدينية التفويضية فإنها ليست موجودة في الإسلام بل هي نقيض ما أقر من ممارسات سياسية من قبل الرسول صلى الله عليه وسلم، كما أنه نقيض مبدأ الشوري وهو من المبادئ السياسية الأساسية في الشريعة الإسلامية، لذا يمكن القول بالإطلاق ألا دولة دينية بالمعني الثيوقراطي في الإسلام.
فالدولة الإسلامية كما جاء بها الإسلام، وكما عرفها تاريخ المسلمين دولة مَدَنِيَّة، تقوم السلطة بها على البَيْعة والاختيار والشورى والحاكم فيها وكيل عن الأمة أو أجير لها، ومن حق الأمة ـ مُمثَّلة في أهل الحلِّ والعَقْد فيها ـ أن تُحاسبه وتُراقبه، وتأمره وتنهاه، وتُقَوِّمه إن أعوجَّ، وإلا عزلته، ومن حق كل مسلم، بل كل مواطن، أن ينكر على رئيس الدولة نفسه إذا رآه اقترف منكرًا، أو ضيَّع معروفًا، بل على الشعب أن يُعلن الثورة عليه إذا رأي كفرًا بَوَاحًا عنده من الله برهان.
أما الدولة الدينية "الثيوقراطية" التي عرفها الغرب في العصور الوسطى والتي يحكمها رجال الدين، الذين يتحكَّمون في رِقاب الناس ـ وضمائرهم أيضًا ـ باسم "الحق الإلهي" فما حلُّوه في الأرض فهو محلول في السماء، وما ربطوه في الأرض فهو مربوط في السماء؟ فهي مرفوضة في الإسلام، وليس في الإسلام رجال دين بالمعنى الكهنوتي، إنما فيه علماء دين، يستطيع كل واحد أن يكون منهم بالتعلُّم والدراسة، وليس لهم سلطان على ضمائر الناس، ودخائل قلوبهم، وهم لا يزيدون عن غيرهم من الناس في الحقوق.
__________________________
المصادر:
فيلسوف مغربي متخصص في تشريح العقل العربي طيلة عقود من البحث والإنتاج، سلط خلالها الضوء بعمق تحليلي على مكونات هذا العقل وأدوات اشتغاله والعوائق التي تجعله حبيس التقليد والاجترار والتخلف والتبعية للغرب.
المولد والنشأة:
ولد محمد عابد الجابري يوم 27 ديسمبر 1935 في بلدة سيدي لحسن بمدينة فكيك شرق المغرب، وسط أسرة مفككة (بسبب الطلاق)، فنشأ نشأته الأولى عند أخواله.
الوظائف والمسؤوليات:
ارتقى في مسالك التعليم في بلده، حيث قضى فيه 45 سنة مدرسًا، ثم ناظر ثانوية، ثم مراقبًا وموجها تربويًا لأساتذة الفلسفة في التعليم الثانوي، ثم أستاذًا لمادة الفلسفة والفكر العربي الإسلامي في كلية الآداب بالرباط، وكان عضو مجلس أمناء المؤسسة العربية للديمقراطية، كما كان واحدًا من القيادات الكبيرة لحزب الاتحاد الاشتراكي.
الدراسة والتخصص العلمي:
حازَ الجابري على البكالوريوس في الفلسفة من جامعةِ الرَباط عامَ 1961 ثمّ على شهادةِ الماجستير عامَ 1967، ثم الدكتوراه عامَ 1971، ثم دكتوراه الدولة في الفلسفة عام 1970 من كلية الآداب التابعة لجامعة محمد الخامس بالرباط، وعمل أستاذا للفلسفة والفكر العربي والإسلامي بالكلية نفسها.
فكره:
بدأ بطرحِ أفكارِهِ في مسألةِ "نقدِ العقلِ العربيّ"، منذ مطلَعِ ثمانينياتِ القرنِ العِشرين حيث حلّل الجابري في سلسلة بنفس العنوان؛ طريقة تفكير العقل العربي بتفكيك بناه الثقافية واللغوية، وكذلك فعل في تحليل العقل السياسي الأخلاقي، وهو مبتكر مصطلح "العقل المستقيل" الذي يعني به العقل الذي يبتعد عن النقاش في القضايا الحضارية الكبرى. وصل في نهاية تلك السلسلة إلى أن العقل العربي بحاجة، إلى عادة الابتكار، وإعادة النظر في المفاهيم التي تشكله. ثم أصدر كتابَهُ "نحنُ والتراث" الذي أعلن فيهِ أنّ العقلَ العربيَّ قام بـ "إلغاءِ الزمانِ والتطوّرِ" عن طريقِ رؤيةِ الحاضرِ والمستقبل. يقول الجابري إنّ الفكرَ العربيَّ في تعاملِهِ معَ التراث، قد سلكَ طريقَينِ: الأوّل، الدعوةُ إلى إلغاءِ الماضي وتبنّي الحداثةِ كما هي. والثاني، يدعو إلى إحياءِ التراث، لكنّ الاتجاهَينِ وصَلا إلى طريقٍ مسدود. تنطلقُ مرجِعِيةُ الجابري الفكريةُ من ثلاثةِ مصادرَ، أولها، المصادرُ الإسلاميةُ أي القرآنُ والسُنّةُ النبويةُ والفُقه، وثانيها، تراثُ الفلاسفةِ العرب كالفارابي وإخوانِ الصفا وابنِ سينا، وابنِ باجة وابنِ طُفيل، وابنِ رشد وابنِ خلدون. والمصدرُ الثالثُ هو الحضارةُ اليونانيةُ والفكرُ الغربيُّ الأوروبي. وتستندُ منهجيّتُهُ في قراءةٍ للتراثِ إلى المعالجةِ البِنیویةِ، والتحلیلِ التاریخيِّ، والطرحِ الأیدیولوجي.
يتميّزُ الجابري بأنهُ منَ المثقّفِينَ العربِ القلائلِ الذين اشتغلوا بالثقافةِ والسياسةِ معًا. فهو كان قياديًا بارزًا في حزبِ الاتحادِ الاشتراكي لفترةٍ طويلةٍ، قبلَ أنْ يقدّمَ استقالتَهُ عامَ ألفٍ وتسعِمئةٍ وواحدٍ وثمانين 1981 ليتفرّغَ للإنتاجِ الفكريِّ. فهو يعتقِدُ أنّ المثقّفَ ينبغي أن يظلَّ دائمًا "فوق" السياسيِّ، وأنْ تكونَ السياساتُ التي يبنيها السياسيُ مبنيةً على ما وصل إليهِ المثقّفُ من تأسيساتٍ نظريةٍ وتقديراتٍ للمواقفِ.
نشاطه السياسي:
انخرط الجابري في خلايا المقاومة ضد الاستعمار الفرنسي للمغرب بداية الخمسينيات من القرن الماضي، وبعد استقلال البلاد اعتقل عام 1963 مع عدد من قيادات حزب الاتحاد الوطني للقوات الشعبية، كما اعتقل مرة ثانية عام 1965 مع مجموعة من رجال التعليم إثر اضطرابات عرفها المغرب في تلك السنة. كما كان قياديًا بارزًا في حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية فترة طويلة، قبل أن يقدم استقالته من المسؤوليات الحزبية في أبريل 1981، ويعتزل العمل السياسي ليتفرغ للإنتاج الفكري، وكان له أيضا نشاط في المجال الإعلامي، حيث اشتغل في جريدة "العلم" ثم جريدة "المحرر"، وساهم في إصدار مجلة "أقلام"، وكذا أسبوعية "فلسطين" التي صدرت عام 1968.
جوائز حصل عليها:
من مؤلفاته:
وفاته:
الجابري وافَتْهُ المنية يوم الاثنين 3 مايو 2010 بالدار البيضاء، بعد معاناة طويلة مع المرض، عن عمرِ خمسةٍ وسبعينَ 75 عامًا.
__________________________
المصادر:
تعد السياسة الشرعية جزءًا لا يتجزأ من الفقه الإسلامي، فهي التطبيق العملي لقواعده وأحكامه. وهي بمثابة الفقه السياسي الذي يربط بين النظرية والتطبيق، بين الأحكام الشرعية والواقع المعاش.
تعريف السياسة لغة:
السياسة لغة مشتقة من الفعل ساس يسُوس سياسة، جاء في تاج العروس في مادة سوس: "سست الرعية سياسة" أمرتها ونهيتها، وفي لسان العرب في المادة نفسها: السوس: الرياسة، وإذا رأسوه قيل سوسوه، وأساسوه، وسوس أمر بني فلان: أي كلف سياستهم، وسُوِّس الرجل على ما لم يسم فاعله: إذ ملك أمرهم، وساس الأمر سياسة: قام به، والسياسة: القيام على الشيء، وترجع في معناها اللغوي إلى ثلاثة أصول: "الأول فسادٌ فِي شَيءٍ، ومن ذلك سَاسَ الطّعامُ يَسَاسُ، وَأَسَاسَ يُسِيسُ، إِذَا فسَد بِشَيْءٍ. والثاني: جِبِلَّةٌ وَخَلِيقَةٌ، فالسُّوسُ هو الطَّبعُ. وَيُقالُ: هذا مِن سُوسِ فلانٍ، أَيْ طبعهِ"، والثالث: "حُسنُ القيام على المال"، "والدّواب وغير ذلك، ومنه يُقال: الْوَالِي يَسُوسُ الرّعيةَ سِياسةً؛ أيْ يَلِي أَمرَها" "وسَاس الأَمرَ سِياسةً: قَام بهِ، ورجل ساسٌ مِن قومٍ سَاسةٍ وسُوّاس؛ والسَّوس: الرِّياسة، يُقالُ سَاسُوهُم سَوْسًا، وإِذا رَأَّسوه قِيلَ: سَوَّسُوه وأَساسوه. وَفِي الحديث: (كَانَ بَنُو إِسرائيل يَسُوسُهم أَنبياؤهم)، أَي تتولّى أمورَهم، فالسّياسة بهذا المعنى هي القيامُ على الشّيء بما يُصلحُه"، والمعنى الأخير هو الأقرب إلى المعنى الاصطلاحي الآتي ذكره.
ولمصطلح "السّياسة" عند علماء السّياسة الوضعية تعريفات كثيرة، ومنها أنّها: "الجهد لإقامة النّظام والعدل وتغليب الصالح العام والمصلحة الاجتماعية المشتركة في وجه ضغوط المصالح الفئوية"، وفي تعريف آخر للسياسة أنها: "علم دراسة المصالح المتضاربة وانعكاسها على تكوين السّلطة والحفاظ على امتيازات الطبقة الحاكمة" وفي تعريف آخر أن السّياسة هي: "النشاط الاجتماعي الفريد من نوعه، الذي ينظم الحياة العامة، ويضمن الأمن ويقيم التوازن والوفاق من خلال القوة الشّرعية والسيادة بين الأفراد والجماعات المتنافسة والمتصارعة في وحدة الحكم المستقلة على أساس علاقات القوة، والذي يحدد أوجه المشاركة في السّلطة بنسبة الإسهام والأهمّية في تحقيق الحفاظ على النّظام الاجتماعي".
تعريف السياسة الشرعية اصطلاحًا:
كلمة (السياسة) لم ترد في القرآن الكريم، لا في مكيِّه، ولا في مدنيِّه، ولا أي لفظة مشتقة منها وصفا أو فعلا. وقد يتخذ البعض من هذا دليلا على أن القرآن -أو الإسلام- لا يهتم بالسياسة ولا يلتفت إليها. وهذا غير صحيح، فقد لا يوجد لفظ ما في القرآن الكريم، ولكن معناه ومضمونه منتشر متفرق في القرآن. كما أنه لم يكن هناك الفصل بين مصطلحي "السّياسة" و"السّياسة الشّرعية" عند الفقهاء المتقدمين؛ انطلاقا من أنّ السّياسة هي الإصلاح، ولا إصلاح حقيقيا إلا بالشّرع"، وفي هذا مقولة: "لا سياسة إلا ما وافق الشّرع"، "فإطلاق لفظ "السّياسة" بدون قيد "الشّرعية" كافٍ لإفادة المطلوب، ثم مع ضعف العلم وعدم الفقه الجيد بسياسة الرسول صلى الله عليه وسلم عند بعض الولاة صارت السّياسة تُخالف الشّرع، فاحتيج إلى تقييد "السّياسة" بـ"الشّرعية"، لإخراج السّياسة الظالمة".
وقد عُرِّفت السياسة الشرعية في الاصطلاح الشرعي بتعاريف متعددة منها:
"ما يتعلّق بتدبير شؤون الدولة داخليا وخارجيا من القوانين والنّظم التي تتفق وأصول الإسلام؛ وإن لم يقم على كلّ تدبير دليل خاص". فالسّياسة الشرعية تشمل كل "الأحكام الشّرعية المتعلقة بشكل الدولة ونُظمها ووظائفها، والحكومة وسلطاتها، والمتعلقة بالرأي العام ومكوناته، والجماعات والهيئات ذات الأثر في السّلطة، كما تشمل الأحكام المتعلقة بالعلاقات الدولية والقوانين الحاكمة لها"، ويخرج بقيد "الشرعية" السّياسة الوضعية التي ليست الشّريعة الإسلامية هي المرجع الأول لها. ويُعرّف علم السّياسة الشّرعية بأنه: علم يبحث فيما تُدبر به شؤون الدولة الإسلامية من القوانين والنظم التي تتفق وأصول الإسلام، وإن لم يقم على كل تدبير دليل خاص. وموضوعه: النظم والقوانين التي تتطلبها شؤون الدولة من حيث مطابقتها لأصول الدين وتحقيقها مصالح الناس وحاجاتهم. وغايته: الوصول إلى تدبير شؤون الدولة الإسلامية بنظم من دينها. والإبانة عن كفاية الإسلام بالسياسة العادلة وتقبله رعاية مصالح الناس في مختلف العصور والبلدان.
وعرفها علاء الدين الطرابلسي (ت 844 ه): حيث عرفها بأنها: "شرع مغلظ". ويقصد بذلك أن السياسة الشرعية إنما تكون بتغليظ العقوبات بالتعزيز ونحوه للقضاء على الفساد ومواجهته. ويؤخذ عليه أنه قصر السياسة الشرعية على جزء من أجزائها وهو العقاب للمخالف، كما أنه حصر معنى السياسة الشرعية في الجانب الجنائي أو ما يسمي بفقه العقوبات، والسياسة الشرعية أعم من ذلك بكثير، فهي تدخل في جميع الجوانب ولا تخص جانبا بعينه.
وعرَّف ابن نُجيم الحنفي (ت 970 ه) السياسة الشرعية بأنها: "فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها وإن لم يرد بهذا الفعل دليل جزئي". فالسياسة الشرعية حسب هذا المفهوم تصرف من الحاكم وفق مصلحة يراها أنها مناسبة لرعيته وإن لم يرد دليل خاص من القرآن أو السنة على هذا التصرف. وعرفها ابن عقيل الحنبلي (ت513 ه) رحمه الله بأنها: "ما كان فعلًا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه رسول الله ﷺ ولا نزل به وحي". وهو قريب من تعريف ابن نجيم السابق.
