Print this page

دور الرسول الكريم في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي*

By تشرين1/أكتوير 12, 2023 879 0

إن دور رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي هو دور بارز، عميق الأثر، بحيث تستطيع القول بأن الرسول -صلى الله عليه وسلم- هو الذي أعطي النظام الجنائي الإسلامي -في حدود ما ورد في كتاب الله تعالى- معالمه وأسسه، وحدد المبادئ والقيم التي سيطرت عليه، وبيّن المصالح التي استهدف حمايتها.

ولم يكن دور الرسول في هذا المجال مقتصرًا على الجانب التشريعي، بما أرساه من مبادئ وما وضعه من قواعد. وإنما كان له الدور القضائي البارز، بتطبيقه هذه المبادئ والقواعد على الأقضية التي عرضت عليه. وكان له -صلى الله عليه وسلم- الدور الفقهي كذلك بشرحه وتفصيله ما أجمله القرآن الكريم.

إن دور الرسول الكريم في إرساء معالم النظام الجنائي الإسلامي دور ضخم والحديث فيه يتشعب ويطول. ونرى في هذه الدراسة أن نسرد الأحاديث النبوية الشريفة التي تناولت أسس النظام الجنائي الإسلامي وأرستها.

ونرى تقسيم هذه الدراسة إلى فصول ثلاثة:

الفصل الأول: نعرض فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم العام من النظام الجنائي الموضوعي، أي المبادئ العامة في التجريم والعقاب.

الفصل الثاني: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال القسم الخاص من النظام الجنائي الموضوعي، أي تحديد الأفعال التي تُعد جرائم، والعقوبات المقررة لها.

الفصل الثالث: نتناول فيه المبادئ التي أرساها الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الإجرائي.

الفصل الأول

القسم العام

من النظام الجنائي الموضوعي

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- في مجال المبادئ العامة في التجريم والعقاب المبادئ التالية:

أولاً: مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لعمرو بن العاص حين أسلم: “إن الإسلام يَجُبُّ ما قبله”. ويعني هذا الحديث أنه لا عقاب على ما اقترف في الجاهلية من أفعال صار الإسلام بعد ذلك يجرمها. وتطبيقًا لهذا المبدأ، فإن الرسول لم يحاسب أحدا على فعل كان قد اقترفه في الجاهلية.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد توسع في تطبيق مبدأ عدم رجعية قواعد التجريم والعقاب، فلم يحاسب أحدًا على معصية اقترفها قبل دخوله الإسلام ولو كان ذلك بعد بدء الرسالة. وبناءً على ذلك، فإنه لم يحاسب أبا سفيان وزوجته على إيذائهما البالغ له وكيدهما للدعوة الإسلامية، ولم يقتص عليه الصلاة والسلام من قاتل عمه حمزة بن عبد المطلب، على الرغم من أن هذا القتل قد آلمه أشد الإيلام.

ثانيًا: المساواة بين الناس في المسئولية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذه المساواة التي تكاد تكون مطلقة بين مرتكبي الجريمة، أيا كانت أنسابهم وأحسابهم، في قوله “إنما أهلك الذين من قبلكم أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق الضعيف أقاموا عليه الحد، والذي نفس محمد بيده لو أن فاطمة بنت محمد سرقت، لقطع محمد يدها”.

وقال كذلك “كلكم لأدم، وآدم من تراب، لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى”. وقال أيضًا “الناس سواسية كأسنان المشط”.

وقد أطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ المساواة، إلى حد إنكاره أية حصانة يتمتع بها رئيس الدولة إذا ما اقترف فعلاً تؤثمه قواعد الشريعة الإسلامية.

وطبق ذلك على نفسه، باعتباره أول رئيس للدولة الإسلامية، فقال -صلى الله عليه وسلم-: “أيها الناس من كنت جلدت له ظهرًا، فهذا ظهري فليستقد منه، ومن كنت شتمت له عرضًا، فهذا عرضي فليستقد منه، ومن كنت أخذت له مالاً، فهذا مالي، فليأخذ منه، ولا يخشى الشحناء، فإنها ليست من شأني، ألا وأن أحبكم إلى من أخذ مني حقًا إن كان له، أو حللني فلقيت ربي، وأنا طيب النفس”.

ثالثا: مبدأ شخصية المسئولية، أي عدم جواز مساءلة شخص عن فعل غيره:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ في قوله: “لا يؤخذ الرجل بجريرة أبيه، ولا بجريرة أخيه، ولا يجني عليك، ولا تجني عليه”.

