توجه علماء الشريعة عند تعاملهم مع الأحكام العملية التي استنـبطوها من النصوص والروايات وفتاوى علماء خير القرون إلى صياغة مفاهيم كليّـة تندرج تحتها الجزئيات المتناثرة وآحاد الأحكام. ومن هذه المفاهيم الكلية مفهوم خطاب التكليف حيث تم تصنيف الأوامر والنواهي والوصايا والعهد وفتاوى الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم وغير ذلك إلى خمس مراتب من الوجوب والمندوب والمباح والمكروه والحرام. وقد قرر العلماء مرتبة كل حكم بناءً على نظر كـلّـي إلى الأدلة وقوتها وسياق الكلام في النصوص المتعلقة بفعل من أفعال المكلفين، وبناءً على النظر في مقدار المفاسد والمصالح المترتبة على الفعل ومقدار غلبة الظنّ بتحقـقها. فليس كل أمر يفيد الوجوب، وليس كل نهي يفيد التحريم، إذ لا بد من النظر الكلـي في موارد الأمر والنهي للوقوف على حقيقة المراد بالأمر من الإباحة أو الندب أو الوجوب أو حقيقة المراد بالنهي من الكراهة أو التحريم.
وخطاب التكليف كما أورده علماء الأصول جاء بدون تعريف وجاء مطابقًا لتقسيم الأحكام وذلك بقولهم خطاب التكليف هو الأحكام الخمسة مع أن الأمر يحتاج إلى التوضيح والتفصيل، وهو ما نريد أن نسجل فيه بعض الملاحظات والتي نأمل أن تساهم في تحريك الأذهان لمزيد من البحث والدراسة.
أول هذه الملاحظات أن مفهوم خطاب التكليف جاء في جميع كتب الأصول بلا تعريف أو بيان حد أو غاية؛ إذ ينحصر خطاب التكليف بالأقسام الخمسة للأحكام وتأتي جميع الشروط والتفاصيل الأخرى عن التكليف في إطار الشرح لبعض الشروط الإجرائية للتكاليف مثل العقل والإيمان والبلوغ. وتأتي بقية التفاصيل في ثنايا بعض الأبحاث في كتب الفقه والأصول متناثرةً في بعض أبحاث العقيدة أو الحديث عن خطاب الوضع أو الرخص وغير ذلك. ويعجب المرء ويتساءل عن السبب الذي جعل الحديث عن مفهوم التكليف وشروطه ومجالاته لا يحتل المكان اللائق به في التربية الدينية أو التعليم الشرعي. وأحسب أن ضمور المقدمة الطبيعية لأبحاث الفقه والمتمثلة في شرح مفهوم التكليف وما يتعلق به قد يكون السبب في انتشار توجهات الغلو والحرفية والتعسف من جملة مظاهر الفكر الحـدّي الذي تغيب معه الصورة الكلية الإجمالية للأمور ويتضخم موضع الجزئيات ليصبح النظر إلى الأمور من وجهة نظر الشريعة ‑كما يفهمها الناس‑ حرام أو حلال، أبيض أو أسود، وبدون تفصيل أو فهم كـلي شامل.
والملاحظة الأخرى أن كثيرًا من التفاصيل المهمة لمفهوم خطاب التكليف وشروط الدخول في الأعمال جاءت مغمورة متناثرة في كتب علماء أجلاء في سياق أبحاث مهمة قيمة لا تختص باسم خطاب التكليف ولكنها تقدم تحليلًا دقيقًا وتوجهًا حكيمًا في عرض وشرح هذا المفهوم، فلا بد من إعادة الصياغة لما طرحه هؤلاء الأئمة الأفذاذ بما يكشف عن مساهماتهم التي طمسها البعد عن الترتيب المنهجي لآحاد الأفكار والمفاهيم.
إن ما ذكره الشيخ العز بن عبد السلام في "قواعد الأحكام" عن تفصيلات مراتب المصالح وامتزاج المصالح بالمفاسد ‑مثلًا‑ يُعد مقدمة مهمة في توضيح مفهوم التكليف، لكن الشيخ لم يشر إلى علاقة ما ذكره بمفهوم خطاب التكليف. وكذلك فإن جميع ما ذكره الإمام الشاطبي في كتاب "الموافقات" هو شرح وتفصيل لمفهوم خطاب التكليف. وأظن أن التسمية الأصلية للكتاب "التعريف بأسرار التكليف" كما أوضح الشيخ الشاطبي في مقدمته لكتاب الموافقات تدل على محتواه وموضوعه إلى درجة كبيرة. فالمقدمات التي افتتح بها الشيخ الشاطبي كتابه وشرح تفاصيل الدخول في الأسباب ووجوب مطابقة التسبب لمجاري العادات ‑السنن الكونية – أو ما ذكره الشيخ في كتاب "المقاصد" من وجوب مطابقة مقاصد المكلف عند قيامه بالأعمال لما قصده الشارع بالتكليف، أو ما ذكره من تفاصيل الدخول في المشقة، وكثير من تفصيلات الحديث عن الأدلة أو الاجتهاد داخلة في معنى التكليف وشرح ما يحف به من المعاني والمتطلبات.
