من نافلة القول أن نذكر في هذه المقدمة أن التجديد مفهوم إسلامي أصيل ومصطلح شرعي صحيح – أول ما ظهر في الإسلام ظهر في كلام النبي صلي الله عليه وسلم حين قال: (إن الله يبعث لهذه الأمة علي رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها) (1).
وتجديد الفقه الإسلامي في نظري لا يتعلق بتجديد آحاد الفتاوى استنباطاً وتنزيلاً فقط، وإنما يتعلق أولاً بتجديد مناهج التفكير والأصول الفلسفية التي يبني عليها الفقه في واقعنا المعاصر. فمع تجدد المعرفة الإنسانية ووصول البشرية لآفاق جديدة في فهم طبيعة الزمان والمكان والمادة والأحياء والكون، ومع تأثر المنطق الإنسان نفسه بهذه المعارف الجديدة كان حرياً أن ينعكس هذا المنطق الجديد على التفكير الفقهي، بل نرى أن هذا الانعكاس شرط لقدرة الفقه الإسلامي على مواكبة قضايا العصر ومستجداته.
والمنطق المنظومي هو منطق تركيبي كلي وهو نتاج التطور في منهجيات المعرفة الإنسانية منذ العصر الحديث، وقد تطور في العقود الأخيرة ليصبح تخصصاً مستقلاً وفلسفة متكاملة، ثم صار يطبق على مجالات العلوم الطبيعية والاجتماعية والدينية على حد سواء، في ما يسمى بالرؤية المنظومية أو التركيبية أو التكاملية في علوم القانون والاجتماع والسياسة والطب والفيزياء وغيرها، وحتى في دراسة الأديان والأخلاق والفلسفة.
وفي هذا البحث سنفترض أن التشريع الإسلامي بأصوله هو “منظومة” سيجري تحليلها بناء على عدد من السمات. سوف أقوم هنا – بناء على دراسات سابقة لي في هذا العلم (2) – باقتراح عدد من السمات المحددة لهذه المنظومة، وسأبرّر استخدامي لكلّ من هذه السمات باعتبارين: أولا: باعتبار نظرية المنظومات، وثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامية (أو علم الكلام).
وعلى هذا فسوف تتوجه التحليلات الشاملة في هذا البحث إلي السّمات الست التالية: (1) الطبيعة الإدراكية للمنظومات، و(2) الكلية، و(3) الانفتاح، و(4) التركيب الهرميّ ذي العلاقات البينية، و(5 ) تعدّد الأبعاد، و (6) الغائّية أو المقاصدية.
أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: علاقة “الارتباط” هي من وجهة نظر نظريّة المنظومات المساحة الفلسفيّة المتوسّطة التي تصل بين “التطابق” عند الواقعيّين و “الثنائيّة” عند الاسميّين، أي أنّها أفضل ما يصف العلاقة بين المنظومات المفترضة في الخيال العقلي وبين الحقيقة كما هي في الواقع. ومصطلح “الطبيعة الإدراكّية للمنظومات” هو تعبير آخر عن علاقة الارتباط هذه. وأمّا في المجال الذي يهمّنا فإن المنظومة المفترضة للتشريع الإسلامي هي التصور الذي ينشأ “في ذهن الفقيه لا في واقع الأمر”، إذا شئنا أن نقتبس من تعبيرات ابن تيمية (3).
أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامّية: فالفقه جهد بشريّ ينتج عن إعمال الذهن والاجتهاد، بالاعتماد على نصوص الكتاب والسنة، في محاولة من الفقيه للكشف عن المعاني المقصودة أو الدلالات العملية. وقد علّمنا الكلاميون والأصوليون أنّ الله تعالى لا يوصف بأنّه فقيه، لأنّه لا يخفى عليه شيء، والفقيه يخفى عليه أشياء (4). ولهذا فإنّ الفقه هو عملية إدراك بشريّة (5) وفهم بشري (6)، وليس بالضرورة كشفاً مباشراً غير قابل للخطأ عن مراد الله تعالي. ويشرح العيني هذا بقوله: “الفقه هو الفهم، والفهم يقتضي حسن الإدراك، والإدراك قوّة تمكّن المرء من ربط الصور والمعاني الشاملة بالإدراك العقلي” (7). وكتب البيهقي: “الفقه بمعناه الدقيق هو ظنّ لا علم، لانّ العلم له شان آخر، لأنّه اعتقاد أنّ حكماً ما هو كذا بحسب مراد الله هو زعم يستحيل البرهان عليه” (8)، فسمة “الطبيعة الإدراكّية للتشريع الإسلاميّ “أساسيّة من أجل ما تشتدّ الحاجة إليه من تقبل تنوّع المناهج والمشارب بين المذاهب الإسلامّية.
أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: الميزة الرئيسة للتحليل المنظومي التكاملي على التحليل التجزيئي – من وجهة نظر فلسفة المنظومات – هي طبيعته الكلية الشموليّة، في مقابل المقاربة الجزيئية/ الذرّيّة التقليدية. وكان من سمات مناهج التفكير البشريّ الغالبة إلي عهد قريب التفكير الجزئي القائم على علاقة السبب الواحد بالنّتيجة الواحدة. لكن الآن يتحرّك البحث في العلوم الطبيعية والاجتماعّية بشكل واسع من منهج “التحليل بالقطعة” بعلاقاته التقليدية وعباراته المنطقيّة، إلى تفسير كلّ الظواهر الطبيعية والاجتماعية انطلاقاً من منظومات كلية (9). بل إن آخر ما وصل إليه العلم اليوم قد أظهر لنا أنّه حتّى الثنائيات الطبيعية الأساسيّة، مثل الزمان والمكان، والجسم والعقل، لا يمكن الفصل بينها فصلاً كاملاً دون أن نفترض فرضيات تقريبية (10).
فنظرية المنظومات ترى كل علاقات السبب والنتيجة كأجزاء من صورة كلية، تنجم لها – عن مجموعات العلاقات داخل المنظومة – خصائص جديدة، وأنّ هذه العلاقات تتصل فيما بينها لينشأ عنها “كلّ” هو أكثر من مجرد “مجموع الأجزاء”.
أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامية: فنجد أنّ حجية ما كان الفقهاء كالشاطبي يسمونه “الدليل الكلي” هي من الأصول الثابتة في التشريع الإسلامي (11)، بل إن الفقهاء لا يجيزون “أن يعود الدليل الجزئي على الدليل الكلي بالبطلان” (12). إنّ إحياء منهج ولغة التفكير الكلي في تناول أصول الفقه سيكون مفيداً ليس فقط لفلسفة التشريع الإسلامي وإنما أيضاً لعلم الكلام، وذلك بغية الوصول إل أدلة أكثر منطقية باعتبار المنظومات المعاصرة، بما في ذلك براهين وجود الله تعالي.
أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: كان منظّرو المنظومات قد فرّقوا بين المنظومات المنفتحة والمغلقة، وأكّدوا على أن أي “منظومة حيّة” لابد وأن تكون منفتحة (13). وينطبق هذا على الكائنات الحّية، وكذلك على أيّ منظومة يراد لها البقاء (14). وقد ربطوا كذلك سمتا الانفتاح والغائيّة في نظريته المنظومية مع “تنوع النهايات وتساويها”، بمعني أن تتمتّع المنظومة المنفتحة بالقدرة على الوصول إل نفس الأهداف من مختلف الظروف الأوليّة المختلفة، وعن طريق بدائل تكون متساوية في صحّتها. وما يطلق عليه “ظروف أوليّة” هو ما ينشأ من البيئة من مؤثرات. فالمنظومة المنفتحة تتفاعل إذن مع البيئة التي هي خارج المنظومة، بحلاف المنظومات المغلقة التي هي منعزلة عن البيئة.
أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلاميّة: فإن منظومة التشريع الإسلاميّ منظومة “منفتحة” و “متجددة” بالمعني الذي ذكرناه. غير أنّ عدداً من الفقهاء لا يزالون يدعون إل “إغلاق باب الاجتهاد في الأصول” (15)، وهذا من شأنه أن يؤدّي في الحقيقة إلي تحويل التشريع الإسلامي إل “منظومة مغلقة”، بل وسوف يقود في نهاية المطاف إلي “جمود” التشريع الإسلاميّ، بمعني توقّفه عن التفاعل مع مقتضيات العصر والواقع. غير أنّ كلّ مذاهب الفقه المعروفة والأكثرية السّاحقة من الفقهاء عبر القرون متّفقون على أنّ الاجتهاد أمرٌ ضروري للفقه الإسلامي، وذلك لأن “النصوص (الخاصة) تتناهى، والحوادث لا تتناهي ” (16). ومن هنا فإنّ الأصوليين قد طوّروا آليات محددة للتعامل مع الحوادث والمسائل الجديدة، أو بالتعبير المنظومي أن الفقه “يتفاعل مع البيئة.” وبعض هذه الآليات التي ظهرت للتعامل مع المسائل الجديدة هي القياس والمصلحة واعتبار العرف. غير أن هذه الآليات، كما سيظهر في وقت لاحق، تحتاج الآن إلي التجديد حتي تعطي التشريع الإسلاميّ “مرونة أكبر” يستطيع التجاوب من خلالها مع الظروف السريعة التغير في هذا العصر. لهذا فإنّ آليّات “الانفتاح” ودرجاته ستكون واحدة من السّمات التي نعتمدها في التحليل النقدي الذي سوف نقدمه لمنظومة الأصول الإسلاميّة، ومنظوماتها الفرعّية المتعلقة بآليات الاجتهاد المختلفة.
إنّ تحليل ما نريد تحليله عن طريق النظر إليه كتركيبة هرمّية هي مقاربة أساسية وشائعة في الطرق المنظومية والتجزيئية على حد سواء. وتوزيع المنظومة الكلية إلي فئات أو أجزاء هي عمليّة تسعى إلي تمييز الاختلاف أو التماثل بين سمات هذه الأجزاء، كل سمة تحدد بعداً في فضاء السمات المتعدد الأبعاد. وبالتالي، فالأجزاء التي يغلب على سماتها التماثل تتبع نفس المجموعة أو الفئة، والأجزاء التي يغلب على سماتها الاختلاف تتبع مجموعة أو فئة مختلفة (17). فهذا العمل واحد من أكثر الأعمال الإدراكّية الأساسيّة أهميّة، إذ يقوم البشر من خلاله بفهم المعلومات التي يتلقّونها، ويصوغون التعميمات والتنّبؤات، ويطلقون الأسماء والمسميات على مختلف عاصر وأفكار الشيء قيد البحث ويقّومونه بناء على ذلك (18).
وهناك في علم الإدراك تفسيران نظريّان لعملية التقسيم أو التصنيف، وهما في نظري يعكسان طريقتين بديلتين لتقسيم الأشياء فعلا إلى فئات متمايزة. وهذان التفسيران البديلان هما: (1) التقسيم المبنّي على “تشابه السمات”، و(2) التقسيم المبنيّ على “المفاهيم العقليّة” (19).
(1) تقسيم الأشياء إلى فئات بناء على تشابه السّمات يسعى إلى الكشف عن نواحي التشابه والاختلاف التي يطلقون عليها “طبيعية” بين الأشياء التي يجري توزيعها إلي فئات، ويقاس التشابه أو الاختلاف بين شيئين بحسب تطابقهما أو اختلافهما بحسب ´”سمة” أو صفة طبيعية ما جرى تحديدها من قبل (20). ويحكم على الشيء بأنّه يتبع فئة معينّة عبر مطابقة سماته مع سمات “نموذج مثاليّ” يمثل هذه الفئة تمثيلاً كاملاً (21).
(2) أمّا بحسب الطريقة الأخرى، فإنّ توزيع الأشياء إلى فئات يحدّد الفئات بناء على مفاهيم عقليّة، بدلاً من توزيعها بحسب التشابه والفروق بين سماتها. والمفهوم العقليّ هو مبدأ أو نظريّة غير ظاهرة للعيان، تنطبع في إدراك القائم بالتصنيف، بما يشمل الرّبط المركّب بين الروابط السببيّة والمفسّرة التي تشكّل إطاراً بنيوّياً. فليس المفهوم كالسمة البسيطة التي تتصف بأنّها إما أن تنطبق أو لا تنطبق على الشيء المصّنف، وإنما هو مجموعة من المعايير متعددة الأبعاد، يمكن أن تكون أساساً لتوزيع الأشياء، وفي وقت واحد، إلي فئات متعددة. وينتج المفهوم فئات ليست بالضرورة قاطعة وواضحة الحدود، وإنما هي فئات يطلق عليها “تقريبية”، أو “غامضة”، أو “ظنية” (22)، أي أنّ الخط الفاصل بين الفئات ليس عدداً واضحاً أو خطاً محدداً، وإنّما هو إحساس يمكن أن يتفاوت في حدود “معقولة” من شخص إل آخر (23).
لقد وجّد النقد إلي التوزيع على أساس السمات بسبب وجود عدد من نواحي القصور فيه والتي لا توجد في التوزيعات المبنية على مفاهيم. نورد فيما يلي الأسباب النظرية وراء تفضيلنا لطرق توزيع الأشياء إلي فئات على أساس المفاهيم بدلاً من توزيعها على أساس السمات، وهي الأسباب التي ستستخدم هنا فيما بعد لنقد الطرق التقليدية في تقسيم المذاهب الفقهية على أساس سمات تبسيطية زعموا أنها تفصل بينها.
لهذا فإنّ هذا البحث سيعتمد المفاهيم أساساً لتقسيم الفئات – أي فئات – ونطّبق ذلك على أصول الفقه الإسلاميّ ومذاهبه ومناهجه، كما سنبيّن في ثنايا البحث نواحي النقد في الفئات التي عرفت حدودها على أساس السّمات. غير أنّ التقسيمات في هذا البحث لن تقتصر على التركيب الهرمي أو الشجري، بل إنّ التحليل سوف يمضي بعد ذلك إلي تحليل العلاقات البينية بين المفاهيم الثانوية دون الاقتصار على التحليل المنطقيّ الصوريّ كما هو الحال في قياس أرسطو أو سلاسل الاستنتاج عند راسل، وإنّما سيركّز على الأثر العملي لتطبيق الأحكام الفقهية المبنية على هذه المفاهيم.
أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: هناك بعدان معتبران في مصطلحات تعدد الأبعاد في المنظومات، وهما الرتبة والمستوى. أما رتبة الأبعاد، فهي عدد الأبعاد الموجودة في “المجال” الخاضع للبحث. وأما مستوى الأبعاد فهو محدد المستويات أو المقادير النسبية الممكنة في أي من الأبعاد. تميل الفلسفة في صورها الشائعة إلي التفكير في سياق رتبة واحدة ومستويين، فتنظر عادة إلي الظواهر، بل وحتى الأفكار ذات “الميول المتعارضة”، في سياق معيار واحد فحسب، وعلى هذا فتبدو الظواهر أو الأفكار “متناقضة” لا “متكاملة”، وتحلّل بطريقة الاختيار الحتمي لأي من النقيضين، لا على طريقة تعظيم المكاسب للطرفين (24). فبحسب هذه النظرة يعبر دائماً عن الظواهر والأفكار على أساس التقابل بين شعبتين متعارضتين يستحيل الجمع أو التوسط بينهما. على سبيل المثال، يتوهم الناس أن عليهم الاختيار الحتمي بين الدّيني والعلمي، بين التجريبي والمنطقي، بين الماديّ والغيبي، بين الواقعي والاسميّ، بين الاستنباطي والاستقرائي، بين العام والخاص، بين الجمعيّة والفرديّة، بين تقديم الغاية وتقديم الأخلاق، بين العقل والمادّة، بين الموضوعي والمشخص، وهلم جراً. والتقابلات التي ذكرناها كلها تمثّل التفكير الأحاديّ البعد الأحادي الرتّبة، حيث يكون التفكير منصباً على عامل واحدٍ فحسب، هذا مع أنّ هذه الأزواج من الظواهر أو الأفكار قد تكون “متكاملة” بحسب أبعاد أخرى. فالعلم والدّين قد يتعارضان – حسب النّظرة الشائعة على أي حال – من حيث أن الدين يعطى المكانة الأولى للنص الديني على عكس العلم، بينما يمكن اعتبارهما متكاملين في سعي كلّ منهما لتحقيق سعادة البشر مثلاً، أو من حيث اهتمام كل منهما بأصل الحياة والخلق، وما إلي ذلك. ويمكن أن ينظر إلى العقل والمادّة على أنّهما متضادان من حيث علاقتهما بالحواس الخمس، بينما تنظر أحدث نظريات علم الإدراك وعلوم المخ إلى العقل والمادّة على أنهما متكاملان يؤثران ويتأثران ببعضهما البعض، وكذلك ينظر إليهما علم الذّكاء الصّناعي الذي يسعى لبناء “الآلات الذكية”. وهكذا بالنسبة لبقية الثنائيات المتقابلة المذكورة.
وغياب النظرة المنظومية المتعدّدة الأبعاد يظهر في الأحكام الثنائية التبسيطية الشائعة للاتجاهات التي يتوههما البعض أنها متعارضة، بينما يمكن تحسين تلك الأحكام إذا نظرنا إلى تلك الاتجاهات المتقابلة على أنّها أقصى نقطتين على منحني أو طيف من النقاط. من هنا فإن الصّورة غير الملونة (أي بالأبيض والأسود) تشوّه كثيراً من التفاصيل التي تكون في الصّورة الملوّنة، ولكن التشويه الذي يحدث بسبب الاقتصار على لونين اثنين فقط – وهما الأبيض والأسود – لا يبقي لنا فرصة للتعرف على أي ملامح في الصورة.