ويؤخذ على التعريفيين أنهما يشملان تصرفات ولي الأمر التي صدر بشأنها من الشارع المتعلقة بالنص فقط، ولكن السياسة الشرعية متعلقة بالأمور والتوجهات التي تصدر من ولي الأمر فيما لم يرد فيه نص، ويقصد بها إصلاح المجتمع وتنظيم سلوك أفراده، وبالتالي إذا أضيف للتعريفيين السابقيين جملة (بما لم يرد فيه نص)، كان التعريف صحيحًا، بأن أصبح: (فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها في شؤون أمته مما لم يرد به دليل جزئي).
أما الماوردي فقد عاصر وقت عانى فيه الخلفاء من الفوضى والمواجهات بين السنة والشيعة، مما جعله يضع مصطلح الأحكام السلطانية ليعبر به عن الحياة السياسية وهو " الاحكام المتعلقة بولاة الأمور مما يحسن فيه التقدير ويحكم به التدبير، وهي الأحكام المتعلقة بالولايات التي تصدر عنها".
وعرف د. عبد العال عطوة السياسة الشرعية بأنها: «فعل شيء من الحاكم لمصلحة يراها، فيما لم يرد فيه نص خاص، وفي الأمور التي من شأنها ألا تبقى على وجه واحد، بل تتغير وتتبدل تبعًا لتغير الظروف والأحوال والأزمنة والأمكنة والمصالح».
أما الشيخ عبد الوهاب خلاف فقد عرف السياسة لشرعي بأنه: "تدبير الشؤون العامة للدولة الإسلامية بما يكفل تحقيق المصالح ودفع المضار مما لا يتعدى حدود الشريعة أو أصولها الكلية، وإن لم يتفق وأقوال الأئمة المجتهدين".
ويعتبر هذا التعريف من أشمل وأوضح التعريفات لمفهوم السياسية الشرعية، لأنه:
١- عرّف السياسة الشرعية كوظيفة عامة دون اختزالها بفعل الحاكم، وهو أليق حيث هي صلاحيات موزعة بين الحاكم وسلطات الدولة التشريعية والتنفيذية والقضائية، وأجهزتها ومؤسساتها، وبهذا يخرج عن إطار الواقع القديم الذي ألقى بظلاله على التعريفات جميعا، ويقترب من وظيفة علم السياسة بواقعه الحديث.
٢- جعلها شاملة محتملة لما ورد فيه نص وما لم يرد فيه نص، وهو حقيقة السياسة الشرعية، حيث ترتبط بالمصلحة المعتبرة شرعًا بشروطها، وإن لم يكن هناك نص، ولم تخالف القواعد الكلية والمقاصد الشرعية؛ وكذلك ما ورد فيه نص لكنه مرتبط بعلة تتغير حسب الظروف فتيتغير الحكم تبعًا لها.
عناصر السياسة الشرعية:
يتضمن مفهوم السياسة الشرعية ثلاثة عناصر رئيسية وهم كالتالي:
أولًا: الرياسة والقيادة:
وهو أن يكون الرئيس أو الحاكم قادرًا على القيام بأعباء المهمة الموكلة إليه، رجوعًا لقوله تعالى ﴿وَقَالَ لَهُمْ نَبِيُّهُمْ إِنَّ اللَّهَ قَدْ بَعَثَ لَكُمْ طَالُوتَ مَلِكًا قَالُوا أَنَّى يَكُونُ لَهُ الْمُلْكُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ أَحَقُّ بِالْمُلْكِ مِنْهُ وَلَمْ يُؤْتَ سَعَةً مِنْ الْمَالِ قَالَ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ وَاللَّهُ يُؤْتِي مُلْكَهُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [البقرة:47].
حددت الآية شرطين أساسَيْن في اختيار الإمام هما: العلم، الجسم. ويقصد به سلامة حواسِّه من النقص وجسدِه من العاهات المؤثرة في الرأي والعمل بالإمامة أو التي تعيب صاحبها، وأضاف العلماء شرط الذكورة والحرية والعقل والبلوغ والشجاعة، وهذه كلها صفات جِبِلِّيّة، وأما الصفات المكتسبة فهي: العلم والورع.
أما العلم فالشرط أن يكون الإمام مجتهدًا بالغًا مبلغ المجتهدين، وهذا أمر مجمع عليه، عند المتقدمين، ويقدم الأعلم من مستوفي الصفات في حال فقد هذا الشرط ويجب أن يتسم الحاكم بالتقوى والورع ، إذا استجمع الإمام هذه الصفات الحسية والمعنوية، الجبلّيّة والمكتسبة، كان أهلًا لذلك المنصب، وجَمَعَ الناسُ أمرهم عليه، ونزلوا عند رأيه؛ ذلك أن الغرض الأعظم من الإمامة جمعُ شتات الرأي واستتباعُ رجل أطياف الشعب على اختلاف إراداتهم وأخلاقهم وحالاتهم، فإذا لم يكن المتبوع بالمكانة التي يخضع لها المجموع فسيكون ذلك سببًا للخروج عليه وإثارة الفتن في ولايته.
ثانيًا: القيام على الشيء بما يصلحه: فإنه يستلزم أن يكون القائم عليه مستجمعًا الصفات التي وردت في الإمام، فيتفرع عن هذا المبدأ العنصر الثالث في مفهوم السياسة الشرعية.
ثالثًا: الأمر والنهي: وهو الأمر والنهي أي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والمعروف: كل ما أمر الله تعالى به، والمنكر: كل ما نهى الله تعالى عنه؛ ذلك أن القيام على الشيء بما يصلحه يقتضي معرفة هذا الشيء معرفةً دقيقةً بماهِيَّتِه وأسباب صلاحه وفساده، فإذا تحصلت هذه المعرفة استطاع القائم عليه أن يُشَرِّع له ما يُصلحه ويؤدي إلى الاستفادة منه على الوجه المطلوب، وهذا أمر عام يشمل عظائم الأمور وصغائرها.
مصادر السياسة الشرعية:
السياسة الشرعية عبارة مكونة من لفظ منعوت بصفة فهي سياسة مقيدة بكونها شرعية، وهذا يعني أن مصادرها هي المصادر التي تؤخذ منها الأحكام الشرعية، ومصادرها نوعان:
أولًا: مصادر نصية:
- وهي الكتاب ويقصد به القرآن الكريم الموحى به إلى رسول الله محمد ﷺ والمدون بين دفتي المصحف، وإفادته لأحكام السياسة الشرعية يأتي على وجهين: أحكام منطوقة مباشرة وأحكام تدرك بالاجتهاد.
- السنة النبوية ما أثر عن الرسول ﷺ من قول أو فعل أو تقرير بشرط أن يصل إلينا من طريق تقوم به الحجة وهو أن يكون الحديث صحيحًا أو حسنًا حسبما بيَّن علماء الحديث ذلك. وهي تشريع واجب الاتباع بنص القرآن لقوله تعالى ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللهِ وَالرَّسُول﴾ [النساء: 59].
- الإجمــــــــــــــــــاع: هو اتفاق جميع المجتهدين من الأمة الإسلامية في عصر من العصور بعد وفاة الرسول ﷺ على حكم شرعي.
- العُرف: ما استقرت عليه نفوس الناس، وتلقته طباعهم السليمة بالقبول وصار عندهم شائعًا، في جميع البلاد أو بعضها قولا كان أو فعلًا.
ثانيًا: مصادر اجتهادية: وهي مصادر تعتمد على المصادر النصية يجمعها كلها لفظ الاجتهاد:
- القياس: هو إلحاق واقعة لا نص على حكمها بواقعة ورد نص بحكمها، في الحكم الذي ورد به النص، لتساوي الواقعتين في علة هذا الحكم. ومذهب جمهور علماء المسلمين أن القياس حجة شرعية على الأحكام العملية، وأنه في المرتبة الرابعة من الحجج الشرعية.
- المصلحة المرسلة: من الأمور المقررة عند أهل الإسلام أن الفقه في مجمله قائم على اعتبار مصالح الناس، وتصحيح أفعالهم على مقتضى الشرع ما أمكن. ذهب جمهور العلماء إلى حجية العمل بالمصالح المرسلة، أي بناء الحكم عليها واعتبارها أصلًا تثبت بها الأحكام السياسية الشرعية إذا توفرت فيها الشروط الآتية: أن يتحقق من بناء الحكم عليها جلب مصلحة أو درء مفسدة. أن تكون المصلحة التي يبنى الحكم عليها كلية لا جزئية. ألا تعارض المصلحة حكمًا أو قاعدة تثبت بالنص أو الإجماع.
- الاستــحسان: عرف أبو الحسن الكرخي الاستحسان بقوله: العدول في مسألة عن مثل ما حكم به في نظائرها إلى خلافه لوجه هو أقوى.
- سد الذرائع: هي ما يتوصل به إلى الشيء الممنوع المشتمل على مفسدة، ومعنى سد الذريعة: المنع منها، والحيلولة بينها وبين ما تفضي إليه.
أنواع السياسية الشرعية في الفقه الإسلامي
هناك العديد من الأنواع والتصنيفات للسياسية الشرعية ويمكن إجمالها كالتالي:
القسم الأول: أنواع السياسة الشرعية باعتبار مصدرها وهي على نوعين:
ومن الجدير بالذكر أن السياسة العقلية لا يمكن فصلها عن السياسة الدينية حيث أن السياسة العقلية تستمد أهميتها من السياسة الدينية، ومن جانب آخر فإن التعرف على التجارب التي مر بها المسلمون وزيادة الخبرة في التعرف على أحوال المسلمين تؤدي إلى المساهمة في النجاح باتخاذ القرار الملائم لصالح الإسلام والمسلمين وهو ما يعبر عنه بالسياسة العقلية. كما ويفهم من هذا التقسيم، أن مرد السياسة الدينية يرجع إلى النص الجزئي، بينما تراعي السياسة العقلية الاستنباط من النص الجزئي.
أما القسم الثاني: السياسة الشرعية باعتبار العمل بها: وهي على نوعين:
والقسم الثالث: السياسية الشرعية باعتبار توفر العدل فيها: وهي على نوعين:
٢. السياسة الظالمة وهي السياسة التي تحيد عن الحق وعن منهج الله عز وجل البعيدة تمامًا عن المنهج الذي أقره الله عز وجل في كتابه.
ويرجع السبب الرئيسي للتفريق بين السياسة العادلة والسياسة الظالمة من وجهة نظر ابن القيم كثرة المشكلات والتحديات التي تحيط بالعالم العربي والإسلامي والرغبة في حماية الضرورات الخمس التي أمر الله عز وجل من حفظ للدين والنفس والمال والنسل.
أهم الفروق بين السياسة الشرعية والسياسة الوضعية
لمعرفة الفروق بين السياسة الشرعية والوضعية من المهم الإشارة أولًا: إلى السياسات القائمة في الواقع من حيث اتصالها بالشرع من عدمه ثم بيان أهم الفروق بينهما:
أولًا أنواع السياسات في الواقع: بالنظر إلى السياسات المطبقة في الواقع نجد أنها إما وضعية، أو مختلطة أو شرعية، وذلك بحسب مصدر قواعد ومبادئ هذه السياسة:
فـــــ "السياسة الوضعية البحتة" وهي التي يكون مصدرها البشر، يضعون قواعدها بحسب ما يرونه محققا لمصالحهم يستندون في ذلك إلى خبراتهم وتجاربهم وما يهتدي إليه زعماؤهم، ويطورون هذه القواعد ويخضعونها للتغيير والتعديل والتبديل بحسب نظرتهم ومفهومهم لمصالحهم، وما يدينون به من عقائد، وما يقدسونه من موروثات وما تفرضه عليهم المواقف لاستغلالها، ويستخدمون في سبيل ذلك كل ما هو ممكن ومتاح من الأدوات والنظريات والوسائل لتحقيقها. والسياسة التي تكون منبعها من البشر تنحصر غاياتها في تحقيق المنافع والمصالح الدنيوية فقط بحسب نظرة الناس إليها بعيدا عن الشرع، وينطلق الناس من هذا المنطلق في وضع القواعد والقوانين التي تكفل تحصيل هذه المصالح وسبل المحافظة عليها، ولذلك تسمى بأنها وضعية لأنها من وضع البشر، وإن توافق رأيهم في بعض الأحكام أو المصالح مع رأي الشرع فليس أخذا بما قرره الشرع في ذلك وإنما لأنها تحقق غاياتهم الدنيوية فحسب من غير أن يكون لهم قصد في امتثال الشرع وهذه السياسات قائمة في غير بلاد المسلمين.
أما "السياسة الشرعية": فهي التي تطبق أحكام الشرع النصية، وتعتمد فيما لا نص فيه على قواعد الشرع، وتهدف إلى تحقيق مقاصد الشرع الدينية والدنيوية وتعود بالنفع العام للناس في دنياهم وآخرتهم، وهذه السياسة موجودة في بعض بلاد المسلمين.
أما "السياسة المختلطة": وهي التي تطبق بعض أحكام الشرع النصية، وتخلط بين المنهج الشرعي في جلب المصالح المقصودة شرعًا وبين المنهج الوضعي في جلب المصالح التي يراها الناس، وتهدف لتحقيق غايات مختلطة دينية ودنيوية، فتأخذ بالسياسة الشرعية في مواضع، وتأخذ بالسياسة الوضعية المخالفة لأحكام الشرع في مواضع أخرى فتصبح خليطًا بينهما، تطبق أحكام الشريعة مثلًا في الأحوال الشخصية، وتطبق السياسة الوضعية مثلًا في التعاملات البنكية، وتوجد هذه السياسة في بعض البلدان الإسلامية.
ومما سبق نجد أن أهم الفروق بين السياسة الشرعية والسياسة الوضعية تتمثل في التالي:
1- الاختلاف في المصدر: فمصدر السياسة الشرعية هو الشرع بأدلته الجزئية والعامة وبمبادئه وأصوله ومقاصده بينما الوضعية مصدرها الأعراف والعادات والتجارب البشرية وما تستحسنه عقول زعمائهم وقادتهم ومفكريهم. قال ابن خلدون: "فإذا كانت هذه القوانين مفروضة من العملاء وأكابر الدولة وبصرائها كانت سياسة عملية، وإذا كانت مفروضة من الله تعالى بشارع يقررها ويشرعها كانت سياسة دينية نافعة في الحياة الدنيا وفي الآخرة، لأن الشارع أعلم بمصالح الكافة فيما هو مغيب عنهم من أمور آخرتهم، وأعمال البشر كلها عائدة عليهم في معادهم من ملك، وأحكام السياسة إنما تطلع على مصالح الدنيا فقط، فالملك الطبيعي هو حمل الكافة على مقتضى الغرض والشهوة، والسياسي هو حمل الكافة على مقتضى النظر العقلي في جلب المصالح الدنيوية ودفع المضار والخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة عن صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به فافهم ذلك. ويترتب على الاختلاف في المصدر فروق جوهرية كبيرة من حيث الثبات والشمول والغايات ومفهوم المصلحة.