وما ذكره ابن خلدون من وجوب مطابقة وسائل التغيير لطبائع العمران أو ما يمكن أن نسميه ‑السنن الاجتماعية-، كل ذلك -وكثير غيره- له صلة أكيدة بشرح وتوضيح مفهوم التكليف وطبيعته، وشروط الدخول في الأعمال والتكاليف من وجهة النظر الشرعي، ولكن هذه المساهمات القيمة منثورة مبعثرة في سياق موضوعات كثيرة متشعبة، فلا بد من جمعها وتبويبها وتنسيقها واستثمارها لبلورة مفهوم التكليف، ولا بد كذلك من إضافة البعد الجماعي لمفهوم التكليف وما يتضمنه ذلك من إعادة لصياغة مفهوم فروض الكفاية وما يحف به من المتطلبات. وبعد ذلك لا بد من إدراج هذه الأمور -بترتيبها الجديد- في صلب علم الأصول وطريقة تدريسه وتوظيفه.
وأما المفهوم الكلي الآخر الذي صاغه العلماء في محاولتهم لتبويب وتصنيف الأحكام الشرعية وما يتعلق بها فهو ‑خطاب الوضع-. وقد عبر بعض العلماء عن وعورة هذا المصطلح وصعوبة فهمه، وتجاوز الأكثرون ذلك وقفزوا فوق التعريف وبيان الحدّ إلى القول إن خطاب الوضع هو الأقسام التي ينقسم إليها من أسباب وشروط وموانع وغير ذلك، كما فعلوا من قبل عند الحديث عن خطاب التكليف إذ عرفوه بأقسامه.
وعند التأمل في مناقشات العلماء وما أثاروه من قضايا حول هذا المفهوم تبين لي أن ‑خطاب الوضع‑ هو مفهوم غنيٌّ وعميق لا بد من سبره واستثماره لمحاولة فهم أدق لطبيعة النظر الشرعي إلى الأحكام كما رآها علماء الأصول.
وأول ما يجب تسجيله في محاولتنا لفهم مصطلح خطاب الوضع هو علاقة هذا المصطلح بالتعامل مع الظروف والأوضاع العملية بما يتعلق بالواقع أو ما يترتب على أمور واقعية خارجة عن التحكم بها أو ضبط حدوثها. فالإمام الشاطبي في "الموافقات" يفتتح حديثه عن خطاب الوضع بقوله: "الأفعال الواقعة في الوجود المقتضية لأمور تشرع من أجلها أو توضع ضربان: أحدهما خارج عن مقدور المكلف …"، فعلى هذا يترشح أن يكون خطاب الوضع محاولة لتأصيل منهجية في التعامل مع الأفعال الواقعة في الوجود والخارجة عن مقدور المكلف.
أما الإمام القرافي في كتابه "الفروق" فقد ميّز خطاب الوضع عن خطاب التكليف بقوله: "واعلم أنه يشترط في خطاب التكليف علم المكلف وقدرته على الفعل وكونه من كسبه"، وبهذا يترشح أيضًا أن خطاب الوضع يتناول أمورًا لا تتعلق بقدرة المكلف ولا علمه ولا كسبه.
وكذلك بيّن الإمام الشاطبي عند الحديث عن الشروط المعتبرة شرعًا أن الشروط الراجعة إلى خطاب الوضع ليس للشارع قصد في تحصيلها أو عدم تحصيلها من حيث هي شروط، فإبقاء النصاب حولًا حتى تجب فيه الزكاة، مثلًا، ليس بمطلوب الفعل ولا مطلوب الترك. وكذلك قرر الشاطبي عند ذكر الموانع أنها ليست بمقصودة للشارع؛ بمعنى أنه لا يقصد تحصيل المكلف لها أو رفعها، ولكن متى حدث أو وقع المانع ترتب عليه أمور. وكذلك اعتبرت الرخص من خطاب الوضع نظرًا للوضع الاستثنائي للمرض والسفر والمشقات التي تخرج عن المعتاد ودور ذلك في التيسير ورفع الحرج. فأسباب الرخص ليست مقصودة التحصيل للشارع ولا مقصودة الرفع لأنها موانع لترتب أحكام العزائم.
ومن جملة هذه الإشارات والتوضيحات نستطيع أن نقول إن خطاب الوضع -كما قرره العلماء- هو مفهوم يتعلق بالتعامل مع الواقع وما يجري فيه؛ هذا التعامل الذي يأخذ الواقع -كما هو‑ بعيدًا عن الاستغراق بالتقييم الأخلاقي أو المعاناة الشعورية. فما يجري في الوجود من الأفعال التي ‑لا قصد للشارع في تحصيلها أو رفعها‑ هي أمور تأخذ مداها في الواقع وينظر إليها المسلم كأسباب لوجوب أشياء ما كانت واجبة، أو موجبات لشروط تحدد طبيعة التعامل مع الأمور أو موجبات ومقتضيات لموانع ترفع أحكامًا مستقرة أو واجبات مقررة.
إن فهم خطاب الوضع بهذا الشكل يعطي القدرة على معالجة الواقع وتحليله وفهمه بعيدًا عن هاجس إعطاء الموافقة أو هاجس الإقرار بما ليس مرغوبًا فيه أو هاجس الإذعان لما هو منهي عنه ومحكوم ببعده عن الصواب في الظروف العادية.