والجدل الشائع بين العامة كثيراً ما يقع في أغلوطة الثنائيات الموهومة أي الاختيار الحتمي بين احتمالين، مثل قطعي أو ظني، ربح أو خسارة، أبيض أو أسود، منخفض أو مرتفع، جيّد أو سيّئ. ففي مجال الألوان مثلاً، نرى أنّ التفكير على أساس أحاديّة الرتبة، ينظر إلى الأشياء من خلال اللونين الأبيض والأسود فقط، بينما الأصل أن ننظر إلي اللونين الأبيض والأسود علي أنهما يقعان على طرفي منحني أو طيف يحتوي على عدد غير محدود من مستويات الرّماديّ.
أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامّية: فسوف يظهر لنا من التحليل الشامل الذي نعرضه فيما بعد أن التفكير المذهبي التقليدي كان فيه مقدار كبير من البعد الأحاديّ والأغلوطات الثنائّية. فالطرق الأحاديّة البعد تنظر إلي عامل واحد فحسب في أثناء بحث المسألة المطلوبة. من هنا فإنّ الغالبية العظمي من الفتاوى كانت تصدر بناء علي دليل واحد كثيراً ما كان يسمي “دليل المسألة”، هذا مع أنّ في المسألة أدلّة وليس دليلاً واحداً، و الجمع بين هذه الأدلة دون إقصاء لبعضها قد يؤدي إلي نتائج وأحكام مختلفة.
وهذا موضوع قائم بذاته ظلّ يبحث في بحوث قديمة وحديثة كبحث مستقل من بحوث أصول الفقه تحت عنوان تعارض أو اختلاف الأدلّة. ونرى في هذا البحث أن طريقة “الجمع بين الأدلّة” مثال على تبنّي طريقة تعدّد الأبعاد.
نجد من جانب آخر أنّ الأحكام المبنية على الاختيارات الثنائية، مثل الواجب/ الحرام، ناسخ/ منسوخ، صحيح/ فاسد، منضبط/ موهوم، وما إلي ذلك، هذه الأحكام وضعت قيوداً على التشريع الإسلامي أن يعتبر المساحات الرمادية الواقعية. وسوف يظهر من خلال التحليل في هذا البحث كيف أنّ بعض المذاهب الفقهية قد اقترحت وجود “مرتبة بين المرتبتين” لتوسيع التصنيفات الثنائية، وقد ساهم هذا في إيجاد جوّ من الواقعيّة والمرونة على التشريع الإسلامي في حالات كثيرة.
أولاً: باعتبار نظرية المنظومات: من السمات الشائعة في نظريات المنظومات الغائية والارتباط بهدف، غير أن غاراجيداغي اتّبع رأي آكدوف في التفريق بين “الأهداف” و”الغايات”، فاعتبر المنظومة غائية إذا استطاعت أن تنتج: ” (1) نفس النتيجة بطرق مختلفة وفي نفس البيئة، و (2) أن تنتج نتائج مختلفة في نفس البيئة أو بيئات مختلفة” (25). يتبيّن من هذا أن المنظومات المّتجهة للتوصّل إلي هدف تنتج نتائجها بشكل آلي باستخدام نفس الوسائل، إذا بقيت البيئة ثابتة، وليس لديها خيارات أو بدائل لتغيير وسائلها للتوصل إلي نفس الأهداف. بينما يمكن للمنظومات المّتجهة للتّوصل إلي مقاصد أن تتبنّى وسائل مختلفة للتوصل إلي نفس الغاية أو المقصد. يضاف إلي هذا أنّ المنظومات المتجهة للوصول إلي أهداف لا يمكنها أن تنتج نتائج مختلفة في نفس البيئة، لأنّ نتائجها تحدث من خلال “برمجة مسبقة” بشكل أو بآخر. غير أنّ المنظومات المتّجهة للوصول إلي مقاصد يمكن أن تنتج نتائج مختلفة مع بقاء البيئة على ما هي عليه طالما أن هذه النتائج المختلفة تحقق المقاصد المطلوبة.
أما ثانياً: باعتبار الفلسفة الإسلامية: فإنّ السبّبية في سياق البحث الكلامي في أفعال الله كانت موضوع بحث طويل. وكان السؤال الذي يجري نقاشة هو: “هل أفعال الله معللة أم لا؟” من المهمّ أن نلاحظ أن مفهوم التعليل/ الأسباب لم يكن يجري في علم الكلام التفريق بينه وبين مفهوم الأغراض/ المقاصد/ الحكم (26).
وإنّما كان يجري التفريق بين هذين المفهومين في مجال الاجتهاد الفقهي (27). إنّ البحث الفلسفي الكلامي حول التعليل ذو علاقة بمباحث هذا البحث، لأنّ الشريعة الإسلامّية نفسها هي من حيث العقيدة “فعل إلهيّ” أتتنا عن طريق الوحي، والأغراض التي من وراء الشريعة هي إذن مقاصد الشّريعة. فالسؤال إذن هو: هل هناك من قصد من وراء تنزيل الله تعالى لهذه الشريعة؟ وقد أعطانا الكلامّيون على هذا السؤال ثلاثة أجوبة:
لقد خالف كثير من الفقهاء الذين هم “رسميّاً” أشاعرة من حيث المذهب المعلن – خالفوا الموقف الأشعري فيما يخصّ عدم تعليل أفعال الله بأسباب، وتبنّوا موقفاّ هو أقرب إلى موقف الماتريديّة في هذا الخصوص، غير أن هؤلاء الفقهاء دفعتهم الظروف السياسية والخوف من الاضطهاد – في ما يبدو لي- أن يبقوا على مسافة بينهم وبين رأي المعتزلة بأن يعلنوا رفضهم لمبدأ “التحسين والتقبيح” المعتزلي. ومن أمثلة ذلك موقف الآمدي (توفّي عام 631 هـ/ 1234م) (35)، والشاطبي (توفي عام 790 ه/ 1388 م) (36)، وابن تيميّة (توفّي عام 728 ه/ 1328 م) (37)، وابن القيم (توفّي عام 748 ه/ 1347 م) (38). وابن رشد (توفّي عام 584 ه/ 1189 م) (39). وقد كان هجوم ابن رشد على الأشاعرة هو الأشد، فقد كتب في نقده لكتاب التهافت بأنّ: “أولئك الذين ينفون الأسباب ينفون العقل نفسه” (40).
ومّما يجدر ذكره أنّ الشاطبي اعتبر مقاصد الشّريعة العامة أرسخ من أصول الفقه نفسه. فقد عدّ من بين ما أسماه “أصول الدّين وكلّيّات الملّة” المقاصد من وراء فعل الله التشريعي – خلافاً للرأي الأشعري المعروف (41).
ولنلاحظ في نهاية استعراضنا للسمات الستّ للمنهج التحليلي المقترح لهذا البحث، ألا وهي: الطبيعة الإدراكية للمنظومة، والكليّة، والانفتاح، والتركيب الهرميّ ذو العلاقات البينّية، وتعدّد الأبعاد، والغائّية، أن هذه السّمات يرتبط بعضها ببعض بصلات منطقية وثيقة. غير أنّ سمة الغائيّة هي السّمة التي ترتبط أكثر من غيرها بكلّ من السّمات الأخرى، وتّمثل منهج التحليل المنظومي الرئيس الذي سيتبّناه هذا البحث. نورد فيما يلي موجزاً مختصراً للعلاقات بين سمة الغائية أو “المقاصديّة” والسمات الأخرى لمنهج التحليل المنظومي المقترح.
لهذا سوف أعتبر مقاصد الشّريعة الإسلامية هي المبدأ الرئيس والمنهج الأساسيّ في التحليل المبني على المنظومات والذي يتبنّاه هذا البحث. وبما أنّ فعّاليّة أي منظومة تقاس بمقدار ما تحقّقه من مقاصدها (البشريّة أو “الطبيعيّة”)، فإنّ الصواب في منظومة التشريع الإسلاميّة سيجري قياسه في هذا البحث بناء على تحقيق هذه المنظومة لمقاصدها.
معنى الفقه عند الفقهاء هو أنّه “الفهم” (42)، وأنّه “تصوّر” (43)، وأنّه “إدراك” (44). ولكن الآراء والفتاوى الفقهية كثيراً ما يشار إليها على أنّها “حكم الله” ورغم أن نصوص الكتاب الإلهي والسنّة التشريعية وحي من السماء، إلا أنّ فهم الكتاب والسنّة يخضع لفهم الحياة ورؤية العالم عند المفسّر أو الفقيه. ولكن يلاحظ أنّ التأويلات البشرية وفهم الناس للقرآن والسنّة كثيراً ما تعرض على أنّها “أمر الله وحكمه”، وهذا تعسف مقصود غرضه تحقيق رغبات عدد قليل ولكنه متنفّذ من ذوي السلطان (45).
يضاف إلي هذا أن نتائج الاجتهاد كثيرا ما تعتبر جزءا من “الوحي”، مع أن نفس تعريف الاجتهاد وشرعّية طرقة تخضع لتنوّع كبير من الآراء والاختلافات البشرية. ومن أوضح الأمثلة على ذلك موضوع الإجماع: فرغم التفاوت الكبير في الآراء حتى حول تعريف الإجماع نفسه كما هو معروف لدى دارسي أصول الفقه، فإن كثيرا من الفقهاء من القدماء والمحدثين على حد سواء يعتبرون الإجماع “دليلاً قطعّياً كالنصّ”، وأنّه “دليل نصبه الشارع”، بل عدّوا ردّ الإجماع كفراً، حيث قالوا: “جاحد الإجماع كافر” (46). ولكن السؤال هو: أيّ إجماع هذا؟، ويعرف كل قارئ له خبرة بكتب فقهنا التقليديّة أنّ الفقهاء كثيراً ما يدّعون الإجماع، مع أنّ الحكم يكون عرضة لخلاف واضح ومعروف، وذلك بغية الانتصار لرأي ما. فقد راجع ابن تيميّة مثلاً كتاب ابن حزم عن مراتب الإجماع في كتاب سماه: نقد مراتب الإجماع. وذكر ابن تيميّة أن ابن حزم نقل عدداً من الأمثلة التي لم يكن الفقهاء دقيقين في ادّعائهم وجود الإجماع حولها، وذلك في معرض خوضهم في مواضيع اجتهاديّة، دون ملاحظة منهم لتعدّد الآراء حول الموضوع الذي يبحثونه وبالتالي بطلان دعوى الإجماع. من ذلك مثلا: دعوى الإجماع على أن من ينكر الإجماع مرتد، ودعوى الإجماع على عدم جواز إمامة النساء للرجال في الصلاة تحت أي ظرف بل ودعوى الإجماع على أن الجزية مقدارها أربعة دنانير ذهبيّة! (47).
ولكن يبدو لي أنّ الإجماع ليس “مصدراً من مصادر التشريع” كما يقال، بل هو مجرد آلية لتجميع الآراء، أو لنقل بلغة اصطلاحية معاصرة إنه آلية لاتّخاذ قرار جماعيّ. غير إنّ الإجماع استخدام (أو أسييء استخدامه بالأحرى) من قبل بعض الفقهاء المتأخرين حتى يحتكروا الفتوى ويقصروها على نخبة يريدون لها المركزية لتهمش الآخر، بحسب مصطلح ما بعد الحداثة. ولكنّني أوافق الحداثّيين الذي قالوا إنّ مبدأ الإجماع يمكن استخدامه اليوم “كآلية للتوصّل إلى فتوى جماعيّة” (48)، وخاصّة في وجود “التقنية الحديثة والتواصل الآني بين أطراف العالم” (49). وأوافق من جانب آخر على مقترحات أخرى تحاول تطوير الإجماع ليصبح شكلاً من أشكال الرأي العام بهدف “المشاركة المجتمعية في أمور الدولة” (50).
ومن ناحية أخرى اعتبر بعض الفقهاء أنّ طريقة الاستنباط الاجتهادية المسماة بالقياس هي طريقة تستمد حجيتها من الوحي. واستدلوا على ذلك بأن “تشبيه فرع بأصل تشبيه الشارع (أي الله تعالي)” (51). لذلك، فإنّه حتى في الحالات الواضحة من الاجتهاد عن طريق القياس، يعتبر الفقهاء أنفسهم “محدثين باسم الله تعالي” (52). ومثل هذا التفكير “مصيبة” كما قال جارودي، حين: “تضيع الحدود بين كلام الله تعالى وكلام البشر” (53).
التفريق بين ما هو وحي وما هو “إدراك”:
تبنّى مجموعة من الفقهاء، يعرفون في الكتابات الأصولية باسم “المصوّبة”، تبنّوا الرأي القائل أنّ الأحكام الشرعية هي ما يغلب على ظن المجتهدين أنه الصواب حين يستدلون بالنصوص. ومثل هذا التحديد يفرّق تفريقاً بيناً وضرورياً بين آراء البشر والنص الموحى (54)، كما أنّ المصوّبة توصّلوا في الآراء الفقهية إلى أنها بالرغم من تضاربها تعبر كلها عن الحقّ، وأنها كلّها صواب (55)، بل مضت “المصوّبة” إلى أبعد من هذا حين صّرحوا أن “الحقّ يتعدّد” (56)، وهي فكرة أثّرت فيما بعد على “الفلسفة الغربّية” في القرون الوسطى من خلال تأثير ابن رشد (57). إن الفقهاء الذين كثيرا ما تبنوا مثل هذا الرأي كانوا من فريق الفقهاء الفلاسفة، مثل أبي الحسن الأشعري، وأبي بكر بن العربي، وأبي حامد الغزالي، وابن رشد، وعددٍ من المعتزلة، مثل أبي الهذيل، وأبي علي، وأبي هاشم. وقد عبّر الغزالي عن نظرتم هذه بقوله: “حكم الله هو ما يغلب على ظن الفقيه انه صواب” (58)، غير أنّ الغزالي استثني الأحكام التي “ثبتت بالنص” (59). ولكن ما يطلق عليه “النصّ” يمكن أن يحمل عدداً من التأويلات والمضامين، وهذا يجعل كل الأحكام الاجتهادية راجعة – في ما يبدو لي- إلى “ما يغلب على ظن الفقيه أنه صواب”.
أمّا مقاربة الفقه من وجهة المنظومات فإنّها تعني النظر إلى الفقه على أنّه “منظومة” بالمعنى الأنطولوجي للتعريف، أي الذي يتعلّق بنظريّة الوجود. ومن هنا، فإنّ تطبيق سمة “الطبيعة الإدراكيّة للنظم” ستقودنا إلى نتيجة مماثلة لما توصّلت إليه “المصوّبة”، أي أنّ الحكم هو ما يحكم الفقيه بإدراكه البشري أنّه أقرب شيء إلي الصّواب، وذلك يستوجب أنّ مختلف الآراء الفقهيّة كلّها تعبير صحيح عن الحقّ (أو وجوه مختلفة من الحقّ نفسه)، وأنّها كلّها صحيحة.
وحتّى نمّيز بشكل سليم ما هو وحى ممّا هو فقه أو إدراك، فإنّ الشكل (1) يطرح العلاقات بين الفقه والشريعة والعرف والقانون، ويعتبر “الطبيعة الإدراكّية” للمنظومات البشريّة، ومنها الفقه. ولذلك فإنّ الفقه نُقلِ هنا من مجال “المعرفة الموحاة” إلي مجال “الإدراك البشري للمعرفة الموحاة.” والقصد من هذا وضع تمييز واضح بين الشريعة والفقه، ممّا يعني انّه ليس هناك من رأي فقهيّ يتعلق بالمسائل العملية يستحق أن يطلق علية “مسألة عقيدة”، بصرف النظر عن مقدار ثبوته، ودلالته، والإجماع” الذي بني عليه، أو القياس الذي استخدم في التوصّل إليه.
يضاف إلي هذا أنّه بناء على التمييز بين أصناف تصرفات النبي صلي الله عليه وسلم من حيث مقاصدها، فإنّ جزءاً من السنة النبوية نقل خارج دائرة “الوحي،” وهناك جزء آخر يجب أن يقع في “الجزء الحدودي” على محيط الدائرة، وهذا تعبير من مصطلحات نظرية المنظومات (60)، وهذا الجزء الحدودي هو القسم من تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم الذي عالج حالات خاصة كالقضاء والإمامة، وهو بهذا يقع على الحدّ بين الوحي والأحكام البشرية المحض.
الشكل رقم (1)
الفقه وجزء من سنّة النبي نُقلاً هنا من تصنيف “الوحى“ إلي كونهما تعبيراً عن “الإدراك البشري للوحى“.
لهذا فإنّ أحاديث النبي صلي الله عليه وسلم تصنّف تحت واحد من الأصناف الثلاثة التي تظهر في الشكل رقم 1، أي (أ) و (ب) و (ج)، بحيث أن الصنف (ج) الذي يتعلق بالخصوصية البشرية للنبي صلي الله عليه وسلم لا يدخل في مجال الشريعة أصلاً.