رابعا: تَطَلُّب ماديات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن مادي للجريمة:

أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- هذا المبدأ فقال: “إن الله تعالى تجاوز لأمتي عما وسوست به أنفسها، ما لم تعمل به أو تتكلم”. وقال كذلك: “من همَ بحسنة فلم يفعلها كتبت له حسنة، ومن هم بسيئة فلم يفعلها لم يكتب له شيء”.

ويتصل بالركن المادي للجريمة تقرير الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ صلاحية “الامتناع” أو “الترك” لتقوم به الجريمة، فقال: “من كان عنده فضل ظهر، فليعد به على من لا ظهر عنده، ومن كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد عنده”. ومن هذا الحديث استخلص الفقهاء تجريم الامتناع.

خامسًا: اشتراط معنويات لقيام الجريمة، أي تطلب ركن معنوي للجريمة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تقرير هذا المبدأ: “إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى”. ويعني هذا الحديث أن النية التي تصحب الفعل هي التي تحدد قيمته الدينية والاجتماعية الايجابية أو السلبية. ومؤدى ذلك أن “النية” هي التي تحدد ما إذا كانت تقوم بالفعل جريمة أو لا يقوم به شيء من ذلك. والنية ظاهرة نفسية معنوية، وتطلبها لقيام الجريمة، يعني تطلب ركن معنوي لها.

سادسًا: الاعتراف بموانع المسئولية الجنائية:

أقر الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ الاعتراف بوجود أسباب تحول دون المسئولية الجنائية، على الرغم من ارتكاب الفعل الذي تقوم به الجريمة، فقال عليه الصلاة والسلام: “رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، وعن النائم حتى يستيقظ، وعن المجنون حتى يفيق”، وقال كذلك “رفع عن أمتي الخطأ والنسيان، وما استكرهوا عليه”.

ويخلص من الجمع بين الحديثين أن موانع المسئولية الجنائية التي أقرها الرسول -صلى الله عليه وسلم- هي: صغر السن، والنوم، والجنون، والخطأ، والنسيان والإكراه.

سابعًا: الاعتراف بالدفاع الشرعي كسبب للإباحة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف للدفاع الشرعي بدوره كسبب للإباحة “من مات دون ماله فهو شهيد”، ويستخلص من هذا الحديث أن من مات دفاعًا عن نفسه أو عرضه فهو من باب أولى شهيد. وإذا كان المدافع يعتبر شهيدًا إذا مات دفاعًا عن حقه، فهو بالضرورة إذا لم يمت لا يكون عليه تثريب أو عقاب، بل إن دفاعه يعد فعلاً يحمد له إقدامه عليه.

بل إن الرسول -صلى الله عليه وسلم- قد ارتقى بالدفاع الشرعي من مرتبة الحق إلى مرتبة الواجب.

ولم يقصر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- واجب الدفاع عن نفس أو مال من صدر عنه فعل الدفاع، بل لقد مد نطاقه إلى الدفاع عن نفس أو مال الغير، فقال عليه الصلاة والسلام: “من كشف عن مسلم كربة من كرب الدنيا كشف الله عنه كربة من كرب يوم القيامة”. وقال كذلك “ما من امرئ مسلم يخذل امرءًا مسلمًا في موضع تنتهك فيه حرمته ويقتص فيه من عرضه إلا خذله الله تعالى في موطن يحب فيه نصرته”.

ثامنًا: الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة، ووضع الحدود له:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في شأن الاعتراف باستعمال السلطة كسبب للإباحة “على المرء السمع والطاعة فيما أحب وكره، إلا أن يؤمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة”. وقال كذلك “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”. وقال أيضًا “إنما الطاعة في المعروف”.

وتعني هذه الأحاديث أنه يتعين على المرء أن يطيع الحاكم فيما يأمره به، ويطيع كذلك ممثلي الحاكم، وهم عماله وموظفوه. ولكن لهذه الطاعة حدودها: فإذا كان أمر الحاكم أو ممثليه بمعصية، فلا تجوز الطاعة.

تاسعًا: المبادئ التي تحدد معالم النظام العقابي الإسلامي:

النظام العقابي -بصفة عامة- يتضمن مجموعة القواعد التي تحدد أساليب تنفيذ العقوبات في ضوء أغراض اجتماعية معينة.