إن خطاب الوضع هو الرد على الخطاب المثالي الذي يعالج الأمور بالرفض والإنكار والادعاء أن كل شيء على ما نحب أن نراه ونتمناه، هذا الخطاب المثالي الذي يقفز فوق معطيات الزمان والمكان ولا يلتفت إلى الأفعال الواقعة في الوجود ليؤصل الرد المناسب عليها والتصرف الملائم تجاهها.
إن خطاب التكليف هو الخطاب بما يجب على المكلف فعله أو تركه من مراتب الأحكام في الظروف الطبيعية عندما يكون المكلف في سعة من أمره بشأن الخيارات المتاحة، أما خطاب الوضع فهو أشبه بمعالجة إصابةٍ بحادث في غرفة الإسعاف حيث توضع الآليات في ترتيب معكوس لرعاية الأولويات؛ إذ لا نستطيع التحكم في طبيعة الإصابات ولكننا نستطيع أن نحدد خطة لوقاية المريض من مضاعفات يمكن تفاديها ودرء خطرها.
وفهم خطاب الوضع بهذا الشكل يعطي الفرصة للخروج من التصور ‑الحـدّي‑ الذي يختزل الحياة وتشعباتها إلى حرام أو حلال، بينما تتنوع الأفعال الواقعة في الوجود إلى طيف من الاحتمالات لا تنسجم مع ذلك الحصر. فحيث تـقـع أمور ليس للشرع مقصد في تحصيلها أو منعها لا بد من تحلـيـل هذه الأمور في سياقها وعلاقاتها بالقرائن وبعد هذا النظر الكـلي يمكن النظر فيما يتسبب عن هذه الأمور أو فيما توجب من شروط أو يترتب عليها منع أو تعليق لأمور مقررة.
فخطاب الوضع كمفهوم طرحه الفكر القانوني الإسلامي هو مفهوم عملي حركي يدرس الأفعال الواقعة في الوجود كما هي، ليقيم نتائجها وانعكاساتها بعقلية واقعية تتناول الأمور دون آراء ومواقف مسبقة تغري بالإهمال أو التجاوز والإلغاء أو أي شكل من أشكال القفز فوق الحقائق.
ولكن الناظر في الأمثلة التي ساقها العلماء والفقهاء على خطاب الوضع تصيبه خيبة الأمل. فقد كانت الأمثلة في أغلبها من باب العبادات أو بعض صور فقه المعاملات ولكنها في مجموعها لا تعطي التصور لمدى حيوية هذا المفهوم وإمكانيات استثماره. فدخول الوقت سبب للصلاة، وستر العورة أو استقبال القبلة شرط في الصلاة، والحول شرط في وجوب الزكاة، والسرقة سبب في وجوب القصاص، والحيض والنفاس من موانع الصلاة… وغير ذلك. فهذه الأمثلة تحصر خطاب الوضع في حوادث كونية أو أمثلة تاريخية يصعب تجاوزها والبناء عليها أو الإضافة إليها.
وهنا أريد أن أستعرض بعض الأمثلة التي أشعر أنها تمكّن الناظر في أحوال الأمة من استثمار منهجية خطاب الوضع لاقتراح توجهات في المعالجة الواقعية والتخريج القانوني والنظر الديني.
فالظواهر الاجتماعية مثلًا هي من الأفعال الواقعة في الوجود ولا بد من النظر إليها من زاوية خطاب الوضع، فارتفاع نسبة الطلاق في بلد من البلدان ‑بالغًا ما بلغ كرهنا وغضبنا من وقوعه واستفحال أمره- لا بد أن يحملنا على إلغاء أو تعديل فهم جرى العمل عليه في خطاب التكليف، وقد يحملنا على اشتراط أشياء في العقود أو إجرائيات توثيقها وإبرامها أو فسخها غلب على ظننا أنها تقلل من احتمال وقوع الطلاق أو أنها تقلل من الضرر الواقع أو المتوقع على أحد الزوجين. أما النظر إلى ما جرى عليه العمل بشأن تفاصيل عقود الزواج والطلاق وكيفيات إبرامها كأمر ثابت مقرر ‑لا يمكن تعديله- بغض النظر عن ما يجري في الواقع الاجتماعي، فهو النظر المثالي الذي يؤكد فصل الدين عن الحياة وفتح الطريق للعلمانيين للتحكم بتفاصيل النظام الاجتماعي بعيدًا عن مقاصد الشريعة وتزكيتها للحياة. وقد يكون من المفيد هنا الإشارة إلى تحذيرات الشيخ محمد الغزالي رحمه الله في قضية التشدد في إيقاع الطلاق، وأن مواقف المتشددين تفتح باب الفتنة لتنصير قوانين الزواج.
والظواهر الاقتصادية من وجوه الاكتساب وتأمين الكفاية هي من الأفعال الواقعة في الوجود ولا بد من النظر إليها من زاوية خطاب الوضع. فانتشار البطالة والفقر مثلًا قد يكون سببًا في تدابير اقتصادية غلب على ظننا أثرها الطيب في التقليل من هذه الظاهرة ولو كانت هذه التدابير باتجاه معاكس لتوجهات تشريعية وقانونية معروفة ومستصحبة لفترات طويلة.
