تعريف القانون الجنائي:
القانون الجنائي هو مجموعة القواعد القانونية التي تحدد الجرائم وتبين العقوبات المقررة على مرتكبيها.
وقانون العقوبات هذا يحوي بدوره نوعين من القواعد القانونية الموضوعية:
أ. قواعد عامة: وتضم القواعد التي تخضع لها جميع الجرائم والعقوبات على اختلاف أنواعها، وتسمى مجموعة هذه القواعد “قانون العقوبات- القسم العام”.
ب. قواعد خاصة: تضم القواعد التي تحدد كل جريمة على حدة من حيث بيان أركانها الخاصة وعقوبتها والظروف الخاصة بها، وتسمى مجموعة هذه القواعد “قانون العقوبات- القسم الخاص”.
تسمية القانون الجنائي:
تكاد الدول العربية تجمع على تسمية القانون بـ “قانون العقوبات” أخذًا بالتسمية الدارجة في القانون الفرنسي حيث يستعمل مصطلح القانون العقابي “Le droit pénal” إلا أن المشرع الكويتي استعار تعبير المشرع العثماني فأطلق على القانون “قانون الجزاء”. وقد بقي أثر هذه التسمية في قوانين أخرى، فكل من قوانين العقوبات في لبنان وسوريا والأردن يستعمل مصطلح “القانون الجزائي” أو “الشريعة الجزائية”، وفي تونس يطلق علي قانون العقوبات “المجلة الجزائية التونسية” وقانون الدعوى العمومية يسمى “قانون أصول المحاكمات الجزائية” في العراق ولبنان وسوريا والأردن، أو “قانون الإجراءات والمحاكمات الجزائية” في الكويت أو “قانون الإجراءات الجزائية” في الجزائر. وقيل في تبرير ذاك إن التعبير بقانون العقوبات لا يشمل التدابير الاحترازية.
وكلمة “الجزاء” ذات معنى عام، فهي تشمل رد فعل مخالفة أي فرع من فروع القانون، بيد أن كلمة “العقوبة” تفصح عن أشد جزاءات القانون، وهى المقررة للجرائم، ومنها جاء اصطلاح “قانون العقوبات” وهو الاصطلاح الأنسب للتعبير عن القانون الجنائي باعتباره يعبر عما يهدد مرتكب الجريمة من جزاءات تتفق في شدتها مع الإخلال بالأمن والنظام.
تطور القانون الجنائي:
قسّم العلماء التطور الخاص بالقانون الجنائي إلى عدّة مراحل بناءً على الحقبة التي مرت بها المجتمعات، وهذه المراحل هي:
أهداف القانون الجنائي:
خصائص القانون الجنائي:
أهمية القانون الجنائي:
يستمدّ القانون الجنائي أهميّته من الغاية التي وُضع من أجلها، ويمكن تلخيص أهميته فيما يلي:
مصادر القانون الجنائي:
إنَّ مصادر القانون الجنائي تختلف من دولة إلى أُخرى، ولا يمكن حصرها بمرجع واحد، فعلى سبيل المثال يَعتبر التشريعُ الجنائيُّ الإسلاميَ؛ القرآنَ والسنّةَ أساسَ أحكامه، ويعتمد كذلك على اجتهادات الفقهاء وإجماعهم، وقياسهم، وعليه فإنَّ القانون الجنائيّ يستمد قواعده من عدّة مصادر يمكن تقسيمها إلى مصادر مباشرة وغير مباشرة، ويمكن تلخصيها على النحو الآتي:
القانون الجنائي في الإسلام:
التشريع الجنائي جزء من التشريع الإسلامي، وهذا من كمال الإسلام وصلاحيته للأزمان والأمكنة والظروف المختلفة، فالإسلام ليس للوعظ وحده، ولكن كما قالوا: “إن الله يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن”، فهناك حالات لا ينفع فيها إلا العقوبة، ولا سيما إذا كانت الجرائم مجبرة ومتعمدة، فالشريعة حينها تمنع الإفلات من العقاب، فلا بد لكل جريمة من عقوبة، إلا أن الشريعة جاءت بعقوبات محددة وقليلة جدًا، وتركت العقوبات للتقدير التشريعي والقضائي، لأن الجريمة نفسها قد يكون لها حجم معين من الخطورة والفساد والضرر، وهي نفسها في ظروف أخرى يصبح لها شأن آخر، ومن شخص إلى شخص، ومن قصد إلى قصد؛ فالذي يقتل في شجار، ليس كالذي يقتل في تدبير وترصد وإعداد.
