Print this page

تجديد الخطاب الديني من الحملة الفرنسية إلى الحملة الأمريكية قراءة في قرنين: خطاب الهوية وهوية الخطاب أ. د. سيف الدين عبد الفتاح أ. حازم علي ماهر أ. مدحت ماهر

By تحرير: أ. د. نادية محمود مصطفى، وأ. د. إبراهيم البيومي غانم تشرين1/أكتوير 12, 2023 703 0

 

 جاء هذا البحث ضمن أعمال ندوة “حال تجديد الخطاب الديني في مصر” التي أقامها مركز البحوث والدراسات السياسية، ثم نشرت أعمالها في كتاب من مجلدين، طبعته مكتبة الشروق الدولية (القاهرة) عام 2006، وذلك بتحرير كل من: أ. د. نادية محمود مصطفى، وأ. د. إبراهيم البيومي غانم، ونشر هذا البحث في المجلد الأول (ص69- 170).

وقد جاء في مقدمة البحث ما يأتي:

تكشف متابعة تطور “الفكر المتعلق بالدين: ماهية، ودورًا” والمتجسِّد في صورة “الخطاب الديني” عبر قرنين، في الأمة العربية والإسلامية عامةً وفي مصر نموذجًا، عن عدد من المحدِّدات أو العوامل التي أسهمت في كلَّ مرة بدرجات متفاوتة- في منح هذا الخطاب خصائصه وشاكلته التي تبدّى عليها.

يمكننا من متابعة هذا التطور- اكتشافُ بعض نقاطٍ فاصلة واصلة؛ نقاطِ جدال ثقافي وسجال فكري، تبلورت فيها ألوانُ الخطاب الديني: مرجعياته ومنطلقاته، ومنهجيات احتجاجه وآليات منازعته، وقابلياته ومكناته… الأمر الذي يمكن ترتيبه حسب معيارين: احدهما يتعلق بمجال الخطاب؛ وهو القضايا محل السجال ومحل إنتاج الخطاب وإعادة إنتاجه، والآخر يتعلق بالتطور التاريخي الواصل؛ وهو التطور التاريخي ومحطاته المتكررة أو المتجددة. ويمكن تبيُّن ثلاثة أنماط من اللحظات التاريخية الموضوعية في هذا الصدد:

اللحظات الفارقة: وهي التي تمثل العُقد الأساسية في تطور قرنين من الزمان، واللذين يبدآن بلحظة فارقة مهمة تتمثل في الحملة الفرنسية على مصر (وتقابلها لحظة جبرتية) يتوالى على أثرها عدد آخر من اللحظات الفرقانية التي تفرق بين ماضٍ وآتٍ، وبين موروث ووافد، وبين مقاوم ممانع من جهة ومساير متابع من جهة أخرى، ولعل أهمها اللحظة التحديثية (محمد علي _ إسماعيل- ويواكبها ويكشف عنها خطاب طهطاوي مهم)، ولحظة الحملة الإنجليزية (وتقابلها الحالة العرابية–الوطنية)، واللحظة التغريبية في منعطف القرن العشرين (وتواكبها لحظة نهضوية وتوفيقية الأفغاني وعبده وتلاميذهما ونظرائهم)، ولحظات الاستقلال المنقوص والقاصر (ثورة 1919، ثورة 1952، حركة مايو 1971..)، حتى لحظة الحملة الأمريكية مجددًا.

اللحظة الفارقة تحث الذهن على أن يفرق ولا يغرق ولا تلتبس عليه الأمور؛ أن يقوم بعملية فرقان؛ كحالة من البيان الحق الواضح بلا اشتباه، لحظة فرقان تؤدي إلى فائدة وعي “الكيان”؛ الوعي بالذات وبحال الوهن والضعف المستولي عليها، والوعي بالمكنات والإمكانيات التي تقدمها الذات الحضارية لإعادة مياه الحياة إلى مجاريها (اللحظة النابليونية والحالة الجبرتية). إن اللحظة الفارقة تولد مفارقاتٍ وتصنع مفارق طرق رئيسة.

– اللحظات الكاشفة (قضايا كاشفة): وهي اللحظات الكاشفة لطبيعة القضية نفسها داخل التطور الزمني والموضوعي للخطاب، يتم فيها تتبع التطور أو التجديد في الخطاب والفكر والأداء داخل القضية الواحدة، أثناء اللحظات الفارقة وفيما بينها. فليس معنى “التطور” أن نتمادى وراء المتابعة الزمنية للقضية، ولكن ينبغي أن نقف أيضًا عند لحظات كاشفة تتميز فيها الخطوط الفكرية والتوجهات التجديدية بقدرٍ قلما يتكشف في التطور التالي بعد تلك اللحظات الكاشفة. وبالطبع، يستحيل في حدود هذا المقام المضيّق أن نستقصي كل هذه اللحظات؛ والنسب في هذا المقام الوقوف عند بعض اللحظات الأكثر “كشفًا”.