فمعالجة الملكية للأراضي الزراعية مثلًا ووضع سقف لهذه الملكية وتوزيع الأراضي على من يستطيع استثمارها بشكل يؤمن كفاية الغذاء للأمة ويؤمن فرص العمل أو غير ذلك من التدابير الاستثنائية التي كان سببها وضعًا اقتصاديًا مختلًا تصبح من الواجبات التي سببها الوضع.
وهنا يجب التنبيه إلى أن التدابير التي يتم اتخاذها لمعالجة وضع مختل لا بد فيها من الأناة والحذر ومشاورة أهل الخبرة والاختصاص والتجربة؛ فالنظر الشرعي إلى أي أمر تابع لغلـبة الظن بتحصيل المنافع والمصالح ورعاية المقاصد، ولا ترقى آحاد النصوص والتوجيهات لتكون الحكم النهائي في أية مسألة دون اعتبار النظر الكلي لنوع المصالح التي تندرج تحتها النصوص والتوجيهات.
ومسألة الغلاء والتضخم هي من الظواهر الواقعة في الوجود ولا بد من النظر إليها من جهة خطاب الوضع. فالنظر إلى سبب الغلاء وارتفاع الأسعار هو الذي يحدد طريقة المعالجة، والنظر إلى سبب الندرة وإمكانية التحكم بها أو التأثير فيها بالتسعير أو منع التصدير أو ضبط الاستهلاك أو غير ذلك من الوسائل، هي من الأمور التي كان الغلاء فيها سببًا لأمور تشرع أو تفرض أو تشترط، أو مانعًا من تصرفات كانت مباحة أو تقع في مرتبة العفو في الحالات العادية ولا بد من معالجتها بروح واقعية تعالج المشكلات ولا تتجاهلها، وتقلل الضرر وترعى مقاصد الشارع في تحقيق الكفاية من السلع والخدمات ورفع العسر والحرج.
والتخلف العلمي وسوء الأداء المهني وكل ما يؤدي إلى تخلف الكفاية في جميع مرافق الحياة هو من الأمور التي تضرب جيلًا من الأمة ولا بد من النظر إلى هذا الوضع وما يستوجبه من تصرفات أو أحكام أو تكاليف سببها -الوضع- أو ما يترتب عليه من الشروط التي نتجت عن تخلف الكفاية، أو من الأمور التي تمنع رغم الإباحة الأصلية وذلك لتعلق المصلحة العامة ومقصد تحقيق الكفاية بمنعها ولو إلى حين.
وقد يكون من الأفعال الواقعة في الوجود والتي غيرت وجه العالم، الثورة الهائلة في وسائل الاتصال والمواصلات؛ إذ غدا العالم قرية صغيرة حيث يعلم الناس ما يجري في الطرف الآخر من العالم لحظة بلحظة دون تأخير. فكيف لا يكون مثل هذا الحدث الهائل سببًا في إيجاب بعض الأمور أو تعديل شروط في كثير من الأمور لتكون على خلاف ما كانت عليه قبل هذا الواقع، أو مانعًا من إثبات حكم من الأحكام على الصورة التي كان عليها قبل هذا الواقع الجديد.
إن تجاهل انعكاسات تطور وسائل الاتصال والمواصلات هو فتنة للناس عن دين الله سبحانه وتعالى، تجعل الدين مرتبطًا بزمان ولى وعهود المجتمعات المتناثرة المتباعدة التي لا يدري كل منها ما يجري في الطرف الآخر، فلا ضرر إذا فهمت الأمور على نحو فردي لا مركزي مفتوح. أما استصحاب كل أحكام ذلك الزمان وإنكار أن يكون للوضع الجديد تأثير على مجريات الأمور أو على كيفية تنزيل الأحكام، فهذا هو مصدر الاضطراب والحيرة والحرج في دين الله.
ولا تكاد تنتهي الأمثلة، فمواقع الأفعال في الوجود لا تنحصر ولا بد من النظر الواقعي إلى كل سياق ومقدماته ونتائجه للخروج بنظر شرعي مقاصدي متوازن.
أما أن تنحصر الدنيا بخطاب التكليف وتختزل التكاليف إلى لائحة من الممنوعات والمحرمات، وتترك الأمور في ما وراء ذلك لتكون عمليًا خارج إطار الدين وتكاليف الشريعة -وخاصة إذا وقعت هذه الأمور خارج التجربة التاريخية للعلماء الذين دوّنوا فهمهم للشريعة بما قرروه من أحكام مناسبة لحوادث عصرهم-، فإن هذا بعينه هو ما يؤدي إلى علمانية متبجحة بالعقل والمنطق العملي، تحصر الدين في إطار ضيق من العبادات والطقوس وتطرده من الفضاء الاجتماعي والاقتصادي والسياسي والعلمي. وعندها تتمكن الحرفية -التي لا تعجز عن إخراج نص أو حادثة من جعبة التراث- من تصوير الأمور مهما كانت مناقضة لمقتضى النظر الشرعي المقاصدي وكأنها تمثل الرؤية الدينية الأصيلة.
