ظهر في يناير كتاب بعنوان «أوراق هنري كورييل والحركة الشيوعية المصرية»**، تضمن سيرة ذاتية أعدها كورييل في ١٩٧٧ وقدم فيها ذكرياته عن الحركة الشيوعية حتى سنة ١٩٤٨، وذلك بوصفه مؤسسًا لواحد من أهم التنظيمات الشيوعية في مصر. وتضمن الكتاب بعض تقارير كان كورييل كتبها، ورسائل كان أرسلها في الخمسينيات من الخارج إلى بعض إخوانه في مصر. وقدم لهذه الأوراق الأستاذ الدكتور رؤوف عباس، رئيس قسم التاريخ بجامعة القاهرة. وهي مقدمة طويلة وهامة تضمنت دراسة للأوراق المنشورة واستخلاصًا للدلالات التاريخية منها.
وأهم ما يلفت النظر هو دور اليهود الأجانب في تأسيس الحركة الشيوعية في مصر، ومغزى نشاطهم طوال الأربعينيات، وهو موضوع تناوله عدد من الكُتّاب في السنوات الأخيرة. وكنت أنا قد واجهت هذا الموضوع عند إعدادي للفصل الخاص بالحركة الشيوعية في كتاب لي نُشر سنة ١٩٨١ بعنوان «المسلمون والأقباط في إطار الجماعة الوطنية». فتكشف لي دور اليهود الأجانب في هذا الأمر، وذلك من مطالعة مراجع الحركة الشيوعية التي أعدها شيوعيون، واستندت فيما كتبت على تلك المراجع، وعلى ما أثبته على ألسنة من شاركوا في الحركة الشيوعية في ذلك الوقت، وذلك حتى لا تلتبس مصداقية الأحداث المروية. ثم عرضت نقدًا لأساليب تلك المراجع في تجميع المادة والتطبيق عليها، وأعددت بناء الوقائع وفقًا للسياق الذي بدا لي أكثر معقولية وواقعية.
وكانت النتائج العامة التي أسفر عنها البحث هي:
أولًا: إن دور اليهود في الحركة الشيوعية لم يقتصر على الأربعينيات ولا على مصر. فقد عرفهم الحزب الشيوعي الذي تأسس في العشرينيات، سواء مؤسسين "كروزنتال" أو مندوبين للدولية الشيوعية (الكومنترن) مثل "فيجدور"، كما عرفتهم الحلقات الماركسية القليلة التي ظهرت في الثلاثينيات. وكذلك عرفتهم الأحزاب الشيوعية التي ظهرت منذ العشرينيات في بلاد المشرق العربي بصفة خاصة؛ إذ كان السكرتير العام للحزب الشيوعي اللبناني هو "كالوب تبير" اليهودي الروسي الأصل، وتزعم الحزب الفلسطيني يهودي يُدعى "أبو زيام"، وكذلك في العراق.
ولا نجد تلك الظاهرة بهذا الوضوح في الأحزاب الشيوعية في المغرب العربي، ولذا كان يجب تفسير ذلك بأن قوة الحزب الشيوعي الفرنسي مكنت من أن تصير أحزاب المغرب العربي شبه فروع للحزب الفرنسي، فلم يظهر دور هام لليهود فيها. فإن سوريا ولبنان كانا تحت السيطرة الفرنسية في الوقت ذاته، ولا يبقى إلا سبب خاص يجذب اليهود للعمل السياسي في أحزاب المشرق العربي. كما أن موفدي الدولية الشيوعية وكبار المسؤولين فيها عن الشرق الأوسط كانوا غالبًا من اليهود، وقد أثبت بعض قدامى الشيوعيين المصريين أن هؤلاء المسؤولين كانوا ينفذون أغراضًا صهيونية.
ثانيًا: بدا لي أن هذا الوجود اليهودي الأجنبي في الحركة الشيوعية المصرية لم يكن بعيدًا عن التحرك الصهيوني في منطقة المشرق العربي المتاخمة لفلسطين، وبخاصة في الأربعينيات، وهو التحرك الذي أسفر عن إنشاء دولة إسرائيل في ١٩٤٨. كما أن هذا الوجود كان يوجه نشاط الحركة الشيوعية في مصر وجهة المجابهة ضد تيار الحركة السياسية الإسلامية، وضد تيار الحركة السياسية القومية المتشددة، وذلك بوصف أن هذين التيارين تياران نازيان أو فاشيان، مما يجعلهما يعتبران أكثر خطرًا على البلاد حتى من الحكومات المصرية الموالية للاحتلال البريطاني.