– اللحظة المقوّمة: وهي اللحظة التي تتبدى فيها استجابات الخطاب النابع المعبِّر عن الذات تجاه الخطاب المقتحم، وتجاه الخطاب التابع، وهي لحظة تدخلنا في ثلاث قضايا مهمة أو ثلاثة أنماط أطرا لمواجهة الخطاب التغريبـي:

 أ- الأطر الناقدة للأفكارِ التابعة الوافدة من نسق معرفي وافد: تعيب غيرها ولا تبني نفسها.

ب- الأطر الدفاعية المقتصرة على الدفاع عن الرؤية التجديدية الذاتية ولا تنتج تجديدًا.

ج- الأطر البنائية للرؤية الإسلامية التجديدية، أو على الأقل الأطر البيانية المبيِّنة لهذه الرؤية (الرؤية البيانية البنائية).

والمقصود في هذا المقام أساسًا هو الرؤية البنائية، والتي في إطارها فقط يمكن قبول الرؤيتين “الناقدة” و”الدفاعية” إذا عملتا في الإطار البنائي، ولا يمكن قبول الرؤيتين الأخيرتين أو الاكتفاء بهما إلا في ظل هذه الرؤية البنائية، أو على الأقل في إطار عملية البيان. إن هذه اللحظات – خاصة المقوِّمة- تمثل الأعمدة لبناء سقف التجديد في الخطاب وتوجهاته، التي تمكننا من أن نستخلص مجموعة “السنن الحاكمة/القوانين المسيِّرة” للخطاب الديني وعمليات تجديده، حيث تتوفر ثلاثة مستويات أو خرائط في هذا الصدد:

  • خريطة رصد الاتجاهات العامة التي تتفارق وتتفتق عنها اللحظات الفارقة الكبرى.
  • خريطة الاتجاهات لكل قضية، والتي تكشف فيها درجات تمثل كل اتجاه لمقولاته ومبادئه وحفاظه عليها وسعيه لتفعيلها وإقرارها.

ج- الخريطة المتشابكة الجامعة للقضايا وللتوجهات حولها (الخريطة الشبكية) (شبكة الخطاب).

وفي مسار البحث عن الأطر البنائية والبيانية، يلاحظ أنه كانت هناك محاولات لإبرازها عبر الأزمات التي مر بها الخطاب الديني.. لكنها لم تكن بالمستوى الذي يسمح لها أن تُحدث حالة من حالات التكافؤ مع الأزمة.. هذه المحاولات قد تُحدث نوعًا من الوعي ولكنه محدود… وقد تُحدث نوعًا من السعي لكنه مؤقت..

لقد أبرزت اللحظات الفارقة افتراقًا بين توجهين أساسين تجاه القضايا والأزمات المختلفة التي عبر عنها تطور الخطاب الديني في الأمة عبر قرنين:

– التوجه العلماني التغريبي الحداثي: بين الإدبار عن الذات والبحث عنها في الآخر.

– والتوجه الديني الإسلامي التأصيلي: أزمة المسلمين والتجديد القاصر والقصير والمقصور.

هذه هي الإشكالية التي لا تريد أن تنفضَّ حتى الآن لغلبة الجانب النقدي أو الدفاعي على حساب الجانب البياني والبنائي في الرؤية التجديدية الإسلامية وخطابها.

من هنا نأتي إلى السؤال الشامل للأطر الثلاثة (البنائي/ الدفاعي/ النقدي) وهو: على أي أرض نقفتجديد الخطاب الديني، مفرق الطرق يعود من جديد مع الحملة الأمريكية؟

إن ما تقدمه متابعة تطور وتجدد الخطاب الديني هو عبرة القرنين وخبرة التفارق والتدافع بين مشروعات العلمانيين ومشروعات الإسلاميين باسم التجديد… ذلك في إطار عملية “تجديد الأمة” لا مجرد “تجديد الخطاب الديني” فقط على نحو ما يراد لنا ضمن الحملة الأمريكية الراهنة على الأمة، فلابد من السؤال الصحيح قبل الجواب الصحيح… لابد من الخطاب الذي يحقق الوعي بالحقائق: يحقق ميلاد مجتمع يتواصل مع أصول وسنن أمة السفينة وسفينة الأمة… إن تجزيئ المسألة بالوقوف عند الخطاب دون الأمة، وبالوقوف عند القضايا فرادى يتامى لا رحم لها ولا أم ولا أمة، إنما هو خضوع للمعايير الأمريكية.