من ناحية أخرى، فإنّ الشكل (1) يشير إلي أنّ التقاطع بين العرف والفقه يجب أن يفهم على مستوى أعمق من اعتبار العرف في بعض الشكليات واللهجات عند تطبيق الأحكام الشرعية. وسيأتي فيما بعد مبحث يفصّل العلاقة بين الفقه والعرف على ضوء مقصد العالمية في الفقه الإسلامي، وهو ما طرحه ابن عاشور في كتابة مقاصد الشريعة الإسلامية. فالفقه ينبغي أن يستوعب من الناحية العلمية العرف الذي يحقّق مقاصد الشريعة، حتى وإن كان هذا العرف مختلفاً عن دلالة ظاهر النصّ. والفصل الحالي سوف يتوسّع كذلك من معنى العرف في ضوء “رؤية العالم”، أخيراً فإنّ كلا العرف والفقه يجب أن يساهما في صنع مواد القانون، على أن يبقى للمشرعين المجال المفتوح في تحويل الأعراف أو أحكام الفقه إلي قوانين مفصلة يجري وضعها بحيث تكون أنسب للمجتمع وحاجاته، لا أن تنقل الأحكام الفقهية من مذهب ما أو متطلبات الأعراف كما هي لتكون هي القانون إلا بعد نظر وتدقيق.

الدكتور ماهر حصوة
لاحظ عدد من الفقهاء قصور المقاربة الاختزاليّة التجزيئية التي تتبناها بعض المناهج الأصوليّة. غير أن انتقادهم للأدلة التجزيئية إنما كان مبنياً على “ظنّيّتها” الأصلية، بعكس “اليقين” أو “القطع” الذي هو الطرف المقابل في هذه المزدوجة بين الأدلة التجزيئية والكلية. وكان الإمام فخر الدين الرّازي قد لخّص في كتابه حول أصول الفقه الأسباب المختلفة التي ذكرها العلماء التي تجعل “دليل الخطاب” في النصّ – أي نص- لا يزيد عن كونه “ظنّيّاً” (61). فلنورد هنا ملخّصاً للأسباب التي أوردها الرازي لظنية الاستدلال بنص واحد لا ثاني له على أي مسألة من المسائل:
1- من المحتمل أنّ الحكم الذي يستخلص من نصّ واحد يكون مقيداً بظروف معينّة، قد تكون خفيت عنا.
2- من المحتمل أن يكون التعبير في النصّ الواحد مجازيّاً ومعناه الحقيقي ليس مقصوداَ.
3- إن مرجعنا في فهم النصّ هم أهل اللغة، وهم عرضة للخطأ في بعض الكلمات والتعبيرات.
4- إنّ النحو العربي نقل إلينا من خلال الشعر العربي القديم، والذي نقل إلينا بطريق روايات الآحاد. وهذه الروايات ليست يقينّية، لأنه حتى الشعراء العرب أنفسهم قد يكونون قد وقعوا في أخطاء نحويّة.
5- هناك احتمال أنّ واحدة أو أكثر من مفردات هذا النصّ الواحد تحمل أكثر من معني.
6- هناك احتمال أنّ واحدة أو أكثر من كلمات النص تعرضت للتغير عبر الزمن والنقل، بشكل غّير معناها الأصلي.
7- هناك احتمال أن التعبير في هذا النص الوحيد له معني خفي مقصود، ولكننا لم نفهمه.
8- هناك احتمال أن الحكم الذي نستنبطه من نصّ الآحاد قد نسخ دون أن يكون هذا قد نمي إلى علمنا.
9- هناك احتمال أن يكون الحكم الذي نستنبطه من نصّ آحاد يعارض حكم “العقل”، ويقول الرازي في هذه الحال إنّه إما أن الرواية أو حكم العقل قد تعرضا لخطأ ما. ثم أضاف أن العقل هو الأداة التي نرجع إليها لنتأكد من صحة الحديث الشريف نفسه، ممّا يعني أنّ للعقل الأولويّة. لهذا فإنّ علينا الاعتماد على العقل اليقيني في مثل هذه الحالات، وليس الأدلة اللغوية الظنية التي نجدها في الحديث الشريف الوحيد المروي في المسألة.
ولعلي أضيف الاحتمالات التالية للاحتمالات التسعة المذكورة:
لقد أسهمت الخلفية الفلسفيّة للرازي في تقديره لعدم واقعية الزعم بالحصول على “اليقين” من خلال دليل لفظيّ واحد. غير أنّ اهتمام الرازي بـ “ظنّيّة” دليل الآحاد منعه من الانتباه إلى المشكلة الأهمّ التي ينطوي عليها الاستدلال بموجب دليل وحيد، ألا وهي مشكلة المنطق السببي الذي بني عليها ذلك الاستدلال.
محدودية “السببية” في النظريات التقليديّة والحداثّية:
الكلاميون بحثوا في السببية في حقّ أفعال الله تعالى، وقسموا أفعال الله تعالى إلي “فعل خلقي” و “فعل تشريعي” (62). وكان موقف أكثر الفقهاء، من الأشعريّة والسلفّية والظاهريّة، أنّ أفعال الله الخلقيّة “فوق الأسباب”، بينما أكّد بعضهم أنّ أفعال الله “التشريعية” لها علل، بحيث تدور الأحكام مع العلل. ومن جهة أخرى، اعتقد المعتزلة والشيعة والماتريديّة بسببّية كلّ أفعال الله تعالى. ولكن هذا الخلاف لم يؤثر في سيطرة التفكير “السببيّ” على كل المذاهب الإسلامّية بكل تياراتها، وحتى اليوم.
وقد أكد بعض الأصوليين على أهّمّية ما أسموه “الدليل الكلي”، وأن الدليل الجزئي لا ينبغي أن يعود عليه بالبطلان، ولكن هذا الدليل الكلي لم يكن له أثر يذكر على المنهج الأصول نفسه، إذ بقي ذلك المنهج مبنياً إلي حدّ بعيد على السببيّة سواء في مجال العقيدة أو مجال الفقه. فقد اعتبر الجويني مثلاً أن الرجوع إل الكليات في الفقه الإسلامي دليلاً على الأحكام طريقة مقبولة، وسماها “القياس الكلّي: (63). واعتبر الشاطبي أنّ أصول الفقه مبنّية على “كليات الشريعة” (64). كما أعطى الشاطبي الأولويّة للقواعد الكليّة فوق آحاد الجزئيات، وكان تعليله لهذا هو أن “الأحكام الجزئّية يقصد بها أن تدعم القواعد الكليّة، والتي هي مقاصد الفقه التي يجب الحفاظ عليها” (65)، ولكن هذه الأفكار لم تؤت ثمارها في منهج الفقهاء والكلاميين لأنه مبني أساساً على المنطق السببي.
من جهة أخرى بين الحداثيون الإسلاميّون الإشكالية العامة المتمّثلة في “المقاربات الجزئيّة والفرديّة للفقه الإسلاميّ” (66)، فقد حاول العلماء المعاصرون مثلاً، كما ذكرنا من قبل، أن يعالجوا “مشكلة الفرديّة” في فهم مقاصد الشريعة. من ذلك مثلاً أنّ الشيخ الطاهر ابن عاشور جعل الأولوية للمقاصد الاجتماعية فول المقاصد الفردية، وأن الشيخ رشيد رضا أدخل إصلاح المجتمع وحقوقه في نظرية المقاصد، وأن الشيخ طه العلواني أدخل في نظريّته للمقاصد مقصد العمران، وأن المقاصد عند الشيخ يوسف القرضاوي المبنية على القرآن هي مقاصد عامة تهدف إلي بناء الأسرة الصالحة والأمة الصالحة (67).
غير انّه بالرغم مّما قلنا فإنّه نظراً إلي السقف الذي فرضته فلسفة القرن التاسع عشر على الحداثة الغربية، فإنّ الحداثة الإسلامّية في القرن العشرين لم تستطع أن تتخلّص من الإطار التقليدي الكلامي المبني على السببّية.
إلا أن الحداثة الإسلامية أدخلت في اعتبارها مؤخراً تطبيقاً لمبدأ الشمول، وهو التفسير الموضوعي، وأبرز مثال عليه كتاب الشيخ حسن الترابي التفسير التوحيدي (68)، فقد أوضح الشيخ فيه أنّ الطريقة التوحيديّة أو الكليّة تستتبع عدداً من الطرق وعلى مستويات مختلفة: فعلى مستوى اللغة تستتبع التعامل مع اللغة القرآنية بحسب لغة المتلقّين للرسالة في وقت نزول الوحي. وعلى مستوى المعرفة البشرية تستتبع مقاربة شمولية لكل من عالمي الغيب والشهادة، بكل ما يشملان من مكوّنات وقواعد تحكمهما. وعلى مستوى المواضيع، تستتبع المنهجية التوحيدية التعامل مع المواضيع القرآنية بصرف النظر عن ترتيب الآيات، بالإضافة إلي ربط هذه المواضيع بحياة الناس اليومية. وعلى مستوى المدى فإنها تشمل البشر بصرف النظر عن مكانهم وزمانهم، كما تستتبع قانوناً توحيديّاً للأخلاق والرّوحانّيات في مقاربة كليّة شموليّة كذلك (69).
أما فلسفة المنظومات المعاصرة، فتطرح طرق تفكير تركيبيّة وتكاملية وشموليّة مختلفة جذرّياً (70)، ويؤكد فلاسفة المنظومات أن: “توسيعنا لعلاقة السبب والنتيجة، والتي هي علاقة سطحية تنحصر في مفردتين، هي أن نحاول أن ندخل في هذا التعريف سلسلة معقدة من علاقات الأسباب والنتائج هي أقرب إلي تركيب هذا العالم، بالقدر الذي نعرفه عن العالم” (71).
ولكننا نجد في كتابات الفلسفة المنظومية أن منطق السببية المنتقد، ينتقد تبعاً له كل عقيدة ارتبطت به في فلسفة الأديان، مثل: “مفهوم بيركلي عن الله،” و “مادّة الألوهية عند سبينوزا”، و “لجوء ليبنيز إلي التناسق المسبق التصميم” (72). ونفس النقد الذي يوجهه منظرو المنظومات يمكن أن ينطبق على منطق السببية في علم الكلام الإسلامي، بما يشمل الحجج المبنّية على السببّية التي طرحها الكلاميون (73). ويشمل هذا النقد الحجج والأدلّة الإيمانية التي طرحها الأئمة، كأحمد بن حنبل، وابن سينا، والرازي، والأشعري، وعبد الجبّار، والغزالي، والماتريدي، والآمدي، والشاطبي، وابن تيمية، وابن رشد (74)، ثم محمّد عبده (75).
ويذكر فلاسفة المنظومات عدداً من المغالطات التي يمكن أن تكون حججاً تنقض التفكير السببي بناء على التفكير الكلي التكاملي. فقد ذكر كورزيبسكي مثلاً في كتابة كورباسإرورام (مجموعة الأخطاء) عدداً من تلك المغالطات، منها مثلاً “مغالطة إسناد النتيجة إلي سبب واحد رغم أن وراءه عدد من الأسباب”، و “مغالطة أنّه إذا كان لعامل ما دور، فإنّ العامل الآخر لا يكون له دور”، و “مغالطة استنباط نتائج سلبّية تنفي شيئاً ما من ملاحظات إيجابية تؤكد شيئاً آخر”، و “مغالطة أنّ صفات الكائنات الحيّة يمكن تقسيم مصدرها إلي أحد صنفين، كلاها مستقلّ عن الآخر، ألا وهما عامل الوراثة وعامل البيئة” (76).
غير أنّي أرى أنّه ليس ثمة ارتباط حتمي بين مفاهيم العقيدة والمنطق السببي إلا في عقول علماء الكلام الذين استخدموا “مبدأ السببيّة” لإثبات وجود الله – تعالى- والمسائل الأخرى في العقيدة. أي أنه إذا كان للمنطق السببي أن يتطور ليصبح منطقاً تكاملياً كلياً في العلم البشري والفلسفة البشرية، فإنّ حجج العقيدة ستتطوّر معها.
إن ما أطرحه هنا هو أنّ مفهوم الكليّة في فلسفة المنظومات يمكن أن يقوم بدور في تجديد الأطروحات الإسلامية المعاصرة، لا في الفقه الإسلامي وحده، وإنما في علم الكلام كذلك. فنقول مبدئياً وفي عناوين عريضة فقط إن ما أطلق عليه المتكلمون “دليل الاختراع” سيعتمد في فلسفة المنظومات الإسلامية على استحالة وجود عمل دون قصد، بدلاً من أن يعتمد على استحالة وجود عمل دون سبب، وهو الدليل التقليدي الشائع. كما أنّ ما أطلق عليه المتكلمون “دليل الرّعاية” يجب أن يعتمد في فلسفة المنظومات الإسلامية على التوازن الدقيق المقصود به خدمة وسلامة الإنسان، سواء في المنظومات الحيّة أو غير الحيّة المسّخرة للإنسان، بدلاً من أن يعتمد على أدلة الإمداد المباشر التقليدية. وكذلك ما أطلق عليه المتكلمون “دليل الوجود”، فإنه يجب أن يرتكز في فلسفة المنظومات الإسلامية على التصميم المنظومي المتكامل في الكون، حسب ما صار معروفاً لدينا اليوم، بدلا من أن يرتكز على دليل “المحرك الأول”، بحسب التعبير التقليدي، والذي استخدمه مؤخراً الإمام محمد عبده في آخر المحاولات التجديدية في علم الكلام.
يجب على المنظومة الحية من أجل البقاء حية أن تحافظ على درجة من الانفتاح وتجديد الذات. وهذا المبحث يطرح آليتين من أجل تحقيق هذا الانفتاح والتجديد المطلوبين في الفقه الإسلامي. أول هاتين الآليتين أن تنفير الأحكام الفقهية بتغير رؤية العالم أو ما يطلق عليه الثقافة المدركة هو آلية للانفتاح في منظومة الفقه الإسلامي. والآلية الأخرى أن نعتبر “الانفتاح الفلسفيّ” آليّة مهمة لتجديد الذات في منظومة الفقه الإسلامي.
مصطلح رؤية العالم أصلة الكلمة الألمانية (Weltanschauung) بمعني النظرة إلي العالم (77). ورؤية العالم هو “مجموعة مفترضات مسبقة نحملها في عقولنا حول تركيب العالم الأساسي” (78)، وهو “إطار مرجعي مستمد من الخبرة الإنسانية” (79)، و”منظومة الاعتقادات” (80)، وهكذا فإن فهم العالم هو ثمرة لعدد من العوامل تصوغ الإدراك البشري للعالم. نورد فيما يلي أمثلة لنظريّات مختلفة تطرح مكونّات رؤية العالم عند الإنسان.
كل النظريّات السابقة تظهر أنّ فهم العالم يصوغه كل شيء من حولنا، بدءاً من الدّين ومروراً بصورة الذات، والجغرافيا، والبيئة، ووصولاً إل عالم السياسة، والمجتمع، والاقتصاد، واللغة. فاستناداً على مفهوم “الثقافة” بمعناها الواسع، تمثل “رؤية العالم” ثقافة مدركة (86). والثقافة المدركة هي إطار عقلي وإحساس بالحقيقة يرى الناس من خلالها العالم من حولهم ويتفاعلون معه.
ويعتبر العُرف أصلا في منظومة الفقه الإسلامي التقليدية، وهو يمثل أحد طرق تفاعل تلك المنظومة مع العالم المحيط بالإنسان. وقد تقرر مبدأ من مبادئ أصول الفقه عند الحنفيّة وهو أنّ: “المعروف عُرفاً كالمشروط نصّاً” (87)، إذ أنه يوجد اتّفاق بين مختلف المذاهب على هذا المبدأ على مستوى التطبيق، في حالة غياب نص خاصّ محدّد يمكن الرجوع إليه (88).
والمقصود من اعتبار العرف هو التعامل مع ظروف وعادات بعض الناس التي قد تكون مختلفة عن العادات العربية، تلك العادات التي اعتبرها الفقهاء وبنوا عليها أحكاماً كثيرة (89). غير أنّ التطبيق العمليّ للعرف في مجال الفقه التقليدي محدود جداً. فالأمثلة المعتادة التي تذكرها كتب الأصول حول ما يخضع من الأحكام للعرف هي: قيمة المهر، والعملة التي تستخدم في البيع والشراء، وتغطية الرجل رأسه أو عدم تغطيتها، واستخدامات لكلمات عربية مختلفة في لهجات مختلفة (90).
وواضح أنّ هذه الأمثلة التقليدية لا تعتبر تغير العرف إلا في نطاق محدود كله قد مضى من قرون.
وهذا بقي الكثير من الأحكام الإسلامية مرتبطاً بالعادات العربّية للقرنين أو القرون الثلاثة الأول من تاريخ الإسلام، وضمن الحدود السياسية لتلك الفترة، وما كان فيها من بلدان وأطعمة ومصادر اقتصادية ونظام اجتماعي، أو بعبارة معاصرة: رؤية العالم لتلك الفترة.
من أمثلة ذلك أنّ شكل صدقة الفطر الذي يأخذ به الفقه التقليدي لا يزال يتمثل في الأطعمة المعروفة للعرب في القرن السابع الميلاديّ، كما وردت في الحديث الشريف، أي التمر، والزبيب، والشعير، والأقط (91). ومثال آخر: لا يزال العديد من الأحكام “الشرعية” عند كثير من العلماء اليوم تبني على أساس الحدود السياسية بين حدود دار الإسلام ودار الحرب التاريخية (92).
ومثال ثالث: في كلّ قوانين الأسرة المستمدة من كتب الفقه لا تستطيع الفتاة المسلمة أن تعقد عقد زواجها بنفسها إلا أن توكّل أباها أو أقرب أوليائها من الرجال، وهي عادة عربيّة أيدها الإسلام ولكنه لم يحتّمها في كل الحالات – حسب بعض الآراء المعتبرة.