ثالثًا: إن هذا التوجه اليهودي الأجنبي للحركة الشيوعية كانت له مناسبة أخرى من منتصف الثلاثينيات، وهي إلغاء الامتيازات الأجنبية واستعادة مصر سيادتها الكاملة على التشريع والقضاء. وهذا الأمر جعل الأجانب المقيمين في مصر يتوجسون خيفة من ضياع امتيازاتهم الاقتصادية والاجتماعية، ويحذرون من الأنشطة السياسية المصرية التي من شأنها التأثير على القرارات السياسية للدولة مما يمس مراكز هؤلاء الأجانب. وبدأوا يسعون لأن يكون لهم دور ما في الحركة السياسية المصرية، ويشجعون عددًا من أفراس الرهان منها: الحركة الشيوعية، وحسبهم منها أن تكون ركيزة لمقاومة التيارين الإسلامي والقومي وهما تياران شعبيان، وأن تكون بوتقة لتذويب الشعور المصري بالتميز والاختلاف عن الأجنبي.
رابعًا: بدا لي أن جزءًا من الصراع السياسي داخل الحركة الشيوعية، كان مصدره سعي الأجانب اليهود لاستبقاء هيمنتهم عليها، وسعي بعض الشباب الوطني لتوجيه الحركة وجهة بعيدة عن نفوذ الأجانب بها.
ومن جهة أخرى، فقد أغراني النظر في تلك الوقائع بالتنقيب عن أساليب العمل السياسي والتنظيمي التي مُورست، وكيف أمكن لقلة أجنبية يهودية في ظروف صعبة للغاية أن تسيطر هكذا على حركة تضم مصريين على أرض مصر، وتستبقي نفوذها حتى بعد تهجيرها من مصر. وهي قلة ليس لها نفوذ في الحكم يُمكّنها من استخدام أدوات الحكومات في السيطرة. إننا هنا أمام تجربة يمكن أن نستخلص منها دروسًا كثيرة في فن السياسة.
وفي ١٩٨٤ صدر كتاب «مستقبل النظام الحزبي في مصر» للأستاذ محمد سيد أحمد، وجاء به: «لا بد أن تستوقفنا حقيقة أن أبرز الذين أعادوا تأسيس الحركة الشيوعية المصرية في السنوات الأولى للحرب العالمية الثانية كانوا من اليهود بالذات، ولا أشك في إخلاص هؤلاء اليهود، وكان العديد منهم أصدقاء شخصيين لي، ولكني أقول إن ثمة سؤالًا لا بد أن يُطرح حول الدافع إلى تحركهم في ذلك الوقت تحديدًا، وتصعب نسبة هذا التحرك إلى الصدفة فقط. فهل كان الدافع هو إنشاء حركة مستقلة للطبقة العاملة المصرية كما كانوا يدّعون، وهم بعيدون كل البعد عن بيئتها؟ أم كان الدافع الدفين غير المعلن، ربما حتى لأنفسهم، هو إطلاق حركة لدى الرأي العام المصري والمثقفين الوطنيين والشباب المتحمس، كفيلة بحمايتهم كجالية في وجه توجه العديد من هؤلاء إلى النازية. والسؤال ذو أهمية، ذلك أن هؤلاء اليهود كان لا بد من أن يطبعوا التنظيمات الشيوعية وقت تأسيسها بطابع خاص». ثم أشار إلى حادثة أكدت لديه حرص العناصر اليهودية في الاحتفاظ بمواقع القيادة وفرض الوصاية، وأن هذا العنصر عاق الحركة الشيوعية وصار عنصرًا مدمرًا مع تأسيس دولة إسرائيل.