إن هذه الدراسة التي تفتتح متابعتها بدءًا من الحملة الفرنسية، وتتوسط سبيلها حملة إنجليزية، تنتهي بالحملة الأمريكية مجددًا: مفترق طرق وافتراق في الأدوات والأساليب…. ومن هنا نتساءل:

هل سنجدد الخطاب الديني تحت أزيز الطائرات الأمريكية وقصفات صواريخ الهوك؟ ومن سيجدده: هل هم هؤلاء الذين يتواردون الواحد تلو الآخر على “المذبح الأمريكي”؟

إن الأمر في حقيقته لا يمكن إلا أن يستحث الوعي والسعي لاستحداث خطاب ديني يقوم على قاعدة من الممانعة والمواجهة والمقاومة. وهكذا يكون الخطاب الديني لأمة المسلمين. إن خطاب الإقصاء/أو الإخصاء أو “الإسلام منزوع الفتيل” لم يعد له مكان داخل سياج جوانتانامو الكونية الأمريكية… فإن ذلك مما لا يعد تجديدًا بل تبديدًا ونكوصًا؛ فننتقل بذلك من خطاب إحياء الأمة وبعثها إلى خطاب تهدئة الخواطر وتهرئة الخمائر أو تهيئة الأرضية لاستقبال القادم.

وحيث إن الدافع الأساس –وبصراحة ووضوح- لطرح مسألة “الخطاب الديني وتجديده” اليوم هو الأزمة العالمية المحيقة بعالم المسلمين جرّاء الهجمة الغربية الأمريكية منذ الحادي عشر من سبتمبر 2001، فإنه قد يتبدى أن من الواجب علميًا وعمليًا التركيز على عدد من الأسئلة:

– ما دور السياق الإقليمي والعالمي ووعي المفكرين المصريين به، في تحديد خصائص خطابهم الديني، وفي تطورات سجالات تياراتهم حول تجديد الفكر أو إصلاحه؟

– ما هي أنماط هذه السياقات؟ وأنماط الاستجابة لها عبر هذين القرنين؟؛ بمعنى كيف كان للاقتراب الغربي المطّرد -عبر القرنين- من عالم المسلمين: من الالتفاف إلى الاحتلال، آثاره في خصائص هذا الخطاب وسجالاته؟؟ وكيف كان للاقتراب المصري كذلك من الغرب: انتباهًا (الحملة الفرنسية)، ثم مشاهدةً (البعثات) ثم التقاءً واصطدامًا (الموجة الاستخرابية) آثاره؟

– ما أهم القضايا التي أثيرت ضمن “الخطاب الديني” عبر القرن؟ وما المرجعيات التي تساجلت حولها؟ وما مناهج إنتاج الخطاب في كل مرجعية؟ وكيف تطورت كل هذه المحددات للخطاب؟

هذه أسئلة رئيسية دونها أسئلة كثيرة، لكن ما ينبغي التوكيدُ عليه هو أن المناط التاريخي والموضوعي الجامع والمعلِّل للتطور الذي حاق بالمسألة التجديدية عامة وبالتجديد في الخطاب الديني بخاصة، هو أن هذا التجديد جاء متأثرًا بالاحتكاك الحضاري الذي وقع بين عالم المسلمين والغرب؛ حيث صار ثمة تحدٍّ حضاريُُّ مفروض وماثل للعيان ومتصاعد الوطأة مع الزمن، خاصة أن هذا الالتقاء جاء على حينِ انكسارة وترهل في الذات الحضارية، لم تكن عناصر التجدد الذاتي تعمل بنفس كفاءتها المعتادة، كانت مفاتيح التجدد والمواجهة قد علاها صدأٌ ثقيل، وخصائص الذات غير متميزة بوضوح، اللهم إلا عند نفر قليل عزَّ ظهورهم، وكُبّل سعيهم بوطأة الحال وتفشي الوهن في القوم وسراتهم.