ومثال رابع: لا يزال حكم الدية في حالات القتل الخطأ “على العاقلة” أي عشيرة المرء الذي اقترف القتل غير العمد (93). وهو رأي معتمد حتي في البيئات التي تغير حالها واختفى تقريبا نظامها العشائريّ. ومثال خامس: ما زالت الأحكام المتعلقة بعقوبة القتل حين يكون الفاعل مجهولاً تحدّد بطريقة القسامة (وهي طريقة من المسؤوليّة بحسب المنطقة، كما هو مقرّر عند الحنفيّة والزيديّة، ومسؤوليّة أقرب الناس دماً بحسب بقّية المذاهب التاريخية) (94). والدنيا ورؤية العالم من الناحية الاجتماعية قد تغيرت في كل الأمثلة السابقة.
وأوضح مثال يبيّن أثر رؤية العالم من الوجهة العربيّة القديمة على الفقه هو ما نجده في كتاب الإمام ابن تيميّة اقتضاء الصراط المستقيم، إذ يقرّر الكتاب المذكور أنّ: “أهل السنّة يعتقدون أنّ جنس العرب أفضل من جنس العجم”، بل ووصف ابن تيميّة من يخالفون هذا المعتقد بأنهم “شعوبّيون”، لأنّهم “يفضّلون الشعوب غير العربيّة على العرب” (95).
ولا شك أنّ عند كلّ شعب في هذه الدنيا وكلّ مجموعة عرفّية تحّيزات من هذا النوع، لكنّ مثل هذه التحّيزات قادت ابن تيمية إلي إصدار أحكام “شرعية” تنطوي على ما يمكن أن يوصف في رؤيتنا المعاصرة للعالم بالتمييز العرقيّ! هذا على الرّغم أنّ الأصل في الإسلام هو التساوي بين الأعراق، كما تدلّ على ذلك نصوص عديدة في القرآن الكريم وفي الحديث الشريف على صاحبه الصلاة والسلام، ثم أفتي ابن تيمية في الكتاب المذكور ألا يحكم غير العرب العرب، بل ورفض حتى أن يكون غير العرب أئمّة للعرب في صلاة الجماعة، وكذلك أوصى بأن يلبس كلّ المسلمين لباس العرب، وحكم على الذيّ غير العربي بأنّه “مكروه” شرعاً، وأن يعطي العرب أكثر من غيرهم من بيت المال (96)، وأنّ الخاطب غير العربي أقلّ كفاءة إذا خطب امرأة مسلمة من الخاطب العربي (97).
ومن الواضح أنّ أمثال هذه الأحكام منافية لمقصد المساواة بين البشر الذي تدلّ عليه نصوص متواترة تعبر عن روح الإسلام وطبيعة رؤية المسلم للعالم.
وبناء على “الطبيعة الإدراكية للفقه الإسلاميّ” والذي شرحناه آنفاً، يعتبر العرف ما يعتبره الفقيه عرفاً، بحسب رؤية العالم لديه، على شرط ألاّ يصادم المبادئ الأساسية لمقاصد الشريعة. وهكذا فإن “رؤية العالم عند الفقيه” يطرح هنا ليكون رديفاً للعرف في كونه طريقة لاستيعاب التغّيرات التي طرأت على العادات العربيّة السائدة في القرون الإسلاميّة الأولي والتي انطلق منها كثير من فقهائنا.
شكل (2):
“رؤية العالم عند الفقيه“ عامل أساسيّ في تصور الفقه
يجد القارئ في الشكل (2) المكانة التي تحتلها “رؤية العالم عند الفقيه” في منظومة الفقه الإسلاميّ المقترحة. ويظهر الشكل كيف يحتلّ الفقيه مكاناً مركزياً في تصور الفقه، وهي نتيجة لإدخال رؤية العالم في المنظومة. وفي هذا تفريق بين الفقيه نفسه وبين القرآن الكريم والسنة التشريعية التي هي مصادر معرفة الفقيه، والتي هيٍ جزء من رؤية العالم لديه أيضاً. وهناك مكونات أخرى في رؤية العالم لدى الفقيه تتفاعل مع “المصادر” لإنتاج الفقه وتصور كلياته وقطعياته.
ولكنّ رؤية العالم يجب أن تكون “واعية”، أي ألا تكون ظناً أو وهماً محض بل تكون مبنّية على رؤية “علمية” ومنهجية معاصرة في فرع العلم المقصود بالحكم الشرعي سواء الاقتصاد أو الطب أو السياسة أو الفن أو غيرها. بينما حينما لا يمتلك الفقيه فهما للعالم كما هو في الواقع فإنه لا يكون “كفء” ليصل إلي آراء فقهّية صحيحة. وهذا الفهم للعالم، هو تعبير آخر عن امتلاك الفقيه لشرط “فقه الواقع”، الذي وضعه ابن القيّم كشرط للقيام باجتهاد معتبر (98).
إنّ اقتراحنا هذا له أثران على الفقه، هما كما يلي: أولاً، بالنسبة للتغيرات في “فهم العالم” عند الفقيه، إنّها ستثمر تقليل الفهم الحرفي للفقه الإسلاميّ. فإتبّاع الحكم بمعناه الحرفي يجعل من ذلك الحكم نوعاً من الطقوس الجامدة. بينما ما أريد التأكيد عليه هو أنّ من المهمّ الحفاظ على الإتّباع المستمّر في مجال العبادات في الفقه الإسلاميّ، كالصلاة والصيام والحجّ. غير أنّ من الممكن دائماً المبالغة في توسيع دائرة العبادات على حساب المعاملات.
لهذا فإنّ المطلوب هو الوصول إلي توازن بين هذين المجالين.
ولنورد بعض الأمثلة التي توضّح هذه النقطة: إنّ القصد من زكاة الفطر هو مساعدة الفقير، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أغنوهم [أي الفقراء] عن السؤال في هذا اليوم” (99)، غير أنّ هذه الزكاة بحثت تحت بند العبادات، وعلى هذا فقد طبقة حرفيا في كل مكان وفي كل زمان، بينما حين يتغير المكان ويتغّير المجتمع إلي حدّ أن التمر والزبيب والشعير تصبح غير ذات فائدة للفقراء (والأقط قد اختفى في أكثر البلدان)، فإنّ تطبيق هذه الصدقة بشكل حرفيّ على أنّها من العبادات المحض سيضيّع حتماً المعني المقصود الذي من أجله شرعت.
كذلك فإنّ أقارب الإنسان في بعض البلاد النامية ذات الأغلبيّة المسلمة يحمَّلون المسؤولية عن دفع الدية في حال اقترافه القتل عن غير عمد، لأنّهم يعتبرون “عاقلته”، وهو ما أشرنا إليه من قبل (100). ولكن إذا كان ليس هناك من معني يذكر في بعض البيئات لعشيرة المرء أو لمجموعته العرقيّة، وذلك بسبب تغير “رؤية العالم” في ما يتعلق بالبنية الاجتماعية التي يعيش فيها، فإنّ التطبيق الحرفي للعاقلة يكون مصادماً للعدل المقصود.
ومثال ثالث هو أنّ عقد الزواج العربي وخطبة الجمعة بالعربيّة لا تكون مفهومة عموماً في المجتمعات غير الناطقة بالعربيّة (101). فالإصرار على اللغة العربية في هذين المجالين يرجع إلي أحكام مسبقة افترضت أنّ لغة العقد أو الخطبة هي “عبادة” بحدّ ذاتها. غير أن إجراء هذه العقود والخطب باللغة العربية يضّيع المعنى الإنسانيّ للعقود، والمعنى الاجتماعيّ للخطب. ومن الجدير بالذكر أنه لا يعني تحليلنا هذا أن العبادات والمعاملات مجالان متباينان لا يتقاطعان. فالعبادة مقصودة في حدّ ذاتها في الأحكام الشرعية الإسلاميّة. غير أنّ من المطلوب أن يحدث التوازن بين جانب التعبد والمقاصد الاجتماعيّة.
والأثر الثاني للشرط المقترح في توفر رؤية وفهم واع للعالم، هو تحقيق انفتاح الفقه الإسلاميّ على ما حققّته البشرية من تقدم في العلوم الطبيعية والاجتماعية، فلم يعد بالإمكان اليوم أن يدعي مدع إصدار أحكام متفقة مع “الواقع” دون إجراء بحث علمي مناسب ومبنيّ على منهجية علمية، طبيعية كانت أو اجتماعيّة. وقد رأينا كيف أنّ بعض المسائل المتعّلقة بالكفاءة الشرعّية، مثل “علامة الموت”، أو “فترة الحمل القصوى،” أو “سنّ التمييز،” أو “سنّ البلوغ”، كان الفقهاء قديما يصدرون الحكم بشأنها بناء علي “سؤال الناس”، على حد تعبيرهم.
وبما أن “منهجية الإجابة على الأسئلة العلمية” جزء من “رؤية العالم” كما بيّن ريتشارد دي ويت (102)، إذن “فسؤال النّاس” لا يمكن أن يدّعيه أحد اليوم ولو كان فقيهاً دون القيام بعملية استدلال إحصائيّة! وهذا يأخذنا إلى مجال العلوم (سواء الطبيعيّ منها أو الاجتماعيّ)، ويستلزم آليّة للتفاعل بين الفقه الإسلاميّ ومجالات المعرفة الأخرى. لهذا فإن على الفقيه أن يرجع إلي المتخصصين في مجالات الطبّ مثلاً ويسألهم أن يحدّدوا له علامات الموت، ومدّة الحمل القصوى والدنيا، إلي آخره. والمعلومات الإمبريقية (أي المبنية على الملاحظة العلميّة) يجب أن يكون لها “الحجيّة” في هذا المجال، حتى لو كان مصدر هذه المعلومات الاستقرائي “ظنياً” بحسب المنطق التقليدي الأرسطي. وكذلك فإن المختصين في مجال علم النفس هم الذين يجب أن يرجع إليهم من أجل تحديد “سن التمييز”، وهكذا.
صحيح أن ما نطلق عليه “العلم” يبقى في تطور عبر الزمن، وصحيح أنّ هذا يستدعي مراجعة وتحديثاً دائماً لقراراتنا وأجوبتنا العلمية، ولكن تطور العلوم هو جزء من التطور الطبيعي لرؤية العالم لدى الفقيه، ودخول العلم في المنهجية الفقهية هذا المعني المذكور هو ما يضمن “الانفتاح” في منظومة الفقه الإسلاميّ.
التجديد عن طريق الانفتاح الفلسفي:
يمكن للفقه الإسلاميّ أن يحقّق تجدداً ذاتياً عن طريق الانفتاح لمكوّن آخر من مكونّات رؤية العالم الواعية لدى الفقيه، ألا وهو الفلسفة. فطالما أنّ أصول الفقه الإسلاميّ هي فعلاً فلسفة التشريع الإسلاميّ، فإنّه من الضروريّ أن تحافظ “الأصول” على درجة من الانفتاح على البحث الفلسفيّ، والذي يتطوّر عموماً مع تطوّر المعرفة البشريّة.
غير أنّ الذي حدث على مدى التاريخ أنّ الأكثريّة الساحقة من علماء السلف من مختلف المذاهب الفقهيّة رفضوا أيّة محاولة للإفادة من الفلسفة في تطوير منهجية الفقه الإسلاميّ أو المعرفة الإسلامية عموماً. وكان هؤلاء العلماء يستشهدون في رفضهم هذا ببعض النظريات اليونانية المتصلة بما وراء الطبيعة المخالفة للعقائد الإسلاميّة المعروفة (103)، والتي أصدروا بناء عليها فتاوى تحرّم دراسة الفلسفة وتدريسها، لأنّها مبنيّة على مبادئ إيمانية غير إسلامّية (104)، وبناء على تلك الفتاوى، وحينما يضطر المرء إلى الاختيار بين اختيارين لا ثالث لهما، وهما الفلسفة أو إتّباع القرآن الكريم، فإن الفلاسفة اتهموا في تلك الفتاوى بالردّة، ولم يُسمح باقتناء كتبهم، ولا بيعها، ولا إظهار تقديرها. وكان ممن أصدر تلك الفتاوى علماء كبار يرجع إليهم في مختلف المذاهب الفقهيّة، مثل ابن عقيل (توفي عام 512 ه/ 1119م)، والنووي (توفي عام 675 ه/ 1277م)، والسيوطي (توفّي عام 910 ه/ 1505م)، والقشيري (توفّي عام 510 ه/ 1127 م)، وابن رسلان (توفي عام 1003 ه/ 1595م)، والشربيني (توفّي عام 986 ه/ 1579م)، وابن الصّلاح (توفّي عام 643 ه/ 1246م) (105). وفتوى ابن الصّلاح هي أكثر فتوى يجري اقتباسها حول هذا الموضوع في الفقه الإسلاميّ، حيث صرّح في فتواه أنّ الفلسفة “هي أصل الحماقة والخلط”، وأن “السيف” هو الوسيلة التي يجب استخدامها للتعامل مع معلمي الفلسفة (106). ولقد حدّ هذا الموقف العنيف من الفلسفة من الاهتمام بها في أكثر الدوائر الإسلامية (107).
وكان على من يريد دراسة الفلسفة أو المنطق من طلاب العلم والعلماء على حد سواء أن يدرسها سراً، ولا يدرِّسها إلا لأقرب طلابه وخلصائه، ثم لا يصرّح بما درسه مطلقاً في كتاباته (108). وحينما خالف ابن رشد (توفّي عام 584 ه/ 1189 م) – وكان فقيهاً فيلسوفاً في آن واحد – حين تخالف هذه الفتاوى اضطهد وأحرقت كتبه (109).
وقد أعلن قلة من العلماء رفضهم للفلسفة اليونانية ولمناهجها “المخالفة للإسلام”، ولكنهم اختلفوا عن سابقيهم بأهم بذلوا جهداً من أجل انتقاد تلك الفلسفة انتقاداً علمياً مدروساً، بل حاول بعضهم طرح أفكار بديلة خاصة في المنطق، وبحسب رؤيتهم الشخصيّة، وهذا مثلا هو الموقف الذي تبناه الإمامان ابن حزم (110) وابن تيميّة (111).
لم يرفض ابن حزم – رغم ظاهريته – المنطق كما رفضه غيره من العلماء، بل كان يرى أنّ المنطق هو المعيار الذي يستطيع المرء بموجبه أن يقوم المعرفة، أي “معيار كل علم” (112)، وأوضح ابن حزم كيف أن نتائج المنطق الاحتمالي يمكن أن تتوازى مع نتائج المنطق الوجوبي في الفقه الإسلاميّ، وهي فكرة قد يكون مديناً بها لكتاب المستصفى للغزالي (113)، ولذلك فقد كان كتاب ابن حزم تقريب المنطق – حسب علمي – أوّل محاولة لتوضيح العلاقة المتوازية بين الإمكان والإذن، وبين التضمين والوجوب، وبيم الاستحالة والحظر (114)، وذلك قبل ظهور نظريّة فون رايت المعاصرة في الأخلاق والالتزامات بثمانية قرون (115). ولقد أعاد ابن حزم قراءة آراء أرسطو في القياس في ثوب جديد مثير للجدل، بحيث تخدم فلسفته هو ومذهبة الظاهريّ (116)، فقد تبنّى ابن حزم مثلاً فكرة السببيّة في الظواهر الطبيعية، ولكن ليس في الشريعة الموحاة، ومن هنا رفض كلّ أشكال التفكير القياسيّ، وانتقد منطق كل من تبنّى هذا النوع من الاستنباط (117).
ومن ناحية أخرى، كان انتقاد ابن تيمية لأرسطو مفصّلاً وحاسماً (118). فقد رفض ابن تيمية تفريق أرسطو بين الجوهر والعرض بوصفه تفريقاً اعتباطياً، ومن هنا فقد رفض أيّة حقيقة يجري تقريرها عن طريق “التعريف” في القضايا العامة (119)، فالفرق عند ابن تيمية بين البُسر (أي التمر غير الناضج) والرّطب (أي الناضج إلي حدّ ما) والتمر (أي الناضج) لا يعكس ثلاث “جواهر” كما يرى أتباع أرسطو (120)، وإنما هي “كلّيّات في الذهن”، على حد عبارة ابن تيمية (121)، لهذا فإنّ ابن تيمية ينتقد حصر التحليل المنطقي في القياس المنطقيّ والذي يؤسّس على فرضيات كلية. فقد طرح ابن تيمية قياس الشبة مثالاً لمنهج مكافئ للقياس المنطقيّ (122). واستخدم ابن تيمية، شأنه شأه ابن حزم، تحليله الناقد لدعم مشروعة الفلسفيّ، والذي كان في جوهره مشروعاً اسمياً (123). وقد انتقد ابن تيمية كذلك الغزالي وغيره من العلماء، الذين زعموا إنهم يؤيدون الفلسفة اليونانية كمجرّد أداة منطقيّة دون أن يتبنّوا أسسها الماورائّية (124).
غير أنّ عدداً من الفقهاء قرروا أن ينبذوا ما وراء الطبيعة عند اليونان، وأن يقبلوا المنطق اليونانيّ كآلية مجردة. فالإمام الغزالي (توفّي عام 504 ه/ 1111 م) انتقد بشدّة الفلسفة اليونانية في “وثنيتها” واتّهم الفلاسفة المسلمين بالرّدّة، هذا من ناحية (125)، بينما قبل الغزالي من ناحية أخرى “آلة” (أورغانون) أرسطو، أي الأداة التي استخدمها، بل قرّر أنّها “مقدّمة لازمة لكل علم”، والتي بدونا لا يمكن أن يكتسب عالم الثقة في أي فرع من فروع المعرفة (126).