هناك جرائم تركت للتعزير في الإسلام، بينما للعقوبات المحددة جدًا هناك القصاص، والقصاص له مخارج؛ كالعفو والدية، ويمكن يكون أو لا يكون، وهناك 6 عقوبات منصوصة في الشريعة، والشريعة لا تشجع على تطبيقها إلا إن كانت هي الحل الأفضل الذي يزيح مشاكل عديدة، فمثلًا في الحدود تشدد الشريعة في إثباتها، من خلال طلب الشهود والشهود لا يكون فيهم شك وبهم ثقة، وفي إثبات الزنا هناك تشدد كبير جدًا، لأن هذا يضر بالعائلة بأكملها، كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يعجل الحكم، رغم أن اعتراف الزاني سيد الأدلة، “لعله كذا وكذا”، يلتمس النبي المخارج كي لا يطبق العقوبات. فهذه العقوبات على شدتها فإن الشارع لا يريد تطبيقها، إلا بعد إجراء التحريات والبحث عن حلول أخرى، فالشريعة الإسلامية هي الأقل اعتمادًا على العقوبات، لذلك تجد في العالم أن القانون الجنائي ينص على العديد من العقوبات، والغرامات، بينما الإسلام عقوباته مضيقة والباقي تعازير فيها إمكانية العفو. كما أن العقوبات أحيطت بترسانة ضخمة جدًا من التحريات، فأسندت لجهة معينة وهي جهة الدولة والقضاء، فهي التي تقوم بتنفيذ هذه العقوبات لا جهة أخرى، ثم أحيطت بشروط قاسية وصارمة لإثبات هذه العقوبة، وإذا وقعت شبهة صغيرة جدًا في هذه العقوبات فإنها لا تطبق.
العقوبات الشرعية كما وردت في الكتب الفقهية؛ ثلاثة عشر عقوبة وهو يرتبها من الأدنى إلى الأعلى: التوبيخ، الزجر، التشهير، النفي أو التغريب، الحبس، الجلد، قطع اليد اليمنى، القطع من خلاف، قصاص ما دون النفس [قطع بعض أعضاء الجاني أو جرحه أو فقئ عينه إذا تعمد إيذاء شخص بمثلها]، القتل وهو على ثلاثة أصناف (القتل قصاصا، القتل رجما، القتل صلبا). وعلاوة على تلك العقوبات المحددة المنصوص عليها هناك عقوبات تكميلية أخرى في الشريعة وعددها يسير كعقوبة القاذف الذي لا تقبل شهادته. وهناك أيضا ما يسمى “التعزير” وهي عقوبة مخولة للقاضي في حال تعذر إثبات التهمة بوسائل الثبوت الشرعي المعتادة، أو في حال ارتكاب جرم لا تنطبق عليه تعريفات الجريمة الشرعية، وعندئذ يحق للقاضي اختيار عقوبة من العقوبات السالفة وتوقيعها على المذنب، ويذكر بيترز أن الجلد كان أكثر العقوبات توقيعا من جانب القضاة، وأن القتل تعزيرا يعد من المسائل الخلافية لكن جميع المذاهب قد أجازته في نهاية الأمر لمن تكررت منهم الجرائم، وللجرائم الخطيرة كالسحر واللواط، والتجسس لصالح العدو.
التشريع الجنائي الإسلامي في عصور الحداثة:
في عصور الحداثة برزت مسألة التغييرات القانونية التي أدخلت على التشريع الجنائي الإسلامي منذ القرن التاسع عشر بفعل عملية التغريب التي قادتها بعض النخب المحلية واستلزمت تبني القوانين الأجنبية، والاستعمار الغربي للبلدان الإسلامية، فقد اعتبر الموظفون الاستعماريون أن التشريع الإسلامي تشريع متعسف وأنه بحاجة للإصلاح، ومجمل انتقادهم يتعلق بباب التعازير الذي هو باب فضفاض لا يضم تعريفا محددا للجريمة وأوصافها، وعقوباته غير موضوعية لأن بعضها يمكن إبطاله بالصلح بين الخصوم ودفع تعويض مالي (الدية)، ومن جانب آخر فإن العقوبات الشرعية غير متساوية، فربما عوقب شخص بأكثر من شخص آخر رغم أن الجرم واحد.
ويمكن رصد التطورات التي لحقت بالتشريع الإسلامي في القرن التاسع عشر، واجمالها في تطورات ثلاثة:
الأول: الإلغاء الكامل للتشريع الجنائي الإسلامي وإحلال القوانين الغربية محله، وقد اتبع في معظم الدول الواقعة تحت الاستعمار كما هو الحال في الجزائر على يد الفرنسيين.
الثاني: إدخال تعديلات تدريجية على بعض جوانب التشريع الجنائي الإسلامي، وهذا النهج اتبعه الإنجليز في الهند وفي نيجيريا حيث تم المزج بين القوانين الغربية وقوانين الشريعة في حزمة واحدة، لكنه ألغى التشريع الجنائي الإسلامي في نهاية المطاف.