وهنا أود أن أضرب مثالًا عمليًا واقعيًا لبيان الفساد الذي يعم البلاد والعباد عندما يكون النص الجزئي في مسألة ما هو الذي يطغى على النظر العملي العلمي في مسألة خطيرة مثل مشكلة التصحر.
ففي دراسة لفريق من خبراء الأمم المتحدة لمعالجة مشكلة التصحر، توصلت الدراسة إلى أن إعادة العافية إلى البوادي وإعادة الحياة الطبيعية وكل عناصر البيئة من نباتات وحياة حيوانية مرتبطة بها تكمن في إعادة العمل بنظام "الحِـمى" والذي كان معمولًا به طوال عهود ما قبل الاستعمار الأوربي الحديث. ونظام الحِـمى يخصص مناطق الرعي ويوزعها على القبائل بشكل متوازن، وقد عمل هذا النظام على حماية البادية من ظاهرة الاستئصال بالرعي المسرف الذي يفوِّت الفرصة على إمكانية دوام البيئة واستمرار الحياة فيها.
وقد أثبت الخبراء نجاعة هذا التوجه بتجارب عملية ناجحة أجريت على بعض المناطق في بادية الشام وبوادي الأردن، فعادت هذه المناطق كتلك البوادي الجميلة التي وصفها شعراء الجاهلية وتغنوا بها وهم يصفون مغامرات الصيد والفروسية.
ولا ينتهي العجب من الحال التي وصل إليها المسلمون في فهم شريعتهم وعلاقتها بالحياة عندما يعلم أن من الذين وقفوا في وجه تطبيق نتائج الدراسة لخبراء الأمم المتحدة، ممثلو الكتلة الإسلامية في البرلمان الأردني وكان سلاحهم في موقف الرفض حديث نبوي "الناس شركاء في ثلاث: الماء والكلأ والنار"، حيث يغيب الفهم الكـلي الإجمالي في هذه القضية كما يغيب في غيرها من القضايا، ويغيب الفهم للحديث الذي رواه البخاري "لا حِـمى إلا لله ورسوله" والذي يفهم منه إقرار مبدأ الحِـمى للمصلحة العامة كما روى البخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حمى النقيع وأن عمر حمى السَّرف والـرَّبذة.
فعندما لا يكون هناك أي قيمة للواقع العملي وآثاره المدمرة على البلاد والعباد، فأيّ فتنة في دين الله تزيد على تسمية التجاهل لآلام العباد ومعاناتهم دينًا ودفاعًا عن الشريعة.
* أ. رياض أدهمي، خطاب التكليف وخطاب الوضع محاولة فهم معاصر، مقال منشور بموقع مجلة الرشاد، متاح على هذا الرابط: https://2u.pw/dKyZvD
** كاتب وباحث وشاعر سوري يهتم بالمناهج التربوية وعلم مقاصد الشريعة وفقه الدين والتدين.
أصدرت دار الإفتاء المصرية والأمانة العامة لدور وهيئات الإفتاء في العالم، «وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة»، والتي تمثل واحدة من أبرز مخرجات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، الذي انعقد يومي 2 و3 سبتمبر 2026 تحت عنوان «التحديات الأسرية في ظل التحولات الكبرى: مقاربة إفتائية لحماية الأسرة واستشراف مستقبلها وصيانة الهوية»، تحت رعاية فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي، رئيس الجمهورية، لتقدم الوثيقة رؤية إفتائية متكاملة تنطلق من مكانة الأسرة بوصفها المؤسسة الاجتماعية الأولى والوحدة الأساسية في بناء المجتمع والحفاظ على استقراره وهويته، وتستند إلى ما قرره القرآن الكريم والسنة النبوية من منظومة متكاملة لحماية الأسرة وتنظيم العلاقات داخلها، مع استحضار التحولات الاجتماعية والثقافية والتقنية والاقتصادية والفكرية المتسارعة التي أفرزت تحديات جديدة تستدعي تطوير أدوات الإفتاء وآلياته.
وتؤسس «وثيقة القاهرة» لمنظور متكامل لحماية الأسرة لا يقف عند حدود المعالجة التشريعية أو التعامل مع المشكلات بعد وقوعها، وإنما يمتد إلى بناء منظومة وقائية وإصلاحية تبدأ بتثبيت الأسس الإيمانية والقيمية التي تقوم عليها الأسرة، وتنظيم الحقوق والواجبات على أساس من العدل والتوازن، وتفعيل آليات الإصلاح والوساطة والدعم الاجتماعي، مع جعل مقاصد الشريعة في حفظ النسل وصيانة الكرامة الإنسانية وتحقيق العدل والاستقرار إطارًا حاكمًا للاجتهاد في النوازل الأسرية المعاصرة، بما يقتضي الجمع بين ثبات الأصول وفهم الواقع واستشراف المآلات والنتائج النفسية والاجتماعية والتربوية المترتبة على الفتوى.
وفي مواجهة التحولات الكبرى التي تشهدها المجتمعات، تتبنى الوثيقة معالجة متعددة الأبعاد تستوعب أثر تصاعد النزعة الفردية، وتغير منظومة القيم، وتراجع بعض أنماط التواصل الأسري المباشر، وارتفاع معدلات الطلاق والتفكك، إلى جانب الضغوط الاقتصادية الناتجة عن ارتفاع تكاليف الزواج والسكن والمعيشة والبطالة والديون، بما يدعم الوعي الأسري، ويعزز قدرة الأسرة على مواجهة الأزمات والتكيف مع المتغيرات مع الحفاظ على ثوابتها وقيمها الأساسية.