ولقد استبطن الغزاليّ المنطق اليوناني نفسه منهجاً في التفكير، واستطاع نتيجة لذلك أن يبتكر طريقة في مزج منطقي الاستنباط اليونان والاجتهاد الفقهي. وقد “برهن” الغزالي في كتابة القسطاس على عدد من استنباطات أرسطو، مثل “قاعدة التأكيد عن طريق التأكيد، أي: إذا كان (أ) يكون (ب). (ب)، إذن (أ)” وقاعدة “النفي عن طريق النفي، أي: إذا كان (أ) يكون (ب). لا (أ)، إذن لا (ب)” – برهن بالرجوع إلي ما أسماه “الحجج المنطقية” في القرآن الكريم (127)، فهو مثلاً يورد آية: (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آَلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا) (128)”، ثمّ يستخدم الغزالي قاعدة “النفي عن طريق النفي” رجوعاً إلي الآية قائلاً (129): “إن وجود أكثر من إله واحد يعني الفوضى، وطالما أنّه لا يوجد فوضى في الكون فإنّ هذا يعني عدم وجود إله آخر”، ففي مثل هذا المثال وغيره يستخدم الغزالي حججاً عربيّة مستمدة مباشرة من القرآن الكريم، أو من مصطلحات فقهيّة معروفة، بدلاً من أن يستخدم المصطلحات الفلسفيّة المعروفة، ومن ذلك مثلاً أنّه استخدم “الحكم” في محل “المحمول”، و “العلّة” في محل “الحدّ الوسط”، و “الأصل” في محل “المقدمة”، و “الفرع” في محل “النتيجة”، و “المباح” في محل “الممكن” (130).
وكانت أكثر أفكار الغزالي إبداعاً تضمينه القياس المنطقي في عمليّة القياس الفقهيّ (131)، ففي سعيه إلي إضفاء مقدار من النظاميّة على تنقيح المناط (السعي إلي تحديد العلّة في الأحكام)، طّبق الغزالي مجموعة من الأقيسة الحرة على الحالة الأولي (132)، من ذلك مثلاً أنّه طرح التحليل التالي: “حينما تقارن قيمة بقيمة أخري لابدّ أن تكون أعظم منها، أو مساوية لها، أو أقلّ منها. فإذا أثبتا إحدى القيمتين فإذ الأخريتين لابدّ أن تكونا زائفتين” (133)، ثمّ طرح الغزالي قياسا افتراضياً، معتبرا “الحدّ الوسط” لكلا الموضوعين هو العلّة نفسها، حتى ينقل نفس الحكم على الحالة الأول إلي الحالة الثانية (134)، كتب مثلاً ما يلي: “كلّ خمر مسكر، وكلّ مسكر حرام. فالخمر إذن حرام” (135)، ولاحظ في هذا الكلام أن الغزالي اعتبر الإسكار هو “الحدّ الأوسط” (حسب مصطلحاته) هو العلّة، رغم عدم انضباطه.
ومن هنا نرى انه رغم هجوم الغزالي الشديد على الفلسفة اليونانّية فإنّ إدخاله لمنطق أرسطو في عملّية تفكيره الفقهي الإسلاميّ كان عن مبدأ صادق وبتوجّه مبدع، هذا مع أنّه سبب لنفسه أن يصبّ عليه نقد لاذع، من كلا فريقي الإسمّيين والظاهريين (136)، وكان الآمدي (توفّي عام 633 ه/ 1236م)، والسبكي (توفّي عام 755 ه/ 1374م) وعدّة علماء آخرين – خاصة من المذهب الأشعريّ والمذهب الشافعيّ اللذين ينتمي إليهما الغزالي – كانوا قد وافقوا الغزالي في التفريق بين “الآلات المجردة” التي يمكن للمسلمين أن ينقلوها عن غير المسلمين، وبين الأفكار والمفاهيم الأخرى، والتي لا يجوز نقلها عن غير المسلمين (137)، ويشبه هذا الرأي بعض فتاوى “الظاهريّة الجدد” في عصرنا، والتي لا تسمح باقتباس أنواع المعرفة من الغرب إلاّ التقنية المادية البحتة، وليس المعرفة المتّصلة بالإنسانيات أو العلوم الاجتماعيّة.
وعلى الرغم من شعبّية الغزالي فإنّ هجومه العام على الفلسفة قد ساهم في الحد من التفكير النظري الحرّ في المنهج الأصوليّ وفي التفكير الفقهي عموماً في كل المذاهب. وظلّ علم الأصول يركّز على بحث الدلالات اللغويّة والاستنباطات المنطقّية الحرفية، وبقي منطق الاستنباط الفقهيّ مجرّد نظام “آليّ” يتعامل مع الواجبات والمحظورات دون اعتبار كبير لمقاصدها.
أما في الزمن الحاضر، فإنّ أقرب ما يشبه التفكير الفقهي التقليدي هو ما أطلق عليه منطق رايت الأخلاقي المعاصر، فيلاحظ المرء أنه على الرغم من أنّ مصطلح “المنطق الأخلاقي” هو مصطلح ابتكره فون رايت في أواسط القرن العشرين (138)، فإن النظام القياسي لفون رايت وعلاقته بالمنطق الشكليّ ومسلّماته الرئيسيّة تشبه إل حد كبير التفكير الفقهي التقليدي، كما ظهر عند الغزالي وغيره. فقانون “الالتزام” عند فون رايت، والذي يقرّر أنّه: “إذا اقتضى فعل شيء ما شيئاً آخر، فإنّه يتوجّب علينا فعل الشيء الآخر أيضاً” (139)، هو نفس القانون الأساسيّ الإسلاميّ، “ما لا يتمّ الواجب إلاّ به فهو واجب” (140)، ولكن فلسفة القانون المعاصرة لا تقبل منطق رايت الأخلاقي كقاعدة مقبولة لمنطق التفكير القانونيّ (141)، والأسباب الرئيسّية لذلك هي: (1) تصنيف المنطق الأخلاقيّ الصارم للأشياء في ثنائيات من الواجب أو الحظر، و (2) عدم اعتباره لعامل الزمن في الاستنتاجات المنطقية المجردة، و (3) الإهمال التام للحالات الاستثنائية (142).
من ناحية أخرى، فإن نظرية الفقه الإسلامي لم تفد من الإضافات النوعية التي ساهم بها الفلاسفة المسلمون في تطوير الفلسفة اليونانية والبناء عليها، خاصة في علم المنطق.
من ذلك مثلا أن ابن سينا (توفّي عام 428 ه/ 1037م) أسهم مساهمة نوعية في علم المنطق حين أعاد تركيب نظرية أرسطو في المنطق الشكلي تركيباً متقناً بعد أن مّيز الحالات المرتبطة ببعد الزمن (143)، وكان يمكن لهذا الإسهام أن يثمر في إضفاء بعد زمني للاستنباطات التقليدية المعتمدة على القياس، وهذا كان سوف يضيف اعتباراً للزمن تشتد الحاجة إليه في منطق الفقه الإسلاميّ.
كما إنّ هناك إسهامات أصيلة أخرى سطرتها أقلام الفلاسفة المسلمين ولم يفد منها الفقهاء المسلمون، كنظرية الفارابي (توفّي عام 338 ه/ 950 م) في الاحتجاج بالاستقراء (144)، والتي كان يمكن لها أيضاً أن تضيف للفقه بعداً تشتدّ الحاجة إليه، ألا وهو التفكير الاستقرائيّ. وكذلك فقد رأى باحثون أنّ انتقاد ابن حزم وابن تيمية لمنطق أرسطو “هيأ المجال لنهوض المنطق الاستقرائي على يد جون ستوارت ميل” (145)، بينما لم يفد منه الفقه الإسلاميّ.
ثم إنّ القاضي الوليد بن رشد – خلافاً لأكثر الفقهاء – تبني موقفاً منفتحاً تمام الانفتاح على المعرفة البشريّة. فقد استدل ابن رشد على ما أوجبه القرآن الكريم على الناس من التفكير والتأمل في خلق الله تعالى، ليتبنّى على هذا الأساس كلّ رأي فلسفيّ سليم، “بصرف النظر عن دين قائله” (146)، وكان الحلّ الذي طرحه ابن رشد لما أطلق “تعارض” بين العقل والنصّ أن “تؤوّل” النصوص بقدر ما تسمح اللغة حتى تتوافق مع العقل (147)، كما إنّ ابن رشد لام الغزاليّ وغيره من الفقهاء على تسرّعهم في اتّهام الفلاسفة بالزندقة دون فهم لمواقفهم.
ولقد كان لطريقة ابن رشد في المزاوجة بين العقل البشري والنص الإلهي، وانفتاحه على “الآخر”، ورفضه توجيه الاتّهامات المتسرعة بالزندقة، وكذلك دعوته للإفادة من الفلسفة في الإصلاح الواقعي، كان لكلّ ذلك أثر واضح على الحركة الإسلاميّة الإصلاحّية المعاصرة على مدى القرن الماضي (148)، غير أنه بحسب ما في أيدينا من مخطوطات (149) لم يكتب ابن رشد عن العلاقة بين آرائه في الفلسفة وآرائه في الفقه. لهذا فإنّي أعتقد، خلافاً لآراء بعض الباحثين (150)، أنّ هناك فجوة بين ابن رشد الفيلسوف “الشارح” أو “المعلّم الثاني”، والذي دافع عن التفكير الفلسفيّ في كتابة فصل المقال وفي شرحه المشهور على أعمال أرسطو (151)، هذا من جهة، وبين ابن رشد القاضي والفقيه، الذي غالباً ما يؤيّد مذهبه المالكي في موسوعته الوافية في الفقه الإسلاميّ بداية المجتهد من جهة أخرى. لهذا فإنه لا بدّ من أجل متابعة الفقه لتجديد نفسه أن يتبنّى انفتاح ابن رشد لكلّ البحث الفلسفيّ، بل وتوسيع هذا الانفتاح ليسهم في تجديد نظريّة أصول الفقه نفسها.
نحو تعدّد الأبعاد
قصدنا في هذا المبحث أن ندفع بمنظومة الفقه الإسلاميّ خطوات نحو تعدّد الأبعاد عن طريق تطبيق هذه الوجهة على مفهومين من مفاهيم الأصول، ألا وهما “القطع” و “التعارض”.
طيف القطع:
جرى العرف على أنه لابدّ في بداية كلّ موضوع من مواضيع الأصول أن يقوم الباحث بتعريف المفهوم. ويكون هذا التعريف – فيما يبدو لي أنه تأثير أرسطو- إمّا على أساس ماهية الشيء أو “الحدّ” أو على أساس وصف الشيء أو “الرسم”. فالتعريف على أساس الحدّ يشمل تقليدّياً تحليلاً ألسنيّاً يبحث في أصول الكلمة، وذلك بغية الوصول إلي “ماهية” المفهوم المتّصل بها (152)، وكان المشّاؤون يعرّفون المفاهيم أو المصطلحات بناء على صفاتها التي “تمّيزها” عن غيرها من المفاهيم أو المصطلحات (153)، غير أنّ ابن تيميّة فصّل القول في غمرة نقده للفلسفة اليونانّية حول دور التعريفات في تمييز المفاهيم، وانتقد الأشاعرة والمعتزلة والجعفريّة، الذين نهجوا كالغزالي في تبنّيه للتعريف على أساس “حدّ” الشيء (154)، وانتقد ابن تيميّة مقدمة الغزالي المنطقية في المستصفى، واحتجّ بأنّ المقصود من التعريف باعتماد “الحدّ” هو على أي حال التمييز بين المفاهيم لا غير (155).
وهكذا فإنّ طريقة الفقهاء في التمييز بين المفاهيم، سواء على أساس اعتماد الحدّ أو الرسم، تجعل تمييزهم يؤدّي بنا دائماً إلي تعريف كلّ مفهوم من حيث علاقته بطرف مقابل له في ثنائية ما، أي كما نجد في المثل العربي الشائع “بضدّها تتمّيز الأشياء”.
| قطعي | ظني |
شكل (3):
وتقسيم الأدلّة الفقهيّة تقليدياً إلي “قطعيّ“ و “ظنّيّ“
وتقسيم القطعيّ والظنيّ تقسيم ثنائيّ شاع في مختلف المناهج والمذاهب الفقهية الإسلامّية (الشكل 3) (156)، بل إنّ الغزالي عرّف المنطق نفسه على أنّه “القانون الذي يمّيز التعريفات والأقيسة، ويفرق بين المعرفة اليقينيّة وغيرها” (157)، بل إن بعض الأدلة الأصولية قد قبلت لمجرّد أنّها “توسّع مجال اليقين” في الفقه الإسلاميّ، وقال البعض إنّ: “حصر الأدوات الأساسيّة في فهم دلائل النصوص جعل بحال اليقين أصغر ممّا تدعو إليه الحاجة، وأدى إل مشكلة حقيقيّة جعلت من الضّروري كون الإجماع دليلاً يوسّع من دائرة اليقين وينقل الدلالات الظنّيّة إلي دائرة المطلق” (158)، ولكن ذلك “اليقين” الذي ما برح الفقهاء يسعون إليه وكثيراً ما يدّعون الحصول عليه، أوجد جوّاً من الإطلاقية أدّت إلى عدد من المشكلات. فلقد ادّعى المدّعون اليقين المطلق في مسائل فقهية اجتهادية بأشكال متنوّعة، منها شكل لغويّ أي “قطعيّة الدلالة”، ومنها شكل تاريخيّ أي “قطعيّة الثبوت”، ومنها شكلي منطقيّ أي “القطع المنطقي”.
ادّعى المدّعون أنّ النصوص “الواضحة” – بالمعني اللغوي للقرآن والسنة هي نصوص “قطعيّة الدّلالة”. ولنأخذ أمثلة من هذه الأحاديث الشريفة الأربعة – على صاحبها الصلاة والسلام- وكلّها صحيح أو حسن.
فالدلالة اللغويّة المجردة للأحاديث الأربعة المذكورة و”الأحكام اليقينية” التي تدل عليها هي كما يلي:
ولكن منهج استخراج الأحكام المذكورة من نصوص “صريحة” – وهي بالتالي “قطعيّة” – لا تأخذ في اعتبارها في المواقع أنه قد تكون هناك نصوص أخرى قد تدل على تعديل الحكم الذي كان يظنّ انه حكم بالوجوب. ومع ذلك فقد أصرّ العلماء على أنّ هذا العامل الآخر يجب أن يكون على نفس “درجة قطعية” الحديث الأوّل (167)؛ فإن لم يكن كذلك، فإنّ الوجوب المستفاد من الحديث الأول يبقى على حاله. وبما أنّ الأمر الأوّل أتى مباشرة من الشارع (الله تعالى أو رسوله صلي الله عليه وسلم)، فإنّ أيّة عبارة أخرى يمكن أن يكون لها أثر في المسألة يجب أن تأتي من نفس المصدر، حتى لو كان هذا المصدر الآخر إقراراً نبويّاً لا يمثّل أمراً صريحاً. ولنفترض أنّ أحد التأويلات لأوامر النبي صلي الله عليه وسلم أنّه لم يكن يقصد بالكلام أن يكون قطعّياً ومحدداً، وإنّما كان كلامه مرتبطاً بسياق خاصّ أمْلى صدور مثل هذا الأمر (أي سياق اقتصاديّ أو سياسيّ أو بيئيّ محددّ). ونورد فيما يلي أمثلة على التأويلات أو “التخصيص” التي ترد على الأمثلة الأربعة السابقة الذكر:
ولا تعتبر المذاهب التقليدية أياً من السياقات الأربعة التي ذكرناها إلاّ الأوّل. ولكن السبب في قبول المذاهب لها أنّ هناك أحاديث مكافئة في درجة الصحّة تدل على أنّ الرسول صلي الله عليه وسلم أقر بعض العقود لإيجار الأرض. أمّا السياقات الثلاثة الأخرى، والتي لا يوجد أدلة “قطعيّة” تدعمها، فإنها قد رفضت. فقد اعتبرت دلالات الأوامر قطعيّة، بينما اعتبرت الظروف المفترضة التي لم ترد في الحديث الشريف بنص صريح لا تبلغ نفس الدرجة من القطعيّة، وهي بذلك من درجة “الظن”. كيف لا وهناك قاعدة شرعية أخرى تقول: “اليقين لا يزول بالشك”. والنتيجة أنّه طالما أن الأوامر الواردة بالنص تأتي عادة في القرآن أو الحديث وكثيرا ما لا يرافقها شرح للظروف والسياقات التي أدت إلي صدور الأمر، فإنه يطبّق بحقّها العلاقة الثنائّية “اليقين/ الظنّ” من الوجهة اللغويّة الدلالية فقط، مما يؤدّي إلي إشكالية إصدار أحكام فقهيّة ضّيقة وخارجة عن السياق المعاصر.
وأمّا اليقين المتّصل بالصحّة التاريخّية “قطعيّ الثبوت” فإنّه يقسم إلي درجات متفاوتة متدرجّة من “المتواتر”، إلي “خبر الواحد”. ويحكم على الحديث أنه متواتر حينما يكون قد نقل عن طريق “جمع عن جمع يستحيل تواطؤهم على الكذب” (172)، والقرآن الكريم كله وعدد قليل من الأحاديث الشريفة تقع ضمن هذه الفئة (173)، ولكنهم أضافوا إلي هذا أنّه يرى أكثر العلماء أن “خبر الآحاد الذي تلقّته الأمّة بالقبول” هو يقينيّ أيضاّ. يدّعي ابن الصّلاح في كتابة المرجعيّ في علم مصطلح الحديث أنّ ما يتفّق كلا الإمامين البخاريّ ومسلم عليه هو “مقطوع بصحّته”. يدّعي ابن الصّلاح أنّ توافق هذين الإمامين على حديث ما يعني أنّه “لازم من ذلك” موافقة جميع الأمّة. وبناء على أن الأمّة “معصومة”، فإنّ ابن الصّلاح يمضي إلى القول إنّ تلك الأحاديث تستتبع “العلم اليقينيّ النظريّ” (174)، ويوافق ابن الصّلاح على قوله هذا أكثر العلماء.