2- الاختلاف في الغايات: فالسياسة الشرعية لها غايتان رئيستان، هما: إقامة شرع الله في الأرض، ورعاية الناس وتدبير شؤونهم وفق هذا الشرع، تطبيقًا لقوله سبحانه وتعالى: "الذين إن مَكَّنَاهُمْ فِي الْأَرْض أقاموا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمرُوا بالمعروف ونهوا عن المنكر ولله عاقبة الأمور" سورة الحج الآية (41). وقد ذكر الفقهاء أن الغاية من منصب الخلافة والإمامة هي حراسة للدين وسياسة الدنيا به، بينما الغاية في السياسة الوضعية تحصيل المصالح الدنيوية فقط.
3- الاختلاف في مفهوم المصلحة المراد تحقيقها: فمفهوم المصلحة في الشرع يتمثل في خمسة أشياء: المحافظة على الدين، ثم المحافظة على النفس، ثم المحافظة على العمل، ثم المحافظة على العرض ثم المحافظة على المال، وتكون المحافظة على هذه المقاصد بالترتيب عند تعارضها، ويشترط في المصلحة أن تكون عامة وليست خاصة بفرد أو بمجموعة على حساب آخرين، كما يشترط فيها ألا تخالف حكمًا شرعيًا. بينما مفهوم المصلحة في السياسة الوضعية يتمثل في المحافظة على النفس وعلى المال، أما المحافظة على العمل والعرض فهي بصورة محدودة، ولا يوجد اهتمام كبير بالمحافظة على الدين، ولذلك يضعون قوانين تخالف الشرع والفطرة والذوق الإنساني لعدم وجود وازع من دين.
4- الاختلاف من حيث الثبات فالسياسة الشرعية تتسم بالثبات في المبادئ والأصول التي تراعي مصالح الناس، ولا تختلف باختلاف الزمان ولا المكان وتسلك وسائل شرعية في تحقيق تلك الغايات، ولا تتأثر بتغير شخص الحاكم لأنها تقوم على أحكام ومقاصد الشرع وهو باق وثابت، بينما السياسة الوضعية -لأنها من صنع البشر- سريعة التغير والتقلب لا تحتكم المبدأ ثابت، بل تسير مع لغة المصالح التي يقررونها، وتتأثر بأهوائهم وتسعي دوما لتحقيق المصالح الدنيوية بأي وسيلة كانت.
5- من حيث الشمول فالسياسة الشرعية تشمل مجالات كثيرة، فهي سياسة في الدين والدنيا معا، تنظم حياة المسلم وفق عقيدة ربانية راسخة، وعبادات محددة وتيسر معاملاته بما تتحقق به مصالحه على أساس من الشرع وتسعى لتحصيل المنافع الدنيوية والأخروية معا، فهي استصلاح للخلق وإرشادهم إلى الطريق المنجى لهم في العاجل والأجل. بينما السياسة الوضعية قاصرة على مجال المعاملات بين الأفراد، وبالقدر الذي تنتظم به حياتهم وتتحصل به مصالح الدنيا فقط.
6- الاختلاف في الاهتمام بالأخلاق والقيم: فالسياسة الشرعية تعتمد على مراعاة مجموعة من الأخلاق والقيم التي أمر بها الدين، ورتب أجرا عليها كي يسموا بها الإنسان في تعاملاته مع غيره، كالصدق والأمانة والحياء، والإحسان إلى الآخرين، والرحمة بالضعفاء ومساعدة المحتاجين، ونصرة المظلومين إلخ..... بينما السياسات الوضعية تهتم بوضع القوانين بما تنظم حياتهم وتعاملاتهم المادية وتترك للأفراد حرية كبيرة في مجال الأخلاق.
_____________
المصادر:
من أبرز العلماء والفقهاء المسلمين في العصر الحديث الذين أثروا المكتبة الفقهية بموسوعات وكتب عديدة، وقد كان منذ الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي بين أربعة أو خمسة هم أشهر علماء الشام.
المولد والنشأة
ولد د. وهبة الزحيلي في مدينة دير عطية بريف دمشق عام 1932 لأب مزارع وتاجر حافظ للقرآن الكريم.
الدراسة والتكوين
شيوخه
تلقى العلم على يد كثير من المشايخ المعروفين في وقتهم في سوريا ومصر؛ حيث كان يدرس بها دراسته الجامعية والدراسات العليا فمن شيوخه في دمشق: محمود ياسين ومحمود الرنكوسي وحسن الشطي وهاشم الخطيب والفيومي وأحمد السماق وحمدي جويجاتي وحسن حبنكة الميداني وأخوه صادق في التفسير، وأبو الحسن القصاب في النحو والصرف، وصالح الفرفور في علوم اللغة العربية كالبلاغة والأدب العربي، وغيرهم.
الوظائف والمسؤوليات
التوجه الفكري
نأى الرجل بنفسه عن التخندق السياسي أو المذهبي، وقد مارس حيادًا صارمًا رغم كتاباته الأكاديمية التي تتدخل في الشأن العام باسم الإسلام، وينتمي وهبة الزحيلي إلى فقهاء التقليد الإصلاحي الإسلامي الذي استقر بالأزهر أيام شيخه محمد مصطفى المراغي وشيخه مصطفى عبد الرازق، اللذين تتلمذا على الإمام محمد عبده، وكسبا المؤسسة إلى ميراثه في الثلاثينات والأربعينات من القرن الماضي. إلا أنه سُجل عليه التزامه الصمت، وعدم إعلان موقف واضح مما عرفته سوريا بعد ثورة الشعب السوري على نظام بشار الأسد في 2011، ورفض مغادرة سوريا رغم تأزم الوضع بها، ولم يؤيد علانية أي طرف كالشيخ محمد سعيد رمضان البوطي عندما أيد النظام، أو الشيخ كريّم راجح الذي وقف مع الثورة.
الجوائز والأوسمة
نال عددًا من الجوائز منها جائزة أفضل شخصية إسلامية في حفل استقبال السنة الهجرية الذي أقامته الحكومة الماليزية سنة 2008 في مدينة بوتراجايا، وصنف عام 2014 من ضمن 500 شخصية مؤثرة في العالم، وحاز كتابه "التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج" (16جزء) على جائزة أفضل كتاب في العالم الإسلامي للعام 1995.
مؤلفاته
أثرى الزحيلي المكتبة الإسلامية بموسوعتين فقهيتين، وبعشرات الكتب، منها:
وله ثلاثة كتب في التفسير، أوسعها وأشملها: التفسير المنير، وضعه لأهل الاختصاص، وبعده: التفسير الوسيط، وضعه لمتوسطي الثقافة، والأخير هو: التفسير الوجيز، وضعه للعامة، وجميعها سهل العبارة واضح المعنى.
وفاته
توفي العلامة وهبة الزحيلي بدمشق مساء يوم السبت 8 أغسطس 2015 عن عمر ناهز83 عامًا.
____________
المصادر:
يعد الشيخ جاد الحق من العلماء القلائل الذين يتميزون بالتواضع والهدوء، ويؤثرون العمل الصامت على المظاهر، ويحتفون بالعلماء الصادقين، ويقربونهم من مجالسهم، ويعرفون للناس أقدارهم، وهو ذو خلق متين وإيمان عميق وعلم غزير ومواقف صلبة واعتزاز بالإسلام وحملته، من الصالحين والدعاة المخلصين وطلبة العلم من أنحاء العالم الإسلامي المهتمين بنشر الدعوة الإسلامية...
وكان صورة مشرقة للعالم العامل والفقيه المتمكن، الذي يفهم الإسلام، ويعمل به ويمثل العلماء المجتهدين والدعاة الصادقين الذين يصدعون بكلمة الحق ولا يخافون في الله لومة لائم، وكان يتوخى الدقة في أحكامه، والحكمة في تصرفاته، ومعالجة الأخطاء التي يقع فيها عامة المسلمين، أو أصحاب القرار لمسؤولين، وذلك بإعلان وجه الصواب وفق الفهم الإسلامي الصحيح المستقى من الكتاب والسنة، وما أجمع عليه سلف الأمة، وقد رزقه الله قوة الشخصية ونصاعة البيان، وأدب الخطاب، فضلًا عن الوقار الذي يتمتع به، والهيبة التي يراها فيه من يخالطه دون تكلف. وكان ودودًا عطوفًا، لين الجانب، سهل المعاملة، واسع الصدر، حريص على إيصال الخير للناس، وفي الوقت نفسه هو رجل بكل ما تحمل الرجولة من معنى، أمام المنحرفين وأدعياء العلم من المرتزقة المتاجرين بالدين والسائرين في ركاب السلاطين فكان كالأسد عندما تنتهك حرمات الله، فيغضب غضبًا شديدًا، حتى يرد الكيد إلى نحور الأعداء ومن والاهم، ولذلك سجل اسمه في صفحات التاريخ المضيء لهذه الأمة ولعلماء الأزهر الشريف الذين كانوا أمل كل نهضة ومبعث كل خير لهذا الدين.
من الميلاد حتى مشيخة الأزهر
ولد جاد الحق علي جاد الحق يوم الخميس 13من جمادي الآخرة عام 1335 هـ الموافق الخامس من أبريل عام 1917م ببلدة بطرة مركز طلخا بمحافظة الدقهلية، ونشأ نشأة دينية خالصة في أسرة كريمة، حيث كان والده رجلًا صالحًا معروفًا بالأمانة وحملها، فكان أهالي القرية يودعون لديه أشياءهم الثمينة، خوفًا عليها من الضياع، وقد أثرت هذه النشأة الصالحة عليه، حيث حفظ القرآن الكريم، وأجاد القراءة والكتابة في سن مبكرةٍ جدًا في كتاب القرية علي يد شيخها الراحل سيد البهنساوي، ثم التحق جاد بالتعليم الإعدادي بالمعهد الأزهري الأحمدي بمدينة طنطا عام 1930، حيث حصل علي الابتدائية الأزهرية عام 1934 والثانوية الأزهرية عام 1939م. ثم التحق بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر، وحصل منها علي الشهادة العالمية عام 1944، ثم حصل علي الإجازة في القضاء الشرعي عام 1945.
عين الشيخ فور تخرجه موظفًا قضائيًا بالمحاكم الشرعية في يناير 1946، ثم أمينًا للفتوي بدار الإفتاء عام 1953 فقاضيًا بالمحاكم الشرعية عام 1954، وفي عام 1956 عين قاضيًا بالمحاكم بعد إلغاء ثورة يوليو للمحاكم الشرعية، ثم رئيسًا للمحكمة عام 1971م، وظلَّ يعمل بالقضاء، ويترقى في مناصبه حتى عُين مستشارًا بمحاكم الاستئناف في سنة (1396هـ = 1976م).
وفي (رمضان 1398هـ = أغسطس 1978م) عين مفتيًا للديار المصرية، فعمل على تنشيط الدار، والمحافظة على تراثها الفقهي، فعمل على اختيار الفتاوى ذات المبادئ الفقهية، وجمعها من سجلات دار الإفتاء المصرية، ونشرها في مجلدات بلغت عشرين مجلدًا، وهي ثروة فقهية ثمينة؛ لأنها تمثل القضايا المعاصرة التي تشغل بال الأمة في فترة معينة من تاريخها، وفي الوقت نفسه تستند إلى المصادر والأصول التي تستمد منها الأحكام الشرعية.
وتشمل اختيارات الفتاوى ما صدر عن دار الإفتاء في الفترة من سنة (1313هـ = 1895م) حتى سنة (1403 هـ = 1982م)، وضمت المجلدات الثامن والتاسع والعاشر من سلسلة الفتاوى اختيارات من أحكامه وفتاواه، وتبلغ نحو 1328 فتوى في الفترة التي قضاها مفتيًا للديار المصرية.
بعد توليه منصب الإفتاء بعامين اختير عضوًا بمجمع البحوث الإسلامية، وفي الرابع من يناير عام 1982م عين وزيرًا للأوقاف المصرية وبعدها بشهرين، وفي (13 من جمادى الأولى 1402 هـ = 17 من مارس 1982م)، عين شيخًا للأزهر ليصبح الإمام الثاني والأربعين للأزهر، وبدأت فترة زاهية من فترات تاريخ الأزهر؛ سواء فيما يتصل بمؤسسة الأزهر، أم بدورها باعتبارها القائمة على الفكر الإسلامي والتعليم الديني في مصر، ومحط أنظار الناس، ومعقد أمانيهم. وكان لاشتغال الشيخ جاد الحق بالقضاء منذ وقت مبكر أثره البالغ في قيادته الأزهر، فهو فقهيه قاض يعتمد على الدراسة المتأنية والنظر العميق، والبعد عن الهوى، ومن ثم كانت قراراته صائبة، هادئة، بعيدة عن العاطفة المشبوهة والانفعال المؤقت، وتهدف إلى الصالح العالم.
نهضة المعاهد الأزهرية
شهد الأزهر الشريف في عهد الشيخ جاد الحق نهضة كبيرة ... فقد انتشرت المعاهد الأزهرية في كل قري ومدن مصر، كما لم تنتشر من قبل منذ عهد الشيخ عبد الحليم محمود في السبعينيات من القرن الميلادي الماضي. فحين تولي الشيخ جاد مشيخة الأزهر عام 1982م كان عدد المعاهد الأزهرية لا يزيد على ستمائة معهد، فبلغت عدد تلك المعاهد في عهده ستة آلاف معهد وبضع مئات، فقد زرع الشيخ المعاهد الأزهرية في قري مصر، كما تزرع النخيل في الصحراء. ولم يقف جهده على نشر المعاهد الأزهرية في مصر، بل حرص على انتشارها في شتي بقاع العالم الإسلامي، فأنشأ معاهد أزهرية تخضع لإشراف الأزهر في تنزانيا وكينيا والصومال وجنوب أفريقيا وتشاد ونيجيريا والمالاديف وجزر القمر ... وغيرها من البلدان الإسلامية. كما فتح باب الأزهر واسعًا أمام الطلاب الوافدين من الوطن الإسلامي وخارجه، وزاد من المنح الدراسية لهم حتى يعودوا لأوطانهم دعاة للإسلام. ونجح في فتح فروع لجامعة الأزهر في جميع أنحاء مصر وعقدت الجامعة في عهده لأول مرة مؤتمرات دولية في قضايا طبية وزراعية وثقافية مهمة تحدد رأي الأزهر والإسلام فيها.
وعندما أصيبت مصر بزلزال أكتوبر عام 1992م وتهدم أكثر من 1500 معهد وتخلت الدولة عن تقديم الأموال الكافية لترميم تلك المعاهد، بينما أنفقت مليارات الجنيهات على إنشاء مدارس حكومية عامة لم ييأس الشيخ وأخذ يجوب قرى ومدن مصر لحث رجال الخير والمحسنين على التبرع بالمال لترميم تلك المعاهد وبناء معاهد جديدة وبفضل الله هرع أهل الخير ولبوا دعوته فكانت النتائج مشرفة.