وضمن هذا الإطار، يحظى التحول الرقمي والذكاء الاصطناعي باهتمام خاص في الوثيقة، انطلاقًا من تأثير المنصات الرقمية ووسائل التواصل والخوارزميات في أنماط التواصل والعلاقات داخل الأسرة، بما توفره من فرص في التعليم والإرشاد والخدمات، وما قد ينتج عن الاستخدام غير المنضبط لها من مخاطر تتعلق بضعف الحوار المباشر وانتهاك الخصوصية والابتزاز الإلكتروني والمقارنات الاجتماعية والتعرض للمحتوى الضار، إلى جانب التزييف العميق والعلاقات الافتراضية والتفاعل العاطفي مع الآلات، مع التأكيد على ضرورة بناء تربية رقمية واعية، وحماية الأطفال والبيانات والخصوصية، ووضع ضوابط شرعية وأخلاقية للتطبيقات المرتبطة بالقرارات الأسرية الحساسة، وعدم الاستغناء عن الإشراف البشري المؤهل في القضايا التي تتطلب تقديرًا شرعيًّا وإنسانيًّا دقيقًا.
وتضع الوثيقة مصلحة الطفل وسلامته في قلب منظومة الحماية الأسرية، بما يضمن توفير بيئة آمنة ومستقرة تكفل احتياجاته النفسية والتربوية والاجتماعية، مع معالجة القضايا المتصلة بالحضانة والرؤية والنفقة والكفالة، ووضع مسارات آمنة للتعامل مع العنف الأسري والإدمان والابتزاز الإلكتروني وغيرها من المخاطر، إلى جانب توسيع مظلة الحماية لتشمل الفئات الأكثر احتياجًا، ومن بينها الأيتام والمكفولون وذوو الإعاقة وكبار السن والأرامل والمطلقات والأطفال المتأثرون بالنزاعات والأسر الفقيرة والمهاجرة، بما يعزز مفهوم المسؤولية المجتمعية المشتركة تجاه الأسرة وأفرادها.
وفي المجال الفكري والحقوقي، تطرح الوثيقة معالجة متوازنة للقضايا المتصلة بالمرأة والأسرة والهوية، من خلال التمييز بين المطالب المشروعة المرتبطة بالكرامة والعدل ورفض العنف والتمييز، وبين التصورات التي قد تؤدي إلى تقويض البناء المؤسسي للأسرة أو تحويل العلاقات الأسرية إلى علاقات مؤقتة تحكمها المنفعة، مع التأكيد على احترام الخصوصيات الدينية والثقافية، ورفض فرض نموذج ثقافي واحد على المجتمعات، واعتماد الدراسة العلمية المتأنية عند التعامل مع الاتفاقيات الدولية ذات الصلة بالمرأة والأسرة، والتمييز بين نصوص الاتفاقيات وتفسيراتها وتوصياتها اللاحقة، مع بيان مواطن الاتفاق أو التحفظ واقتراح البدائل التشريعية والحقوقية الملائمة.
وعلى المستوى الاقتصادي، يمتد هذا التصور إلى تفعيل أدوات الزكاة والوقف والتمويل وبرامج الدعم والسكن، ومساندة الأسر التي تواجه أعباء المعيشة وتكاليف الزواج، والدعوة إلى سياسات اجتماعية تراعي احتياجات الأسر متعددة الأبناء وتدعم استقرارها، إلى جانب إنشاء مجالس استشارية أسرية تضم المتخصصين في الإفتاء والقضاء والتعليم والصحة والتضامن الاجتماعي، بما يرسخ التكامل المؤسسي ويحول دون معالجة قضايا الأسرة بصورة مجزأة.
وتقدم «وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة» في مجملها تصورًا جديدًا لدور الفتوى في حماية الأسرة، ينتقل بها من الاستجابة للمشكلة بعد وقوعها إلى بناء منظومة استباقية للوقاية والتأهيل والإرشاد وصناعة الوعي، ويربط بين التأصيل الشرعي والمقاصدي وفهم التحولات الكبرى والاستفادة المنضبطة من التطور التقني والتكامل مع مؤسسات الدولة والمجتمع والبحث العلمي، بما يعزز قدرة الخطاب الإفتائي على مواكبة القضايا الأسرية المتجددة، ويحافظ على ثوابت الأسرة وقيمها، ويدعم تماسكها واستقرارها، ويؤهلها لمواجهة تحديات المستقبل في عالم سريع التحول.