وفي ١٩٨٥ نشر سعد زهران كتابه «في أصول السياسة المصرية»، ذكر به: «إن بريطانيا بعد ١٩٣٦ كانت قد شجعت أشكالًا من النشاط الجماهيري المعادي للفاشية بين الجاليات الأجنبية، ونهض بهذه المهمة مجموعة من الأجانب والمتمصرين غالبيتهم من اليهود الماركسيين الذين اجتمع لديهم حافز الخوف من هتلر مع القدرة على استخدام الماركسية». كما ذكر أن الحركة الشيوعية نشأت مقسمة متنافسة تنظيماتها ومتنابذة دون سبب واضح، وأن غالبية القيادات والكوادر المسؤولة كانت من الأجانب واليهود خاصة، حتى رحل عدد كبير منهم في سنة ١٩٤٨، وأن بعضًا ممن ترك مصر ظل يمارس نفوذًا قويًا على بعض القيادات المصرية. وذكر أن العناصر المصرية لم تكن في مستوى فكري يؤهلها لمساجلة القادة المحترفين من اليهود الأجانب «المدربين على استخدام النظرية وتطويع نصوصها لخدمة توجهاتهم، ويتوفرون على إمكانيات هائلة، ولا يترددون في استخدام الضغوط المادية والإغراءات الحياتية». وفي أواخر ١٩٤٧ بعد قرار الأمم المتحدة بتقسيم فلسطين، والتأييد الفوري الذي حظي به القرار من جانب تلك القيادات الأجنبية التي يغلب عليها العنصر اليهودي، بل وحماستها بالتمهيد للقرار، والاندفاع في تزيين فكرة إقامة دولة صهيونية على أرض فلسطين، والاستعداد للاحتفال بمولد تلك الدولة؛ كل ذلك عمق الهوة التي تفصل القيادات الأجنبية عن قواعدها المصرية. وذكر أن الحركة الصهيونية العالمية وفقًا لتقاليد اللعب على أكثر من حصان والظهور بأكثر من وجه، كانت تقف بقدم في المعسكر الإمبريالي العالمي، وبقدم أخرى في معسكر اليسار العالمي الأوروبي. ثم يشير في موضع آخر من الكتاب إلى النفوذ القوي الذي تتمتع به اليهودية العالمية في أوساط اليسار الأوروبي الاشتراكي والشيوعي على حد سواء، وفي الأمميتين الثانية والثالثة معًا، وأن السوفييت كانوا يرون صالحًا لهم طويل الأمد في إقامة دولة إسرائيل؛ عسى أن تخلصهم من هذه الأقلية المكلفة التي تبلغ خمسة ملايين يهودي روسي.
وعندما يقال اليهود الأجانب في الحركة الشيوعية في مصر، يقفز اسم كورييل كرمز وعلم وكأكبر شخصية في هذا المجال، لذلك كان من الطبيعي أن يحتفل المهتمون بقراءة ما نُشر من «أوراق هنري كورييل». والسؤال هو: ماذا نرى في هذه الأوراق مما يمس موضوعنا هذا، الوجود اليهودي في الحركة الشيوعية في مصر؛ ودوافعه وآثاره، ومن هو كورييل كوعاء نفساني بشري للدور الذي قام به؟
وأول ما يراه القارئ في مذكراته؛ اعتذار كورييل عما عسى أن يوجد من نقص لأن هذا هو كتابه الأول يكتبه وهو في الثالثة والستين، وهو لا يجد أصعب على نفسه من الإفصاح عما يريد «لأن الأوضاع المركبة قد يُساء فهمها حين يشرحها عجوز مقتلع من جذوره».
١ - وهنري كورييل، حسب ما كتب عن نفسه، من أسرة يهودية نزحت إلى مصر من إسبانيا حوالي ١٨٥٠، وُلد بقصر بالزمالك سنة ١٩١٤ من أب صاحب بنك، وأم يهودية ولدت في إسطنبول وعُمدت نصرانية، وعمدت أولادها سرًا. وانتحلت الأسرة الجنسية الإيطالية مدعية نسبها إلى مدينة ليفورن التي كان احترق أرشيف المواليد والوفيات بها، وبسبب انتحال الأسرة الجنسية الإيطالية تمكنت من أن تتمتع في مصر بالامتيازات الأجنبية. فهي أسرة حديثة عهد بمصر اقتلعت من إسبانيا واختارت عيش الأجانب في مصر التي نزحت إليها قبل مولد هنري بستين سنة، واصطنعت نسبًا للإيطالية تعيش به في مصر، وكانت عادة الأسرة أن ترسل شبابها إلى فرنسا ليتعلموا هناك.