فابن تيمية مثلاً يستخدم نفس الحجّة في الأخذ بأحاديث الآحاد التي “تلّقتها الأمّة بالقبول”، لتكون دليلاً على “إثبات أصول الديانة” (175)، كما إنّ ابن تيمية يجعل أمور الاعتقاد تشمل أموراً مثل “الاعتقاد بصفات الله”، “الصبر على الأئمّة من قريش”، “المسح على الخفين في الوضوء”، واعتبار القصائد الصوفيّة” بدعة في الدين” (176)، يظهر الخطر في مثل تلك الادعاءات، كالتي تبناها ابن تيمية مثلاً، حينما يجري تمحيص كاف لأحاديث الآحاد، حيث إنّ ذلك التمحيص، والثقة بكثير من الرواة من مختلف الأجيال، يظهر أنّها عرضة لخلافات واسعة، حق ضمن كلّ من المذاهب المعروفة. مثل هذا الخلاف يؤدّي إل فروق لا يمكن تلافيها في “أسس العقيدة”، بحيث ينجم عنها نزاعات خطيرة وحتى الحروب، وهو ما حدث فعلاً في التاريخ الإسلامي. لهذا فإنّ مما يهّم أن نشجع على ثقافة سعة الصدر والتعايش، حتى نفّرق على الأقل بين أحاديث الآحاد وأسس العقيدة. فكما كتب خالد أبو الفضل: “إنّ ما يبقى ويستقرّ هو القول المبنيّ على الملاحظة والتجربة – وما سيبقى هو ما يقرّره علم الاجتماع” (177).
الشكل (4):
حينما يكون الدليل قطعيّ الثبوت قطعيّ الدلالة فإنّه يكون “معلوماً من الدين بالضّرورة:
لقد أوجد الفقهاء فئة جديدة تكون أرضاً للتقاطع بين الفئتين من اليقين (شكل 4)، أي ما هو قطعيّ الثبوت قطعي الدلالة، وهي الفئة الأعلى يقينية من أيّة فئة أخرى، وتدل على “ما هو معلوم من الدين بالضرورة”، أي أنه يحتوي ما هو “قطعيّ الاعتقاد”. وعلى هذا يتفّق معظم العلماء أن تعريف “المرتدّ” هو أنّه الشخص الذي ينكر أيّاً من هذه الأمور “الأشدّ قطعيّة” (178)، ولقد بدأ إجماع العلماء يخضع لعمليّة “التحقّق من وقوع الإجماع” كذلك. ومن ثم فإنه بالرغم من الاختلافات الكثيرة جدّاً حول نفس تعريف الإجماع، فإنّه كان يؤدّي إلى دخول أمور كثيرة يفترض أنّها شديدة القطعية، مع أنّها تكون مثاراً للجدل. كان من نتيجة ذلك وقوع عدد من النزاعات التاريخّية بناء على الاتهامات والاتهامات المضادّة بالردّة بين أتباع مختلف المذاهب. وكانت تلك النزاعات تثور حول ما يعتبره أولئك الأتباع “من المعلوم من الدين بالضّرورة”.
وهناك أخيراً ثنائيّة ثالثة من ثنائيات “اليقين” وهي في مجال “القطع المنطقيّ، أو اللزوم المنطقيّ، أو اليقين المنطقيّ، ففي البحث الفقهيّ تستخدم الدلالة المنطقيّة فيما يتصّل بالقياس، والذي يقوم على تشابه العلل بين حكمين، وهو ما أوضحناه من قبل. غير أنّه بالإضافة إلي الشيعة والزيديّة والظاهريّة وبعض المعتزلة، وكلّهم يرفضون العمل بالقياس في الفقه الإسلاميّ أصلاً (179)، فإن بعض علماء السنّة عبّروا عن قلقهم حول “اليقين” الذي يسند إلي العلل، ومن هؤلاء العلماء الغزالي، الذي كتب أن هناك ستة أسباب تجعل إسناد العلّة إلي حكم معين “احتمالاَ” (180)، وهي:
ثم أضاف الغزالي في الواقع رأى المصوّبة كسبب يضاف إل ما ذكرناه من أسباب، وهو أنّ الله تعالي لم يعط سبباً صحيحاً واحداً لكلّ حكم، وأنّ السبب الصحيح هو ما يرى عقل كل مجتهد أنّه الصواب. إنّ تفريق الغزالي بين الصواب “عند الله تعالي” والصواب عند المجتهد، في سياق تحليله للعلّة كما أوردناه يدعم الطبيعة الإدراكّية للتفكير الفقهيّ عموماً.
شكل (5):
يزداد اليقين/ الاحتمال (بتزايد غير خطّي) بحسب عدد الأدلّة المتوّفرة
إنّ البحث عن الحقائق على أساس الثنائيات فقد قد أصبح جزءاً من التاريخ! فبحوث الرياضيّات الحديثة تظهر أنّ قوّة احتمال أيّ عنصر تعتمد على عدد الأدلّة الداعمة له، لهذا فإنّ هناك “طيفاً” من اليقينيّات بالنسبة لأيّة دليل، لا تقسيم ثنائيّ جامد. فاليقين “أو سمّه الاحتمال إذا شئت” يزداد بطريقة غير خطّيّة بحسب عدد الأدلة المتوفرّة (انظر الشكل 5). لهذا فحتى منطق القرآن الكريم في إثبات وجود الله يتّجه منحى الطيف المتكامل لإبراز اليقين لا منحى الثنائّيات؛ فكلّما وجد البشر من إثباتات ازداد يقينهم، ولأن الأدلة لا نهائية فاليقين كامل والحمد لله رب العالمين.
هناك في نظريّة الفقه الإسلاميّ تفريق بين التعارض أو الاختلاف في الأدلة وبين التناقض أو التعاند في الأدلّة (الآيات أو الأحاديث الشريفة) (182)، والتناقض يعرّف على أنه “تقاسم الصدق والكذب، أي أنّه التصريح بحقيقة شيء وزيفه في آن واحد” (183)، بينما التعارض أو الاختلاف يعرّف على انه “التناقض الظاهر بنين الأدّلة في ذهن المجتهد” (184)، ويعني هذا وجود دليلين متعارضين ظاهراً ولا يشترط أن يكون تعارضهما حقيقيّاً. فما يظهر من تعارض الدليلين هو في إدراك المجتهد، وهو ما يمكن أن يحدث نتيجة لعدم وجود المعلومات اللازمة حول وقت ورود الدليل، أو مكان وروده، أو الظروف التي ورد فيها، أو غير ذلك من الشروط (185).
من جهة أخرى فإنّ التعارض الحقيقي يحدث على شكل حادثة فريدة ترد بأشكال متعارضة على لسان الراوي نفسه أو على ألسنة رواة مختلفين (186)، فهذا النّوع من التناقض يعود بلا ريب لأخطاء في الرواية بسبب ضعف الذاكرة، أو بسبب خطأ أحد الرواة في ذاكرته أو نيّته، وذلك عند راو واحد أو عند رواة متعددين (187)، والذي يخلص إليه المرء “منطقياً” في حالات التناقض أن واحدا من الأحاديث لم يصلنا بشكل دقيق ويبغي أن يرفض (وقد يجب رفض كلا الحديثين، إذا أمكن إيراد إثبات لذلك) روى أبو هريرة رضي الله عنه مثلاً، كما ذكر البخاريّ حديثاً يقول: “الشؤم في النساء والدوابّ والبيوت” (188)، لكن عائشة رضي الله عنها تروي حديثاً آخر، كما خرجّه البخاريّ أيضاً، يقول: “كان النّاس في الجاهلية يتشاءمون بالمرأة والدابّة والبيوت” (189)، فهذان الحديثان “الصحيحان” متناقضان، ولا بدّ من ردّ أحدهما. وممّا له مغزى أنّ أكثر الشرّاح ردّوا حديث عائشة رضي الله عنها، هذا مع أنّ هناك أحاديث صحيحة أخرى تؤيد روايتها (190)، وعلق ابن العربي، مثلاً، على ردّ الحديث المذكور أعلاه كما يلي: “هذا قول ساقط. إنّه ردّ لحديث صحيح وصريح، رواه الثقاتّ” (191).
والتعارض بالمعنى الذي أوردناه هو أمر نادر بحسب مختلف الدراسات التاريخية والمعاصرة حول موضوع التعارض (192)، وإنّما أكثر حالات التعارض هي تعارض بين حديثين بسبب عدم توفّر مناسبة الحديث لنا فيما يبدو، وليس بمعنى تعارض أحاديث يصادم بعضها بعضاً حول نفس الحادثة (193)، هناك ستّة آليات يحدّدها الفقهاء للتعامل مع التعارض في المذاهب الفقهيّة التاريخّية:
ومفهوم النسخ، بأيّ معنى من المعاني التي أوردناها، لا يملك ما يدعمه من كلام النبي صلى الله عليه وسلم في كتب الحديث المعتمدة. وحينما نبحث في جذر الكلمة “نسخ” وكل مشتقاتها في مختلف كتب الحديث المنتشرة في أيدي الناس اليوم، بما في ذلك كتب البخاريّ ومسلم والترمذي والنسائي وأبي داود وابن ماجه وأحمد ومالك والدارمي والمستدرك وابن حّبان وابن خزيمة والبيهقي والدار قطني وابن أبي شيبة وعبد الرزّاق، فلا نجد حديثاً صحيحاً مرفوعاً إلي النبي صلى الله عليه وسلم يحتوي أياً من مشتقّات “نسخ” نعم وجدت حوالي 40 مرة ذكر فيها حالات من “النسخ” في كتب الحديث المذكورة، ولكنها كلها ترجع إلي فهم الراوي أو تعليقه، وليست جزءاً من نص الحديث الشريف نفسه. فمفهوم النسخ يرد دائما في كلام المعلقين من الصحابة أو غيرهم من الرواة على الحديث، يعلّقون على ما يبدو تعارضا بحسب فهمهم هم للمواضيع التي ترد في الحديث. وأمّا بالنسبة لشروح القرآن الكريم، فإنّ مبدأ النسخ له دليل من القرآن، هذا مع أنّ تفسير الآيات ذات العلاقة بالموضوع تخضع لاختلاف الآراء (196).
إليك هذا المثال الذي يكشف الكثير عن هذه المسألة، وهو يدور حول الآية الخامسة من سورة التوبة، وهي الآية التي صارت تعرف باسم “آية السيف”. تقول الآية: فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم، وخذوهم” (201)، فالخلفية التاريخية للآية هي أنها نزلت في السنة التاسعة للهجرة، وكان هناك حرب بين المسلمين ومشركي مكّة، وجوّ الأفكار العامّة لسورة التوبة هو أيضاً جوّ نفس الحرب، والتي تعالج السورة ما يتّصل بها. غير أنّ الفقهاء الذين ذكرناهم انتزعوا الآية بعيداً عن جوّها الفكريّ وسياقها التاريخي، وادّعوا أنّهم قد توصّلوا إلي الحكم الصحيح بين المسلمين وغير المسلمين في أيّ مكان وأي زمان وضمن أيّة ظروف. وحكموا بأن الآية تعارض أكثر من مئتي آية أخرى من آيات القرآن الكريم، كلّها تدعو إلي الحوار، وحريّة الاعتقاد، والتسامح، والسلام، بل وإلي الصّبر. لقد ظهر للفقهاء لسبب ما أنّ خيار الجمع بين الآيات غير متاح. فقد حكموا في سعيهم لحلّ التعارض أن أخذوا بمبدأ النسخ، وحكم أكثر المفسّرين أنّ هذه الآية، الخامسة من سورة التوبة، والتي أنزلت في أواخر حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، قد نسخت كلّ آية كانت قد نزلت من قبلها وظهر أنّها معارضة لها بدون استثناء. وبناء على هذا حكم على الآيات التالية أنها منسوخة: (لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ)، (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (فَاصْبِرْ)، (وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ)، (العنكبوت 46)، (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ)” (202)، يضاف إلي هذا أنّ عدداً كبيراً من الأحاديث النبويّة التي تبيح عقد المعاهدات والتعايش مع الثقافات الأخرى، بالمصطلح الحديث، اعتبرت منسوخة كذلك.
من هذه المعاهدات صحيفة المدينة، والتي كتب النبي صلي الله عليه وسلم فيها عهداً مع اليهود حدّدوا فيه العلاقة بين المسلمين واليهود القاطنين في المدينة المنورة، وذكرت الصحيفة أنّ “المسلمين واليهود أمة واحدة، ولليهود دينهم” (203)، غير أننا نجد المعلّقين على الصحيفة من العلماء القدماء والتقليدييّن الجدد يعتبرون الصحيفة منسوخة، بناء على آية السيف وآيات أخرى مشابهة (204)، إن النظر إلي كل تلك الآيات والأحاديث من خلال بعد واحد – هو الحرب مقابل السلام – قد يدلّ على تعارض، تكون الحقيقة النهائية فيه إما اختيار الحرب أو اختيار السلام، وفي هذه الحالة يكون الخيار اختياراً غير منصف بين السلم والحرب في كل زمان وكل مكان وكل حال.
شكل (6):
إن ما يبدو من تعارض في الصفات بحسب بعد ما قد يساهم بشكل إيجابي بحسب بعد آخر ذي علاقة بالمقاصد
كان مما زاد الطين بلّة أن عدد حالات النسخ التي ادّعاها التابعون هي أكثر من الحالات التي ذكرها الصحابة أنفسهم (205)، ثمّ يلاحظ الملاحظ بعد القرن الأول الهجريّ أنّ الفقهاء من المذاهب الناشئة بدأوا يدّعون وجود عدد كبير من حالات النّسخ، لّم يدّع التابعون وجودها. وهكذا فإنّ النسخ أصبح طريقة لردّ آراء أو أحاديث يدعمها المذهب الآخر، مثال ذلك أنّ أبا الحسن الكرخي (توفّي عام 339 ه/ 951م) كتب ما يلي: “القاعدة الأساسية هي: أن كل آية من آيات القرآن تخالف قول مذهبنا فقد فهمت خطأ أو أنها نسخت” (206)، لهذا فإنه ليس مستغرباً أن يجد المرء في كتب الفقه حكماً معيّناً ناسخاً لغيره في مذهب معيّن ومنسوخا في مذهب آخر. فهذا الاستخدام الاعتباطيّ لمنهج النسخ قد فاقم من المشكلة.
فالفهم المتعدّد الأبعاد، بالإضافة إلي المقاربة المقاصدّية، يمكن أن يوفّر حلاً لمشكلة الأدلّة المتعارضة. لاحظ مثلاً صفة يكون لها بعد سلبي وبعد إيجابي (كما في الشكل 6) فالدليلان هنا قد يكونان “متعارضين” فيما يتّصل بهذه الصفة، مثل الحرب والسلم، أو الأمر والنهي، أو الوقوف والجلوس، أو الرجال والنساء، وهكذا. فإذا قصرنا نظرنا على بعد واحد فإنّنا لن نجد طريقاً إل التوفيق بين الأدلة. لكننا حينما نوسّع من أفق البعد الواحد ليصبح بعدين، فإنّنا سنتمكن من “حل” عقدة التعارض ونفهم ونؤول الأدلّة ضمن سياق موحّد.
ونورد فيما يلي أمثلة مشهورة من الفقه حول اختلاف الأدلّة، وهي تمثّل في نفس الوقت الآراء التقليديّة والحداثيّة. غير أنّ ممّا يجدر بالملاحظة أن “التعارض” المزعوم يمكن حلّه بالطريقة المتعدّدة الأبعاد والمقاصديّة كما شرحنا سابقاً.
وتعني المقاربة متعددّة الأبعاد أيضاً اعتبار أكثر من واحد من المقاصد، إذا كانت الحالة تسمح بذلك، ففي هذه الحال يجب أن تعطى الأولويّة لطريقة “حلّ التعارض” التي تحقق تلك المقاصد على أفضل وجه.
تعدّد الأبعاد وما بعد الحداثة:
وتعدد الأبعاد هو كذلك سمة مهمة في حل واحدة من أهم وجوه التناقض في ما بعد الحداثة، وهي أنه بالرغم من سعي كل توجهات ما بعد الحداثة إلي تفكيك التعارضات الثنائية، فإن التوجهات ما بعد الحداثّية نفسها تميل إلى كونها تنطوي على ثنائية (أي التحرك بين قطبين)، هما الاختزالية وأحادية البعد، صحيح أن مقاربة ما بعد الحداثة إلي الفقه الإسلامي قد أثارت أسئلة مهمة حول “التمسّك بالمركزية” بشكل غير مبرر في بعض المفاهيم الفقهية والمذاهب الفقهية، وعند بعض الشخصيات والمجموعات. وصحيح أن أصحاب ما بعد الحداثة قد بذلوا جهدهم في الكشف عن الأبعاد الثقافية والتدريجية في صياغة النظريات الفقهيّة والأحكام الفقهيّة، و “المناهج التأويليّة” التي تطورت عبر تاريخ الفقه الإسلامي. غير أنّ أصحاب ما بعد الحداثة يميلون إلي التركيز على بعد واحد ومقاربة واحدة إلى نظرية الفقه الإسلامي عموماً، فإما أن تكون مقاربتهم لغويّة، أو منطقيّة، أو تاريخّية، أو ثقافيّة، ويهملون كل الأبعاد الأخرى. فالأنثويّة الإسلاميّة مثلاً هي مقاربة تثير أسئلة أساسية تقتضي أسئلة جذريّة، غير أن النزاع الذكوري – الأنثوي ليس البعد الوحيد أو القوّة الوحيدة التي صاغت الفقه الإسلاميّ عبر تاريخه الطويل، كما يظهر من النظر في الكتابات الفقهية، فهناك عدد آخر من الأبعاد والقوى، كالأبعاد السياسية والاقتصادية وغيرها، قد صاغت الفقه، بينما لا يلاحظ أصحاب ما بعد الحداثة هذه الأبعاد المتعددة.