وتختتم الوثيقة رؤيتها بمجموعة من المسارات التنفيذية الموجهة إلى الحكومات والبرلمانات ومؤسسات الإفتاء والجامعات ومراكز البحث، تشمل مراجعة التشريعات ذات الصلة بالأحوال الشخصية، وتوسيع برامج تأهيل المقبلين على الزواج، وتوفير الدعم الاجتماعي والسكن الملائم، وتعزيز حماية الطفل والأسرة في البيئة الرقمية، وإنشاء وحدات متخصصة في الإرشاد والوساطة الأسرية، وتطوير المحتوى الإفتائي الرقمي، وإطلاق حملات دولية دورية للتوعية بقضايا الأسرة، وإنشاء كراسي ومراكز بحثية متخصصة في فقه الأسرة المعاصر ومقاصد الشريعة وحماية الأسرة، وتطوير المناهج الأكاديمية، وإقامة شراكات بين العلوم الشرعية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلوم الأسرة، إلى جانب اعتماد أدوات علمية لقياس أثر الفتوى الأسرية في مؤشرات التماسك والاستقرار الاجتماعي.
* وثيقة القاهرة للفتوى وحماية الأسرة.. إحدى أبرز مخرجات المؤتمر العالمي الحادي عشر للإفتاء، خبر منشور بموقع دار الإفتاء المصرية، متاح عبر هذا الرابط: https://h1.nu/1E9iQ.
صدر هذا الكتاب عام 1989م عن الهيئة المصرية العامة للكتاب بالقاهرة.
ويدور حول إبراز الجانب الفلسفي والعقلي لعلم أصول الفقه من ناحية وإبراز اتصال علم الأصول بعلم مقاصد الشريعة من ناحية أخرى من خلال حديث المؤلف عن الشاطبي وجهده الذي يراه غير مسبوق في علم المقاصد ونظرته التي توسع فيها عمن قبله من الفقهاء والتي يرى المؤلف أنه بسبب هذه النظرة غير المألوفة للأصول في تناوله وتبويبه؛ لم يعر أحد جهد الشاطبي الاهتمام المستحق لعمله.
ويحتوي الكتاب على مقدمة تمهيدية وسبعة فصول:
يعرض في الفصل الأول حياة الشاطبي من خلال عرضه للبيئة الجغرافية والثقافية والسياسية التي نشأ فيها؛ فالأندلس –بلد نشأته- بلد يميل لليسر والسماحة واللين بطبيعته الجغرافية والثقافية، مما أثر في تكوين الشاطبيِّ وتوجهاته التي تميل لليسر والنفور من التشدد. وسياسيًا كان العالم الإسلامي في عصر الشاطبي (في القرن الثامن الهجري) بصفة عامة يموج بالانقسامات السياسية والمذهبية. ويرى المؤلف أن أهم أثر خلَّفَته الأحداث السياسية في فكر الشاطبي هو أنها وجهته نحو جمع المذاهب الفقهية كلها في وحدة واحدة؛ لأن المسلمين وإن كان اختلافهم السياسي سببًا في ضعفهم فإن الاختلاف المذهبي أيضًا سببٌ في فرقتهم.
ويرصد في الفصل الثاني تأثير علم المقاصد في علم أصول الفقه؛ فهو يرى أن علم الأصول بعد أن اتخذ الشكل العلمي له على يد الشافعي، لم يضع الشافعي معيارًا للرأي والاجتهاد، ومن هنا زادت الاختلافات بين أنصار المذاهب الفقهية، وأصبح علم أصول الفقه وكأنه علم جدلي؛ فكان على الشاطبي أن يضع معيارًا للاجتهاد بالرأي، وكان هذا المعيار هو "مقاصد الشارع"، وينقل عن الشاطبي في هذا قوله: "حال الاجتهاد المعتبر هي ما ترددت بين طرفين وضح في كل منهما قصد الشارع في الإثبات في أحدهما والنفي في الآخر، ولذلك فعلى المجتهد أن يكون عالمًا تمامًا بمقاصد الشريعة على كمالها بالإضافة إلى تمكنه من الاستنباط بناءً على فهمه فيها، فإذا بلغ عن الإنسان مبلغًا فهم فيه قصده في كل مسألة من مسائل الشريعة وفي كل باب من أبوابها، ففي هذه الحالة فقط يحق له أن يحصل على درجة الاجتهاد بالرأي." ويرى المؤلف أن الاختلاف بين هذه المذاهب وتعددها هو اختلاف شكلي؛ فهو إما أن يرجع إل عدم فهم اللغة وطبيعتها أو إلى الميل مع الهوى والرغبة في التحزب، كما يرى أن السبب الحقيقي وراء كل ذلك هو عدم فهم مقاصد الشارع من وضع الشريعة. ولكى نفهم مقصد الشارع؛ علينا مراعاة القواعد التي أقرتها المقاصد لتوحيد المختلفين.
وفي الفصل الثالث يتناول المؤلف علاقة علم أصول الفقه بالعلوم الفلسفية والصوفية من خلال عرضه لموقف الشاطبي من الفلسفة؛ فيرى أن أهل الأندلس كانوا ذوو "عقلية عملية" تحاول الابتعاد عن الأفكار النظرية التي لا تؤدي إلى عمل، وكذلك كان الشاطبي؛ فقد رأى أن الفلاسفة والمتكلمين قد خاضوا في مشكلات خارجة وبعيدة عن الواقع العملي للإنسان، ويرى المؤلف أن التفلسف عند الشاطبي يعتمد بصفة أساسية على رفض الأفكار الميتافيزقية كما يرفض بناء المذاهب بناءً شامخًا بعيدًا عن واقع الإنسان، ولذلك تختلف الفلسفة عند الشاطبي عما عهدناه عند الفلاسفة، فقد رأى أن دور الفلسفة: العمل على ربط الإنسان بواقعه. ويرى المؤلف أن علم الأصول رفع من قدر العقل حتى جعله مناظرًا للشرع في كل أمر، وأن المقاصد وضعت معيارًا للتصوف.