لقد كان سبيل التجديد بين خيارين:

  • إما الالتفات إلى الذات وأمرها، وفق قواعد التجدد الذاتي الحضاري الإسلامي؛ بالتفتيش عن مصادر الوهن، وتلمس مفاتيح التجدد النابع، فيكون الصحو من الغفلة، والنهوض من الرقدة، والمضي قدما في سبل الكرامة والتقدم بعد المكوث في الذيل والذل.
  • وإما الالتفات بانبهار ووله وولع إلى الآخر بمنطق المغلوبية والولع بالغالب (وفق السُّنة التي كشف عنها ابن خلدون)، وإدارة الظهر للذات وأمارات العزة والاعتزاز فيها، فيكون التغرب والتغريب، والغرق في الآخر والتبعية له.

إن ناظم المسألة ومناطها هو الوعي بـ”عناصر التجدد الحضاري الذاتي” والسعي بها في البحث عن مخرج من المأزق الحضاري الذي فرضه الاحتكاك بالآخر. إن جوهر الأزمة –كما كشف عنه مسار التجديد عبر قرنين- تمركز في “مناهج التفكير ومناهج التدبير ومناهج التغيير”، وأن بعض الذين أبدوا استعدادًا لتلمس هذه المناهج والعناصر التجديدية قدموا جهودهم ومحاولاتهم إما على نحو “لا يكفي” وإما على نحو “لا يكافئ” المستويات التي كانت أزمة الأمة قد بلغتها.

من هنا يمكن تضمين قضايا القرنين –بل كذلك القضايا التي ستجدُّ من بعد- في هذا الإطار: ضرورة وضوح رؤية إسلامية (حضارية ذاتية) شاملة لعناصر التجدُّد الحضاري الذاتي ومرجعيته والسنن الحاكمة له، وضرورة الجمع بين الوعي العميق بها، والسعي سعيًا غير قاصر ولا جزئيًا ولا ذا علة بما يتبدى في البنية التقويمية للخطاب الديني وأطره. إننا بهذا نقف بين تجديد حقيقي قوامه الذات الحضارية ومكنات التجدد فيها، وتجديد زائف على قاعدة من استبدال الأسس الحضارية للأمة، والرضاء بموقف الذيلية تجاه الآخر (الغرب).

من ناحية أخرى تنطلق هذه الدراسة من فكرة أن “قضية الهوية كانت –ولا تزال- هي القضية الحاكمة لمسار وتطور التجديد والتجدد في الفكر وفي الخطاب الديني عبر القرنين”، حيث بدأ سؤال الوعي بالإشكال الحضاري بمتسلسلة سؤال الهوية المركب من:

  • من نحن؟
  • ماذا نملك؟
  • على أي أرض نقف: الحضارة بين غالب ومنغلب ومغالب؟
  • ماذا نأخذ وماذا نرفض أن نأخذ من الغرب؟
  • إلى أين المسير؟

إن هذه الأسئلة لا بد أن تطرح بترتيبها بما يستقيم معه سؤال النهضة وفق الأولويات والضرورات وفقههما. إن اعوجاج سؤال النهضة وتسممه بنقص الوعي بالذات ومكناتها آل على حالة من الخلل والعطل والعطب، خاصة فيما تبناه التيار التابع المنفصم عن ذاته.

أما التيار النابع فهو لم يكمل متسلسلة أسئلته من جهة، ولم يواجه واقعه بالوسائل المكافئة من جهة أخرى، فظل يتعامل مع القضايا إما تجزيئيًا أو كردِّ فعل، ولم يلتفت إلى أن فضيلة المنظومة الإسلامية الأساس إنما هي في منظوميتها ووحدتها كنسيج لا ينقض غزله وهو على حاله؛ ومن ثم لم يكن ممكنًا تناول القضايا المنبثقة عبر المسير بعيدًا عن نسيجها الحضاري المتماسك. هذا الإغفال -أو هذه الغفلة- كان مجالاً للخطاب التابع ليعيد تسكين القضايا في أطر الآخر وبعيدًا عن الذات. إن سؤال النهضة المسموم وضع التيار النابع من الذات أمام خيارات غير موائمة: بين العودة إلى الذات والبحث فيها عن ماكينات التجدد والممانعة والمقاومة والنهوض ولكن مع الوقوع في فخ الانغلاق والانكفاء بعيدًا عن العصر، وبين الاختيار المضاد؛ كل ذلك لغيبة الوعي بأصول المواجهة الحضارية الجامعة بين الوعي بالذات واستبانة سبيل الآخرين.