الثالث: الجمع بين التشريعين الجنائيين الإسلامي والوضعي، وهو النهج الذي سارت عليه الدول المستقلة كمصر والدولة العثمانية، وذلك بمحاولة تقنين الفقه، وإنشاء محاكم مدنية إلى جوار المحاكم الشرعية.
الاختلافات الأساسية بين القانوني الجنائي الإسلامي والوضعي:
تختلف طبيعة الشريعة عن القانون الوضعي بصفة عامة، من ثلاثة وجوه:
الوجه الأول: أن القانون من صنع البشر، أما الشريعة فمن عند الله، وكلٌّ من الشريعة والقانون يتمثل فيه بجلاء صفات صانعه، فالقانون من صنع البشر ويتمثل فيه نقص البشر وعجزهم وضعفهم وقلة حيلتهم، ومن ثمَّ كان القانون عرضة للتغيير والتبديل، أو ما نسميه التطور، كلما تطورت الجماعة إلى درجة لم تكن متوقعة أو وجدت حالات لم تكن منتظرة. فالقانون ناقص دائمًا ولا يمكن أن يبلغ حد الكمال ما دام صانعه لا يمكن أن يوصف بالكمال، ولا يستطيع أن يحيط بما سيكون وإن استطاع الإلمام بما كان. أما الشريعة: فصانعها هو الله، وتتمثل قدرة الخالق وكماله وعظمته وإحاطته بما كان وما هو كائن؛ ومن ثمَّ صاغها العليم الخبير بحيث تحيط بكل شيء في الحال والاستقبال حيث أحاط علمه بكل شيء، وأمر جل شأنه ألا تغير ولا تبدل حيث قال: ﴿لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس: ٦٤]؛ لأنها ليست في حاجة للتغيير والتبديل مهما تغيرت الأوطان والأزمان وتطور الإنسان.
الوجه الثاني: أن القانون عبارة عن قواعد مؤقتة تضعها الجماعة لتنظيم شئونها وسد حاجاتها. فهي قواعد متأخرة عن الجماعة، أو هي في مستوى الجماعة اليوم، ومتخلفة عن الجماعة غدًا، لأن القوانين لا تتغير بسرعة تطور الجماعة، وهي قواعد مؤقتة تتفق مع حال الجماعة المؤقتة، وتستوجب التغير كلما تغير حال الجماعة. أما الشريعة فقواعد وضعها الله تعالى على سبيل الدوام لتنظيم شئون الجماعة، فالشريعة تتفق مع القانون في أن كليهما وضع لتنظيم الجماعة. ولكن الشريعة تختلف عن القانون في أن قواعدها دائمة ولا تقبل التغيير والتبديل.
الوجه الثالث: أن الجماعة هي التي تصنع القانون، وتلونه بعاداتها وتقاليدها وتاريخها، والأصل في القانون أنه يوضع لتنظيم شئون الجماعة، ولا يوضع لتوجيه الجماعة، ومن ثم القانون متأخرًا عن الجماعة وتابعًا لتطورها، وكان القانون من صنع الجماعة، ولم تكن الجماعة من صنع القانون. وإذا كان هذا هو الأصل في القانون من يوم وجوده، فإن هذا الأصل قد تعدل في القرن الحالي، وعلى وجه التحديد بعد الحرب العظمى الأولى، حيث بدأت الدول التي تدعو لدعوات جديدة أو أنظمة جديدة تستخدم القانون لتوجيه الشعوب وجهات معينة، كما تستخدمه لتنفيذ أغراض معينة، وقد كان أسبق الدول إلى الأخذ بهذه الطريقة روسيا الشيوعية، وتركيا الكمالية، ثم تلتهما إيطاليا الفاشيستية وألمانيا النازية، ثم اقتبست بقية الدول هذه الطريقة، فأصبح الغرض اليوم من القانون تنظيم الجماعة وتوجيهها الوجهات التي يرى أولياء الأمور أنها في صالح الجماعة. أما الشريعة الإسلامية فقد علمنا أنها ليست من صنع الجماعة، وأنها لم تكن نتيجة لتطور الجماعة وتفاعلها كما هو الحال في القانون الوضعي، وإنما هي من صنع الله الذي أتقن كل شيء خلقه. وإذا لم تكن الشريعة من صنع الجماعة، فإن الجماعة نفسها من صنع الشريعة.
وقد انعكس هذا الاختلاف بدوره على طبيعة التشريع الجنائي في كل الشريعة الإسلامية والقانون الوضعي.
___________________________
المصادر:
محمود طاهر، النظام الجنائي في الإسلام، نقابة المحامين المصرية، 8 أبريل 2020، https://2u.pw/oi5opkb.