وقد أرسى الرسول -صلى الله عليه وسلم- مجموعة من المبادئ الأساسية حددت معالم النظام الإسلامي، وأهم ما يتضمنه من قواعد، وذلك على الوجه التالي:

  1. عدم جواز تعدي العقوبة حدها الأقصى المقرر لها، وعدم جواز أن تقرر لجريمة العقوبة المقررة لجريمة أشد منها:

قال الرسول -صلى الله عليه وسلم- في ذلك: “من بلغ حدًا في غير حد، فهو من المعتدين”. ويعني هذا الحديث أنه لا يجوز أن يوقع الحد من أجل جريمة من جنس الجريمة المقرر لها الحد، ولكنها أقل منها جسامة. وعلى سبيل المثال، لا يجوز أن يوقع حد الزنا من أجل جريمة ماسة بالعرض ولكنها دون الزنا جسامة، ولا يجوز أن يوقع حد السرقة من أجل جريمة اعتداء على المال دون السرقة.

  • عدم جواز تعيير المجرم بجريمته:

أوصى الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعدم تعيير المجرم بجريمته.

ويستخلص من ذلك مبدأ عام يقرر الاعتراف للمجرم -على الرغم من إجرامه- بإنسانيته وكرامته، فقد يكون من شأن ذلك أن يعود إلى الصواب. وقد قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- لمن عيروا مجرمًا بجريمته: “لا تعينوا عليه الشيطان”.

  • العفو عن القصاص:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالعفو عن القصاص حتى يسود الوفاق والمحبة بين الجاني وعائلته وبين المجني عليه وعائلته. فقال “ما زاد عبد بعفو إلا عزًا” وقال أنس بن مالك رضي الله عنه: “ما رفع إلى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أمر فيه قصاص إلا طلب فيه العفو”.

  • دور التوبة في النظام العقابي الإسلامي:

عظَّم الرسول -صلى الله عليه وسلم- من شأن التوبة، وجعلها مطهرة نفس المؤمن من إثمه وماحية عنه وزر جريمته، فقال عليه الصلاة والسلام “إن السارق إذا تاب سبقته يده إلى الجنة، وإن لم يتب سبقته يده إلى النار”.

  • الترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه:

أوصى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- بالترفق بالمجرم أثناء تنفيذ العقوبة فيه، وعدم تجاوز القدر من الشدة الذي وضعه الشارع فيها، فقال عليه الصلاة والسلام “اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه”. ويعد المنوط به تنفيذ العقوبة متوليًا أمر المسلمين في هذا الجانب من جوانب حياة المجتمع الإسلامي.

الفصل الثاني

القسم الخاص

 من النظام الجنائي الموضوعي

تمهيد:

نفصل في هذا القسم القواعد التي أسبغ بها الرسول -صلى الله عليه وسلم- صفة الجريمة على الأفعال التي ارتأى أنها ضارة بالمجتمع أو خطرة عليه.

وهذه القواعد ذات أهمية كبيرة في مجال “التعزير”. والمراد بجرائم التعزير جرائم لم يرد في شأنها حد أو قصاص، وإنما ترك أمر تجريمها لولي الأمر، أي السلطة العامة في المجتمع. ولكن شرط تجريم السلطة العامة لها أن توصف بأنها “معصية”. وكل ما نهى عنه الرسول -صلى الله عليه وسلم- فهو معصية، ويتعين أن يكون -بناء على ذلك- موضعًا للتعزير.

ونجمل فيما يلي أهم هذه المبادئ:-

أولاً: مصالح الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالتجريم والعقاب:

أبرز الرسول -صلى الله عليه وسلم- أهم حقوق الأفراد التي يحميها الشارع الإسلامي بالعقاب، فقال: “كل المسلم على المسلم حرام: دمه، وماله، وعرضه”. وأبرز بعد ذلك تفوق الحق في الحياة على ما عداه من الحقوق من حيث الجدارة بالحماية الجنائية، فقال: “أول ما يقضى به بين الناس يوم القيامة في الدماء”.

ثانيًا: تجريم المبارزة، وتجريم القتل بالرضاء:

وضع الرسول -صلى الله عليه وسلم- مبدأ تجريم المبارزة، فقال “إذا التقي المسلمان بسيفهما فالقاتل والمقتول في النار. قالوا، يا رسول الله هذا القاتل، فما شأن المقتول، قال، فإنه كان حريصًا على قتل صاحبه”.

ومن هذا الحديث يستخلص تجريم القتل بالرضاء، إذ أن القتل الذي يقع أثناء المبارزة هو في حقيقته قتل بالرضاء.