وبنفس الطريقة نلاحظ أن أصحاب النقد ما بعد (مرتين) الاستشراقي يميلون إلى قصر تقويمهم للجهد العلمي الغربي في الدراسات الإسلامية على الاستشراقي التقليديّ الجذوري. فكثيراً ما يغفلون العدد الكبير من مشاريع البحث الجادة والمساهمات المثمرة للدراسات الإسلاميّة التي ظهرت بأقلام وألسنة الباحثين الغربيين.
والذي يدعو إليه هذا البحث هو مقاربة ناقدة ومتعددة الأبعاد إلي نظرية الفقه الإسلامي، وذلك بهدف تجنب الآراء الاختزالية والتفكير في نطاق الثنائيات. ومن هذا المنطق حاولت أن أسبر غور عدد من الأبعاد في الفقه الإسلامي ونظرياته، بما في ذلك مصادره، واستنباطاته اللغوية، وطرق التفكير والاستنباط التي يقوم عليها، ومدارس التفكير والتوجّهات التي تعمل ضمن نطاقه، بالإضافة إلي مساهمة أبعاد مثل الأبعاد الثقافيّة والتاريخّية، وبعد الزمان والمكان. فالأجزاء المبعثرة والمفككّة لا يمكن أن تنقل الصورة الكاملة، ما لم ننتبه إلي العلاقات البيئية المنظومية والبنيوية التي تربط تلك الأجزاء.
وهكذا فإنه بالرغم من حرب ما بعد الحداثة على النظريات الكبرى، فإنّي أعتقد أنّ عملية ناقدة، متعددة الأبعاد، مبنية على المنظومات، وتضع المقاصد نصب عينها، توفّر لنا إطاراً كافياً لتحليل وتطوير نظريّة الفقه الإسلاميّ.
بينّا أنّ “المقاصديّة” توفّر حلقة وصل بين كلّ سمات المنظومة الأساسيّة الأخرى، مثل الإدراكّية، والشموليّة، والانفتاح، والتراتبّية الهرميّة، والعلاقات البيئّية، وتعدد الأبعاد. أمّا في هذا المبحث فنحن نقوم بالتعرض لبعض نظريّات أصول الفقه الإسلامي التاريخية والمعاصرة وبيان كيف يمكن لسمة المقاصدية أو المقاربة المقاصديّة أن تسهم في تحديد أصول الفقه الإسلامي وتطوير المحاولات المعاصرة للتعامل مع بعض جوانب النقص فيه. والمباحث الفرعية التالية يعالج كلّ منها مجالاً محدّداً ضمن أصول الفقه.
اعتبر علماء الفقه التقليديّون، ربما بتأثير “مبدأ السببيّة” في الفلسفة اليونانّية، أن دلالات عبارات ومصطلحات الكتاب والسنة ليس فيها ما يشير إلي دلالة المقصد. فالعبارة الواضحة (ما يسميّه الأحناف “العبارة”، ويسميّه الشافعيّة “الصريح”)، والتي تعطى الأولويّة فوق كّل العبارات، هي قراءة مباشرة للنص. وهذه القراءة تنطبق على المعنى الحرفّي باسم “المحكم” أو “النصّ” أو “الظاهر”. أمّا “مقصد” العبارة فربّما يقع تحت واحدة من فئة “غير الصريح”: فهي “مفسّر”، أو “إشارة” أو “اقتضاء” أو “إيماء”. فهذه الأصناف من المصطلحات، كما أوضحناه سابقاّ، لا تتمتّع بالحّجيّة لا تّصافها بالظّنّية.
يضاف إلي هذا أنّ دلالات المخالفة، والتي أخذت بها كل المذاهب ماعدا الحنفّية كانت تقتصر على فئات “اللقب” و “الوصف” و”الشرط” و”الغاية” و “العدد”، يعني هذا أنه إذا استخدمت واحدة من هذه العبارات في النصّ، فإن العبارة “المخالفة” تكون مستثناة، بصرف النظر عن اعتبار “المقصد”. وهكذا فإنّ أي لقب أو وصف أو شرط أو غاية أو عدد يختلف عمّا هو مذكور في النصّ لا يكون مقبولاً، حتّى حينما يحدث أنّه يحقق “المقصد” في نفس النصّ بطريقة مشابهة أو أفضل. فهنا أيضاً ينظر إلي المقصد أنّه ظنّي إلي حدّ لا يسمح له أن “يعارض” معنى المخالفة “المنطقيّ”. كان من نتيجة كل ذلك أن أضيفت إلي الطبيعة العامّة الحرفية للأدلة اللغوية، والتي كانت تعطى الأولويّة فوق الأدلّة العقليّة. وهكذا فكما كتب ابن عاشور، “حمل الفقهاء أنفسهم عبأ لا لزوم له هو البحث عن توضيح المبهم وتخصيص غير المقيدّ … هذا مع أنّ … النصوص التي جاءت بخصوص حالات مخصوصة كانت منفتحة للتعميم والتخصيص” (223).
وعلّة اختفاء “دلالة المقصد” ظاهرة بشكل عام في التعامل مع “النصوص الفقهيّة”، حتى في مدارس فلسفة القانون الحديثة (224)، ففي المدرسة الألمانيّة، وخاصّة عند يرينج (225)، والمدرسة الفرنسيّة،ـ وخاصة عد جيني (226)، دعت إلى “مقاصدية” في القانون. دعت كلا المدرستين إلي “إعادة هيكلة” القانون بناء على “المصالح” و “مقصد العدالة” (227)، ودعا يرينج إلي تبديل “قانون السببيّة الآليّ” بــ “قانون المقصد”. وبيّن رأيه في هذه الكلمات:
في “السبب” يكون الموضوع الذي يقود إلي حصول النتيجة سلبيّاً. فيبدو الموضوع ببساطة كنقطة واحدة في الكون ينحصر قانون السببيّة فيها. أمّا عن “المقصد” فإنّ الشيء الذي يتحرّك بفعل المقصد يظهر ذاتيّ الفعل؛ فهو يقوم بالفعل. يتعلق السبب بالماضي، ويتعلق المقصد بالمستقبل. فحينما نسأل الطبيعة الخارجيّة حول سبب عمليّاتها، فإنّها تحيل السائل علي النظر إلي الماضي؛ بينما الإرادة تحيله على النظر إلي الأمام .. علي أن المقصد مهما كان اندماجه مع الفعل، ومهما كانت طبيعة المقصد، فأنّه لا يمكن تصور الفعل بدون المقصد. فــ “الفعل” و “الفعل من خلال المقصد” هما بمعنى واحد. فالفعل بدون مقصد يشبه في استحالته حصول أثر بدون سبب (228).
وإلى جانب ذلك نادى جيني بإيجاد طريقة تعطي مغزى أكبر لـــ “النية في التشريع” تكون “مستنبطة من النصّ” وهي بهذا “تملي قرار المؤوِّل” (229)، غير أنّ هذه النداءات لم يتبلور عنها تغييرات رئيسيّة في المنهج العام للقانون الإيجابيّ (230)، وهكذا فإنّ تعزيز “المقاصدّية” هو جزء تشتدّ الحاجة إليه في القانون عموماً.
أمّا في الفقه الإسلاميّ فقد ظهرت حديثاً عبارة “دلالة المقصد” عند الحداثّيين الإسلاميّين ضمن مصطلحات أصول الفقه عندهم (231)، غير أن هذا التعبير لا يعتبر “قطعياً” بما يكفي ليعطي “حجّيّة” فقهيّة. طالما أنّهم يعطون الحجية العلية لفئة الدليل “الصريح” اللغويّ، ويجعلونه فوق التعابير “غير الصريحة أو الظنّيّة” المستخدمة في المقاصد والقيم العليا.
وقد كان موقف الشاطبي أكثر دعماً للمقاصد حينما وصف المقاصد بأنها “أصول الدين وقواعد الشريعة وكليات الملّة” (232)، أمّا ابن عاشور، وهو يحتلّ المكان الأوّل بين الحداثيّين المقاصديّين، فقد وصف المقاصد بــ “قطعيّة وظنّيّة، قريبة من القطعيّ (233)،” غير أن “المقاصدية” ظلّ ينظر إليها على أنها شيء يحظر، من الناحية النظرية، أن تقوم بدور رئيس في استنباط الأحكام من النصوص المتعلقة بالموضوع.
من ناحية أخرى فإن ما بعد الحداثة الإسلاميّة “فككت” المقاصد عن النصوص، بنفس الطريقة التي كانت قد فكّكت النصوص نفسها، وما بعد الحداثّيين الإسلامييّن يسمّون التأويل الحداثي المبني على المصلحة أو المقصد “ليّ للنصوص وإخراجها عن استقامتها” (234) ويسّمونه “حركة علمانيّة تتخفّى في لبوس الحديث الدينيّ” (235)، ويتّهم ما بعد الحداثيّين الحداثيّين بأنّهم “حركة تبرير للحكّام المستبدّين” (236)، كما يتهمونهم بأنّهم يشجّعون “الأصوليّين” من خلال أمثال تأويلات كتلك (237)، غير أنّ النظام المتفّرع عن الأدلّة اللغوّية في أصول الفقه الإسلامي يمكن أن يحقق “مقاصدية” أنجع من خلال هذه المقترحات المحدّدة:
شكل (7):
يحتوي هذا الشكل علي إضافة “دلالة المقصد“ إلي الدلالات والمعاني التقليدية في الأصول.
أما مدي أولويتّه فيعتمد علي أهمية المقصد الذي يدّل عليه النصّ
التفسير المقاصديّ للنصوص الشرعية:
كان توجه “التفسير الموضوعي” قد نقلنا خطوات نحو وضع تفسير للقرآن أكثر مقاصدية. وقراءة القرآن لاستخراج مواضيعه ومبادئه ومقاصده يقوم على فهم القرآن على انه وحدة واحدة” (239)، وبناء على هذه النظرة الشمولية، فإنّ العدد الصغير من الآيات المتعلقة بالأحكام، والتي يطلق عليها تقليدياً “آيات الأحكام”، سيتوسّع من بضع مئات من الآيات إلى نصّ القرآن الكريم كله. فالسور والآيات التي تبحث في العقيدة وقصص الأنبياء والحياة الآخرة والكون، كلّها أجزاء من الصورة الكلّيّة، وهي بهذا تقوم بدور في صياغة الأحكام الفقهيّة. إن مثل هذا التوجّه سيتيح للمبادئ والقيم الأخلاقّية أيضاً، والتي هي المواضيع الرئيسية من وراء القصص القرآني والمقاطع التي تصّور اليوم الآخر، أن تصبح العلّة لاستنباط الأحكام، بالإضافة للأسباب اللفظية التي تستخرج من خلال الطرق التقليدية في “تخريج المناط”. مثل هذا الاعتبار يساعد في “تنقيح المناط” وفي “تحقيق المناط”.
إن التوجه إلى الأحاديث الشريفة من زاوية المقاصد يسير بطريقة مشابهة بموجب إدراك شموليّ لحياة النبي صلى الله عليه وسلم وأقواله. وتحاول هذه الطريقة أيضا أن تصوغ صورة شمولية للسنة النبويّة، وسوف تفيد في التساؤل عن صحّة أحاديث تكون غير متوائمة مع القيم الإسلاميّة الواضحة. مثل هذا المعنى من “عدم التواؤم المنهجيّ” يختلف عن شذوذ المتن” والذي هو معيار يستخدمه العلم التقليدي في عملية “تضعيف المتن”. يعني شذوذ المتن أن الحدث متعارض مع حديث آخر (سواء على لسان نفس الراوي أو غيره). فإذا كان الفقهاء غير قادرين على توفيق الدلالة “اللغوية” للحديثين (أو دلالة العلة في كلا الحديثين) فإن الحديث الأقل يقينا يعتبر شاذّ المتن. غير أنّ الشذوذ المنهجي يعني عدم التوافق مع المبادئ العامة للإسلام، كما يتبين من خلال الفهم الشمولي لنصوص الإسلام. وهكذا فإن “الشذوذ المنهجي”، يمكن أن يكون الاسم الذي يطلق على الطريقة التي يطرحها كثير من المصلحين الحديثين، والتي بموجبها يصحح أو لا يصحح كثير من الأحاديث الشريفة، “بناء على مقدار توافقها مع مبادئ القرآن” (240)، وهكذا فإن “الشذوذ المنهجي” يجب أن يضاف إلي شروط تصحيح المتن لأحاديث النبي صلي الله عليه وسلم.
أخيراً فإن طريقة البحث من خلال المقاصد يمكن أن تسدّ فراغاً حيوياً في وراية الحديث الشريف عموماً، وهو الفراغ الناشئ عن وجود نقص في النصّ. فالأكثرية الساحقة من أحاديث النبي صلي الله عليه وسلم، والتي تبناها كل المذاهب، هي عبارة عن جملة أو جملتين، أو هي جواب لسؤال أو سؤالين، بدون أي شرح للسياق التاريخي أو السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي أو البيئي لذلك الحديث. ويرد في نهاية بعض الأحاديث كلمات يختم بها الراوي الحديث بكلمات مفادها: “لا أدري ما إذا كان الرسول صلي الله عليه وسلم قال كذا لأن “الظرف الذي مرّ بنا كان” كذا … ” غير أن السياق وأثر السياق على فهم الحديث يبقى في العادة مفتوحاً لتكّهن الراوي أو الفقيه. فــ “الصورة الشموليّة” التي طرحناها هنا تساعد في التغلب على هذا النقص في المعلومات من خلال فهم المقاصد العامّة للشريعة.
يمكن للمقاصد، بمعنى مقاصد النبي صلى الله عليه وسلم حين يتحدث بشيء أو يفعل شيئاً، أن تفيد في استنباط السياق الذي ترد فيه الأحاديث الشريفة. والإمام القوافي قد ميزّ – كما هو معروف – بين أفعال الرسول صلي الله عليه وسلم بوصفه ناقلاً للرسالة الموحاة، وبوصفه قاضياً، وبوصفه قائداً سياسياً، وبيّن أنّ كل واحد من هذه الأدوار له أثره في الشريعة. وتحدثنا كيف أن ابن عاشور أضاف أصنافاً أخرى من “مقاصد النبي صلي الله عليه وسلم،” وكان هذا توسيعاً مهماً لمجال الدلالة من خلال المقاصد. وشرح ابن عاشور الأغراض النبوية التي طرحها من خلال عدد من الأمثلة من الحديث الشريف (241). نورد هنا بعض الأمثلة التي أوردنا ابن عاشور(242):
إن توسيع ابن عاشور لدلالة الأحاديث الشريفة، كما عرضناه في الأمثلة السابقة، يزيد من مستوى “المقاصدية” عما كانت عليه في المناهج القديمة، ويوجد مقدارا من المرونة في تأويل الأحاديث وتطبيقها.
أكثر المذاهب والفقهاء يسمحون بالقياس بناء على العلة التي يقوم عليها الحكم، وليس بناء على الحكمة من وراء الحكم، وهو أمر أشرنا إليه سابقاً. كان دافع الفقهاء في ذلك المحافظة على “الانضباط” (أو الدقة) من خلال علّة الحكم، ويقصدون بالانضباط “الاستمرارية بالرغم من تغير المكان والزمان”. وبعبارة أخرى فإنه من أجل الحفاظ على الشكل عند المستوى الإجرائيّ، فإن الفقهاء يقررون أن العلّة من وراء الأحكام يجب ألا تتغير أبداً مع الظروف. وحتى أولئك الفقهاء الذين يسمحون بأن تصبح “الحكمة” هي علة الأحكام، فإنهم يضعون شرطاً لذلك أن تلك الحكمة يجب أن تكون “منضبطة” (243).
غير أن التحليل المتأني لـــ “الانضباط” الذي يشترط أن تتصف به العلة يظهر لنا أنه خاضع في العادة للتغيرات، ولا يمكن تعريفه بشكل دقيق، وهو ما بينه ابن قدامة، وهو فقيه حنبلي كبير (244)، استند ابن قدامة إلى مثال مشهور يسمح للمرء المريض أن يفسخ صيامه بناء على “انضباط” علة المرض، ثم علّق على ذلك بقوله: “ولكنّ المرض ليس منضبطاً، لأن المرض يتفاوت. فبعض الأمراض تضّر بالصائم وبعضها لا علاقة لها بالصّيام، مثل آلام الأسنان، والجروح الصغيرة، والانتباجات، والقروح الصغيرة، إلخ. وهكذا فإنّ “المرض” لا يمكن أن يكون المقياس الصحيح بحد ذاته، وإنّما الحكمة، وهي تجّنب الضّرر، يجب أن يجري تبنّيها كمعيار” (245)، والواقع أنّ حجّة ابن قدامة تنطبق على كلّ أنواع العلل. يضاف إلي هذا أنّ “الحكمة” التي أشار إليها في المثال الذي أوردناه هي ما يسمّيه الفقهاء “المناسبة”، أو “العلّة” أو “تحقيق المصلحة”. وكنا قد أوضحنا في الفصل الأوّل أن الفقهاء بدأوا يعرّفون “المصالح” بمعني “المقاصد” منذ القرن الهجريّ الخامس، وهم بنقلتهم هذه صاروا يتعاملون مع “المناسبة” على أنها “المقاصديّة”.
