طباعة الصفحة

المفاهيم النسوية والتحولات الاجتماعية.. رؤية نقدية*

By د. فاطمة حافظ** سبتمبر 21, 2026 110 0

تشهد المجتمعات العربية تحولات جذرية على الصعيد الاجتماعي، متأثرة بعوامل عدة يصعب حصرها، ومن بين هذه العوامل نود التركيز على دور بعض المفاهيم الوافدة التي تنتمي إلى الفلسفة الغربية عمومًا والنسوية خصوصًا، لما لها من تأثير لا يمكن إنكاره إما من خلال المواثيق الدولية الملزمة أو من خلال المعرفة إذ صارت النسوية حقلًا معرفيًا في معظم الجامعات العربية.

 

الفردانية.. مصلحة الفرد تتقدم على الجماعة:

في طليعة تلك المفاهيم «الفردانية»؛ وهو مفهوم جوهري في الفكر الغربي، بل هو فلسفة كاملة يكون التمركز فيها حول الفرد أو الذات وما عداه كالأسرة أو الجماعة أو الدولة يكون هامشًا، والفردانية ببساطة حالة يصبح فيها الفرد مستقلًا ومنفردًا عن الجماعات التي ينتمي إليها، وقادرًا على اتخاذ قرارات استنادًا إلى إمكاناته وقدراته المستقلة عن أفراد الجماعة ودون توجيه منها، ولا يهم إن كانت هذه القرارات تراعي الجماعة أو مصالحها فمصلحة الفرد تتقدم على مصلحة الجماعة.

وقد تأثرت النظرية النسوية بهذا المفهوم واستندت إليه في تفسيراتها للقضية النسائية، فقبل صعود الفردانية كانت المرأة تعرف من خلال دورها داخل الأسرة أو القبيلة (ابنة، زوجة، أم)، ثم جاءت الفردانية لتقدم طرحًا أفادت منه النسوية، وهو أن المرأة فرد قائم بذاته، مستقل تمامًا عن أي إطار عائلي، ولها حقوق تمنح لها بوصفها فردًا مستقلًا له حقوق الأفراد الطبيعيين، مثل: حق الملكية، حق العمل، حق ممارسة العمل السياسي، ثم حق التصرف بالجسد، وما إلى ذلك.

ومع انتقال المفهوم إلى السياق العربي في مرحلة العولمة وما أعقبها، شهدت المجتمعات العربية ظواهر لم تعهدها كانفصال بعض الفتيات عن أسرهن وإقامتهن بمفردهن، وعزوف الشباب عن الزواج «العزوبة الاختيارية»، وتضاعف معدلات الطلاق، والإجهاض، وكلها ظواهر تشير إلى تراجع مؤسسة الأسرة وتنامي الفردية.

في مقابلة الفردانية، تقف الرؤية الإسلامية التي توازن ما بين حقوق الفرد والمجتمع، إذ تعد المرأة إنسانًا كامل الأهلية له كافة الحقوق، ولا يسمح لإرادة الأسرة أن تتغول على إرادتها المنفردة، فتجعل الرضا شرطًا من شروط عقد الزواج بل والعقود كلها من بيع وشراء وهبة وخلافه، لكنها في المقابل لا تسمح بإعلاء المصلحة الفردية على مصلحة الأسرة، فالمصلحة العامة تستبق المصلحة الفردية ولا تهدرها، والحقوق يقابلها واجبات.

 

المساواة.. أهم ركائز النظرية النسوية:

يشكل مفهوم المساواة أهم ركائز النظرية النسوية، وهو إحدى القضايا الخلافية بين المجتمع الإسلامي ومنظومة حقوق الإنسان العالمية، والخلاف لا يتصل بجوهر المساواة، فهو محل اتفاق، وإنما حول حدودها وتطبيقاتها وعلاقاتها بالقيم الكبرى كالعدل والإحسان.

أفضى شيوع مفهوم المساواة في البيئة الإسلامية إلى بروز ظواهر لها تأثيراتها الاجتماعية السلبية، مثل «الزواج المدني»؛ وهو زواج لا يستند إلى المرجعية الدينية، ويقوم على فكرة المساواة المطلقة بين الزوجين، حيث لا مهر ولا ولي ولا تعدد زوجات ولا طلاق بإرادة منفردة من الزوج، ولا نفقة واجبة.

ومن جانب آخر، تسهم المساواة في تقويض بعض الأسر؛ وعلى سبيل المثال، تشير الدراسة التي أعدها معهد الدوحة للأسرة (2024م) إلى أن الأفكار النسوية والرغبة في الاستقلال والمساواة أحد أسباب عدم التوافق بين الزوجين وتفكك مؤسسة الزواج، وهو وإن كان سببًا هامشيًا، وفقًا للدراسة، فإنه لم يكن موجودًا من قبل.

والإسلام، بدوره، يقر بالمساواة، بل يعدها قيمة وجودية، فالبشر جميعًا خلقوا من أصل واحد ونفس واحدة؛ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاء) (النساء: 1)، وهم متساوون في التكاليف الشرعية إذ لا تمييز في التكليف على أساس الذكورة أو الأنوثة، ومتساوون في الجزاء على الأعمال (الثواب والعقاب)، وهذا لا ينفي أن بعض الاستثناءات المحدودة تطرأ على هذا الأصل المساواتي، فثمة حقوق تتمتع بها النساء كحق المهر والنفقة، ويقابلها حقوق يتمتع بها الرجال كحق الطلاق وحق الرجعة، وما إليهما.