ثالثًا: تجريم شرب الخمر:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في ذلك “من شرب الحمر فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب فاجلدوه، ثم إن شرب الرابعة فاقتلوه”.

رابعًا: تجريم الفتنة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في هذا الشأن “ستكون هنات وهنات، فمن أراد أن يفرق أمر هذه الأمة وهي جميع، فاضربوه بالسيف كائنًا من كان”.

خامسًا: تجريم الرشوة:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن هذا التجريم: “لعن الله الراشي والمرتشي والرائش الذي يمشي بينهما”. وقال كذلك “هدايا الأمراء غلول، وهدايا الأمراء سحت”. وقال أيضًا “ما بال أقوام نستعملهم على ما ولانا الله، فيقول هذا لكم، وهذا أهدي إلي، فهلا جلس في بيت أبيه، فنظر أيهدى له أم لا.

سادسًا: تجريم السب:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم السب: “المسلم أخو المسل لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره”. وقال أيضًا “سباب المسلم فسوق وقتاله كفر”. وقال كذلك “إن من أربى الربا الاستطالة في عرض المسلم بغير حق”.

سابعًا: تجريم شهادة الزور:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في شأن تجريم شهادة الزور “ألا أنبئكم بأكبر الكبائر”، قلنا بلى يا رسول الله، قال “الاشراك بالله وعقوق الوالدين، ألا وقول الزور، وشهادة الزور”.

ثامنًا: تحديد الجرائم المعاقب عليها بالإعدام:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في بيان الجرائم المعاقب عليها بالإعدام “لا يحل دم امرئ مسلم إلا بإحدى ثلاث: الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارك للجماعة”.

الفصل الثالث

النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي

تمهيد:

أرسى رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مجال النظام الجنائي الاجرائي الإسلامي، مجموعة من المبادئ الأساسية. وهذه المبادئ تعد ركائز هذا النظام. وتعتبر في النظام الإجرائي المعاصر أهم المبادئ التي يستند إليها، وأهم ضمانات الحقيقة والعدالة والحيدة في إجراءات التحقيق والمحاكمة والتنفيذ العقابي.

وفيما يلي أهم هذه المبادئ:

أولاً: درء الحدود بالشبهات:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إدرؤا الحدود بالشبهات، فإن كان له مخرج فخلوا سبيله، فإن الإمام أن يخطئ في العفو خير من أن يخطئ في العقوبة”.

ونستخلص من هذا الحديث مجموعة من المبادئ التي تتفرع عن أصل “درء الحدود بالشبهات”، وهذه المبادئ هي:

  1.  تفسير الشك لمصلحة المتهم.
  2.  تقرير أن الأصل في الإنسان البراءة.
  3.  وجوب استناد الإدانة إلى اليقين.
  4.  جواز استناد البراءة إلى الشك.

إن هذه المبادئ الجوهرية التي تعتبر الآن من أبرز معالم النظام الإجرائي الحديث، وأهم ضمانات الحرية والعدالة فيه، قد أوجزها هذا الحديث الشريف في العبارة السابقة التي بلغت صياغتها غاية في الدقة والبلاغة والإعجاز.

ثانيًا: مبدأ التزام القاضي بتحقيق وقائع الدعوى قبل الحكم فيها:

ضرب الرسول -صلى الله عليه وسلم- المثل الأعلى في وجوب أن يحقق القاضي الدعوى تحقيقًا دقيقًا ويتعرف على تفاصيلها قبل الحكم فيها، ووجوب أن يتيح للمتهم كل فرص الدفاع، بل وأن ينبهه إلى وسائل الدفاع التي يمكنه أن يتذرع بها، وأدلة البراءة التي يسعه الاحتجاج بها.

يتجلى ذلك في وضوح حين جاء “ماعز بن مالك” الرسول -صلى الله عليه وسلم- مقرًا بالزنا ومصرًا على إقراره، فلم يسارع الرسول إلى إنزال الحد به، بل قال له “لعلك قبلت لعلك لامست” وأخذ الرسول -صلى الله عليه وسلم- يستفسر منه عن حقيقة فعله، ويسأله عن ظروفه، ويفتح له سبيل الرجوع عن اعترافه.