ولما أُجل سفر هنري إلى فرنسا في ١٩٣٠ بسبب الأزمة الاقتصادية؛ ارتاع وقال في مذكراته: «كان من الصعب على يهودي إيطالي تخرج في مدرسة فرنسية أن يجد نقطة ارتباط حقيقية في بلد مسلم، كانت فرنسا هي الوطن الوحيد الذي شعرت بالارتباط به، بعد أن فقدت إيماني مبكرًا». ولما قامت الحرب تطوع في الجيش الفرنسي سنة ١٩٤٠ ولكن لم يُنفذ هذا التطوع، وفي موضع آخر يقول إنه فقد إيمانه في سن مبكرة، فقد كان حسب قوله يهوديًا في مدرسة كلها مسيحيون في بلد جُله مسلمون، فأدرك من هذا «نسبية العقائد».
ونحن نلمح في هذا التكوين إنسانًا مقتلع الجذور، ذا تكوين وجداني وتربوي خاص جدًا، لذلك يمكن أن نفهم جيدًا قوله: «إن العديد من الغرائز ينقصه». ويتساءل عما إذا كان يحتاج إلى القول بأنه لم يشعر بنفور في مواجهة عملاء المخابرات الإنجليزية، وإن كان حسم الأمر بأنه لا يستطيع إقامة علاقات بالتقدميين المصريين وهو متورط مع الإنجليز، فأموره تتشكل وفقًا لحساباته دون دخل لأي عواطف، أو «غرائز». مثل هذا التكوين الوجداني يتلاءم بشدة مع أنشطة الاستخبارات.
٢ - ننظر إلى وجهة نظره في الظرف السياسي الذي رآه في مصر في النصف الأخير من الثلاثينيات، وهي ذاتها الرؤية التي حركت شباب الأجانب المتمصرين للعمل السياسي في ذلك الوقت. وكورييل واحد منهم، يقول إن السياسة الإنجليزية حتى ١٩٣٥ كانت تستند إلى حماية مصالح الأقليات الأجنبية، فلما بدأت تواجه الخطر الإيطالي والألماني في سنة ١٩٣٥ أجرت تغييرًا هو التخلي الكامل أو شبه الكامل عن هذه الأقليات الأجنبية، ومحاولة التوصل إلى تسوية مع الوفد، وهذا مكن الوفد من أن يفرض على الأجانب إشراك مصريين معهم في مشروعاتهم.
ومن ناحية أخرى صارت الحركة الوطنية في مصر في ذروة الاضطراب حسبما يذكر كورييل لأن هناك عناصر «ستتحالف معظمها مع النازيين والفاشيين».
ثم يتعرض للأجانب فيقول إن اليونانيين في مصر كانوا يناضلون داخل جالياتهم، وهناك فرنسيون وإنجليز كانوا يعملون في أحزاب بلادهم، ولكن هناك الآخرين وهم أساسًا يهود من جنسيات مختلفة «لم يتأثروا كثيرًا بالمشكلات الوطنية الداخلية [و] كانوا بالطبع ينفرون من الفاشية التي فتنت الكثير من الوطنيين المصريين». ومثل هذه التغيرات كان يُشار بها في الأدب الماركسي وقتها لمصر الفتاة والإخوان المسلمين. ثم يقول كانت الشيوعية هي الجانب الوحيد الذي يعترف بهم اليهود كمصريين.
وكورييل لا يرى غرابة في وجود هؤلاء في السياسة المصرية، ولا يرى غرابة في دوافعهم، بل يجد الغرابة في العُقَد التي كانت لدى بعض الشيوعيين من وجود هذا القسم اليهودي من الأجانب في العمل السياسي المصري. أما أن يقوم هؤلاء بوضعهم الأجنبي المتميز وبدوافع تبدأ بكونهم جاليات أجنبية، على رأس تنظيمات سياسية مصرية تقاوم حركات شعبية إسلامية وعربية مصرية باسم أنها حركات فاشية، فهذا ليس غريبًا لدى كورييل. ونحن نلحظ هنا أن الأسباب التي ساقها كورييل واقعية وأن نظرته تنسجم مع وضعه هو وزملائه بوصفهم أناسًا مقتلعي الجذور، ولكن الغريب أن يُوجد من بيننا نحن من ينظر إلى الأمور بنظرة هؤلاء.