وفي الفصل الرابع يدرس المؤلف منهج الاستقراء المعنوي عند الشاطبي مبينًا طبيعته، ويرى أن هذا المنهج هو المنهج الوحيد الذي يصلح للدراسات الإنسانية، بعد أن فشل المنهج العلمي في تحويل الدراسات الإنسانية إلى دراسات علمية بحتة.
وفي الفصل الخامس يدرس المؤلف الأساس الذي تقوم عليه فكرة القيم في المقاصد؛ فيرى أن المصلحة هي الغاية من وضع الشريعة، وهي تتحقق إذا حافظنا على الضروريات. ويبين أن هناك قيمًا خمسةً ضروريةً ضرورةً مطلقةً، وأن الحفاظ عليها يتم في مراتب ثلاث؛ الأولى هي مرتبة الضروريات، والثانية هي مرتبة الحاجيات، والثالثة هي مرتبة التحسينات وبين العلاقة بين هذه المراتب بعضها والبعض الآخر؛ فالأولى هي الأصل والأساس والثانية مكملة للأولى، والثالثة مجملة ومزينة للأولى والثانية. ثم بين كيف أنها في مجموعها تشكل وحدة بحيث لا يمكن أن نقول بأن هذه أولى من تلك، كما بين أن هذه القيم الخمس هي قيم وسيلية تنتهى بقيمة غائية وهي المصلحة، وهي تختلف عن المصلحة في الاستعمال الدارج لها، وتختلف عن المصلحة التي استعملها "برتراند راسل"، وتتميز بخصائص عدة عن مذهب المنفعة العامة، ومذاهب اللذة في أنها عامة، ولكن ليس معنى العمومية أنها لا تقبل الاستثناء كما هو الحال في عمومية «كانت» وإنما عموميتها هي في أن الاستثناء طالما لا يشكل قاعدة تقف في مقام القاعدة الأصلية فهذا الاستثناء لا قيمة له، كما أنها مصلحة كلية بحيث لا تخص فردًا أو تميزه عن غيره، وكذلك هي مصلحة مطلقة ولذلك أطلق علماء أصول الفقه عليها اسم المصلحة المرسلة.
وفى الفصل السادس درس المؤلف العلاقة بين المصلحة من حيث هي قيمة خلقية وبين النية من حيث ارتباطها بالفعل، وأوضح أن هناك معيارًا يمكن من خلاله أن نميز النية الصالحة من النية السيئة أو الحيلة؛ فلا بد من "معيار تجريبي" يمكن من خلاله الحكم على نوعية النية، ولذلك يرى المؤلف أن الشاطبي ربط بين النية وبين القيم الخمس الضرورية، ورأى أن النية الطيبة تتحقق إذا كان قصد الإنسان من عمله موافقًا لهذه المقاصد، فإذا اتحد القصدان تحققت النية الطيبة وإذا لم يتحدا كانت خلاف ذلك أَيْ نية سيئة. وبيَّن أن هناك نوعًا من التحيل قد يكون مقبولًا وذلك إذا كان يعمل على الحفاظ على القيم الضرورية وهو يختلف عن سوء النية التي أقرها ميكافيلي مبدءًا خلقيًا في سياسته للأمير.
وفى الفصل السابع تكلم عن الامتثال وعلاقته بالفعل، وبيَّن أن الامتثال لا بد وأن يكون ضرورة بحيث لا يمكن أن يحيا الإنسان حياة صالحة دون أن يكون مقيدًا بقواعد يسير وفقًا لها ويعمل من أجلها، وأن هذا الامتثال محكوم بقدرة الإنسان عل القيام بالفعل، وأن هناك حدودًا للقدرة، وما يخرج عن تلك الحدود أطلق عليه علماء الأصول التكليف بما لا يطاق، وبين أن هذا النوع من الأفعال ليس له وجود في الشريعة، ولا يجوز لأن الشريعة قد اكتملت ولا يجوز أن يضاف إليها نصوص جديدة.
وفي الخاتمة يوضح أن من الحقائق المهمة التي يبينها البحث؛ أن الوحي من الناحية التاريخية هو المصدر الذي صدر عنه الأخلاق؛ فقد أوضح أن مقاصد الوحي هي المصلحة العامة؛ وهي أساس التشريع والحالة القصوى الأخلاقية، ويرى أن هذه الحالة -في نظره- لم يكن باستطاعتنا استخلاصها من الوحي مباشرة؛ لذلك يرى من وجهة نظره أنه كان لا بد من تحويل الفكر الديني إلى فكر نظري وأن ذلك لم يكن مستطاعًا إلا من خلال علم أصول الفقه حتى نصل إلى المبدأ العام الذي تقوم عليه فكرة المصلحة. ويبين كيف أن هذه القضايا التي وردت في البحث تكوِّن نظرية في الأخلاق تتميز عن كل النظريات الفلسفية وتهدف إلى إيجاد قيم أساسية مشتركة للحياة.