مواقف جريئة وخالدة
لم يكن شيخ الأزهر جاد الحق علي جاد الحق خطيبًا مفوهًا، لكنه كان باحثًا دقيقًا، ترك مئات الفتاوى الشرعية القيمة في مختلف المجالات، وكان معروفًا بدقة ألفاظه، وقلة عباراته، وبراعته في الخروج من المواقف الصعبة عن طريق التعميم، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بالمسؤولين الكبار، مما أدى إلى إكبار العامة له فضلًا عن الخاصة... كان موقفه من العدو الصهيوني واضحًا لا مجال فيه للمجاملات، وكانت عبارات السخرية القاتلة التي يطلقها على أمريكا والمسؤولين فيها، ودورهم في إشاعة الظلم ومناصرة المعتدين، تزيد من مكانته ومكانة الأزهر في نفوس أبناء الأمة.
ففي سبتمبر عام 1988م تم اختيار الشيخ جاد الحق رئيسًا للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة.، فكان نصيرًا للأقليات المسلمة المستضعفة في العالم، وكان في حواراته الصحفية وبياناته المتكررة في كل المناسبات الدينية ينبه إلى خطورة التحديات التي تواجه الأقليات المسلمة في العالم، وكان يؤكد دائمًا أن الأخوة الإسلامية تقتضي مؤازرة هؤلاء المستضعفين، والسعي لحماية حقوقهم، والحفاظ على حياتهم وأموالهم. وكان -يرحمه الله- عندما نشبت حرب إبادة المسلمين في البوسنة أول من أعلن أن تلك الحرب صليبية في المقام الأول وهدفها إبادة المسلمين في البوسنة. وكان أول من دعا لعقد مؤتمر إسلامي في الجامع الأزهر عقب صلاة الجمعة لمناصرة شعب البوسنة والهرسك، ونجح الإمام الجليل من خلال منصبه كرئيس للمجلس الإسلامي العالمي للدعوة والإغاثة وتأييده التام لحملة لجنة الإغاثة الإنسانية بنقابة الأطباء بمصر في أن يجمع ملايين الدولارات تم إرسالها للمجاهدين في البوسنة.
ومما قاله: "إن الأقليات الإسلامية تتعرض لمحن قاتلة، فهي مستضعفة في أوطانها، مطرودة من ديارها ومساجدها ومدارسها، مهددة بالتدمير، كما يحدث في الهند وكشمير وبورما وبعض دول أوروبا دون ردع أو حماية من حكومات تلك البلاد، وكأن هؤلاء الأقليات المسلمة ليسوا من المواطنين، لهم حقوق على تلك الحكومات".
كما أوفد وفدًا من علماء الأزهر برئاسة الشيخ جمال قطب (رئيس لجنة الفتوى بالأزهر الشريف الأسبق) إلى البوسنة ليستقصي أحوال المسلمين هناك، ويحث المجاهدين من شعب البوسنة على مواصلة الجهاد، وعدم التنازل عن شبر واحد من أراضيهم، وكان له موقف شجاع في مناصرة المجاهدين في الشيشان، وقدم لهم الدعم المالي والمعنوي، وأصدر بيانًا حول تلك الحرب، حيث أكد أنه لولا تمسك شعب الشيشان بإسلامهم لما حاربهم الدب الروسي. وقدم العديد من المنح الدراسية المجانية لأبناء البلدان الإسلامية المستضعفة، حتى يعودوا إلى أوطانهم دعاة للإسلام، وذلك من خلال الدراسة في الأزهر الشريف.
قضية القدس
كانت قضية القدس تشغل حيزًا كبيرًا من عقل الشيخ وقلبه، وعندما قرر الكونجرس الأمريكي نقل السفارة الأمريكية إلى القدس، أصدر الشيخ بيانًا صريحًا واضحًا، قال فيه: "إن أمريكا تزعم أنها صديقة كل العرب، وهي أصدق في صداقتها لإسرائيل، تؤيدها وتدفعها إلى المزيد من العدوان على العرب وحقوقهم، وتساعدها على وضع العراقيل نحو إتمام عملية السلام التي تتظاهر بدعمها، لكنه دعم غير عادل، فهو دعم للمعتدين الظالمين، واستهانة، وهدم لقرارات منظمة الأمم المتحدة، إن الأزهر الشريف يرفض هذا القرار الظالم من أمريكا التي تسعى إلى إتمام عملية السلام، ولكن هذا القرار أكد أن دعاة السلام صاروا دعاة الغدر والاغتيال للأرض والعرض والمقدسات، لا يرعون حقًا للغير، ولا يدعون إلى خير، وإنما يسعون في الأرض فسادًا".
ورفض الشيخ سياسة التطبيع مع «إسرائيل» طالمًا استمرت في عدوانها واغتصابها للأرض العربية، ومن أقواله في ذلك: "لا سلام مع المغتصبين اليهود، ولا سلام إلا بتحرير الأرض العربية، ورفض الشيخ زيارة المسلمين للقدس، وأعلنها الشيخ بعزة المؤمن الذي لا يخشى إلا الله: إن من يذهب إلى القدس من المسلمين آثم آثم، والأولى بالمسلمين أن ينأوا عن التوجه إلى القدس حتى تتطهر من دنس المغتصبين اليهود وتعود إلى أهلها مطمئنة، يرتفع فيها ذكر الله والنداء إلى الصلوات، وعلى كل مسلم أن يعمل بكل جهده من أجل تحرير القدس ومسجدها الأسير".
وقد سبق وأيد الشيخ الانتفاضة الإسلامية المباركة والعمليات الاستشهادية للمجاهدين الفلسطينيين، مؤكدًا أن تحرير القدس لن يتم إلا بالجهاد والاستشهاد في سبيل الله.
ورفض الشيخ ما تردد عن حصول «إسرائيل» على مياه النيل من خلال مشروع ترعة السلام، وقال مقولته الشهيرة: "إن حصول إسرائيل على مياه النيل أصعب من امتلاكها سطح القمر"، وعن الأسرى المصريين الذين قتلتهم «إسرائيل» عمدًا إبان حرب يونيو 1967م وأثارتها الصحافة المصرية، قال -يرحمه الله-: "القتل العمد ضد أسرانا يستحق القصاص".
رفض وثيقة مؤتمر السكان
لقد أُريد من القاهرة الإسلامية أن تصدر قرارات تناقض تعاليم الإسلام والأديان السماوية، وتعتدي على عفاف البشر وكرامة الإنسان، حيث تناقلت وسائل الإعلام المختلفة، قبيل انعقاد مؤتمر السكان الذي يتضمن إباحة الشذوذ الجنسي بين الجنسين، وإباحة الزنا، وإباحة حمل الصغيرات العذارى، وإباحة إجهاض الزوجات الشرعيات الحرائر، وفور علم الشيخ؛ أمر الشيخ العلماء والمختصين داخل الأزهر الشريف وخارجه بقراءة الوثيقة جيدًا، ودراسة ما فيها، وتقديم تقارير عنها، ثم اجتمع بمجمع البحوث الإسلامية، وأصدر بيانًا شديد اللهجة والصراحة برفض وثيقة المؤتمر، وأكد البيان أن الإسلام لا يقر أية علاقة جنسية خارج إطار الزواج الشرعي الذي يقوم بين الرجل والمرأة، كما يحرّم الإسلام الزنا واللواط والشذوذ، ويحرّم إجهاض الجنين ولو جاء عن طريق الزنا، وأهاب البيان بالأمة الإسلامية عدم الالتزام بأي بند أو فقرة تخالف شريعة الله.
كما تصدى الشيخ لقرار وزير التعليم المصري آنذاك بمنع الحجاب في المدارس الابتدائية المصرية، وضرورة موافقة ولي أمر الطالبة في المرحلة الإعدادية والثانوية على ارتداء ابنته الحجاب، وأصدرت لجنة الفتوى بالأزهر بيانًا أعلنت فيه أن القرار الوزاري يخالف الشريعة الإسلامية ونصوص الدستور، واستند المحامون المصريون إلى هذه الفتوى أمام المحاكم ضد الوزير المصري، حتى تم إلغاء القرار.
كما أفتى الشيخ بحرمة الربا فقال:
"إن الإسلام حرم الربا بنوعيه: ربا الزيادة وربا النسيئة، وهذا التحريم ثابت قطعًا بنص القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، وبإجماع أئمة المسلمين، منذ صدور الإسلام حتى الآن، ولما كان الوصف القانوني لشهادات الاستثمار أنها قرض بفائدة، وكانت نصوص الشريعة في القرآن والسنة تقضي بأن الفائدة المحددة مقدمًا من باب ربا الزيادة المحرم، فإن فوائد تلك الشهادات، وكذلك فوائد التوفير أو الإيداع بفائدة تدخل في نطاق ربا الزيادة، ولا يحل الانتفاع بها، أما ما يُقال بأن هذه الفائدة تعتبر مكافأة من ولي الأمر، فإن هذا النظر غير وارد، بالنسبة للشهادات ذات العائد المحدد مقدمًا، ولا سيما وقد وُصف بأنه فائدة بواقع كذا في المائة".
كان للشيخ جاد الحق مواقف جريئة وشجاعة في الكثير من القضايا والمشكلات المحلية والدولية، تمسك فيها بموقف الإسلام، انطلاقًا من رسالته كشيخ للأزهر وإمام للمسلمين.
موقفه من التطرف
هال الإمام جاد الحق أن يتخذ نفر من الكُتّاب من تطرف بعض الشباب ذريعة للهجوم على الإسلام ومبادئه دون وازع من ضمير أو تسلح بثقافة وعلم، فانطلق قلمه يصدع بالحق ويفضح سموم بعض الكتبة بقوله: "وقد أفرغت الحرية من مفهومها الصحيح، حتى صارت الدعوة إلى الفساد حرية، وصار الطعن في الإسلام وصلاحيته حرية، ثم صارت المسارعة إلى توزيع الاتهامات على الناس أسبق من نتائج التحقيق التي تقوم بها الجماعة المختصة". وحين أعلنت بعض الصحف عن مسابقة لاختيار ملكة النيل، فزع من تطرف بعض المترفين وانسياقهم وراء الهوى والضلال، وكتب مقالة في غاية القوة والبيان بعنوان "أوقفوا هذا العبث باسم وفاء النيل"، وعدّ هذا التصرف الطائش عودة إلى سوق النخاسة والرقيق الأبيض، وَرِدّة إلى الجاهلية العمياء، لا يُفرَّق فيها بين الحلال والحرام.
مؤلفاته وتراثه الفكري
ترك الشيخ جاد الحق تراثًا علميا زاخرا، تنوع بين مقالات وفتاوى وكتب، منها:
1 ـ مع القرآن الكريم.
2 ـ النبي في القرآن الكريم.
3 ـ الفقه الإسلامي... مرونته وتطوره.
4 ـ أحكام الشريعة الإسلامية في مسائل طبية عن الأمراض النسائية.
5 ـ هذا بيان للناس.
6 ـ رسالة في الاجتهاد وشروطه، ونطاقه، والتقليد، والتخريج.
7 ـ رسالة في القضاء في الإسلام.
8 ـ وصدر له من خلال الأزهر الشريف خمسة مجلدات من فتاويه، جمعت في حياته بعنوان: بحوث وفتاوى إسلامية في قضايا معاصرة، وقد أعدها الشيخ جاد الحق في 11 جزءً، ولم يصدر منها سوى خمسة أجزاء فقط، وامتنع الأزهر بعد وفاة الشيخ الراحل عن إصدار الباقي وطبعه.
وفي مايو 2013، أهدت أرملة الشيخ جاد الحق مكتبته الخاصة إلى الأزهر، وقالت إنها تهدي المكتبة بما تحويه من كتب نفيسة وذخائر تراثية قيمة إلى مكتبة الأزهر حتى يستفيد منها طلاب العلم الذين يأتون إليه من مختلف بلاد العالم.
الأوسمة والجوائز
حصل الشيخ جاد الحق علي جاد الحق على وشاح النيل عام 1983، ونال وسام الكفاءة الفكرية من المغرب، كما منحته السعودية جائزة الملك فيصل لخدمة الإسلام عام 1995.
قالوا عنه
يقول عنه الدكتور يوسف القرضاوي: "الحق أن الرجل قدّر جلالة المنصب الذي تبوأه من قبله رجال كبار أمثال المراغي، وعبد الحليم محمود، وعبد المجيد سليم، والخضر حسين، وشلتوت، فلم ينزلق بالأزهر إلى الفتاوى التي زلت فيها أقدام آخرين، وحافظ على كرامة الأزهر ومجمع بحوثه، الذي يمثل السلطة العليا للفتوى في الشؤون الإسلامية في مصر. وكان متعاونًا مع العاملين في الحقل الإسلامي، واقفًا كالصخرة الصماء في وجه العلمانيين والمتغربين الذين يريدون أن يسلخوا الأمة من جلدها، وأن يبعدوها عن شريعة ربها، فلم تلن قناته في مواجهتهم وتحدي أباطليهم. لقد كان الشيخ جاد الحق صادقًا مع نفسه، صادقًا -قبل ذلك كله- مع ربه، فلم يبال برضا الناس فيما يعتقد أنه الحق. وقد كان رجلًا مهذبًا، صاحب خلق وفضل، تطاول عليه بعض الناس وهاجموه، فقابلهم بالصمت والتعفف ودفع السيئة بالحسنة، فالحياة أغلى من أن تضيع في المهاترات. وكانت عقليته عقلية القاضي الذي ينظر إلى الأمور بهدوء واتزان، دون غضب وانفعال، ثم يحكم بما يراه أدنى إلى الصواب. ولقد اتسع الأزهر في عهده، معاهد وكليات، إتمامًا وامتدادًا لما قام به الرجل الصالح الشيخ عبد الحليم محمود غفر الله له، كما رأس الشيخ جاد الحق المجلس الإسلامي الأعلى للدعوة والإغاثة".
ويقول الدكتور محمد رجب البيومي: "لقد كان مجاهدًا عمليًا يصدع بكلمة الحق في ميدانها الأصيل، تاركًا جزاء كفاحه لربه وحده، جهر في مصر أثناء حرب الأفغان للروس المغتصبين، واستقبل زعيم المجاهدين ليعلن وقوف المسلمين مع إخوانهم، مناديًا بوجوب التبرع بالمال والدم".
وفاته
توفي الشيخ جاد الحق قبيل فجر الجمعة 25 من شوال 1416هـ، الموافق 15من مارس 1996م عن عمر يناهز التاسعة والسبعين، بعد أن فرغ يرحمه الله من مراجعة أوراق الأزهر، وبريد الجهات الرسمية الأزهرية، والبريد الوارد إلى مكتبه من أنحاء العالم المختلفة، وقد مات -يرحمه الله- ومشاكل الأمة في صدره وأوراق الأزهر في يده يقلب فيها، ومات متوضئًا وهو يشرع لأداء الصلاة في الساعة الواحدة والنصف من صباح يوم الجمعة، حيث شعر بدوار مفاجئ فجلس على سريره ليستريح، ولكنه فارق الحياة بعد لحظات، وكانت وصيته أن يشهد غسله ويؤم صلاة الجنازة عليه الشيخ محمد متولي الشعراوي، وتم تنفيذ وصية الشيخ، حيث صلي الجنازة عليه الشيخ الشعراوي الذي نعاه بقوله: "لقد تعلمنا منه ألا نعصرن الدين، بل نُديِّن العصر، فعصرنة الدين تعني أنه غير كامل حاشا لله ...".