يفهم من هذا أن الرؤية الإسلامية للمساواة تغاير مثيلاتها الغربية، ويمكن إجمال الفروق بينهما في بضع مسائل:

أولها: أن المساواة بمعنى التماثل ومحو الفوارق بالكلية تتعارض مع فكرة الثنائية الكونية، فالنظام الكوني الذي صاغه البارئ جل شأنه قائم على فكرة الثنائية أو الزوجية؛ (وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ) (الذاريات: 49)؛ كالليل والنهار والسماء والأرض، والخير والشر والحق والباطل أو النور والظلام، كما في الفلسفات القديمة، وهي تتعارض أيضًا مع مبدأ «التعددية» التي يحتفى بها عالميًا، إذ تفترض المساواة أن الخلق جميعًا كل واحد لا اختلاف بينهم.

وثانيها: الإقرار بالاختلاف لا يعني أفضلية الرجال ودونية النساء، وذلك لأن المساواة بينهم تسوية وجودية في أصل الخلق والتكليف والجزاء، ويترتب عليها تفريعات تشريعية جلها قائم على المساواة سوى بعض الاستثناءات.

 

وثالثها: أن المساواة تقتضي شروطًا من أهمها عدم السماح للاستثناءات بالتأثير على القاعدة المساواتية التي أقرها الخالق سبحانه في كتابه، وذلك لأن الأحكام الفرعية أو الجزئية ينبغي لها أن تؤثر في القاعدة.

ورابعها: ارتباطها بمفهوم العدل، وهو قيمة إسلامية كبرى تندرج في إطارها مفاهيم كثيرة من بينها المساواة، وبهذا ليست المساواة مفهومًا مستقلًا يدور في فلك وحده، إنما مفهوم تابع لمفهوم العدل، والعدل يقتضي أحيانًا التمييز لصالح أحد الطرفين لأسباب تتعلق بتفرغه لأداء مهام لا يستطيع أن ينهض بها الطرف الآخر، أو لعجزه عن الوصول إلى الموارد وخاصة الاقتصادية، أو للالتزامات الزائدة، وما إلى ذلك من أمور تقتضي التمييز حتى يمكن تحقيق العدل.

وخامسها: أن إقرار المساواة المطلقة -ونعني تحديدًا المساواة الحسابية- ربما أضر بالنساء بأكثر مما يفيد؛ إذ تحرم النساء من مكتسباتهن (الصداق، نفقة الزوجية، المؤخر، نفقة الرضاع)، وتوضع عليهن التزامات بعضهن -بل الكثيرات- غير مؤهلات لتحملها؛ إذ ما زالت النساء في البوادي والبيئات التقليدية غير مؤهلات لولوج مجال العمل، فلا تستطيع الإفادة من هذه المساواة سوى المرأة العاملة التي تستطيع الوصول إلى الموارد، أما غير المؤهلات فلا يستطعن تحمل أعباء هذه المساواة.

يقودنا هذا إلى الادعاء أن المساواة في المنظور الإسلامي تختلف عن المنظور الغربي النسوي، فهي مفهوم مستقل عن غيره من المفاهيم ويتقدم عليها، بل هو مفهوم تابع في فلك العدل، يدور معه ويتقيد به، فإذا فارقه لم يعد للمساواة معنى، وهو كذلك يرتبط بمفهوم آخر وهو الإحسان الذي جعل منه البارئ عز وجل مفهومًا مهيمنًا على الحياة الأسرية، وهي القاعدة المعبر عنها لدى الفقهاء بقولهم: «الفضل لا المشاح»؛ أي المنازعة.

إن هناك حاجة لفحص المفاهيم التي يروج لها ويراد لها أن تصبح إطارًا يؤطر الحياة الأسرية في العالم الإسلامي، بأن تقارن بالرؤية الإسلامية، فما اتفق معها لا بأس بقبوله والإفادة منه والبناء عليه والإضافة إليه، أما ما تعارض معها فلا حرج في الاستغناء عنه؛ إذ لا حاجة لنا به، ففي المنظومة الإسلامية غنى وسعة، وعلى الباحثين جهد التنظير لها وتحويلها إلى نظريات لها أدواتها ولها أطر تنفيذية وطرحها بديلًا للمنظومة الغربية النسوية.

 

* د. فاطمة حافظ، المفاهيم النسوية والتحولات الاجتماعية.. رؤية نقدية، موقع مجلة "المجتمع" الكويتية، متاح عبر هذا الرابط: https://h1.nu/1EafE.

** د. فاطمة حافظ، باحثة في التاريخ مختصة بالتشريع الإسلامي وتاريخ القانون. نائب رئيس موقع "حوارات الشريعة والقانون".

قيّم هذا المقال
(0 أصوات)
آخر تعديل بتاريخ الإثنين, 21 سبتمبر 2026 09:46