لقد عبرت مسيرة القرنين عن حالة من الاشتباك على مائدة قضايا واحدة، لكن بين صفين أو شبكتين من المفاهيم: بين من أراد أن يداوي أزمة الواقع لكن من صيدلية الغرب والهجرة عبر المكان، ومن أراد أن يصنع أدوية الواقع المعتل من خلال الهجرة عبر الزمان. إن هذا يذكرنا بالمقولة الذهبية لابن القيم للجمع بين نوعي الوعي أو الفقه: ” الفقه فقهان: فقه في الأمور الكلية وفقه في الحوادث الجزئية، ولابد أن نعطي الواجب حقه من الواقع والواقع حقه من الواجب”. وهذا مالم يفعله الفريقان إما كلياً وإما جزئياً … حتي جاءت اللحظة اليولوسية لتغتصب الأمرين معاً: الواقع والواجب أو اغتصاب التطبيق.

لقد تجلى هذا السؤال القلب، السؤال النبع، السؤال المنطلق: سؤال الهوية، في عدد من الأسئلة المتولدة والمنبثقة عنه؛ وعلى رأسها “سؤال اللغة”. فاللغة هي الواسطة المؤسسة للهوية، هي التي تمثل “بيان الهوية” وبينتها ودليلها وأمارتها، اللغة هي الرابطة الواصلة، والمميزة الفاصلة، تحدد مساحة الذات وامتداداتها ومتعلقاتها، وتحدد حدود الذات وكيانها اللامِّ لعناصرها، واللغة هي أولى القضايا اتصالاً بالهوية إذ هي أداة الوعي بالذات وأداة التوعية، هي ثقافة وحضارة وتاريخ، وسيرة ومسيرة وسيرورة، هي في الخطاب الفصل وفصل الخطاب: وعاء الهوية ووعيها، ووعاء المرجعية ومنظومة تنتظم نسق القيم الحضارية وتعبر عنها، إن “العبارة اللغوية” ليست مجرد جملة حروف وكلمات صماء، بل هي روح فياضة، عبارة ومعبر وعبور وعبرة، ونسق تفكير ومكنات تدبير وضوابط تغيير.

ومن ثم جاءت الهجمة على اللغة مبكرة مع استهداف الهوية والكيان؛ فمنشور الاستشراق وخطابه والخطاب النابليوني مع اللحظة الفارقة الأولى، مثَّل هذا محاولة بينة لإحداث قدر من التلبيس والتدليس والتسميم اللغوي بالمعنى الثقافي والحضاري الفياض ومقتضياته، كشف هذا الخطاب عن مدخل الزيف بمحاولة حبس اللغة وتسميمها لكي تتحول من القيام بوظائف البيان إلى التورية والتمويه ووحي الزخرف، ومن الإفهام إلى الإبهام والإيهام، ومن البلاغة والبلاغ والتبليغ إلى قلب حال اللغة وتكسير عظامها، فتنتقل من اللغة الفاعلة إلى اللغة المنفعلة، من لغة القرآن التي تصل بالمرجعية والذاتية وتتوسط الطريق بين الحال وذاكرتها والمآل، إلى لغة مسمومة تقطع الطريق على العودة والارتكان إلى ركن شديد.

وعليه يمكن نسج قضايا القرنين وما دار حولها من خطاب وتجديد في إطار وشواهد:

  • أما الإطار فهو المتعلق بالقضايا التأسيسية التي لا تزال أسئلتها مطروحة بعد قرنين: وهي بالأخص قضيتا الهوية واللغة، وهما تعبران عن محددات وتطورات العلاقة بالآخر وتحديد محاور انتماء الذات.
  • وأما الشواهد فهي سائر القضايا التي أفرزها تطور هذا الإطار من قبيل قضية انتماء الدولة المصرية (بين مفرق: الخلافة الإسلامية – الدولة القومية المستقلة، القومية العربية) وقضية تطبيق الشريعة الإسلامية والنظام السياسي للدولة المصرية، ومسألة المؤسسات ذات الطابع العام بين ما يسمى بالتقليدية والمؤسسات المستحدثة (حالة الأوقاف نموذجًا)، وقضية التعليم (بين تطوير التعليم السائد/ التقليدي وتحديث منظومة التعليم بالاستفادة من التجارب الغربية)، ومسألة المرأة (كقضية للتغيير الاجتماعي ونقد الأوضاع والسعي لإدخال تحويرات معينة عليها).

لكن ما ينبغي التوكيدُ عليه فيما تبقى من هذه المقدمة هو الجانب النظري، ويشتمل على أمرين: المقصود بالخطاب الديني، والمحددات النظرية لأي خطاب [بصفة عامة] أو أي خطاب ديني [بصفة خاصة]؟؟

رابط مباشر لتحميل الدراسة

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 07 آذار/مارس 2025 18:18