رحم الله الشيخ جاد الحق وجزاه عن الإسلام والمسلمين خير ما يجزي العلماء العاملين والرجال الصالحين المخلصين.
_________
المصدر:
جاد الحق علي جاد الحق...مواقف في الدفاع عن الإسلام، حساب: محمد سيد بركة، فيسبوك، https://2u.pw/oVCBrKE6 .. بتصرف وإضافة من المصدرين الآتيين:
- جاد الحق.. شيخ الأزهر المناهض للتطبيع، الجزيرة نت، 21 سبتمبر 2016، https://2u.pw/yUEFkYNT
- جاد الحق علي جاد الحق، موسوعة المعرفة، https://2u.pw/WWI9jdkC
الدرع في اللغة سلاحٌ يَدفع به المقاتل ضربات العدو، وهي قطعة من الحديد تُمسك من وسطها باليد، وتُدفع بها النصال. وقد سميت الدروع البشرية كذلك لأنها تقوم بدور الدرع التقليدية في حماية صاحبها، لكن الفرق شاسع من الناحية الأخلاقية؛ فالدرع التقليدية لها من المناعة ما يَرد ضربة العدو ويَتكسر عليه سيفه، أما الدرع البشرية فالمانع من ضربها أخلاقي صرف.
والدروع البشرية مصطلح عسكري قانوني يعني استخدام مجموعة من الناس -مدنيين أو عسكريين- بهدف حماية منشآت حساسة في وقت الحرب (مراكز عسكرية، أو منشآت إستراتيجية، أو سدود، أو جسور…)، وذلك بنشرهم حولها لوضع العدو أمام حرج أخلاقي يمنعه من استهداف المنشآت المراد حمايتها. قد يأخذ الدرع البشري أشكالا أخرى، منها -مثلا- وضع رهائن أمام قوات متقدمة لمنع العدو من التصدي لها، كما يُصنف في خانة الدروع البشرية تخزين أسلحة ومعدات وتمركز وحدات عسكرية مقاتلة في مناطق مأهولة بالمدنيين.
ويعرفه القانون الدولي بـ"وضع الأعيان العسكرية (المقاتلين أو العتاد) والمدنيّين في الموقع نفسه بصورة متعمّدة بقصد ردع أو منع مهاجمة تلك الأعيان تحديدا". وتعني أيضًا "استخدام أشخاص يحميهم القانون الدولي الإنساني كأسرى الحرب أو المدنيين لردع هجمات على المقاتلين أو على المواقع العسكرية".
أنواع الدروع البشرية
قانونيا، هناك نوعان من الدروع البشرية، طوعية وغير طوعية، وينطبق التصنيف الأول على المدنيين الذين يعرضون أنفسهم للخطر لحماية أشخاص أو مواقع أو أشياء قيّمة لديهم، أما الآخر فيشمل المدنيين الذين يستخدمهم طرف محارب لحماية نفسه.
قد يكون المشاركون في تشكيل الدرع البشرية مجبرين على ذلك، وهو ما يتناوله القانون الدولي بالحظر الصريح، لكن الدرع البشرية قد تُقام بناء على عملية تعبوية تستحث الحس الوطني المتقد أصلا في أوقات الحرب؛ ففي يوغسلافيا -مثلا- تجمع عشرات الآلاف منعا لطيران حلف شمال الأطلسي من استهداف منشآت حساسة في بلغراد أثناء حملته ضد نظام سلوبودان ميلوسيفيتش عام 1999. ومن أشكالها أيضا السلاسل التطوعية، وهي عندما تتفق جماعة من المدنيين لحماية مدنيين آخرين من استهدافهم، كما فعلت منظمة حاخامات لحقوق الإنسان عام 2003 حماية للمزارعين الفلسطينيين خلال حصادهم الزيتون من هجمات المستوطنين. وفي العراق، انتظم متطوعون قدِموا من مختلف أرجاء العالم في دروع بشرية خلال الحملة الدولية على العراق بين يناير/كانون الثاني وفبراير/شباط 1991، والتي كان هدفها طرد قواته من الكويت. كما لجأ نظام العقيد الليبي الراحل معمر القذافي إلى إقامة دروع بشرية خلال حملة فجر الأوديسا التي نفذتها قوات غربية وعربية منعا لوصول الجيش الليبي إلى بنغازي بعد تفجر ثورة 17 فبراير/شباط 2011.
دأب الاحتلال الإسرائيلي على استخدام الفلسطينيين دروعا بشرية خلال المواجهات مع الشبان في نوبات التوتر والانتفاضة، وكذلك في المواجهات المسلحة مع المقاومة الفلسطينية. ووثقت كاميرات الإعلام الدولي أكثر من مرة مشاهد فظيعة يَسير فيها جنود الاحتلال متمترسين خلف شبان وأحيانا مراهقين فلسطينيين. وخلال الغزو الأميركي للعراق في 2003، اتُهم نظام الرئيس الراحل صدام حسين بتخزين كميات كبيرة من السلاح وسط الأحياء السكنية حماية لها من القصف الجوي. وخلال عدوان إسرائيل على لبنان عام 2006، اتهم الاحتلال حزب الله بنصب بطارياته العسكرية داخل الأحياء المدنية، وهي التهمة نفسها التي يُوجهها دائما للمقاومة الفلسطينية في قطاع غزة.
موقف القانون الدولي الإنساني:
وتعد حماية المدنيين أحد أسس القانون الدولي الإنساني، ومن ثم تحظر مجموعة متنوعة من القوانين استخدام الدروع البشرية بما في ذلك اتفاقيات جنيف لعام 1949، كما تعد المحكمة الجنائية الدولية ونظام روما الأساسي استخدام الدروع البشرية جريمة حرب. ويمنع البروتوكول الإضافي لاتفاقيات جنيف (المادة 7) منعا كليا استخدام الدروع البشرية خاصة الأسرى، كما أن اتفاقية جنيف لعام 1929 تُلزم الطرف المسيطر على الجبهة بإخلاء أسراه في أسرع وقت ممكن وإبعادهم عن جبهات القتال، ومن ضمن الأسباب الكامنة وراء هذا الإلزام الخوف من استخدام الأسرى دروعا بشرية. ويعد حظر استخدام المدنيين دروعا بشرية جزءا من القانون العرفي، لكن رغم وروده في عدة اتفاقيات ملزمة لموقعيها، تطالبهم باتخاذ تدابير لحماية المدنيين والمنشآت المدنية، يعد إثبات الانتهاك قانونيا أمرًا صعبًا.
وإذا لجأ طرف ما في الحرب إلى استخدام الدروع البشرية، فإن الطرف المهاجم يبقى ملزما بموجب القانون الدولي الإنساني بالتمسك بمبادئ الاحتياط والتناسب، أي أن على الطرف المهاجم أخذ كل تدابير الاحتياط التي من شأنها تقليل عدد الضحايا المدنيين، ويجب أن تكون الميزة العسكرية المرجوة من الهجوم متناسبة مع قوة الهجوم التدميرية وحصيلة الأرواح الناتجة عنه. وإن وجد الطرف المهاجم أن العملية العسكرية قد يفوق ضررها فائدتها فيجب عليه وقفها وتصبح الهجمة محظورة بموجب القانون الدولي الإنساني، ويعني ذلك أنه في حين أن استخدام الدروع البشرية محظور، فمن الممكن لهجمة أن تكون قانونية إذا ما كانت متناسبة.
يفرض القانون الدولي الإنساني على أطراف النزاع المسلح أنْ تُميز -في كل وقت- بين المدنيين والعسكريين، وبين المشاركين في القتال وغيرهم بموجب مبدأ التناسب، ومن هذا المنطلق يَفرض القانون الدولي حماية الأسرى والمصابين لأنَّهم لم يعودوا طرفا في القتال. إلا أن القانون الدولي الإنساني يُميز بين اعتقال العسكري الذي تكفي صفته لاعتقاله طيلة فترة الحرب، في حين لا يحق أسر المدني، أما اعتقاله فلا يكون مبررا إلا في ضوء أنشطة ضارة يقوم بها، كتقديم معلومات للعدو أو تنفيذ عمليات لصالحه. ومن هنا يبرز إشكال استمرار تعرض المدني للاعتقال لا لشيء إلا استخدامه في الدروع البشرية. وتنص مواد القانون الدولي على حماية المدنيين من أخطار العمليات العسكرية ما لم يشاركوا مباشرة في أعمال تضر بالعدو، ولكنه لا يوضح ما إذا كان جعل المدنيين من أنفسهم دروعا بشرية طوعية يعد مشاركة مباشرة في النزاع.
الدروع البشرية في الإسلام
أن الإسلام كفل حماية المدنيين، وعدم استهدافهم عمدًا في أثناء سير العمليات القتالية، فيقول تعالى "وَقَاتِلُوا في سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ"، والسنة النبوية أوضحت من يجب حمايتهم حال القتال ما لم يشاركوا في المعركة، وهم النساء، والأطفال، والمسنُّون، والرهبان، والعُسفاء، وهم الأجراء المستقدمون لأداء خدمات ومهام معينة للعدو في ساحة المعركة، لكنهم لا يشاركون في العمليات القتالية الفعلية، كذلك المرضى والمكفوفين والمقعدين والمزارعين والتجار والصناع إلا إذا اشتركوا في القتال.
كما حظر الإسلام أيضًا استخدام الأسلحة العشوائية، على الرغم من أن الأسلحة التي استخدمها المسلمون في بداية التاريخ الإسلامي كانت بدائية، ذات قدرة محدودة على التدمير، فقد حرص الفقهاء المسلمون على تأسيس أحكام بخصوص استخدام أسلحة عشوائية الطابع، مثل المنجنيق «آلة لقذف الحجارة الضخمة» والسهام المسمومة والسهام النارية، واستدل بالآية القرآنية ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِى إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ في الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَٰلِكَ في الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ﴾.
كما حظر الهجمات العشوائية، انطلاقًا من الحرص على مبدأ التمييز بين المقاتلين وغير المقاتلين، فصلوا في أسلوبين: هما البيات «أي: الإغارة على العدو ليلًا»، والتَّترُّس «أي استخدام دروع بشرية»، وكل ذلك من أجل الحفاظ على حياة غير المحاربين، ويخلص إلى أنه «بناء على هذه القواعد المقررة في الإسلام لا يجوز استخدام الدروع البشرية في الحروب لأي من الفريقين المتحاربين».
الفرق بين التترس والدروع البشرية:
ثمة تعبيران يحملان المعنى نفسه من حيث اللغة، ولكنهما يحيلان -من منظور تاريخي ومفهومي- إلى أمرَين مختلفين. التعبير الأول: هو "الدروع البشرية"، والتعبير الثاني: هو "التترس" (اتخاذ تُرْس). فالأول عسكري وقانوني حديث يعبّر عن جريمة حرب، بينما الثاني فقهي وصفي يُطلب فيه الحكم المعياري، وثمة خلاف حول تفاصيله بين المذاهب الفقهية تاريخيًّا، وقد استخدمته جماعات العنف -في الزمن الحاضر- لتسويغ إصابة المدنيين المسلمين في معاركها مع الأنظمة السياسيّة الداخلية.
أمّا اتخاذ دروع بشرية، فهو أمر مجرّم في القانون الدولي، ويتضمن أمرين: الأول: استخدام المدنيين بشكل مباشر في الحرب، والثاني: الاستفادة من وجود المدنيين؛ لحماية هدف عسكري من الهجوم عليه، أو لإعاقة العمليات العسكرية للعدو.
أما التترس، فمعناه أن يحتمي العدو غيرُ المسلم بمن يَحرم قتله (من المسلمين أو أهل الذمة وَفق الاصطلاح التاريخي)، يريد بالتُرْس صدَّ المسلمين عنه لتحقيق غرض عسكري، ونلحظ فوارق عدة بين مفهومي الدروع البشرية والتترس وهي:
الأول: أن التترس يتمحور -أساسًا- حول اتخاذ العدو غير المسلم ترسًا ممن يَحْرم قتله، ومن ثم انصرف النقاش الفقهي التاريخي إلى حكم المضي قدمًا في العمل العسكري؛ إذا كان سيؤدي إلى قتل الترس البشري (من المسلمين أو أهل الذمة أو نساء العدو نفسه وصبيانه الذين يَحرم قتلهم في الحرب)، ومن اللافت أن النقاش الفقهي حول التترس يستبعد فكرة استعمال المسلمين أنفسهم الترسَ، ويبدو أنها لم تكن مطروحة ولم يسبق للمسلمين أن استعملوا الترس البشري في الحروب، ولكن استعمله غيرهم قديمًا وحديثًا.
الثاني: أن التترس جزء من منظومة ما قبل الدولة الحديثة التي تصوغ تصورها الخاص حول من يَحرم قتله في الحرب، بينما تتمحور فكرة الدروع البشرية حول مبدأ أو قاعدة مركزية، وهي التمييز بين المدني والعسكري أولًا، وإعطاء حرمة متميزة للمدني وحمايته في الحرب ثانيًا، ومن هنا اعتُبر استخدام الدروع البشرية جريمة قانونية؛ لأنه يلغي هذه الفوارق ويهدر حرمة المدنيين الذين ليسوا جزءًا من الحرب ولا يساهمون فيها. وعلى هذا، فمفهوم "المدني" الحديث أوسعُ من التصورات الفقهية الكلاسيكية لمن يَحرم قتله في الحرب.
______________
المصادر:
مفكر إسلامي وفقيه قانوني مصري، وأمين عام سابق للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وأحد رموز مدرسة «الإسلام الوسطي» أو «المنظور الحضاري»، إلى جانب أسماء تعد اليوم رموزًا للفكر الإسلامي المعاصر، من داخل هذا المنظور، قدم العوا إسهامه الفكري الذي «امتاز بنزوعه التحديثي الواضح إلى استيعاب القيم الحديثة في المنظومة الإسلامية».
النشأة والدراسة والتكوين:
ولد في ديسمبر عام 1942 بالإسكندرية، وهو متزوج وله ثلاث بنات وولدان، وسبعة أحفاد، حصل على ليسانس الحقوق من جامعة الإسكندرية عام 1963م وعلى دبلوم الشريعة الإسلامية عام 1964م، ثم حصل على دبلوم القانون العام عام 1965م وعلى الدكتوراه في القانون المقارن بين التشريع الإنجليزي والإسلامي من كلية الدراسات الشرقية والإفريقية التابعة لجامعة لندن عام 1972.
