طباعة الصفحة

الدكتور الهادي السعيد عرفة

يمثل الأستاذ الدكتور الهادي السعيد عرفة قامة علمية وأكاديمية بارزة في مجال الشريعة الإسلامية والفقه المقارن والقانون. ويعد من الأعلام الذين أسهموا بباع طويل في بناء الجسور المعرفية بين أحكام الشريعة والقوانين الحديثة.

 وُلد الدكتور الهادي في 24 يوليو من عام 1947م (الموافق 6 رمضان 1366 هـ) في قرية القباب الصغرى التابعة لمركز دكرنس بمحافظة الدقهلية بجمهورية مصر العربية. نشأ في بيئة علمية أصيلة، حيث برز تفوقه مبكرًا بكونه الأول على مستوى الثانوية الأزهرية، مما مهد الطريق لمسيرة حافلة بالعطاء العلمي والأكاديمي في كبرى الجامعات المصرية والعربية.

 

التكوين العلمي والأكاديمي

تدرج الدكتور الهادي في دراسته الجامعية والعليا بجامعة الأزهر العريقة، حيث حصل على الإجازة العالية (البكالوريوس) في الشريعة والقانون عام 1975م بتقدير "ممتاز مع مرتبة الشرف". واصل شغفه بالبحث العلمي ليحصل على درجة الماجستير في الفقه المقارن عام 1979م من كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر بتقدير "ممتاز"، وقد تناولت رسالته موضوع "أثر العقد بالنسبة للمتعاقدين وخلفهما في الشريعة الإسلامية والقانون المدني". تُوجت مسيرته الأكاديمية بحصوله على درجة الدكتوراه في الفقه المقارن من الكلية ذاتها عام 1984م، بتقدير "مرتبة الشرف الأولى"، عن موضوع "المسئولية الناشئة عن وضع اليد في الفقه الإسلامي والقانون المدني"، ليضع بذلك أساسًا متينًا لتخصصه الدقيق الذي يجمع بين أصالة الفقه الإسلامي ومعطيات القانون الوضعي.

 

المسيرة الوظيفية والتدريس الجامعي

بدأ الدكتور الهادي مسيرته الأكاديمية معيدًا بكلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر عام 1976م، ثم انتقل ليعمل معيدًا بكلية الحقوق بجامعة المنصورة عام 1980م. تدرج في المناصب الأكاديمية بجامعة المنصورة؛ فعُين مدرسًا مساعدًا عام 1980م، ثم مدرسًا عام 1984م، فأستاذًا مساعدًا عام 1990م، وصولًا إلى درجة "الأستاذية" في حقوق المنصورة في 23 يوليو 1999م. تولى رئاسة قسم الشريعة الإسلامية بحقوق المنصورة خلال الفترة من 2003 إلى 2004م، واستمر في مسيرته الأكاديمية حتى أصبح أستاذًا متفرغًا بالكلية منذ 24 يوليو 2007م.

لم يقتصر عطاء الدكتور الهادي على الجامعات المصرية، بل امتد ليعير خبراته إلى خارج البلاد، حيث عمل أستاذًا مشاركًا بجامعة الملك عبد العزيز بالمملكة العربية السعودية (1992-1994م)، وأستاذًا مساعدًا بجامعة الكويت (1999-2003م). طوال مسيرته، تولى تدريس طيف واسع من المقررات الشرعية والقانونية شملت: تاريخ التشريع الإسلامي، النظريات الفقهية، أحكام المواريث والوصية والوقف، أحكام الأسرة، المعاملات، فقه الجنايات، الاقتصاد الإسلامي، القضاء والإثبات، وأصول الفقه.

 

البحث العلمي والمؤلفات

أثرى الدكتور الهادي المكتبة الإسلامية والقانونية بالعديد من المؤلفات والبحوث القيمة التي اتسمت بالعمق ومعالجة القضايا المعاصرة. من أبرز مؤلفاته وكتبه:

  • "إساءة استعمال حق الطلاق".
  • "الزواج العرفي حقيقته وأحكامه وآثاره".
  • "غسيل الأموال بين الحرام والحلال".
  • "جرائم الإرهاب رؤية شرعية من حيث التوصيف وسبل المواجهة".
  • "الحقيقة الشرعية والطبية للموت دراسة مقارنة".

كما نشر عددًا كبيرًا من الأبحاث المحكمة في مجلات علمية مرموقة؛ مثل: مجلة بحوث كلية الحقوق بجامعة المنصورة ومجلة الحقوق بجامعة الكويت، وناقش في تلك الأبحاث قضايا دقيقة مثل:

  • "حسن النية وتطبيقاته في العقود".
  • "الضوابط الشرعية لاستعمال حق الطلاق".
  • "نظرية التعسف في استعمال الحق".
  • "الضوابط الشرعية للمنافسة التجارية".

 فضلًا عن أبحاثٍ قدمت في مؤتمرات علمية تناولت تبرئة الإسلام من جرائم الإرهاب، وأثر العولمة على تطبيق الشريعة، وحقوق المرأة في الإسلام.

وتقديرًا لجهوده البحثية المبكرة، مُنح سيادته جائزة جامعة المنصورة التشجيعية في مجال العلوم الاجتماعية (علم الشريعة الإسلامية) لعام 1989/1990م.

 

النشاط الأكاديمي وخدمة المجتمع الجامعي

لعب الدكتور الهادي دورًا محوريًا في تطوير الدراسات العليا، حيث قام بتدريس مقررات دبلوم الشريعة الإسلامية ودبلوم القانون الخاص بحقوق المنصورة. وأشرف وناقش العشرات من رسائل الماجستير والدكتوراه في جامعات الأزهر، والمنصورة، والكويت. وإلى جانب التدريس، كان عضوًا فاعلًا في تحكيم الأبحاث العلمية للجان الترقية والمجلات الفقهية في مصر والعالم العربي، وشارك بقوة في لجان تطوير المناهج، والتدريب، والاستشارات، والمكتبات الجامعية، فضلًا عن عضويته في مجالس الأقسام وإدارة تحرير مجلة البحوث بالكلية.

 

الوفاة

بعد مسيرة حافلة بالعطاء العلمي، وتربية أجيال من الباحثين والقانونيين، ونشر العلم النافع، رحل الأستاذ الدكتور الهادي السعيد عرفة عن عالمنا في 15 يوليو من عام 2022م (الموافق 16 ذي الحجة 1443 هـ)، ودُفن في مسقط رأسه بقرية القباب الصغرى، تاركًا خلفه إرثًا أكاديميًا وفقهيًا يظل نبراسًا لطلاب العلم والباحثين في الشريعة والقانون. رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الأربعاء, 22 يوليو 2026 03:16
موقع حوارات