ويتفق مع وجهة كورييل نوع نشاطه السياسي في تلك الفترة، وقد أورد ملاحظة على نوع نشاطه كانت تفوت على كثير من المهتمين بهذا الأمر، إنه يقول إن كانت المهمة الرئيسية للشيوعيين الأجانب والمصريين هي «الدعاية لأفكارهم ومضاعفة عدد الأشخاص الذين يعتنقون الشيوعية كمذهب مجرد لا تزال تطبيقاته العملية مبهمة على أقل تقدير». فكان النشاط يتعلق إذًا بدعوة مذهبية أكثر مما يقوم ببرنامج سياسي، يتعلق بترويج أيديولوجي في الأساس. وأولوية هذا الأمر هنا تتفق مع الوجهة الأجنبية اليهودية من السعي لتكوين منطقة أيديولوجية في السياسة المصرية وبين الشباب، منطقة تصلح مكانًا وموئلًا للوجود الأجنبي في السياسات المصرية. كما نلاحظ الوجهة الأجنبية أيضًا في ترتيب الأولويات بالنسبة للسياسة الدولية، إذ تعلقت اهتمامات رئيسية، ضد العدوان الإيطالي على الحبشة، ضد عدوان اليابان على الصين، ضد فرانكو في إسبانيا. إن الأولوية هنا رُسمت على أساس العداء للفاشية، ولدول المحور بخاصة وليس العداء للاستعمار بعامة، كما رُسمت في إطار منظور أوروبي وليس من منظور شرقي.
٣ - إننا في قراءتنا لهذه الأوراق نجد أن كورييل يرد قيام الحركة الشيوعية في مصر إلى عوامل خارجية في الأساس، وليس إلى العوامل الداخلية والتفاعلات الاجتماعية التي يعتبرها المنهج الماركسي أساس ميلاد الظواهر وتغيرها. يقول كورييل إن تحقق ميلاد الحركة الشيوعية في مصر جاء في ظروف هي: العدوان النازي على الاتحاد السوفييتي في يونيه سنة ١٩٤١، وجاءت في ٤ فبراير ١٩٤٢، وانتصار الروس على الألمان في ستالينجراد في فبراير ١٩٤٣، فهي ثلاثة أسباب منها سبب مصري داخلي واحد. هنا تحكمت النظرة الأجنبية في إدراك صاحب المذكرات لعوامل الظهور.
ومن أهم ما يشير إليه كورييل في نشاطه السياسي خلال الحرب؛ إنشاء «مكتبة الميدان» التي كانت توزع الكتب الماركسية وتسهم بها في نشر هذا الفكر، ويقول إنها قامت بدور كبير كحلقة اتصال، لأن مصر كان بها نحو مليون من جنود الحلفاء بسبب الحرب. وكانت المكتبة تتلقى كتبًا بكل لغاتهم وهم فرنسيون وإنجليز وأستراليون ونيوزيلنديون وسنغاليون ويونانيون وبولنديون ويوغسلافيون وفلسطينيون ويهود، وذلك خلاف الكتب الألمانية والإيطالية التي كانت تُوزع في وحدات الأسرى داخل معسكرات الاعتقال. ويمكن للقارئ أن يعجب بالنسبة لإمكان القيام بهذا النشاط بين الجنود في غفلة عن أجهزة الاستخبارات البريطانية، التي يعترف كورييل في مجال آخر بأنه كان لها اهتمام بالنشاط المعادي للفاشية الذي يقوم به اليهود والماركسيون في النوادي الثقافية كالنادي الديمقراطي.