المناصب والمسؤوليات:
شغل د. العوا العديد من المناصب منها منصب وكيل النائب العام المصري 1963 و1966، وعُين محاميًا في هيئة قضايا الدولة بمصر بين عامي 1966 و1971م، وعمل أستاذًا للقانون والفقه الإسلامي في عدد من الجامعات العربية منها: أستاذ غير متفرغ في جامعة الزقازيق بين عامي 1985 و1994، وأستاذ زائر في جامعة أم درمان عامي 1976 و1977، وأستاذا مشاركا في جامعة الملك سعود 1974 و1979، كما كان مستشار مكتب التربية العربي لدول الخليج بين عامي 1979 و1985. وهو عضو مجمع اللغة العربية في القاهرة ومجمع الفقه الإسلامي الدولي بمنظمة المؤتمر الإسلامي، ومجلة المسلم المعاصر، والجمعية الدولية للعلماء الاجتماعيين المسلمين، والمجموعة القانونية الاستشارية لبنك فيصل بين 1985 و1994، وهو عضو مؤسس بالفريق العربي للحوار الإسلامي المسيحي، بالإضافة إلى عضوية المجلس الأعلى للمجمع العالمي للتقريب بين المذاهب الإسلامية.
كما شغل منصب الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، ورئيس جمعية مصر للثقافة والحوار، وعضو مجلس أمناء المعهد العالمي للاقتصاد والبنوك الإسلامية، كما كان محاميًا في إدارة الفتوي والتشريع بالإعارة لدي "مجلس الوزراء الكويتي" بين 1967 و1969.
التجربة السياسية والفكرية:
يتسم فكر د. العوا بالاعتدال والبعد عن الصدام، حتى أصبح أحد رواد الحوار الوطني المصري، ومع ذلك كانت له مواقف صدامية مع نظام الرئيس مبارك، تعرض إثرها لمضايقات أمنية عديدة، عمل منذ زمن على مشروع سماه "المشروع الإسلامي الحضاري الوسطي"، وهو مشروع يهتم بالإنسان، وبناء المؤسسات القادرة على إعادة تكوين الإنسان، ودخل ساحة السياسة من بابها الواسع وهو رئاسة الجمهورية، فترشح مستقلًا عام 2012م لكنه لم يوفق في الانتخابات.
كما نجد أن كتاباته ومسيرته تؤكد نزوعه إلى التجديد في مسائل الفقه السياسي عبر استيعاب قيم الحداثة خصوصًا الديمقراطية في منظومة القيم الإسلامية، ولا يساير هوى العامة أو الجمهور، حتى وإن كان هذا الجمهور نظريًا هو الجمهور الأقرب إليه أو المتوجه إليه بخطابه، كجمهور الحركات الإسلامية، وفي الوقت عينه لا يقيم معهم قطيعة مثلهم مثل غيرهم من باقي أبناء المجتمع المصري وتياراته السياسية الذين كانوا من بين الحضور في صالوناته الثقافية التي كان يقيمها في جمعية مصر للثقافة والحوار التي كان يرأسها.
في هذا الصدد لم يساير العوَّا الإسلاميين في فكرة أن «الخلافة» هي النظام السياسي الذي أتى به الإسلام ويتعين على المسلمين العمل لاستعادته، ودعاهم لعدم الخلط بين «قيم الإسلام المستمدة من الوحي» و«التجارب التاريخية للمسلمين»، معتبرًا أن الشأن السياسي متروك للاجتهاد، وأن نظام الخلافة في مدلوله السياسي أو الدستوري ليس أكثر من عملية تنظيم رئاسة الدولة التي تشتمل على اختيار الرئيس وتحديد صلاحياته ومسؤولياته. كذلك لم يساير نخب أو قادة تلك الحركات في مسألة وجوب سيطرة رجال الدين على الحكم أو ما نستطيع تسميته «ثيوقراطية الدولة».
وعلى الجانب الآخر، لا يساير العوا الآراء العلمانية عن الدولة الحديثة وغاياتها التي تحددها نخبها السياسية، بل ينطلق من تصور فقهي يرى أن غاية «الحكومة في الدولة الإسلامية» هي إقامة الدين وتحقيق مصالح المحكومين، مسلمين وغير مسلمين؛ معللًا ذلك بقول الإمام العز بن عبد السلام: «ذلك أن الله، سبحانه وتعالى، قد رتب على طاعته واجتناب معصيته مصالح الدارين».
إن تلك الأفكار التي عرضها العَوَّا في منتصف السبعينيات من القرن الماضي، تتمثل أهميتها من السياق الذي طُرحت فيه، فمن خلالها يقيم العَوَّا قطيعة مع الخطاب «القطبي» داخل الحركة الإسلامية القائم على «نظرية الحاكمية الإلهية» التي ترى في الإمام/الخليفة/ رئيس الدولة حاكم ثيوقراطي يستمد سلطته من الله وليس من المحكومين؛ كونه نائب الله على الأرض. وفي الوقت نفسه يقيم نفس القطيعة مع النخب العلمانية أو الشعبوية العربية التي حددت للدولة غاياتها وأخفقت في تحقيق الحد الأدنى من برامج التحديث والتحرر الوطني والرفاه، التي طرحتها في خمسينيات وستينيات القرن الماضي.
لذا عَمِلَ العَوَّا على توضيح أن هناك قيمًا حاكمة أو عليا توجه الحكومة وتكون شرطًا سابقًا على قيامها حتى لا تنزلق إلى ما انزلقت إليه النظم العربية في الخمسينيات والستينيات، وشدد على حق الأمة في مطالبة حكامها بهذه «المبادئ الدستورية أو القيم السياسية»، بل اعتبر أن من واجب الأمة وأفرادها التمسك بتلك المبادئ والاحتكام إليها.
إن تلك القيم الحاكمة يتم استمدادها من الأحكام العامة للقرآن الكريم والسنة النبوية، وتتأسس على فاعلية الأمة، التي يستلزم تحقيقها وحمايتها إقرار مبدأ التعددية السياسية، تلك القيم هي:
أخذ العَوَّا خطوة إصلاحية شديدة الأهمية في مجال الفقه السياسي في ما يتعلق بحق المشاركة السياسية للمرأة وغير المسلمين، وتوليهم المناصب العامة داخل الدولة، حيث أجاز الأمر معتبرًا أن العالم الإسلامي خرج من إطار نظام الخلافة التي عرفناها في تاريخنا إلى إطار الدولة المدنية الحديثة، التي يجوز فيها أن يتولى المناصب العامة والسياسية أي إنسان مسلم أو مسيحي، أو أي مواطن في الدولة ذكرًا أو أنثى؛ مرجعًا الأمر لطبيعة الحكم الحديث التي تتوزع فيه المهام على مؤسسات دستورية مختلفة ولا يقوم بها شخص واحد، وكذلك طبيعة المناصب فيها التي تعتبر وكالة عن المواطنين لا ولاية من أي نوع كان.
أعماله:
يشتمل الإنتاج الفكري للدكتور سليم العَوَّا على قرابة 40 كتابًا مؤلفًا، و46 دراسة باللغة العربية، وعشرة باللغة الإنجليزية، بخلاف تعقيباته وتخريجاته على بعض الكتب التي كان أحدثها مؤلف الشيخ سليم البشري شيخ الجامع الأزهر الأسبق، إلى جانب شروحه وتعقيباته شديدة الأهمية على كتابي «إحياء علوم الدين» للإمام أبي حامد الغزالي ومقدمة العلامة ابن خلدون لكتاب «العبر وديوان المبتدأ والخبر».
أما أبرز أعماله، فهي:
كما شارك في العديد من المؤتمرات والندوات العلمية القانونية والإسلامية والتربوية في مختلف أنحاء العالم، بالإضافة إلى إعداد وتحرير عدد من الموسوعات والبحوث العلمية.
__________
المصادر:
د. محمد نور فرحات (1941- 2023م) هو فقيه قانوني ومفكر وسياسي مصري، ومحامي بالنقض، عمل أستاذًا قانون في كلية الحقوق في جامعة الزقازيق، وله عدة كتابات في شكل كتب ومقالات في مجالات فلسفة وتاريخ القانون وعلم الاجتماع القانوني وقضايا الديموقراطية وحقوق الإنسان، كما كان أحد أبرز المدافعين عن الدولة المدنية في مصر ومن مؤسسي المؤسسة المصرية لحماية الدستور.
مولده:
ولد د. محمد نور فرحات في شهر سبتمبر عام ألف وتسعمائة وواحد وأربعين (1941م)، بحي شبرا بالقاهرة، لأسرة مصرية متوسطة وأب من علماء الأزهر الشريف العاملين بالقضاء الشرعي والمحاماة.
مسيرته العلمية والأكاديمية:
مناصبه ومسيرته السياسية:
اعتزاله المحاماة:
أعلن عن سبب اعتزاله المحاماة عبر منشور على صفحته على «فيسبوك» في 24 أغسطس 2016، جاء فيه «قررت التوقف عن ممارسة المحاماة لأن الطريق إلى العدل أصبح ممتدًا وشاقًا ومليئًا بالعوائق وغير آمن.. وداعا أنبل مهنة في التاريخ».
أعماله:
أصدر الدكتور محمد فرحات العديد من الكتب منها:
وكتب وكتابات أخرى كثيرة.
جوائزه:
وكان ذلك عرفانًا من الدولة بجهوده الكبرى في مجال فلسفة القانون والتحامه بالمجتمع وقضايا وطنه.
وفاته:
توفي د. محمد نور فرحات يوم السبت 28 يناير عام ٢٠٢٣ عن عمر يناهز ٨٢ عامًا.
__________
المصادر:
هو الإمام الجليل، والفقيه الكبير، والمصلح الاجتماعي الكبير، وشيخ الأزهر الأسبق محمود محمد داود شلتوت
حياته
ولد الشيخ محمود شلتوت بمنية بني منصور مركز إيتاي البارود بمحافظة البحيرة (1893)، وحفظ القرآن الكريم ثم التحق بمعهد الإسكندرية الديني (1906)، وفي هذا المعهد شهد الشيخ محمود شلتوت عهد الشيخ محمد شاكر شيخ علماء الإسكندرية بكل ما تميز به هذا العهد الزاهر، وكان في جميع سنواته أول الناجحين، ونال الشيخ محمود شلتوت الشهادة العالمية النظامية (1918) وهو في الخامسة والعشرين من عمره. وفي العالمية كان أول الناجحين كما كان كذلك في سنين دراسته من قبل أيضًا.
عُين الشيخ محمود شلتوت مدرسًا بمعهد الإسكندرية الديني في العام التالي مباشرة لتخرجه (1919). ولما قامت ثورة 1919 بدأ نشاطه في الظهور، وشارك في الثورة بإخلاص وحماسة، كما شارك في جمع التبرعات لأسر المعتقلين، كما لمع نشاطه العلمي في الإسكندرية، وبدأ يعرف طريقه إلى المجتمع والصحافة، وامتدَّ نشاطه العلمي إلى كل ما يتصل بعلوم الدين من فقه وتفسير وحديث.
آمن الشيخ شلتوت بفكر شيخه الشيخ محمد مصطفى المراغي والذي عُين شيخًا للأزهر للمرة الأولى (1928-1929)، فعمل التلميذ على استيعاب فكر أستاذه والدعوة له، وأهله حضوره ونشاطه لأن يختاره أستاذه لتدريس أصول الفقه في القسم العالي بالأزهر، على الرغم من أن تدريس الأصول كان وقفًا على العلماء الكبار القدامى، وكان الشيخ محمود شلتوت جديرًا بما أسند إليه، فانبهر الكثيرون من تلاميذه بالقسم العالي بعلمه الراسخ، وشجاعته الفكرية، وقد كان منهم الأستاذ الأكبر الشيخ الدكتور عبد الحليم محمود.
وقد عكف الشيخ شلتوت على دراسة آراء شيخه المراغي في المذكرة التفصيلية الخاصة بقانون الأحوال الشخصية وشؤون الأسرة، وهي المذكرة التي تضمنت من الآراء الفقهية ما لم يقف عند حدود المذاهب الأربعة، بل تعدت هذا الأفق إلى شتى الآراء في المذاهب المختلفة لكبار الفقهاء في الإسلام، وقد أثرت هذه المشاركة في فكره الفقهي تأثيرًا واسع المدى وجعلته أقرب إلى التسامح المذهبي، ومنذ ذلك الحين أخذ الشيخ محمود شلتوت يكتب في الفقه الإسلامي بروح مختلفة عن الروح الشائعة، فلم يتقيد بالفقه الحنفي الذي درسه في الأزهر، واتخذه مذهبًا له على حسب نظام التعليم الأزهري، ولم يقتصر على المذاهب الثلاثة الأخرى، بل جعل كل رأي إسلامي موضع النظر. وهكذا درس الشيخ محمود شلتوت فقه زيد بن علي، وجعفر الصادق، وابن حزم، وابن تيمية، وتلميذه ابن القيم.
واستقرت صورة الشيخ محمود شلتوت في الوجدان الأزهري والثقافي (وفي الذاكرة الصحفية والشعبية كذلك) على أنه من مؤيدي أفكار الشيخ محمد مصطفى المراغي ومنهجه في إصلاح الأزهر، لاسيما بعد أن أيد الشيخ المراغي بعدة مقالات نشرت في جريدة «السياسة» اليومية، ولذلك فعندما استقال الشيخ المراغي من مشيخة الأزهر بعد المعارضة القوية لحركته الإصلاحية، كان من الطبيعي أن يغضب الشيخ محمود شلتوت بسبب إبعاد شيخه عن مشيخة الأزهر، وأن يزداد غضبه حين يرى النظرة إلى الفقه الإسلامي لا تزال في حيزها الضيق، وهذا ما دفعه إلى المناداة في مقالاته بضرورة الالتزام بما نودى به من قبل، وإلى أن يقود حملة صادقة تطالب بتطوير تدريس الفقه، فكان من الطبيعي أن يضيق به الأستاذ الأكبر الشيخ محمد الأحمدي الظواهري الذي حل محل الشيخ المراغي في مشيخة الأزهر، وتصاعدت الأمور حتى فصل الشيخ محمود شلتوت من منصبه ضمن من فصلوا من كبار العلماء السبعين، فعمل بالمحاماة أمام المحاكم الشرعية، حيث سرعان ما حقق الشيخ محمود شلتوت ذاته في ممارسة المحاماة الشرعية، فضلًا عما أتيح له من أن يدرس أحوال الأسرة دراسة ميدانية، حيث ألم بتفصيلات مسائل الزواج والطلاق والميراث والنفقة على طبيعتها الحية بين المتخاصمين، وراجع ما كتبه الفقهاء مراجعة مَنْ ينشد استقرار الأسرة الإسلامية في ضوء التشريع الصحيح.