إن هذا المبدأ الذي أرساه الرسول -صلى الله عليه وسلم- يتضمن توجيهًا وأمرًا إلى جميع القضاة أن يتحروا الحقيقة قبل الحكم في الدعوى، وأن يحققوا وقائع الدعوى تحقيقًا كاملًا. وألا يقبلوا اعترافًا على علاته، وأن ينبذوا مبدأ “الاعتراف سيد الأدلة”، وأن يمحصوا كل جوانب الدعوى، ويفسحوا للمتهم كل أساليب الدفاع، بل وأن يوحوا إليه بوسائل الدفاع وأدلة البراءة.

ثالثًا: مشروعية الدليل:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث، ولا تجسسوا، ولا يغتب بعضكم بعضًا، وكونوا عباد الله إخوانا”. وقال كذلك “إن الخطيئة إذا أخفيت لم تضر إلا صاحبها، ولكن إذا ظهرت فلم تنكر ضرت العامة”. وقال أيضًا “أيها الناس من ارتكب شيئًا من هذه القاذورات فاستتر، فهو في ستر الله، ومن أبدى صفحته أقمنا عليه الحد”.

هذه الأحاديث تتضمن نهيًا صريحًا حازمًا عن التجسس، فهو هي ذاته معصية، وتتضمن كذلك نهيًا عن الحصول على الدليل بالتجسس، أو -قياسًا- بأي أسلوب يتضمن انتهاكًا للحرمات أو هتكًا للحياة الخاصة للمتهم.

ويمكن أن يستخلص من ذلك مبدأ أساسي، مؤداه وجوب أن يبني الدليل على إجراءات مشروعة، وأن يستخلص من مصدر مشروع، وإلا عوقب من حصل عليه بهذا الأسلوب، وكان الدليل في ذاته غير صالح لأن يعتد به.

رابعًا: تطلب شروط في الشاهد تضمن نزاهته وحياده:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في تحديد الشروط العامة المطلوبة في الشاهد کي تقبل شهادته “لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين”.

وهذا الحديث نستخلص منه نظرية عامة، مضمونها أنه لا يجوز للقاضي أن يقبل شهادة أي شخص، بل إن عليه أن يتحرى فيه صفات خاصة تكفل عدله ونزاهته وحياده وموضوعيته.

خامسًا: عدم جواز انتزاع الدعوى من حوزة السلطات العامة، وبصفة خاصة القضاء، بعد أن دخلت فيها:

قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم- “إذا بلغت الحدود السلطان فلعن الله الشافع والمشفع”.

هذا الحديث الذي ورد في الحدود، ويقاس عليها التعزير، يقرر أنه إذا بلغ أمر الجريمة السلطات العامة، ويدخل فيها القضاء بالضرورة، فإن هذه السلطات تصير ملتزمة بأن تنظر فيها وتصدر الحكم الذي تقضي به قواعد الشريعة، وتلتزم بتنفيذ هذا الحكم على من صدر عليه. ويفرض هذا الحديث على الناس جميعًا احترام هذا الالتزام الذي غدت السلطات العامة تحمله، وما يتفرع عن هذا الالتزام من ولاية واختصاص: فمن حاول الافتئات عليه، وانتزاع الدعوى من حوزة السلطات، فقد أثم إلى درجة أنه يستحق لعنة الله كائنًا من كانت منزلته، وأيًا كان قدره.

خاتمة

هذه لمحات من الدور الكبير الذي اضطلع به رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في إرساء قواعد النظام الجنائي الإسلامي وتحديد معالمه واستكمال بنيانه. وإنه لدور عظيم خالد خلود رسالته التي صنعت حضارة إنسانية، هي أعظم الحضارات التي عرفتها البشرية على مدى تاريخها الطويل، ولن تعرف حضارة تفضلها، سواء من حيث القيم الأخلاقية التي قامت عليها، أو من حيث المصالح الاجتماعية التي استهدفت تحقيقها.

وإن هذا التراث العظيم الذي خلفه لنا الرسول جدير منا -نحن أمة الرسول- أن نحله حيث ينبغي أن يكون: تقديرًا واحترامًا، ودراسة وبحثًا، وتطبيقًا لأصوله وقواعده.

جزى الله تعالى رسوله الكريم خير ما يُجزى به نبي عن أمته، ورسول عن قومه، وجعل رسالته نورًا ورحمة، وهدى وخيرًا لأبناء البشر جميعًا.

————————————————————–

* كُتيب نشرته دار النهضة العربية (القاهرة)، عام 1984م.

Rate this item
(0 votes)
Last modified on الجمعة, 27 تشرين1/أكتوير 2023 19:08
موقع حوارات