وهذا التوجه الأجنبي يشير إليه كورييل في وضوح بالنسبة لمجموعات من زملائه، كان هدفهم تكوين مجموعات من الشيوعيين الأحسن إعدادًا من الآخرين، وتتويج هذه المجموعة باعتراف من الدولية الشيوعية. وهو في مناسبة أخرى عن حديثه عن الوحدة التي جرت في ١٩٤٧ بين الحركة المصرية للتحرر الوطني ومنظمة «إسكرا» يقول: «من الآن فصاعدًا أصبحت جميع القوميات ممثلة بدرجة كافية». ولا يدري القارئ، هل كورييل يتكلم هنا عن جماعة دولية أم عن حزب مصري المفروض أن يضع برنامجًا لتغيير الأوضاع المصرية، وأن يسعى للوصول إلى حكمها لتطبيق برنامجه أو تحقيق ما يراه من أهداف عامة كبرى؟ وهل يمكن أن تقوم حركة سياسية تقود مصريين ويمكن أن تصل للحكم وتكون ممثلة لجميع القوميات بدرجة كافية... أليس هذا تحقيقًا أمثل لمشروع كرومر الذي أعده ودعا إليه في أوائل القرن لتحكم مصر مجالس تمثل الأجانب بحسب أن مصر في رأيه جماعة دولية؟ إننا نثير هذه الأسئلة حتى يمكن لمن يهمه الأمر أن يفرغ قليلًا لبحث (مفهوم الجماعة السياسية بمصر في نظر كورييل).
٤ - وأثناء الحرب كان لكورييل وتنظيماته السياسية نشاطها مع من يسميهم «يهود فلسطين»، وهي عبارة لا تلتبس لدى القارئ المصري والعربي، فهي لا تعني لديه غير الصهاينة فيما يبدو. والفرقة التي كونها أيام الحرب لتعمل مع الحلفاء، وهو العمل الذي أكسب الصهاينة خبرة وتدريبًا استخدموه بعد الحرب في طرد الفلسطينيين العرب وقتلهم وتذبيحهم حتى نشأت دولة إسرائيل، كما استُغلت في قتال الجيوش العربية ومنها الجيش المصري في ١٩٤٨.
يذكر كورييل أن المجلة المعادية للفاشية التي أصدرتها «الحركة المصرية للتحرر الوطني» كانت موجهة إلى معسكرات الاعتقال باللغة الألمانية، وقام بتوزيعها أيضًا الجنود اليهود والفلسطينيون، ويبدو أن مثل هذه الأنشطة وغيرها هي مما جعل الحزب الشيوعي الفرنسي يتهم كورييل بالعمل مع المخابرات البريطانية حسبما ذكر كورييل في هذه المذكرات.
مظاهرات ضد السامية
ويشير كورييل أيضًا إلى أن «الاتحاد الديمقراطي» الذي أنشأه الماركسيون كان يعقد اجتماعاته الأولى في مركز محفل ماسوني إيطالي، فالماسونيون أعداء منطقيون للفاشية التي تضطهدهم، وقد أصبح بعضهم مناضلين شيوعيين.
بهذه الرؤية ومن هذا الموقف ينظر كورييل إلى المظاهرات الشعبية الكثيفة التي جرت في ٢ نوفمبر سنة ١٩٤٥ بمناسبة ذكرى وعد بلفور وتضامنًا مع شعب فلسطين في جهاده ضد الصهيونية، يقول كورييل في وصف ذلك اليوم: «حاول الإخوان المسلمون بتحريض من الإمبريالية والحكومة المصرية إثارة المظاهرات المعادية للسامية، وقاموا بالفعل بمذبحة حقيقية في حماية البوليس، ولكن الحركة المصرية للتحرر الوطني استعدت لهذا اليوم وكشفت هذه المناورة». ويذكر في تقرير آخر كتبه في ١٩٥٥ عن حرب فلسطين: «أُعلنت الأحكام العرفية في البلاد في ١٥ مايو سنة ١٩٤٨ وبدأت الحرب الظالمة ضد دولة إسرائيل»، ويصف هذه الحرب بأنها: «الحرب الإجرامية» وأنها حرب إمبريالية ظالمة.