ولما انتهت فترة الشيخ محمد الأحمدي الظواهري (1929 ـ 1935) وعاد الشيخ محمد مصطفى المراغي إلى المشيخة عاد الشيخ محمود شلتوت إلى العمل مدرسًا بكلية الشريعة (فبراير 1935)، فاختار لنفسه أن يدرس مادة جديدة لم تكن مقررة من قبل، هي مادة الفقه المقارن، وفي ذلك الوقت المبكر كان ميدان بحوثه هو المقارنة على المذاهب الأربعة وحدها، وكان أول مَنْ بدأ تدريس الفقه المقارن في الأزهر، وقد أصدر مع الأستاذ محمد على السايس كتابًا في الفقه المقارن. وقد ارتقى الشيخ شلتوت في الوظائف حتى عُين وكيلًا لكلية الشريعة، ثم مفتشًا بالمعاهد الدينية.
ارتباطه بحركة الإصلاح الأزهري
كان الشيخ محمود شلتوت، من قبل هذا في طليعة المنادين بالتجديد والإصلاح في الأزهر، ويعده مؤرخو هذه الحقبة ومعاصروها من ألمع الناشئين في مدرسة الشيخ محمد عبده، وذلك على الرغم من أنه لم يلتحق بالأزهر إلا بعد وفاة الأستاذ الإمام بعام، لكنه اتصل اتصالًا مباشرًا باثنين من أنجب تلاميذ الإمام محمد عبده هما الشيخ الأكبر والمفتي الأكبر: شيخ الأزهر: الأستاذ الأكبر الشيخ المراغي، والأستاذ الأكبر المفتي الشيخ عبد المجيد سليم. ويعد الشيخ محمود شلتوت في نظر الكثيرين من أبناء الأزهر بمثابة حامل راية الإصلاح والتجديد من بعدهما.
طالب الشيخ محمود شلتوت منذ مرحلة مبكرة بأن يعاد النظر في مناهج الأزهر وكتبه حتى تعبر تلك الكتب والمناهج عن النهضة الحديثة، وقد ظل الشيخ محمود شلتوت على ما عهد فيه من روح الثورة والرغبة في التقدم، حتى إنه يذكر له أنه كان واحدًا من الثائرين على تباطؤ الشيخ محمد مصطفى المراغي نفسه في الإصلاح بعد عودته إلى الأزهر (1935)، وكان شلتوت، فيما يرويه الدكتور محمد رجب البيومي، عضوا فيما سمي بجماعة الشيخ عبد المجيد سليم (التي ضمت الدكتور محمد البهي، والشيخ محمد محمد المدني، والشيخ عبد العزيز عيسي)، وقد شنت هذه الجماعة حملة على الشيخ محمد مصطفى المراغي لتباطئه في الإصلاح، وقد بدأ الشيخ محمود شلتوت الدعوة إلى الإصلاح في جماعة كبار العلماء بمحاضرة صريحة ألقاها في كلية الشريعة تحت عنوان «السياسة العلمية التوجيهية للأزهر» أثنى فيها على المذكرة الإصلاحية ولخص ما قرره أستاذه الإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي من ضروب الإصلاح، وانتهى إلى أن أمدًا طويلًا قد مر على الأستاذ الأكبر دون أن يأخذ بما يرى:
وهكذا واجه الشيخ محمود شلتوت كبار المسؤولين الأزهريين مواجهة خطيرة بعد أن أذاع مذكرته وطبعها وبعث بها إلى الجرائد والصحف، فنقلت خلاصتها، واضطر بعض أنصار الشيخ محمد مصطفى المراغي أن يهاجموها، وأن يقولوا إن خطوات الإصلاح تسير بنجاح.
ومع مطلع الخمسينيات عين الشيخ محمود شلتوت مراقبًا عامًا للبحوث والثقافة الإسلامية بالأزهر (1950)، وهو المنصب الموازي لمنصب شبيه تمامًا استحدث في وزارة المعارف، وكان نواة لوزارة الثقافة فيما بعد، ويذكر للشيخ الشيخ محمود شلتوت أنه وضع أول خطة منهجية لعمل هذه المراقبة بما يخدم علاقات مصر الثقافية مع العالمين العربي والإسلامي وغيرهما.
في عهد الثورة
بعد الثورة بفترة عين الشيخ محمود شلتوت مستشارًا في المؤتمر الإسلامي الذي كان الرئيس أنور السادات رئيسًا له. ومن خلال هذا الموقع أتيحت له الفرصة لأن يشارك في اجتماعات أسبوعية مع علماء من بلاد الإسلام، وأن يتعامل تعاملا مباشرًا وتنفيذيًا مع بعض قادة الثورة ومسؤولي العهد الجديد، وقد عين الشيخ محمود شلتوت وكيلًا للجامع الأزهر في عهد مشيخة الدكتور الشيخ عبد الرحمن تاج، وكانت بعض الصحف المتصلة بالحركات والتجمعات الإسلامية ترى الوضع مقلوبًا، وترى الشيخ محمود شلتوت أولى بالمشيخة من الدكتور عبد الرحمن تاج، ومن الطريف أن الأستاذ الأكبر الدكتور تاج نفسه عين شيخًا خلفًا للأستاذ الأكبر الشيخ محمد الخضر حسين حين رأت الثورة ألا يكون شيخ الأزهر نفسه فوق السن القانونية للتقاعد، وهكذا أتيح للشيخ عبد الرحمن تاج المولود (1896) أن يخلف مباشرة من كان يكبره بعقدين من الزمان، فقد كان الشيخ محمد الخضر حسين من مواليد 1877.
جاء الشيخ محمود شلتوت إلى المشيخة في 13 من أكتوبر 1958، وقد صدر في عهده قانون تطوير الأزهر المعروف بالقانون رقم 103 لسنة 1961 بشأن إعادة تنظيم الأزهر والهيئات التي يشملها، وبعد صدور هذا القانون أصبح الشيخ محمود شلتوت أول حامل للقب الإمام الأكبر، بناء على نص القانون الجديد، كما أصبح عضوًا ورئيسًا لمجمع البحوث الإسلامية، وشاءت الأقدار ألا يحضر افتتاح جلسات ذلك المجمع بسبب وفاته المفاجئة.
وإلى الشيخ محمود شلتوت يرجع الفضل في نشر تعليم الفتاة في الأزهر، وهو الذي بدأ سياسة إنشاء معاهد الفتيات الأزهرية، وكلية البنات الإسلامية، أو فلنقل من باب الاحتياط وحفظ حقوق الآخرين: إن ذلك قد تم بتوجيهه ومسعاه، وقد دب أكثر من خلاف بينه وبين الدكتور محمد البهي وزير الأوقاف وشؤون الأزهر (وقد كان تلميذًا له على نحو ما روى هو نفسه في مذكراته التي تدارسناها في كتابنا: العيش في العاصفة) في تطبيق القانون الجديد للأزهر، وكان هذا أمر طبيعيًا ومتوقعًا.
فكره الفقهي:
في الثلاثينيات كان من حظ الشيخ محمود شلتوت أن اتصل مبكرا بالمجتمع العلمي الدولي، حيث اختير مع الشيخ عبد الرحمن حسن وكيل الأزهر ليمثلًا الأزهر سنة 1937 في مؤتمر لاهاي العالمي لدراسة القانون الدولي المقارن، وهو المؤتمر الذي حضره عدد من أبرز الفقهاء والأصوليين في جميع أنحاء العالم، ليتدارسوا ما يحبذونه من الأفكار القانونية، ومما يذكر أن الأستاذ الشيخ أحمد إبراهيم، وكان أستاذا بكلية الحقوق، كان هو الذي مثل الجامعة المصرية في هذا المؤتمر. وقد قدم الشيخ محمود شلتوت في هذا المؤتمر بحثًا ضافيًا تحت عنوان «المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية» موضحًا معني المسؤولية في الإسلام، وشارحًا نصوص الفقهاء في الضمان والتعويض، ومستشهدًا بنصوص القرآن والسنّة في تحديد المسؤولية، وقد امتد بها الإسلام بحيث تشمل:
- مسؤولية الطبيب عن مريضه، ومسؤولية مَنْ يقصر عن إغاثة الملهوف.
– ومسؤولية صاحب الحيوان حين يتلف زرعا مملوكا لغير صاحبه.
– ومسؤولية المسلم أمام إتلاف محترزات غيره التي يحرّمها الإسلام كالخمر ولحم الخنزير، موضحا المراد من قول الفقهاء: حقوق الله، وحقوق العباد.
– المسؤولية الناشئة عن مخالفة العقد، والاستيلاء القهري مما عُرف في الفقه باسم الغصب.
– تحقق السببية بين الفعل والضرر، مقسمًا التسبب إلى إيجابي وسلبي، والتسبب الإيجابي واضح معروف، أما التسبب السلبي فقد فسر الشيخ غامضه بأمثلة ونصوص ذات إقناع.
– المسؤولية الجنائية، والحدود في الإسلام مقدمًا حديثًا جمع من نصوص الفقهاء ما كان غائبًا عن الكثيرين حتى من ذوي التخصص أنفسهم.
أوصي الشيخ محمود شلتوت في نهاية بحثه بحرية الفقهاء: "إن الشريعة الإسلامية لم تقيد الفقهاء، بعد أصولها الكلية، بخطة معينة في البحث، وإنما فوضت لهم الرأي والاعتماد على ما يقدرون من مصالح وواجبات في العصور المختلفة والبلدان المتباينة".
وكانت نتيجة الاقتناع بهذا البحث أن قرر المؤتمر بإجماع أعضائه اعتبار الشريعة الإسلامية مصدرًا من مصادر التشريع الحديث، مع الاعتراف بصلاحيتها للتطور، كما قرر المؤتمر أن تكون اللغة العربية ـ لغة الشريعة الإسلامية ـ إحدى لغات المؤتمر في دوراته المقبلة، وأن يدعى إليه أكبر عدد من علماء الإسلام على اختلاف المذاهب والأقاليم، ومع مطلع الأربعينيات اختير الشيخ محمود شلتوت عضوًا في جماعة كبار العلماء (1941) برسالة عن "المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية" وهي الرسالة التي كانت نواتها من قبل بمثابة موضوع إسهامه من قبل في مؤتمر القانون الدولي، وقد نال الشيخ محمود شلتوت هذه العضوية وهو في الثامنة والأربعين من عمره، سابقا بذلك كثيرًا من علماء عصره الذين لم ينشغلوا بنيل هذه العضوية إلا بعدها بسنوات، ومن هؤلاء على سبيل المثال الأستاذ محمد الخضر حسين الذي نالها بعده بسنوات.
نماذج من فقهه الميسر
كان الشيخ محمود شلتوت فقيها مجتهدًا صاحب رأي، وكانت له فتاوى جريئة في المعاملات المالية لم تكن قد صيغت بهذا الوضوح لدي الفقهاء السابقين، وكان له رأي محدد في الربا والسندات والأسهم، وعلى سبيل المثال فقد أفتى بجواز الأرباح المحددة بنسب للأسهم في الشركات التعاونية، وقال: "إن هذه الشركات تعد نوعًا جديدًا من الشركة أحدثه أهل التفكير في طرق الاقتصاد والاستثمار، وليس فيه ظلم لأحد، أو استغلال لحاجة أحد".
وهكذا أباح الشيخ محمود شلتوت الأرباح المحددة التي تدفعها مصلحة البريد لأصحاب الأموال المودعة لديها في صناديق التوفير، ورأي أن هذا الربح لا يعد من الربا المحرم: "فقد قصد بهذا الإيداع حفظ مال المودع من الضياع، وتعويد نفسه على التوفير والاقتصاد من ناحية، ومن ناحية أخرى قصد به إمداد المصلحة بزيادة رأس مالها ليتسع نطاق معاملاتها وتكثر أرباحها فينتفع العمال والموظفون، وتنتفع الحكومة بفائض الأرباح".
وقد بين الشيخ محمود شلتوت أن الربا المحرم "هو الربا الذي حُدد بالعرف الذي نزل فيه القرآن، بالدين يكون لرجل على آخر فيطالبه به عند حلول أجله فيقول له الآخر: أخر دينك وأزيدك على مالك، فيفعلان ذلك (وهو الربا أضعافًا مضاعفة)، وهذا الصنيع لا يجري عادة إلا بين معدم غير واجد، وموسر يستغل حاجات الناس غير مكترث بشيء من معاني الرحمة المشروعة، فنهاهم الله عنه في الإسلام، وهذا النوع من الربا ينطوي على ظلم عظيم، واستغلال فاحش لحاجة الفقير".
وكان الشيخ محمود شلتوت يقول إن الفقهاء السابقين (عليه) قد توسعوا كثيرًا فيما يتناول الربا، ورأي كثير منهم أن الحرمة فيما يحرّمون تتناول المتعاقدين معًا المقترض والمقرض، ويري الشيخ شلتوت أن ضرورة المقترض وحاجته مما يرفع عنه إثم التعامل، لأنه مضطر أو في حكم المضطر، وقد صرح بذلك بعض الفقهاء فقالوا: «يجوز للمحتاج الاستقراض بالربح، وإذا كان للأفراد ضرورة أو حاجة تبيح لهم هذه المعاملة فإن للأمة ضرورة أو حاجة كثيرًا ما تدعو إلى الاقتراض بالربح، والإسلام الذي يبني أحكامه على قاعدة «اليسر ودفع الضرر» يعطي للأمة في شخص أفرادها وهيئاتها هذا الحق، ويبيح لها أن تقترض بالربح تحقيقا لتلك المصالح، «ولا يكون ذلك إلا بالقدر المحتاج إليه، ولدفع الضرورة والحاجة، ولا يكون قرضًا إلا من جهة لا تضمر استغلالنا».
ومن الجدير بالذكر أن الشيخ محمود شلتوت كان يوافق في رأيه بعض أسلافه ومنهم الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده، والشيخ محمد رشيد رضا، والشيخ عبد الوهاب خلاف، لكن الشيخ محمد أبو زهرة كان يعارضه في رأيه، وكان يحمل عليه حملة شعواء، وكان الشيخ محمود شلتوت يفرق في الحكم الشرعي بين الأسهم والسندات، حيث كان يرى أن الأسهم من «الشركات» التي أباحها الإسلام باسم المضاربة، وهي التي تتبع الأسهم فيها ربح الشركة وخسارتها، أما السندات وهي القرض بفائدة معينة فإنها لا تتبع الربح والخسارة، فالإسلام لا يبيحها إلا حيث دعت إليها الضرورة الواضحة التي تفوق أضرارها.
دوره في المجمعين العلميين الكبيرين
اختير الشيخ محمود شلتوت لعضوية مجمع اللغة العربية ضمن عشرة من الأعضاء الجدد المعينين (1946)، وكان من أصغر الأعضاء سنًا. وكان له جهد وافر في نشاط مجمع اللغة العربية مثل: مشاركته في لجنة القانون والاقتصاد، ولجنة للنظر في المصطلحات المتشابهة التي تستعمل في أكثر من علم، ولجنة لدراسة النحت، ولجنة ألفاظ الحضارة، ولجنة الأدب، ولجنة معجم ألفاظ القرآن الكريم، كما ألقي عدة بحوث وكلمات منها كلمة قيمة في تأبين الشيخ عبد الوهاب خلاف، وفي هيئة كبار العلماء بدأ الشيخ محمود شلتوت كفاحه (وعضويته أيضًا) بتقديم اقتراح جوهري يبعث في هذه الجماعة فيضًا من النشاط العقلي والحركة العلمية، ويحدد لها مناهج من العمل الدائب المستمر، وقد لخص الدكتور محمد رجب البيومي خطة الشيخ محمود شلتوت لبث الروح في جماعة كبار العلماء فيما يلي:
"أن يكون لجماعة كبار العلماء مكتب علمي دائم، وأن يجعل لهذا المكتب مكان معين معروف، شأن كل هيئة رسمية من الهيئات التي تعمل لأغراض خاصة".