غير أنّنا نعود فنقول إن “الظنّيّة” التي تنطوي عليها المقاصد منعت الفقهاء من قبولها كعلل، بشكل يكون لها بابها المستقلّ. لعلّ أكثر الفقهاء كانوا تحت تأثير المنطق اليونانيّ، وخاصّة منطق أرسطو (والذي وصلهم عن طريق ابن سينا) حينما وافقوا على إعطاء “الاستنباط” مكاناً فوق “الاستقراء” ليكون أداتهم في الوصول إلي “اليقين المنطقي” كان أرسطو قد بّين أنّ الاستقراء يمكن أن يكون إمّا تامّاً” حين يغطّي كلّ فرد ذي علاقة” أو غير تام “حين لا يغطّي كلّ فرد ذي علاقة”، وهكذا فقد اقترح أنّه حتي إذا افترضنا “فائدة الاستقراء التامّ” و “ظنّيّة الاستقراء غير التامّ” فإن الاستقراء ليس هو الأداة التي في متناول الباحث للوصول إلي اليقين المنطقيّ (246)، وهذه الحجّة هي نفس الحجة التي استخدمها الفقهاء بحرفيتها في مختلف المذاهب، بدءاً من الرازي والغزالي وانتهاء بالسيوطي والآمدي (247)، وهكذا فإنّ القياس الجزئي الشكليّ، والذي بني على دليل واحد، قد أعطي مكانة فوق المفاهيم الشمولية المبنيّة على المقاصد، والتي تقوم أيضاً على المعرفة المسحيّة الاستقرائيّة استقراء غير تامّ. لقد قصدنا في عرضنا في مبحث سابق لرؤية متعّددة الأبعاد للـ “يقين” أن ندعم مبدأ المقاصدية، في نظام فرع أصول الفقه الإسلامي المختص بالتفكير من خلال القياس.
كان كثير من الفقهاء يشعرون بالقلق من أن إعطاء مكانة مصدر التشريع المستقلّ للـ “مصالح” قد يتصادم مع نصوص الكتاب والسنّة (248)، ونفس القلق يعبر عنه الباحثون في فلسفة القانون حول العلاقة بين ادّعاء وجود “المقاصد” وبين التشريعات. من هنا فإن المحكمة العليا في الولايات المتحدة، والعديد من رجال القانون البريطانيين، وضعوا شرطاً لقبول أيّ “قصد” يجري ادّعاؤه. فهم يصرون على أن “المصدر الوحيد المقبول كدليل على قصد المشرع هو نص التشريع” (249)، وأنا أوافق على أن هذا الشرط يمكن أيضا أن يحلّ الجدل حول صلاحية المصالح لتكون مصدراً مستقلاً للتشريع في الفقه الإسلامي. وطالما أن المقاصد يجري “استقراؤها” من نصوص الوحي، فإنّ المصلحة يكون لها صلاحية شرعية إذا ظهر أنها مرادفة للمقاصد، وهو ما قال به العديد من الفقهاء (250)، من هنا فإنّ المصالح “المعتبرة” و “المرسلة” ستمتزجان في فئة واحدة من المصالح التي هي مذكورة إما بالتصريح أو التلميح في نصوص الوحي، على شرط أن تحقق “المقاصدية” في نظام الشريعة.
كانت المذاهب التي تبنّت الاستحسان قد ادّعت أنها تحاول ملء فراغ في القياس (251)، غير أنني أعتقد أنّ الفراغ موجود لا في القياس الشكليّ، بل في التعريف الحرفيّ للعلة، وهو تعريف كثيراً ما يضيّع المقصود من وراء الحكم. وهكذا فقد كان الاستحسان بالنسبة لتلك المذاهب يعني ببساطة التغاضي عن شكليات “الدلالات” وتطبيق المقصد مباشرة. إليك أمثلة من حالات اقتبسناها من كتاب ابن الحسن الشيباني المبسوط. لاحظ تاريخية كثير من تلك الأمثلة، وأنّنا نوردها هنا لمجرّد التوضيح.
وهكذا فكما تظهر الأمثلة السابقة بوضوح فإن الاستحسان هو بالأساس شكل من إضافة “المقاصديّة” إلي التفكير الفقهيّ. غير أنّ المذاهب الفقهيّة التي لم تقبل بالاستحسان حاولت أيضاً أن تحقق المقاصديّة بطرق أخرى.
فتح الذرائع“ من أجل تحقيق الغايات الطيّبة والقاصد:
طرح بعض المالكية “فتح الذّرائع” بالإضافة إلي “سدّ الذّرائع” (260)، قسم القرافي الأحكام إلي “الوسائل” و “المقاصد”، ورأيه أن الوسائل التي تؤدّي إلي مقاصد محّرمة يجب سدّها، بينما الوسائل التي تؤدّي إلي مقاصد شرعيّة يجب فتحها (261)، وهكذا فإنّ القرافي ربط مكانة الوسائل بمكانة ما تؤدّي إليه من مقاصد، واقترح ثلاثة مستويات من المقاصد، وهي “الأقبح” و “الأفضل” و “والمتوسطة”.
وأمّا ابن فرحون (توفّي عام 769 ه/ 1367م) وهو مالكيّ أيضاً، فقد طّبق فكرة القرافي حول “فتح الذرائع” على عدد من الأحكام (262).
وهكذا فإن المالكيّة لا يحصرون أنفسهم في الجانب السلبي من إصدار الأحكام “بحسب نتائجها”، وهو تعبير نستعيره من الفلسفة الأخلاقيّة، وإنّما يوسّعون من طريقتهم في التفكير لتشمل الجانب الإيجابي من نتائج الأشياء، وهو ما عّبروا عنه بفتح الذرائع للوصول إلى مقاصد طّيبة، حتى وإن لم تكن تلك المقاصد قد ذكرت في نصوص الوحي بشكل محدّد.
الأعراف ومقصد “العموم والعالمّية”:
اقترح الطاهر بن عاشور طريقة جديدة في بحث العرف، بناء على مقاصد الشريعة. كان قد كتب فصلا في كتابة مقاصد الشريعة حول العرف، أعطاه عنواناً مقاصدياً حين سماه” عالميّة الشريعة الإسلامية” (263)، ففي الفصل المذكور لم يوجّه ابن عاشور اهتمامه إلي أثر العرف على تطبيق الأحاديث الشريفة، كما هو متّبع في الطريقة التقليديّة، وإنّما بحث في أثر الأعراف العربّية على الأحاديث نفسها. نورد فيما يلي ملخّصاً من بحث ابن عاشور المذكور.
أوضح ابن عاشور أولاً أنّ من الضروري للشريعة الإسلاميّة أن تكون شريعة عالميّة، لأنّها تنادي بأنّها “شريعة لكلّ البشريّة في كلّ مكان وكلّ زمان،” وهو ما نصّت عليه عدد من الآيات والأحاديث النبويّة التي اقتبسها (264)، ثمّ توسّع ابن عاشور في الحكَم من وراء اختيار النبي صلى الله عليه وسلم من بين العرب، مثل كون العرب منعزلين عن الحضارات، ممّا هيّأهم “ليختلطوا ويتفاعلوا بشكل منفتح مع الشعوب الأخرى لأنّه ليس بينها وبين تلك الشعوب عداوات، بعكس الفرس والروم والأقباط”، غير انه لابد من أجل أن تكون الشريعة الإسلامية عامة عالميّة، “أن تكون شرائعها وأوامرها قابلة للتطبيق بشكل متوازن على كل البشر، بقدر الإمكان”، وهو ما يؤكد عليه ابن عاشور. من أجل هذا، كما يقول، “جعل الله تعالى الشريعة الإسلامية مبنّية على الحكم والأسباب التي هي قابلة للإدراك في العقول البشرية، ولا تتغير بتغير الأمم والأعراف”، من هنا فقد أوضح ابن عاشور لماذا منع الرسول صلى الله عليه وسلم أصحابه من أن يكتبوا ما يقول، “حتى لا تعتبر الحالات المفردة قواعد عامة”. وبدأ ابن عاشور يطبّق أفكاره على عدد من الأحاديث الشريفة، في محاولة لفرز الأعراف العربيّة عن القواعد التقليديّة المنتشرة. وكان ممّا كتب (265):
لهذا فإن الشريعة الإسلامية لا توجه اهتمامها إلي تحديد ما هو نوع الملبس أو المنزل أو المركوب الذي على الناس أن يستخدموه … وبناء على هذا، فإنه يمكننا أن نقرر أنّ الأعراف والتقاليد لأمّة ما لا حقّ لها، من حيث هي، في أن تفرض على الأمم الأخرى لتكون تشريعا لتلك الأمم، ولا حتّى الأمّة التي نشأ التشريع بين ظهرانيها … فهذه الطريقة من الفهم قد أزالت كثيرا من البلبلة التي واجهت العلماء في فهم أسباب تحريم الشريعة لسلوكيات محددة … مثل تحريم وصل الشعر للنساء، وتفليج الأسنان (تفريقها عن طريق سنها) ووشم النساء أنفسهنّ … فالمعني الصحيح في مثل هذه الأمور، في نظري … أن هذه العادات المذكورة في الحديث الشريف كانت عند العرب مؤشرات على نقص العفّة عند المرأة، لذلك فإنّ تحريم هذه الأمور كان يهدف في الواقع إلي مقارعة دوافع سيئة محددّة … كذلك فحينما نقرأ: … (قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ) (الأحزاب: 59) .. فهذا تشريع يأخذ بعين الاعتبار عادة عربية، ولهذا فإنه لا يشترط أن ينطبق على النساء اللاتي لا يلبسن هذا النوع من الثياب… وهكذا فبناء على مبدأ “عالمية” الشريعة الإسلاميّة فقد طرح ابن عاشور طريقة في تأويل الأحاديث الشريفة من خلال فهم الخلفيّة الثقافيّة للعرب التي تكمن خلف تلك الأحاديث، وليس من خلال التعامل معها على أنها ثوابت مطلقة وأحكام لا قيد عليها. من هنا فقد فهم الأحاديث التي أوردناها في ضوء مقاصدها الأخلاقيّة العليا، وليس من خلال التعامل معها على أنها قواعد للسلوك بحد ذاتها. فهذه الطريقة من التعامل مع الأعراف تعزّز “المقاصدية” في نظام الشريعة الإسلامية.
مبدأ الاستصحاب هو “دليل عقليّ”، كما ينظر إليه الفقهاء. غير أن تطبيق هذا الدليل يمكن أن ينظر إليه على أنه تطبيق مقاصد الشريعة. من ذلك مثلاً أنّ “استصحاب البراءة حتي تثبت الإدانة” يقصد به الحفاظ على مبدأ العدل (226)، واستصحاب الحلال حتى يثبت التحريم يقصد بها الحفاظ على مبدأ الرّحمة وحرّيّة الاختيار (267)، واستصحاب صفات معينة مثل ضيق القدرة المالية (268)، ونية العبادة (269)، يقصد بها الحفاظ على مقصد التيسير.
يضاف إلي هذا أنّ الترابي اقترح توسيعا للاستصحاب التقليدي ليشمل “استصحاباً واسعاً” تكون فيه كلّ القيم، مثل العدالة والأسرة بل وحتّى العبادات، على حالها كما يعرفها ويمارسها الناس بناء على ميولهم المخلصة، بحيث يفترض أنّها مقبولة على ما هي، والاستثناء الوحيد من قاعدة الاستصحاب هذه هو ما ورد تصحيحه أو تعديله في الشريعة الموحاة (270)، وهكذا فإن مبدأ الاستصحاب، في شكله التاريخي وفي شكله الحداثي، هو نوع من تحقيق مبادئ الشريعة.
نرى في أيامنا هذه انقسامات حادة توسم بأنها “علمّية” بين صفوف السنّة والشيعّة، والتي يحبّ الكثيرون، انطلاقاً من دوافع مختلفة، أن يروا فيها انقسامات “طائفية”، والحقيقة أنّ الخلافات الفقهية و”الحديثية” بين مختلف المذاهب السنيّة والشيعيّة تعود في نهاية المطاف إلي مواقفهم السياسية، وليس إلي “عقيدتهم”، ولكن مهما يكن الأمر فإن انقساماً عميقاً بين السنّة والشيعة يشاهد اليوم في المحاكم والمساجد والتعامل الاجتماعي في أكثر البلاد، ممّا يفاقم تلك الانقسامات لتتحول أحيانا إلي نزاع دامٍ في عدد من البلاد، لقد ساهمت هذه الانقسامات في ثقافة واسعة الانتشار من ضيق الصدر في الحياة المدنية والفشل في التعايش مع “الآخر”.
لقد قمت بإجراء دراسة مسحية حول أحدث الدراسات حول المقاصد، والتي كتبها علماء سنيّوّن وشيعة بارزون، وقد ظهر لي من خلال الدراسة تشابه ملفت للنظر في مقاربات الفريقين إلى المقاصد (271)، فكلا المقاربتين تتناول نفس المواضيع (الاجتهاد والقياس والحقوق والقيم والأخلاق، وما شابه ذلك)، وترجع إلي نفس الفقهاء ونفس الكتب (كتاب البرهان للجويني، وكتاب علل الشريعة لابن بابوية، وكتاب المستصفي للغزالي، وكتاب الموافقات للشاطبي، وكتاب المقاصد لابن عاشور)، ويستخدمون نفس التصنيفات النظرية (مصالح، ضرورات، حاجيّات، تحسينات، مقاصد عامّة، مقاصد خاصّة، وهكذا)، وأكثر الفروق الفقهيّة بين المذاهب السنيّة والشيعيّة ترجع إلي أحاديث آحاد وتفصيلات الأحكام. بينما المقاربة المقاصديّة إلي الفقه فهي مقاربة شموليّة لا تقيّد نفسها بحديث واحد أو بحكم جزئيّ، وإنما ترجع إلي مبادئ عامة وقواسم مشتركة. فتنطبق المقاصد العليا، مثل مقاصد الوحدة والتوفيق بين المسلمين، يجب أن يكون لها أولويّة أعلي من تطبيق الدقائق الفقهيّة. لهذا فقد منع آية الله مهدي شمس الدّين العدوان عبر الخط السنّي الشيعي، بناء علي “المقاصد العليا المتمثلّة في التوفيق، والوحدة والعدالة” (272)، فالمقاربة المقاصديّة تركّز علي قضايا المساحات الفلسفيّة العليا، وهي بهذا تتغلّب علي الخلافات حول التاريخ السياسيّ للمسلمين، وتشجّع علي ثقافة تشتدّ الحاجة إليها، ثقافة التوافق والتعايش السلميّ.
بناء على التحليل الذي أوردناه للــ “لمقاصدية” التي نجدها في الأدلة والمناهج اللغويّة والعقليّة المختلفة، فإن من الواضح أن تحقيق المقاصد ليست مختصّة في بضع مناهج أصوليّة، مثل القياس أو المصلحة، وهذه الأخيرة يركز عليها كثير من التنظيرات التقليدية والمعاصرة. وإنما أريد أن أقول إن تحقيق مقاصد الشريعة الإسلامّية هي الهدف العميق لكلّ مناهج الاجتهاد اللغوية والعقلية الأساسية، بصرف النظر عن اختلاف أسمائها ومقارباتها. نضيف إلي هذا أن تحقيق المقاصد بوجهة منظوماتية يظهر في الحفاظ على الانفتاح والتجديد والواقعية والمرونة في نظام الفقه الإسلاميّ.
لهذا فإن صواب أي نوع من الاجتهاد يجب أن يحدده مستوى “مقاصديته”، أي مستوى تحقيقه لمقاصد الشريعة. كذلك فإن صواب أي حكم يجب أن يحدّده مستوى تحقيقه للمقاصد. فالاختيار بين الأحكام، أو نتائج الاجتهاد، كانت تجري في السابق بناء على مراتب جامدة لمناهج أساسية تحكم الاجتهاد، مثل الإجماع، والقياس، ورأي الصحابيّ، وعمل أهل المدينة. كانت المذاهب الفقهية تختلف حول مراتب المناهج الأساسّية. غير أنّه بناء على ما عرضناه من تحليل المقاصدية في المناهج الأساسية، فإن الاختيار بين النتائج المختلفة للاجتهاد يجب أن يجري بناء على تحقيق المقاصد، بصرف النظر عن مذهب الفقيه أو ميوله. فنتيجة الاجتهاد التي علينا تبنيها هي التي تحقق المقصد .. ومن هنا فإذا كانت دلالة أحد المقاصد تعارض دلالة مقصد آخر، فالمقصد الذي يظهر أنه الأعلى، بناء على الترتيب الهرمي الذي أوضحناه، هو الذي يجب أن يعطى الأولوية. والخلاصة أن عملية الاجتهاد تصبح في واقعها تحقيقا للمقاصدية في الفقه الإسلامي.
_____________________________________
* نُشرت هذه المراجعة في العدد رقم (79) من مجلة الفكر الإسلامي المعاصر (إسلامية المعرفة سابقًا) الصادر عام 2015