٥ - بقيت بعض نقاط سريعة، فهو يعتبر أن اعتقاله أثناء الحرب كان أول غوص له في واقع السياسة المصرية، فقد عرف في تلك الفترة إلى أي مدى يكره المصريون الإنجليز. وهكذا فإن أبجدية السياسة المصرية في ذلك الوقت عرفها كورييل وهو في الثامنة والعشرين من عمره، وعلق على هذا بقوله: «إن كان هدفهم هو النضال ضد المحور، وإذا كانت إنجلترا تقاتل ضد المحور وينبغي مساعدتها، فإن ذلك سيؤدي إلى حرمانهم من اهتمام الرأي العام المصري، لذلك وجُد الطريق الأمثل هو اتخاذ موقف ثابت ضد الإمبريالية ونشر الشعور بالحب نحو الاتحاد السوفييتي». إننا عندما نقرأ نص حديثه (ص ١٠٧) هنا، نجد أنفسنا إزاء عقل حاسب مجرد ليس فيه عاطفة انتماء مرئي أو عاطفة كراهية ثابتة إلا ضد المحور. أما العداء للإمبريالية فهو خطة ووسيلة، وحب الاتحاد السوفييتي هو أيضًا خطة ووسيلة، وإطلاق اسم الحركة المصرية للتحرر الوطني هو إدخال في هذه الحسابات، لولا أن المصريين أضفوا عليها من صواب موقفهم.
وهو يصوم مع صائمي رمضان في المعتقل لأن حديث الشبعان لا يحرك وجدان الجائعين، ويفكر تحت ضغط الهجوم الألماني على مصر أن يتعمد بأن يعتنق الإسلام ثم يعدل اعتزازًا بنفسه، ثم هو يختار لحركته الشيوعية اسمًا بعيدًا عن هذا اللفظ لأسباب منها أن الدعاية تصور الشيوعية مرادفًا لأكثر المبادئ شذوذًا. ويعتبر من أسموا تنظيمهم صراحة باسم الحزب الشيوعي المصري يرتكبون غلطة سياسية عميقة وهي خداع الجماهير؛ فمنطقه أن من يخفي هويته لا يخدع الجماهير، ومن يجهر بها يخدع الجماهير. وعلى كل حال يُعد كورييل من أكبر من أرسى تقاليد التقية في العمل السياسي في مصر، وهو إخفاء الهوية، ويذكر أنه هو من اقترح فصل السودانيين عن التنظيم المصري ليقيموا تنظيمهم الخاص وذلك بغير رضاء من السودانيين.
إن كان كورييل رجل عمل وتنظيم، ومثل هؤلاء يغلب عليهم العمل الصامت أو حتى الكلام الصامت، أي الحديث الذي يهدف إلى إحداث آثار عملية محددة في كل ظرف محدد، وما جعل في حديثه بعض الإيضاح لنا أنه طال به الأمد بعيدًا عن مصر والمصريين، فصار حديثه كأنه موجه في الأساس لقارئ غير مصري بمراعاة المواصفات الخاصة للتكوين الفكري للرأي العام المصري.
وعلى كل حال؛ فإن أوراق كورييل تنضاف إلى مراجع الحركة الشيوعية في مصر من حيث بيان دور الأجانب واليهود بها في زمن نشأتها ونموها خلال الأربعينيات. وعسى أن يكون فيها ما يؤكد النتائج البحثية التي أوردتها في بداية هذا الحديث، وما يؤكد شهادات الأستاذين الكبيرين محمد سيد أحمد وسعد زهران وفقًا لما أثبتاه بحكم تجربتهما الطويلة الصادقة. وإن الدراسة التي قدم بها الأستاذ الدكتور رؤوف عباس لكتاب «أوراق هنري كورييل» تتميز بدقة الاستخلاص والموضوعية المفرطة وعمق التناول، وبها يضيف إلى المكتبة التاريخية المصرية عملًا جادًا رصينًا كعادته فيما قدم من قبل.
كل ما أريد أن أنهي به حديثي إننا قد نختلف ونتصارع حول قضايا كثيرة، ولكن ينبغي أن ندرك دائمًا أن للفكر وللممارسة السياسية في إطار الجماعة حدودًا كحدود الوطن الجغرافية لا يجوز تجاوزها ولا انتهاكها. ومع الاحترام الصارم للإطار العام للجماعة الوطنية ومكوناتها الأصلية فلنختلف ولا تثريب.
لتحميل ملف المقال (هنا)
* مقال "قراءة مصرية في: "أوراق هنري كورييل""، بقلم طارق البشري، نُشر في مجلة الهلال، العدد 4، بتاريخ 1 أبريل 1988.
** أوراق هنري كورييل والحركة الشيوعية المصرية، دراسة: د. رؤوف عباس، ترجمة: عزة رياض، دار الأمين للنشر والتوزيع (القاهرة)، 1988م.