أما مهمة هذا المكتب بعد إنشائه فهي ما يلي:
(أ) معرفة ما تُهاجم به الأديان عامة، والدين الإسلامي في عصرنا الحاضر، والرد عليه ردًا كافيًا مقنعًا بأسلوب ملائم لطريقة البحث الحديث.
(ب) بحث ما يحصل فيه الاختلاف بين علماء العصر من جهة أنه بدعة يجب تركها أو ليس كذلك، ووضع الأصول الكفيلة بتمييز ما هو بدعة مما ليس بدعة، والعمل على نشر ذلك ليرجع إليه الناس.
(جـ) العمل على وضع مؤلف يحتوي على بيان ما في الكتب المتداولة من الإسرائيليات التي دُست على التفسير، وأخذها الناس على أنها من معاني القرآن، والتي لا يدل على صحتها نقل، ولا يؤيدها عقل.
(د) إصدار الفتاوى في الاستفتاءات التي ترد من المسلمين في جميع الأقطار، إلى مشيخة الجامع الأزهر.
(هـ) بحث المعاملات التي جدت وتجد في العصر الحاضر من جهة حكم الشريعة فيها، حتى يظهر للناس سعة صدر الشريعة وقدرتها على تلبية حاجات الناس في مختلف العصور.
(و) تنظيم طرق الوعظ والإرشاد، والاتصال بالهيئات المعدة لذلك، كوزارة الشؤون الاجتماعية، والجمعيات الإسلامية في مختلف الأقطار.
(ز) التنقيب عن الكتب المفيدة في مختلف العلوم، والعمل على إحيائها وإخراجها إخراجًا علميًا متقنًا.
(حـ) الإشراف على مجلة الأزهر، والعمل على توجيهها في طريق تخدم به الحركة الفكرية الإسلامية، وتبرز به ثقافات الكليات الثلاث.
ويروي الدكتور محمد رجب البيومي أن لجنة برئاسة الشيخ عبد المجيد سليم قد تشكلت لدراسة اقتراح الشيخ شلتوت، لكن الدراسة لم تنته إلى خطوات إيجابية. وظل الشيخ محمود شلتوت حريصًا على تنفيذ أفكاره حتى أصبح شيخًا للأزهر، فعمل على إنشاء ما سمي بمجمع البحوث الإسلامية، وهو الصورة التي آلت إليها جماعة كبار العلماء، ليعطي الصورة القوية التي أرادها لهيئة كبار العلماء، فضلا عن توسيع عضوية المجمع، كي تشمل غير الأزهريين من أعلام الدين في العالم الإسلامي جميعه. ويبدو أن الشيخ شلتوت استحضر في ذهنه صورة مجمع اللغة العربية الذي كان عضوًا فيه منذ 1946 حين أنجز تحويل جماعة كبار العلماء إلى مجمع للبحوث الإسلامية.
فكرة التقريب بين المذاهب الإسلامية
ظل الشيخ محمود شلتوت يدعو إلى الحرية المذهبية الصحيحة المستقيمة على نهج الإسلام، وكان يرفض العصبية الضيقة، والتعصب الأعمى لمذاهب فقهية معينة، وكان الشيخ محمود شلتوت يتطلع إلى تحقيق هذه الوحدة من خلال فكرة التقريب بين المذاهب، وكان له نشاطه المتصل والمشهور في «جماعة التقريب بين المذاهب الإسلامية»، وكان يؤمن أن هذه الدعوة هي «دعوة التوحيد والوحدة، هي دعوة الإسلام والسلام وقد كان يقول: «لقد آمنت بفكرة التقريب كمنهج قويم، وأسهمت منذ أول يوم في جماعتها، وفي وجوه نشاط دارها بأمور كثيرة»، ومن الجدير بالذكر أن جماعة "تقريب بين المذاهب" كانت قد تألفت برياسة الزعيم الوطني والسياسي المخضرم محمد على علوبة باشا، وبتأييد الأستاذ الأكبر الإمام الشيخ محمد مصطفى المراغي، والأستاذ الأكبر الإمام الشيخ عبد المجيد سليم، والأستاذ الأكبر الإمام الشيخ مصطفي عبد الرازق، وقد دعت في برنامجها إلى نبذ الخلاف وتلافي الشقاق، وأكدت أن القرآن الكريم والسنّة المطهرة هما أساس الدين، فبهما تقررت قواعده، وإليهما يرجع المسلمون في كل شأن من شؤون الحياة.
وكان من نصيب الشيخ محمود شلتوت أن يقوم بالدعوة إلى الجماعة محاضرًا وكاتبًا، وخطيبًا، ومع ما عرف عن الشيخ من ميل إلى التقريب، فقد تعرض لهجوم الأستاذ الأكبر الشيخ مصطفي صبري شيخ الإسلام في الخلافة العثمانية عن فتواه فيما يتعلق بالمسيح، وكانت فتوى الشيخ محمود شلتوت فيما يتعلق بحكم مَنْ أنكر أن عيسى قد رُفع بجسمه إلى السماء، وأنه فيها حي إلى الآن، وأنه سينزل منها آخر الزمان، وكان الشيخ محمود شلتوت يرى أن مَنْ أنكر هذا لا يكون منكرًا لما ثبت بالدليل القطعي، فلا يخرج عن إسلامه وإيمانه، ولا ينبغي أن يحكم عليه بالردة، بل هو مسلم مؤمن ولا شبهة في إيمانه عند الله، أما الشيخ مصطفي صبري فقال: إن هذه الفتوى كتبت بروح قاديانية، وأن المسلمين في الهند سيحزنون لمَنْ ينصر القاديانية عليهم.
تفسيره للقرآن الكريم
يأتي تفسير الشيخ محمود شلتوت للقرآن الكريم في مقدمة الآثار العلمية للشيخ، وهو تفسير من نوع مختلف عن كتب التفسير الكلاسيكية إذ لم يسلك الشيخ فيه مسلك التفاسير التي تفسر القرآن آية آية، وإنما حرص على أن يكون تفسيره تفسيرًا عامًا يلجأ إلى إبراز جوهر كل سورة وما تهدف إليه، مفصلًا القول في بيان أبرز القضايا التي اشتملت عليها السورة، ومن الطريف أن الشيخ محمود شلتوت نشر تفسيره لكتاب الله من خلال جماعة التقريب، حيث نشر التفسير في حلقات متوالية على صفحات مجلة «رسالة الإسلام» وهي المجلة التي كانت لسان حال جماعة التقريب.
وقد حرص الشيخ محمود شلتوت في تفسيره للقرآن على أن يكون تفسيره مسايرًا لجماعة التقريب في طرح الخلافات المذهبية، التي حملت حملًا باطلًا على كتاب الله، بأن يكون التفسير تفسير المسلمين جميعًا، لا يتعصب لمذهب فقهي، ولا يميل إلى لون خاص من ألوان السياسة أو العقيدة الكلامية، كما ينجو من سطوات العلوم اللسانية من نحو وبلاغة، والعقلية من فلسفة ومنطق، ليجيء وضيء الدلالة، وقد اختص مشكلات عصره بمزيد من التحليل، دل على إيمانه بضرورة نزول الفقهاء والعلماء إلى الجمهور. وقد جُمعت الفصول التي كتبها الشيخ في التفسير بعد فترة في مجلد واحد بعنوان «تفسير القرآن الكريم» شمل ثلث القرآن فقط أي الأجزاء العشرة من القرآن الكريم فقط.
وقد دعا الشيخ محمود شلتوت في تفسيره للقرآن الكريم إلى ضرورة تجنب أمرين في التفسير وقع فيهما الكثيرون، وكان ينبغي أن يظل القرآن بعيدا عنهما:
– الأمر الأول هو استخدام آيات القرآن لتأييد الفرق والمذاهب في المجتمع الإسلامي، والتنافس في العصبيات السياسية والمذهبية، حيث امتدت توجهات أصحاب الفرق المختلفة لتصبغ تفسير آيات القرآن وتأويلها بما يتوافق مع مذاهبهم، أو يخرجونها عن بيانها الواضح لكيلا تصلح لمذاهب خصومهم، وبذلك جعلوا القرآن تابعًا بعد أن كان متبوعًا، ومحكومًا عليه بعد أن كان حاكمًا.
– أما الأمر الثاني الذي كان الشيخ محمود شلتوت يطالب بالنأي عنه فهو استنباط العلوم الكونية والمعارف النظرية الحديثة من القرآن، وكان يرى أن هذا اتجاه خاطئ في تفسير القرآن لعدة أسباب:
أولها: أن القرآن أنزله الله ليكون كتاب هداية للناس، وليس كتابًا يتحدث إليهم عن نظريات العلوم ودقائق الفنون وأنواع المعارف.
وثانيها: أن هذا الاتجاه يحمل أصحابه والمغرمين به على تأويل القرآن تأويلًا متكلفا يتنافى مع الإعجاز ولا يسيغه الذوق السليم.
وثالثها: أنه يعرض القرآن للدوران مع مسائل العلوم في كل زمان ومكان، والعلوم لا تعرف الثبات، ولا القرار، ولا الرأي الأخير، فقد يصح اليوم في نظر العلم ما يصبح غدًا من الخرافات، فلو طبقنا القرآن على هذه المسائل العلمية المتقلبة لعرضناه للتقلب معها، وتحمل تبعات الخطأ فيها، ولأوقفنا أنفسنا بذلك موقفًا حرجًا في الدفاع عنه، وكان الشيخ محمود شلتوت يشير في هذا الصدد إلى حقيقة مهمة عبر عنها بقوله: «حسبنا أن القرآن لم يصادم -ولن يصادم- حقيقة من حقائق العلوم تطمئن إليها العقول».
وفاته
مرض الشيخ محمود شلتوت، ولكن المرض لم يؤثر على روحه المعنويَّة والنفسيَّة فظلت عالية، ولم يكن المرض سببًا في عدم أداء عمله، ثم استدعى هذا المرض أخيرًا تدخلًا جراحيًّا؛ فتم إجراء عمليَّة جراحيَّة له، وتمت بنجاح، واستبشر أحبابه وطلابه وأصدقاؤه خيرًا، ولكنها كانت خفقة السراج وصحوة الموت، فخرجت روحه إلى بارئها في مساء ليلة الجمعة (ليلة الإسراء والمعراج)، وأدَّى المصلون عليه صلاة الجنازة في السابع والعشرين من شهر رجب سنة 1383هـ / الموافق 13 من ديسمبر سنة 1963م، رحمه الله رحمة واسعة، وأنزله منازل الأبرار.
آثاره العلمية
حظيت مؤلفات الشيخ محمود شلتوت بالانتشار الواسع في شتى أنحاء العالم العربي والإسلامي، ولا تزال حتى الآن يعاد طبعها على الرغم من إهمال الناشرين لقيمتها، ويكفي أن نذكر بعضها وقد طبع للمرة السادسة عشرة. ومن أشهر هذه المؤلفات: «الإسلام عقيدة وشريعة»، و«من توجيهات الإسلام» وهو نفسه الكتاب الذي كان عنوانه الفرعي «تصحيح بعض المفاهيم الدينية.. توضيح موقف الإسلام من بعض المشاكل.. الأخلاق الإسلامية، ضروب من العبادات»، ومن حق القارئ علينا أن نعرفه بأشهر كتب الشيخ محمود شلتوت بعد أن تحدثنا فيما سبق عن تفسيره للقرآن الكريم:
-فأما أشهر كتبه على الإطلاق فهو «الإسلام عقيدة وشريعة» وفيه يتحدث الشيخ محمود شلتوت عن أصول الإسلام، في العقيدة والتشريع، فيتكلم عن ذات الله وصفاته، وعن القضاء والقدر وعالم الغيب، والجبر والاختيار، ثم عن طريق ثبوت العقيدة في كتاب الله، وعن السنّة ومكانتها في الإسلام عقيدةً وتشريعًا، وعن الإجماع وثبوت العقيدة، وقد جاء بالجديد فيما أفاض فيه من حديث الأسرة زواجًا وطلاقًا ونسلًا وميراثًا، ومن حديث المال والحدود والقصاص، والمسؤولية الجنائية والمدنية، ومن حديث أسس الدولة في الإسلام، ومكانة الشورى وأولي الأمر، والتكافل الاجتماعي، والعلاقات الدولية.
أما كتابه «الفتاوى» فيتضمن مجموعة كبيرة من فتاويه تتميز بطابع خاص، هو الإحساس القوي بالحياة اليومية وبأحداثها، والعمق في فهم الإسلام وتطبيق مبادئه.
أما كتابه «من توجيهات الإسلام» فقد عالج فيه بعض البحوث الإسلامية التي رأي أن يتناولها بتفصيل وتبسيط حتى تصل إلى كل قارئ.
وللشيخ الشيخ محمود شلتوت بالإضافة إلى هذه الكتب المشهورة عدد من المؤلفات والرسائل والمحاضرات في علوم الشريعة:
– فقه القرآن والسنّة
– يسألون.
– حكم الشريعة في استبدال النقد بالهَدي.
– فصول شرعية اجتماعية.
– حكم الشريعة الإسلامية في تنظيم النسل.
– الإسلام والوجود الدولي للمسلمين
– القرآن والقتال
– تنظيم العلاقات الدولية في الإسلام.
وله من المؤلفات في التعريف بالإسلام:
– «هذا هو الإسلام».
– «عنصر الخلود في الإسلام».
– «الدعوة المحمدية».
– «المقارنة بين المذاهب».
وله من المؤلفات في القضايا الاجتماعية:
– «القرآن والتكافل الاجتماعي».
– «منهج القرآن في بناء المجتمع».
– «القرآن والمرأة».
– «أحاديث الصباح».
وله أيضا بحوث أخرى أهمها:
– «المسؤولية المدنية والجنائية في الشريعة الإسلامية» وهو البحث الذي نال به عضوية جماعة كبار العلماء.
– «الإسلام والعلاقات الدولية في السلم والحرب».
وبالإضافة إلى هذا كله فإن للشيخ محمود شلتوت مجموعة من الأحاديث الإذاعية لا تزال تذاع حتى الآن، وقد تميز الشيخ محمود شلتوت في أحاديثه الإذاعية بالبيان الناصع، والقدرة على تبسيط الأفكار، وتناول الفلسفات تناولًا سهلًا حبب الناس في الاستماع إليه بصوته الجهوري المميز، ودفعهم إلى قراءة آثاره الفكرية.
______________
المصادر: